اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
استنادًا إلى معايير سروش نفسه، فإن تغيير ذاتيات الإسلام كشخصية النبي والخاتمية يعني خروجًا من الدين. ويُظهر فحص نظرياته الأخيرة أن مشروعه الفكري قد أفضى، بدلًا من قراءة جديدة، إلى تأسيس دين جديد.

في الجزء الأول من مقال “سروش النبي“، شرحت بالتفصيل نظرية سروش في النبوة وأدلة نبوته التي هي النتيجة المنطقية لتلك النظرية وادعاءاته الشخصية. وفي الجزء الثاني، سأشرح أدلة اختراع وتأسيس دين جديد من قبل سروش.
كما شرحت سابقاً بالتفصيل، كان المشروع الفكري لسروش في السنوات الأخيرة هو التأسيس التدريجي لدين جديد. بالطبع، يعتقد البعض أن نتاج عمل سروش، مهما بلغت المسافة الجوهرية بينه وبين المعتقدات الإيمانية والعملية لدين الإسلام، يمكن بل ينبغي اعتباره جزءاً من الإسلام. فما قام به ليس في الواقع سوى قراءة جديدة لدين الإسلام لها جذور ونظائر في التاريخ الإسلامي. وعليه، فإن السؤال المطروح هو: هل أن نطاق التحولات والتغييرات التي تطرأ على دين ما، أينما مضت، تبقى ضمن صلب ذلك الدين، أم أنها منذ لحظة معينة تولد ديناً جديداً، يمتلك هوية مستقلة رغم بعض تشابهاته مع الدين الأصلي، وينبغي اعتباره ديناً جديداً. هنا، يمكن بالطبع مناقشة المعايير التي تميز الإسلام عن غير الإسلام على سبيل المثال. لكنني أريد هنا أن أطرح نقاشي حول مشروع سروش لصناعة الدين في إطار افتراضات سروش نفسه حول التمييز بين الدين وغير الدين. لذلك، سواء اتفقنا مع معايير وإطار سروش حول الإسلام والمسلمانية من جهة، وما يعتبر خروجاً عن الإسلام والمسلمانية من جهة أخرى، أم لم نتفق، فمن الإنصاف أن نقيم مشروع سروش بنفس المعايير التي يقبلها هو شخصياً على الأقل.
أولاً، يعتقد سروش نفسه أن إعادة بناء الدين والتحول فيه يمكن أن يصلا إلى نقطة تدخلنا إلى ميدان تأسيس دين جديد. من وجهة نظره، قد يخرج المسلم أيضاً من دائرة المسلمانية منذ لحظة معينة. لذلك، يوجد من منظور سروش تمييز ذو معنى بين الدين وغير الدين، أو بين المسلمانية وغير المسلمانية. وكأن ثمة حدوداً من وجهة نظر سروش، إذا تجاوزناها، نكون حتماً قد خرجنا عن نطاق ذاك الدين المعين.
ثانياً، يقسم سروش نفسه الدين (وليس المعرفة الدينية) إلى ذاتي وعرضي، ويعتبر حد الخروج من الدين هو تجاوز ذاتيات الدين، ويعد التغيير في هذه الذاتيات تأسيساً لدين جديد: "الذاتي في الدين، تبعاً لذلك، ليس عرضياً، والدين بدونه لا يكون ديناً، وتغييره سيؤدي إلى نفي الدين. ذاتي الإسلام هو ما لا يكون الإسلام إسلاماً بدونه، وتغيره سيؤدي إلى ظهور دين آخر."[1] وهكذا، لا يعتقد سروش أن أي تحول جوهري في الإسلام جائز من منظور إسلامي، وأن ادعاءاتنا ستبقى إسلامية أينما مضينا ما دمنا قادرين على مواءمة ذائقة المسلمين مع تلك الادعاءات الجديدة. من وجهة نظر سروش، إذا تجاوزنا حدود الذاتيات، نكون قد خرجنا عن حدود الإسلام، وربما نكون قد أسسنا ديناً جديداً.
ثالثاً، يعتقد سروش أن "شخصية النبي" و"الإسلام العقائدي" هما عين ذاتيات الإسلام. يكتب: "حسب ظني، المسلم هو من يجعل في أحكامه الكتاب والسنة وشخصية نبي الإسلام مرجعاً، فقط لا غير... أصل مرجعية الكتاب والسنة شرط لا مناص منه للتدين"[2]، و"كما أسلفت فإن شخصية النبي وكتابه وسنته هي ذاتي الدين"[3]. من وجهة نظر سروش، يمكن أن تكون هناك آراء مختلفة حول ذاتيات الإسلام. لكن إذا أدت هذه الآراء إلى نفي ذاتيات الإسلام، فسيخرج الفرد من دائرة المسلمانية: "وهذه الآراء ما دامت لا تؤدي إلى نفي تلك المحاور، فإنها لا تخرج الفرد من دائرة الدين"[4]. ويصرح بأن "الإسلام (وكذا أي دين آخر) إنما هو إسلام بذاتياته... والمسلمانية رهن الالتزام والاعتقاد بالذاتيات... وكل ذاتي ضروري".[5]
رابعاً، يعتبر سروش في "بسط بسط تجربه نبوي" (بسط التجربة النبوية) أن نفي النبوة هو عين نفي الدين: "إذا نفى أحد نبوة النبي، فقد نفى الدين". وفي الموضع نفسه يعرّف مفهومه للنبوة (الذي يرى أن نفيها هو نفي للدين) على النحو التالي: "أعتقد أن الله يصطفي من بين الخلق أناساً، ويمنحهم صفة النبوة لما لديهم من استعدادات وخصائص، يقرأ في آذانهم أخبار الغيب، ويكلّفهم بمهمة اجتماعية."[6]
خامساً، يعدّ سروش في خريف عام 1373 "الخاتمية" من ضروريات الدين، ويكتب في هذا الشأن: "أصل الخاتمية مقبول لدى جميع المسلمين، وهو أحد ضروريات الدين وأركان الفكر الإسلامي، ولا خلاف فيه من هذه الجهة."[7]
وعليه، فإن بعض التغييرات في الدين تعني، من وجهة نظر سروش، الخروج من الدين واختراع دين جديد. فإذا غيّر أحد ذاتيات الإسلام بحيث لم يبقَ منها شيء، فإنه، وفقاً لاعتقاد سروش، يكون قد اخترع ديناً جديداً. والسؤال إذن هو: هل غيّر سروش، خلال السنوات الأخيرة، "ذاتيات" الإسلام في مشروعه الفكري تغييراً أدى إلى نفيها؟
دعونا نفحص بعض المعتقدات "الذاتية" للإسلام ونرَ أي تصور جديد قدمه سروش عنها:
أولاً- يعتقد سروش أن إله محمد والقرآن هو "إله متشخّص، أنثروبومورفي، سلطاني، متكلم، شارع".[8] لكن الصورة التي يقترحها سروش عن الله هي، بتعبيره، "المطلق اللا صوري" أو "الإله اللامتشخص، اللا أنثروبومورفي، اللامتكلم"، إله يعتقد سروش أن مولوي استعار صورته من البوذية.[9]
ثانياً- يعتقد سروش أن عقيدة المعاد هي أساس الدين، وبدونها يفقد الدين معناه: "أصلاً، إذا لم تكن هناك حياة أخرى، فلا معنى للدين. الأديان، من حيث المبدأ، لم تأتِ من أجل هذه الدنيا، بل أتت من أجل الدار الآخرة. لو لم تكن آخرة، لما كانت هناك حاجة إلى دين... كان تعليم مسألة المعاد من أهم أركان النبوة، ولم يكن كلاماً من فروع رسالة النبي بحيث يريد أن يذكره للناس مبهماً ومجملاً."[10] يعتقد سروش أنه وفقاً للصورة التي يطرحها محمد والقرآن عن المعاد، فإن جميع البشر يتمتعون بحياة شخصية بعد الموت.[11]
وهو يقرّ بأنه وفقاً لتعاليم القرآن، فإن جميع البشر يمتلكون روحاً، وبالتالي يتمتعون بحياة شخصية بعد الموت: "إِذَا سَوَّیْتُهُ وَنَفَخْتُ فِیهِ مِنْ رُوحِی: فإذا سويته ونفخت فيه من روحي" [الحجر، 29]، "كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَهُ الْمَوْتِ وَ نَبْلُوکُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَیْرِ فِتْنَهً وَ إِلَیْنا تُرْجَعُونَ:كل نفس ذائقة الموت، ونبلوكم بالشر والخير فتنة، وإلينا ترجعون."[الأنبياء، 35].
غير أن سروش يعترض على هذه الصورة أيضاً. ويشير في معرض اعتراضه إلى نقطتين: النقطة الأولى أنه يعتبر القرآن كله، وخصوصاً صورة القيامة في القرآن، نتاجاً لأحلام محمد، أحلام هي من صُنع محمد نفسه ونابعة من لاوعيه. أي أن سروش يعتقد أن محمداً كان له "فاعلية تامة وكاملة" في بناء جميع تلك الصور الأخروية. فمعنى النار والماء والشمس... في الحلم ليس مماثلاً لمعناها في اليقظة. الحلم الذي هو نتاج فاعلية الحالم نفسه، لا يعني بالضرورة أن محتواه يقع وقوعاً موضوعياً خارجياً في عالم الواقع واليقظة. ولهذا السبب ينبغي أن تُؤول الأحلام على يد محللين نفسيين. أما النقطة الثانية فهي أنه حتى لو كانت الحياة الشخصية بعد الموت ممكنة، فإن سروش يُرجّح روايته وقراءته الخاصة لتصور بعض الفلاسفة والعرفاء المسلمين على ما يسميه هو نفسه "التصور القرآني". فهو يعتقد أن نوادر من البشر فقط هم من يستطيعون مواصلة حياتهم الشخصية بعد الموت. يرى سروش أن البشر في حياتهم الدنيوية يحتاجون، بالإضافة إلى الجسد المادي، إلى "الجان" (بتعبير مولوي). لكن "الجان" ليس إلا من مقومات بقاء الإنسان الدنيوي. أما ما يحتاجه الفرد لاستمرار حياته الشخصية بعد الموت فهو "الروح" أو "النفس الناطقة". لكن سروش يعتقد أن نوادر من البشر فقط هم من يمتلكون "الروح" أو "النفس الناطقة"، وهؤلاء النوادر وحدهم هم من ينعمون بالقيامة والحياة الشخصية بعد الموت. وهو يعتقد أن غالبية البشر يفتقرون إلى المعاد والحياة بعد الموت. فعندما يحين موتهم، تنتهي حياتهم ويصيرون تراباً ويتفرقون.[12]
وبالطبع يقر سروش بأنه لا يوجد فيلسوف أو عارف مسلم يقول بمثل هذا الرأي، بل هو الذي يستنبط هذا الرأي من أقوالهم غير المصرح بها.
ثالثاً- لا تختلف قصة الوحي والنبوة كثيراً عن ذلك. ففي تصور محمد ووفقاً للرواية القرآنية، فإن إلهاً مشخصاً آدمياً متكلماً، قد اصطفى فرداً (هو محمد) ليكون نبياً، وأوحى إليه برسالته (أي القرآن) عن طريق مَلَك (هو جبريل)، وكلفه وأمره بأن يبلغ تلك الرسالة إلى الناس أجمعين دون أي تدخل أو تصرف فيها. ويعتقد سروش نفسه أن صفة "النبي" خاصة بالأديان الإلهية الغربية. أما في الأديان الشرقية غير الإلهية التي تفتقر إلى إله مشخص آدمي متكلم (مثل البوذية)، فلا محل لتعبير "نبي"، بل ينبغي استخدام تعبير "مؤسس" بدلاً منه: "نحن نعتبر الدين قائماً على مؤسسيه، الذين نسميهم أنبياء. في الأديان غير الإلهية، اسم "النبي" ليس اسماً لائقاً، وينبغي أن نستخدم مثلاً اسم "المؤسس". البوذيون أنفسهم يستخدمون كلمة بوذا في شأن بوذا، والتي تعني الشخص المستنير. فعندما بلغ بوذا النور والاستنارة صار لقبه 'بوذا'."[13]
لكن يبدو أن منظومة سروش الفكرية تؤدي في نهاية المطاف إلى نفي النبوة بمعناها القرآني. ذلك أن إله سروش، من منظوره، لا يمكنه أن يصطفي أحداً ليكون نبياً. فإله سروش ليس متكلماً، وبالتالي لا يمكن أن تكون له أقوال، أو رسالة، أو كتاب ليبعث به بعد ذلك إلى أحد، ويطلب من ذلك الفرد تبليغ تلك الرسالة. وعليه، إذا قبلنا إله سروش (وهو إله، بشهادة سروش نفسه، أقرب إلى إله البوذية [والهندوسية في الواقع])، فإنه لا ينبغي لنا حينئذ أن نعتبر محمداً "نبياً"، بل سيكون تعبير "المؤسس" أليق به.
رابعًا- لقد شهد تصوّر سروش للقرآن أيضًا تحوّلًا جذريًا. فمن وجهة نظره، رأى محمد أحلامًا، وقرّر بنفسه أن يُطلع الآخرين على تلك الأحلام (أي القرآن). ومن سوء الطالع، وفقًا لاعتقاد سروش، فإن تفسير محمد لأحلامه غالبًا ما كان خاطئًا وغير دقيق. فعلى سبيل المثال، اعتبر محمد أحلامه خطأً أنها كلامٌ أُوحي إليه من إله متشخّص أنثروبومورفي متكلّم شارع.[14] وحصيلة أحلام محمد (أي القرآن)، بتعبير سروش، هي نصّ مضطرب، حافل بالتناقض والخطأ. إن قرآن محمد هو "خوف نامه جهادی بردگی" (كتاب رعب جهادي للعبودية) ينبغي أن يُعبَّر عنه من قبل معبّري الأحلام – أي المحللين النفسيين وعلماء الأنثروبولوجيا. لقد كان "تفسير" كتاب أحلام القرآن من قبل المسلمين عبر التاريخ خاطئًا، وينبغي لمعبّري الأحلام أن "يُعبّروا" كتاب أحلام القرآن.
خامسًا- كان "ختم النبوة" أيضًا من جملة أحلام محمد. لكن معنى "ختم النبوة" في الحلم واليقظة ليس واحدًا بالضرورة. لقد جلس سروش في مقام فهم المفهوم القرآني لـ"ختم النبوة" بصفته معبّر أحلام وقام هو نفسه بتعبير ذلك الحلم المحمدي. ووفقًا لتعبير سروش المعبّر للأحلام للتعليم القرآني "ختم النبوة"، ينبغي بعد محمد أن يصل آخرون ويكتشفوا نقاطًا جديدة لم تكن موجودة في دين محمد، وبهذا يرتقون بـ"الكمال الأقصى" لشريعة محمد إلى "الكمال الأقصى".[15] ومن هنا تحديدًا يطرح سروش دعوى نبوة مولوي. وفي مقابل الوحي المحمدي (أي كتاب رعبه الجهادي للعبودية) يطرح كتاب المثنوي بصفته وحيًا جديدًا ويسميه "عشق نامه غير جهادی آزادگی" (كتاب عشق غير جهادي للحرية). إن مولوي من وجهة نظر سروش واجد لجميع شؤون النبوة، وبالتالي فإن تعليم "ختم النبوة" من وجهة نظر سروش قد انتهى.
سادسًا- سروش الرسول: لكن إذا كان نطاق النبوة بعد محمد لا يزال ممتدًا وباب الوحي لا يزال مفتوحًا، فأي دليل لدينا لنعتبر أن النبوة والتجربة الوحيانية قد انتهتا عند مولوي؟ لماذا يبقى كرسي النبوة شاغرًا بعد مولوي؟ خصوصًا أن سروش يعتقد أن دين مولوي، رغم مزاياه البارزة، له جوانب بالية ومهترئة ينبغي إعادة بنائها وفقًا لمعطيات العالم الحديث. إذا كان موسى وعيسى ومحمد ومولوي على حق، بفضل رؤية الصورة اللا صورة – في الحلم – في أن يتجاوزوا التمركز حول النص ويمنحوا صورتهم الخاصة لموضوع تجربتهم ويبنوا دينهم الخاص[16]، فلماذا يُحرم سروش، الذي يرى نفسه واجدًا لتلك التجربة، من ذلك الحق؟ إذا كان إله القرآن باطلًا، وفقًا لاعتقاد سروش، وينبغي أن تحل محله صورة الأديان الشرقية عن الله، وإذا كان التصور القرآني للنبوة باطلًا، وفقًا لاعتقاد سروش، وأن النبي لم يجد في نفسه "شعورًا بالمهمة والرسالة" من قبل الله بل بدافع حسّ داخلي، وإذا كان القرآن، وفقًا لاعتقاد سروش، ليس سوى أحلام محمد، وإذا كان كل التراث النبوي (أي مجموع الأحاديث والروايات)، وفقًا لاعتقاد سروش، باطلًا ومزيفًا برمته – إلا في حالات استثنائية جدًا[17]، وإذا كانت ظاهرة "ختم النبوة"، وفقًا لاعتقاد سروش، قد انتهت، وإذا كانت أحكام الشريعة، وفقًا لاعتقاد سروش، تنتمي بالكامل إلى صدر الإسلام – إلا في حالات استثنائية[18]، أفلا يكون قد حدث تحول جذري بما فيه الكفاية في "ذاتيات" دين الإسلام يمكننا بموجبه أن نتحدث عن الخروج من ذلك الدين وتأسيس دين جديد؟ إذا أجاب أحدهم على هذا السؤال بالإيجاب، فهل يكون قد قدم تفسيرًا خاطئًا تمامًا وناشئًا عن غرض ومرض لآراء سروش؟
النهاية
يوصي الكاتب القراء الكرام لهذه المقالة توصية أكيدة بدراسة هوامش هذه المقالة بدقة للاطلاع عن كثب على نصوص عبارات عبد الكريم سروش.
[1] بسط تجربه نبوی، ص 34.
لقد تحدث سروش في موضع آخر أيضًا عن احتمال مجيء أنبياء جدد ودين جديد. يقول:
“الأنبياء كما كانوا حتى الآن، وكما نعرفهم ويُظهر لنا الاستقراء، كلٌّ منهم دعا إلى دينه الخاص، وقبلوا من الأديان الأخرى بقدر ما كانت تنسجم وتتوافق مع دينهم، وبالقدر الذي كانت تسمح به المشتركات، منحوا أتباع الأديان الأخرى حق الوجود أو نصيباً من الهداية [الحصرية الدينية في مقابل التعددية الدينية]. وقد بلغت النبوة، وفق اعتقاد المسلمين، مرحلة الختمية. وبالتالي لا مجال لافتراض آخر [أي افتراض أن الأنبياء السابقين كانوا تعدديين]. أما إذا ظهر أناس لاحقاً وقدّموا شكلاً آخر من الدين، فيمكننا أن ننتظر المستقبل، على أية حال، للماضي حكاية أخرى” (عبد الكريم سروش، صراطهای مستقیم، صراط، ص ١٤١).
[2] “بسط بسط تجربه نبوی”، ص ٥.
[3] “بسط بسط تجربه نبوی”، ص ٦.
[4] “بسط بسط تجربه نبوی”، ص ٥.
[5] بسط تجربه نبوی، ص ٣٠.
[6] “بسط بسط تجربه نبوی”، صص ٧ و ٩.
[7] عبد الكريم سروش، مدارا و مدیریت، ص ٣٨٧.
[8] يقول سروش:
“لدينا أوصاف عن الله في القرآن تبدو بشرية للغاية. عندما نقول إن الله رحيم، فهو يرحم. والرحمة من الأفعال التي نقوم بها، ومن العواطف التي نتحلى بها نحن البشر. عندما نقول إن الله يغضب، فنحن نقرأ في صلواتنا اليومية: “غَیْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَیْهِمْ وَلَا الضَّالِّینَ: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين” [الفاتحة، 7]. إذن فالله يغضب أيضاً، لديه غضب. ورد في القرآن: “فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ: فلما أغضبونا انتقمنا منهم” [الزخرف، 55]. من أغضبوا؟ من انتقم؟ هل يغضب الله؟ هل هو منتقم؟ والكثير من هذه الأوصاف نجدها في القرآن. أو مثلاً “اللَّهُ یَسْتَهْزِئُ بِهِمْ: الله يستهزئ بالكافرين” [البقرة، 15]. أو “وَمَکَروا وَمَکَرَ اللَّهُۖ وَاللَّهُ خَیرُ الماکِرینَ: هؤلاء المسيئون، المذنبون، المخالفون والمنكرون يمكرون، والله يمكر بهم مقابل مكرهم” [آل عمران، 54]. ويظهر الله هنا بصورة الماكر. ثم في مواضع أخرى نجد أوصافاً أخرى، مثلاً في يوم القيامة وكأن الله جالس على العرش: “وَیَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّکَ فَوْقَهُمْ یَوْمَئِذٍ ثَمَانِیَهٌ: الله جالس على العرش وثمانية من الملائكة واقفون تحته، يحملون العرش على أكتافهم ويأتون به إلى مشهد القيامة” [الحاقة، 16]. الإله الذي يمتلك الوجه الغالب في القرآن، الوجه الغالب، هو إله أنثروبومورفي (متسم بصفات البشر) وسلطاني. ذُكرت له أحوال وأوصاف إنسان، وأحوال وأوصاف سلطان. سلطان قاهر، مقتدر، بل إن عموم المتدينين يرون المنظومة الإلهية كمنظومة وبلاط سلطاني. هؤلاء الملائكة كأنهم موظفون وخدم خاصون لله. ومن الوحي يستنتجون الشيء نفسه، أنه يرسل هؤلاء الملائكة كمبعوثين من قبله إلى هذا النبي أو ذاك، أو يكلفهم بأن يصبوا العذاب على قوم، ويأتوا بالرحمة لقوم آخرين مثلاً. لقد بنينا لله تصوراً شديد الشبه بالنموذج الذي لدينا عن السلطنة والسلاطين على الأرض... هذه التوبة والغفران والمغفرة في حضرة الله، مبنية بالضبط على نموذج نظام سلطاني... وكما قلت، فإن الآيات القرآنية والأدبيات الدينية تغذي وتقوي هذا النمط من النظرة بشكل كبير. والآن إذا خرجتم من القرآن ورجعتم إلى الروايات والأحاديث الشائعة والمنتشرة في الأدبيات الدينية، فإن هذا النوع من النظرة يصبح أشد كثافة... يأتي الله إلى الجنة، ويسلم على أهل الجنة، أو يكرم أنبياءه كثيراً، تماماً مثل الوضع الذي لدينا في هذا العالم، تصوروا ليلة توزيع جوائز الأوسكار، حين يدخل الضيوف... بعضهم يكونون ضيوفاً أعزاء جداً” (“عبادة الإله بلا صورة“، سبتمبر 2015، الدقيقة 23-16).
يقول: صورة القرآن عن العلاقة بين الإنسان والله، هي علاقة العبد والمولى. يقول: نظرية “أحلام محمد”:
"إنها نظرية صُنعت من أجل عالم، وتليق بعالم يكون الله فيهimpersonal، أي ليس شخصاً… أنا بالطبع أُسلِّم بأننا لو عدنا إلى النص [القرآن] نفسه، فلربما لا نجد هذا الرأي [الإله غير الشخصي] فيه… ثم إذا عدنا إلى النص… نجد أن الله أرسل أحداً، له نبي، هو حامل رسالته… هذا فهم رعوي لله… الكل رعاة… نحن نتصور الله بوصفه شخصاً جالساً في مكان ما، على العرش مثلاً، وله ذهن يعمل ويفكر ويفهم، وندعوه فيتخذ قراراً بناءً على دعائنا، أو يستجيب أو لا يستجيب، يرفض أو يقبل، يتغير رأيه مثلاً، ويكون يوماً في مزاج حسن ويوماً في مزاج سيئ، وما شابه ذلك. حسناً، لا يمكن نسبة هذه الأحوال إلى الله، للسبب نفسه الذي تقول به حتى الكلاميات التقليدية من أن وجود الله لا متناهٍ ولا محدود، وأن الثبات قائم في ذاته، فلا تُنسب إليه كثير من هذه الأحوال، حتى الدعاء بهيئته المتعارفة التي نمارسها هو، على كل حال، صورة كاريكاتورية من الدعاء. بمعنى أننا لو آمنا بإله لا يغير إرادته ولا رأيه، فعلينا حينئذٍ أن نعيد النظر في كل هذه الأمور. على أية حال، الافتراض المسبق لهذه المقالات هو إله غير شخصي، إله impersonal ، يمكننا التعبير عنه بوصفه وعياً كونياً، أو لنقل روحاً لا متناهية تسري في كل جسد العالم. وعيٌ يشمل كل شيء، هكذا يمكننا أن نعبّر. وكما يقول مولانا، هو روح العالم… ميتافيزيقانا هي ميتافيزيقا الوصال، لا ميتافيزيقا الفراق. أي أنه لا انفصال بين الله وخلقه، لا من أي وجه، ولا من أي جهة، ولا بأي معنى من المعاني. وهذا الوصال هو وصال تام وكامل، لا وصال مجازي ولا وصال ناقص، ليس الأمر كذلك" (طريقة تعبير الرؤيا الرسولية، ديسمبر 2014. الجزء الأول، الدقيقة 15-25 ).
[9] إله سروش، شأنه شأن سائر معتقداته، واقع في شراك تعارضات وتناقضات جمة. لديه صفحة يجيب فيها على الأسئلة. ففي إجابات السلسلة السابعة عشرة يكتب:
"الإله بلا صورة هو الإله الحقيقي".
هذا صحيح، فهو منذ سنين يدافع عن إله مطلق اللا-صورة ويقول إن الله حقيقةً وواقعاً هو مطلق اللا-صورة. لكنه إزاء الأسئلة والنقاد، يغير موقفه بسرعة، وفجأة وبشكل مذهل ترى إلهه يتحول إلى "إله مشخصن حيواني". ففي السلسلة التاسعة عشرة من إجابات الأسئلة، يسأل ناقد:
"سؤال سجاد: إذا كان الله، وفق معايير القرآن، سيلقي بعبد في نار جهنمه، فهل يمكن أن نسأل الله: يا رب، لم نكن نحن موجودين ولم يكن هذا طلبنا، فلماذا خلقتنا أنت ثم وضعتنا في عقودك الدينية حيث نملك القدرة على ارتكاب الذنب، ومن ثم تلقينا في نار غضبك؟ من قال لك أن تخلقني بينما كان احتمال السقوط في جهنم قائماً؟ لم أكن موجوداً، أنت من وهبتني الوجود ثم تعذبني؟ كان العدم خيراً من الوجود في جهنمك… أعرف أن هذا سؤال من إله مشخصن إنساني (كما يقول مصطفى ملكيان) لكن سؤالي لك هو: هل المعاد والمساءلة على النحو الموجود في عرف المجتمع؟ أم لا؟ ".
جواب سروش: "ليس لدي جواب سوى ما قاله مولانا: في كف أسدٍ ضرغامٍ سفاك للدماء/ هل من حيلة سوى التسليم والرضا؟؟؟ ".
هذا يعني "الإله المشخصن الحيواني". هو في الإبستمولوجيا يدافع عن مذهب التماسك، لكن ثمة تعارضات وتنافرات جوهرية بين دعاواه الدينية الرئيسية.
[10] "تعبير المعاد في نظرية الأحلام الرسولية"، 21 أغسطس 2015، 39-41.
[11] سروش در خرداد ۱۳۹۳ در “محمد راوی رویاهای رسولانه (۵): شبی بر نشست از فلک در گذشت” نوشته بود: “و معاد قرآن بسط معاد معراج است، به تفصیلی که در مقال دیگر خواهد آمد”. وعده او این بود که با مقاله معاد این سلسله مقالهها را پایان بخشد. در سخنرانی “تعبیر معاد در تئوری رویاهای رسولانه” میگوید: این بخش آخری که وعده داده بودیم اینجا عرضه میکنم تا بعد مقالهاش را بنویسم :
“از دو سال پیش من به نوشتن یک رشته مقالاتی دست بردم تحت عنوان “رویاهای رسولانه” که در این نوشتهها که تاکنون پنج قسمت آن منتشر شده و قسمت ششم آن باقی مانده و انشاء الله قلمی خواهد شد، نکتهای و نظریهای را آوردم که با نظریه ارتدکس، نظریه جاری در میان حکیمان و مفسران مسلمان تفاوتهایی دارد. و همین تفاوتها پرسشهایی را هم برانگیخت و همچنان بر میانگیزد و البته مرا به پاسخ گفتن ملزم میدارد. خوشبختانه این سخنان در امروز مقدمه مشوقی خواهد بود بر این که من بخش ششم این نوشته را هم هر چه زودتر روانه مطبوعات و بازار کنم و آن تئوری را به کمال خود برسانم و تکمیل کنم” (“تعبیر معاد در تئوری رویاهای رسولانه” در ۱۹ آگوست ۲۰۱۵، دقیقه ۲-۴).
در واقع در این جلسه بخش آخر مدعای “خوابهای محمد” هم طرح شد و نکتهای باقی نمانده که افرادی در انتظار پایان آن هستند. بخش آخر در باره یک سوم کل آیات قرآن- یعنی معاد- بود که در این جلسه هم توضیح داده شد که همه را محمد در خواب دیده است. به معنای دقیق تر، همه تصاویر زندگی پس از مرگ را خودش در خواب ساخته بود.
[12] سروش میگوید:
“پارهای از آدمیان، نه همه شان، از اینجا راهها جدا میشود، هم فیلسوفان و هم عارفان این را میگویند. با آموزههای دینی کمی تفاوت دارد. پارهای از آدمیان یک روح دیگری دارند. که آن روح در واقع همان نفس ناطقه است. و آن روحی است که میماند. ولی خیلی از آدمیان روحی که باقی بماند ندارند حقیقت اش. یعنی بعد از مرگ از بین میروند که میروند. هیچی ازشان باقی نمیماند. و لذا بنابر تعلیماتی که عارفان و فیلسوفان دارند همه مردم محشور هم نمیشوند. همه شان معاد هم ندارند. از همه بازخواست هم نمیشود. هیچ کدام. میروند و از میان میروند. عده کمی هستند که اینها نفس ناطقه دارند، یعنی قدرت تعقل عالی دارند. اون قدرت تعقل در درجات عالی است که آدمی را به حقیقت آدمی میکند. یعنی از افق حیوانی ارتفاع میبخشد و بالاتر میبرد و واجد نفس ناطقه میکند. آن نفس ناطقهای که معیار آدمیت است و همان است که مسئول واقع میشود مورد سئوال واقع میشود، حشر دارد، نشر دارد، جهنم دارد، دوزخ دارد، و الی آخر. والا بقیه،….، بی آنها هیچ کاری ندارند. کسی کاریشون ندارد. میآیند و، “آمد مگسی پدید و ناپیدا شد”، از بین میروند، یک حیات حیوانی سادهای دارند، یا یک حیات نباتی ساده ای، بعد از آن هم خبری از چیزی نیست. خب همین جاهاست که دیگر مسئله یک مقدار دقیقتر میشود. حالا بگذارید سخنان مولانا را در این باب خدمت شما بگویم. او تصریح به این مطلب نمیکند. هیچ فیلسوفی تصریح به این مطلب نکرده است. من نتایج سخن شان را میگویم. شما منتظر نباشید که فیلسوفان خودشان یک حرفی را بزنند، نتایجش را هم خودشان بگیرند و به شما بگویند. مقدمات را میگویند، شما باید استنباط بکنید. نکردید هم نکردید. خودتان میدانید. ولی استنباطش با شماست…این چنین نیستش که هیچ حکیمی گفته باشد که همگان حشر ندارند، اما وقتی که شما ادله آنها را در باب نفس، در باب روح میخوانید، و این که دقیقاً چه کسانی روح دارند، اون روح عالی انسانی را، و چه کسانی ندارند، متوجه میشوید که لازمه سخنشان این است که همه برخوردار از اون نفس، و اون نفس ناطقه عالی نیستند” (“شرح مثنوی- دفتر نخست- جلسه دهم“، دقیقه ۳۳-۳۸).
يضيف سروش أن مولوي ينظر إلى البشر كبناء من طابقين، طابقه الأول الجسد وطابقه الثاني الروح أو النفس. ثم يتساءل: هل كان مولوي يعتبر جميع البشر على هذا النحو – ذوي روح ونفس؟ ويجيب قائلاً:
"لا أعتقد أن مولانا كان يصر على القول بأن الجميع على هذه الشاكلة. هل يتمتع الجميع بالنفس الناطقة؟ لا أعتقد أنه كان يملك مثل هذا الإصرار. انظروا، أحد الأدلة التي يسوقها ملاصدرا لإثبات وجود الروح هو إدراك الكليات. أي أن الإنسان يستطيع إدراك الكلية. هذا صحيح. والآن أصغوا. المرحوم العلامة الطباطبائي، الذي كان فيلسوفاً كبيراً، كان يقول في أواخر عمره إنه بدأ يفكر مؤخراً أنه صار بوسعه إدراك الكليات. فإذا كان إدراك الكليات بهذه الصعوبة حتى يبلغ فيلسوف هذه الدرجة في أواخر عمره، فماذا عسانا نقول نحن؟ وإذا كان دليل وجود الروح متوقفاً على إدراك الكليات، فمن ذا الذي يمتلك روحاً في هذا العالم إذن؟ ومن لا يمتلكها؟ أما حساب ذلك واستنتاجه فمتروك لكم" ("شرح مثنوی- دفتر نخست- جلسه دهم"، الدقيقة 66-65).
إذا ما نظرتم إلى كلام سروش في الجلسة السابقة لهذه الجلسة، أو كلامه قبل عام، فسترون أن رأيه الفلسفي والديني بشأن الحياة بعد الموت يعاني من تعارضات وتناقضات جوهرية. انظروا بدايةً إلى كلامه في العام الماضي:
يقول سروش بصراحة إن جميع ظواهر آيات القرآن تدل على المعاد الجسماني، وإن جميع المفسرين منذ القدم كانوا يفهمون الآيات على هذا النحو. لكن أياً من الفلاسفة المسلمين لم يستطع القبول بالمعاد الجسماني، لأنه يتنافى مع الأصول الفلسفية. إذ تبرز شبهة الآكل والمأكول. أي:
"إذا أكلت الوحوش شخصاً في الصحراء، فكيف يجمع الله أجزاءه بعد ذلك؟ ثم إذا أكل ذلك الحيوانَ حيوانٌ آخر، وأكل ذلك الحيوانَ حيوانٌ آخر، فيصير جزء من بدن شخص جزءاً من أبدان عدة أشخاص، فكيف ينبغي حل هذه المعضلة؟ كانت لديهم مشكلات كثيرة. لكنهم كانوا يقولون: قال النبي، وقال القرآن، ونحن نصدق" ("تعبیر معاد در تئوری رویاهای رسولانه" في 19 أغسطس 2015، الدقيقة 60).
بحسب قول سروش، فإن الحياة الشخصية بعد الموت تصطدم أيضاً بالمشكلة الفلسفية لامتناع التناسخ، ولا يمكن أن تكون دعوى صادقة. يقول:
"قيل إن الروح تعود إلى البدن في المعاد. ومن هنا تبدأ المشكلة. يقول ملاصدرا إن عودة الروح إلى البدن هي عين التناسخ، والتناسخ ممنوع وممتنع. ويقول إن التناسخ ليس هو أن تعود الروح إلى البدن مرة أخرى في هذا العالم فحسب، بل إن عودة الروح إلى البدن مطلقاً هي تناسخ. أينما كان ذلك، لأن الأصل الفلسفي لا يقبل الاستثناء. وهؤلاء الذين يعتقدون أن الروح تعود إلى البدن يوم القيامة يكونون قد قالوا بالتناسخ دون أن يدروا. والتناسخ أمر مستحيل من الناحية الفلسفية. إذن فهذا الطريق مسدود أيضاً. فماذا نفعل إذن؟ خلاصة تدبير ملاصدرا هي أن المعاد من جنس عالم الرؤيا، لا من جنس هذا العالم المادي... إنه يعتقد أن عالم القيامة من جنس عالم الرؤيا. لا أننا نحلم، بل هو من ذلك الجنس. الموجودات هناك من جنس الموجودات الرؤيوية" ("تعبیر معاد در تئوری رویاهای رسولانه" في 19 أغسطس 2015، الدقيقة 65-64).
يقول سروش إن ملاصدرا كان يعتبر أحد افتخاراته أنه حل مسألة المعاد الجسماني. لكن الجماعة العلمية من المؤمنين اعتبرت نظريته "احتيالاً" وكانوا يقولون:
«نعم، لقد فعلت ذلك، لكنك قضيت على المعاد. لقد قضيت على المعاد الجسماني. كان (الملّا صدرا) يقول لا، أنت ترى الجسد حتى في المنام. حين تراني في المنام، هل ترى روحي أم تراني بهذه الهيئة الجسمانية ذاتها؟ قالوا له: أنت تحتال علينا. صحيح أننا نرى الجسد في المنام، لكنه ليس ذلك الجسد الموجود في الخارج» (“تعبير المعاد في نظرية الأحلام الرسولية” في 19 أغسطس 2015، الدقيقة 66-65).
وبعد عام، يقول سروش في هذا الشأن إن إعادة المعدوم أمر ممكن، وإن وجود الروح لا يلازم الحياة بعد الموت بأي وجه. يقول:
«قصة الجان والتن عند مولانا وعند العرفاء. أما عند فلاسفة الماضي فلعلها معلومة إلى حد ما. قلّما يقول أحد اليوم بالجان والتن أو النفس والبدن، ولا سيما في عالم العلم. حسنًا، بالنظرة المادية السائدة، الإنسان هو هذا البدن فحسب، الإنسان هو هذا الدماغ، وهذه الأعصاب، وهذه الفسيولوجيا الخاصة التي لديه، وليس هناك جان أو نفس أو روح تبقى بعد الإنسان. وكلما تقدموا في علوم الأعصاب هذه يومًا بعد يوم، ازدادوا رسوخًا في هذا الاعتقاد. لست أخوض في بحث فلسفي بهذا الشأن، لكن السابقين، كما تعلمون جميعًا، لم يكونوا يعتقدون ذلك. كانوا قلة جدًا أولئك الذين اعتقدوا أن لا جان للإنسان ولا روح، وأنه هذا البدن فحسب. كانوا موجودين، لا أنهم لم يكونوا. كانوا موجودين بين المسلمين أيضًا. وأشير مرة أخرى، رغم أن لا صلة مباشرة له ببحثنا، إلى أن عدم اعتقادنا بالجان أو النفس لا يخلّ بالمعاد البتة. أولئك الشيوخ من المعتزلة الذين قالوا إن لا جان للبشر، كانوا يقولون إن الإنسان يموت ثم يوم القيامة يحييه الله من جديد. لا أن له روحًا تبقى. يُبعث حيًا من جديد والمعاد يعني إعادة المعدوم أو إعادة من فارق الدنيا، ولم تكن لديهم أية مشكلة مع هذا الأمر، والروح على أية حال ليست من ضروريات الدين. إن قولنا بوجود الروح والنفس للإنسان قد دخل الأديان عبر الفلسفة في الأغلب. وإلا فإن كون الإنسان موجودًا خلقه الله، ثم يفارق الدنيا، ثم يُبعث من جديد ويُحيا، هذه من الضروريات التي لا تلازم البتة وجود الروح أو عدم وجودها. لكنهم على أية حال كانوا يظنون أن للإنسان جانًا غير البدن، حسنًا، كانت هذه فكرة قوية جدًا وشائعة وراسخة بين الفلاسفة والعرفاء وبين المتدينين والجميع» (“شرح المثنوي – الدفتر الأول – الجلسة التاسعة“، 28 أغسطس 2016، الدقيقة 60-57).
والآن قارنوا دعواه الأخيرة هذه حول النفس الناطقة والحياة بعد الموت بآرائه في عام 1373 هـ.ش. هناك، يستشهد بآراء ابن سينا والملّا صدرا لإثبات هداية وخلاص أكثرية البشر. ينقل عن ابن سينا والملّا صدرا أن أكثرية البشر في الحياة الشخصية بعد الموت هم أهل رحمة وعافية ونجاة، وأن أقلية تقع في عذاب غير أبدي (عبد الكريم سروش، مدارا و مديريت، ص 395-390). والسؤال الآن: هل من منظور فلاسفة مسلمين كابن سينا والملّا صدرا، أن لجميع البشر قيامة وحشرًا ونشرًا أم لفئة قليلة منهم فقط؟ هل لهم جميعًا أرواح أم لأقلية منهم فقط؟ تُظهر أقوال سروش المنقولة أنه يغيّر آراء الفلاسفة والعرفاء المسلمين وفقًا لتغير مدّعياته هو.
[13] صراطهاي مستقيم، ص 174.
[14] يقول سروش إن محمدًا، لكونه عاش في الفضاء الميتافيزيقي اليهودي-المسيحي، فقد أخطأ في تفسير أحلامه وظن أن الله كلّمه في منامه. يقول: “لكن لا شيء من هذا يمنعنا من التساؤل: ما معنى ما كان يراه النبي في تجربته، من أن هذا الكلام أو الوحي السمعي-البصري يأتي من علة وقوة اسمها الله؟ لقد قال النبي إن هذه هي نواتج ذلك الوحي. هذا القرآن الذي بين أيدينا. وكان فهمي [محمد] أيضًا أن شخصًا، قوةً، لا صورة له كما يقول العرفاء، يعلّمني هذه الأشياء. حسنٌ. حتى هنا الأمر صحيح. هل انتهت القصة؟ كلا، لم تنتهِ. أولاً: ما الدليل على أنه صادق؟ حسنٌ، نحن نفترض ذلك إيمانيًا وهو ليس موضع نقاشنا الآن أساسًا. ثانيًا: بافتراض صدق النبي، ما هو المعنى الدقيق لهذه الظاهرة؟ أعني أن يشعر شخص بأن إلهًا، لا صورة له، يكلمه وأن هذا الكلام الذي يسمعه يأتي من طرفه. كلامنا ناظر إلى الجزء الأخير. ولهذا السبب قلت لكم إنكم لو سمعتم هذا الكلام من بهاء الله لما أعرتموه اهتمامًا لأنكم لا تعتقدون بصدقه، لأنكم تقولون قال ما قال، وما شأننا به. لذا لا يمكننا أن نقف عند هذا المستوى. فلنمضِ قدمًا. ثم إننا نعلم أن النبي حين كان يتلقى الوحي السمعي والبصري، كان في حالة من اللاوعي أو شبه الوعي، هذه ظواهر نعرفها ويجب أن نذهب إليها… لقد قال النبي صراحة: هكذا أفهم أن هذا القرآن يأتيني من مكان ما. ونحن نقبل ذلك لأننا نعتقد بصدقه. لكن القصة لا تنتهي هنا. نريد أن نعرف كيفية وآلية هذا. ما معنى أن شخصًا في حالة اللاوعي أو شبه الوعي أو في حالة النوم، يشعر بأن أحدًا يتكلم في أذنه؟ يمكن طرح عشرات النظريات هنا. يمكن طرح عشرات النظريات حول معنى هذه الظاهرة إذا حدثت في ذات الإنسان؟ وكيف يمكن تفسيرها. لقد قلنا إن عارفًا مثل محيي الدين بن عربي قال إنه حين رأى النبي إبراهيم في منامه أنه قيل له اذهب واذبح ابنك، فقد أخطأ في تأويل منامه. إذن يمكن أن يخطئ المرء في تأويل المنام، حتى لو كنت نبيًا. أو لدينا في القرآن أن الله أرى النبي جيش العدو في المنام قليلاً، لكي لا تفقدوا جرأتكم وتضربوا في قلب العدو. لو أراك إياهم عددهم الحقيقي لفشلتم، ولضعفتم ولانهزمتم. حتى بشأن منام رآه النبي نفسه، يقول القرآن لاحقًا إن هذا المنام لم يُؤوَّل تأويلاً صحيحًا، مع وجود حكمة بالطبع في هذا الخطأ. كان من المعاصي المباركة إن صح التعبير… يمكنكم أن تستخدموا التفاسير الحديثة التي يقول بها المحللون النفسانيون وغيرهم من أن كل هذا من جنس اللاوعي نفسه. ويمكنكم أن تستخدموا تفاسير عرفائنا القدامى التي اعتمدت عليها أكثر. ما هي تفاسير عرفائنا القدامى؟ أحدها ما يقوله مولانا. والآخر ما يقوله ابن الفارض. وكلاهما يقولان تقريبًا الشيء نفسه وقد عاشا في سنوات متقاربة زمنيًا. يقول مولوي: “أنت حين تذهب في النوم/ تذهب من قِبَل نفسك إلى قِبَل نفسك”. حين تنام تذهب من قِبَل نفسك إلى قِبَل نفسك. أي، بعبارة أكثر فلسفية، تذهب من مرتبة وطبقة من وجودك إلى طبقة أخرى من وجودك. حينها تتكلم أنت مع نفسك. أنت تعطي صورة لذلك المتكلم. ثم يقول إنك لست واحدًا، بل لك طبقات شتى، تذهب من طبقة إلى أخرى. حسنًا، انظروا هذا هو تفسير مولانا. لقد اعتمدت على هذا التفسير أكثر. وابن الفارض يقول بالضبط الشيء نفسه: إننا نتكلم مع أنفسنا، ونتمثل في صورة… هذه في الواقع سيرورة يقوم بها الإنسان في ذاته. والذين يعبّرون الأحلام يفكرون بهذه الطريقة أيضًا. أي أنهم لا يأتون ليقولوا إن شخصًا جاء من الخارج وقال لكم أشياء” (طريقة تعبير الرؤيا الرسولية، ديسمبر 2014. الجزء الثاني، دقيقة 33-26 ).
[15] يعد سروش، في إجاباته على أسئلة السلسلة الرابعة، السائلين بأنه سيبدأ قريبًا بتعبير القرآن كرؤيا. يكتب:
“سيأتي الدور على تفسير القرآن إن شاء الله… أمّا الآن، فأكثر الثمار نضجاً هو أنّه بناءً على نظرية الحلم، لا يدلّ القرآن بالضرورة على المعاد الجسماني، وهذا ليس بإنجازٍ يسير”.
[16] أوضحنا من قبل أن الله لا يدخل في منام أحد، ولا يرى نبيّ أو عارف في منامه الإله الذي لا صورة له، بل إن الرائي نفسه هو من يُري نفسه في المنام على هيئة الإله الذي لا صورة له. يقول سروش:
“هذا الكلام نفسه قلته بالطبع بخصوص القرآن… أيظنّ النبي أن الله تكلّم بلسانه أم أنه هو نفسه من تكلّم حقاً، حينما كان غارقاً في وجود الله؟ …انظروا حيث يقول مولانا: ’أنتِ مرآةٌ نقشُكِ فيها انعكاسُ غيرِك/ بينما أنتِ منفصلةٌ عن كل النقوش‘ هنا تفهمون بدقة، يعتبر مولانا معشوقه بمنزلة مرآة يرى فيها نفسه. لذا حين يتحدث مع معشوقه الذي هو مرآة، ولأنه يرى نفسه أيضاً في المرآة، فكأنه يتحدث مع نفسه، حينئذٍ إذا تكلمت المرآة، ولأن انعكاسه فيها، يظن أنه هو الذي يتكلم، وهذه نقطة بالغة الأهمية. في الواقع، إني أطرح عليكم الأساس النظري للمسألة، وهو أنه إذا وقف كائنٌ أمامك كالمرآة، فإن تحدثك معه يجعل الخطيب والمخاطب يندمجان في بعضهما، فلا يُعرف أيهما المتكلم وأيهما المستمع… الله دائماً ما يكون للإنسان بمنزلة المرآة، أي أن كل شخص يرى نفسه في الله. قليلٌ من يرى الله نفسه، فالله نفسه عديم اللون، ولذا لا يُرى. أما نحن فلأن لنا لوناً، فعندما ينعكس لوننا في المرآة، نحن نرى ذلك اللون ونُخطئ ونظن أن هذا هو الله. إله كل شخص على قدر قامة ذلك الشخص. ويتجسد في حدود طاقته ويتشكل ويتقيد” (“ليلة في جوار الشمس“، الجلسة الثالثة، الدقيقة ١١-٧).
[17] على سبيل المثال، يقول سروش:
“أصلاً، إن كنتم تسمعون مني، فكلما صادفتم حديثاً فاجعلوا الأصل فيه أنه باطل ومختلق، إلا أن يثبت خلافه. كل من عمل في عالم الحديث وله دراية به يصدّق كلامي. لأن الروايات غير الصحيحة وغير الصائبة، التي اختُلقت حتى من قِبل أصدقاء الإسلام أحياناً، لا تُحصى ولا تُحدّ، وقد عرّف بها المحدّثون أنفسهم”.
“أولى السير التي كُتبت عن النبي كانت بعد ١٥٠ سنة من وفاته، وكل ما كان قد نُقل صدراً عن صدر، وكثيرٌ منه، سواء ما يتعلق بسيرته ومسائل حياته، أو الأقوال المنقولة عنه والمنسوبة إليه، كل هذا موضع شك. أنا شخصياً، فكرتي وفلسفتي ومنهجيتي هي أني أعتبر جميع الروايات باطلة، إلا أن يثبت خلافها” (الجلسة الثانية من سلسلة دروس “إقبال الشاعر”، الدقيقة ٣٢).
ويضيف في موضع آخر:
“نظريتي وأطروحتي كانت ولا تزال، وقد عبّرت عنها: الروايات المنقولة عن النبي وعن أئمة الشيعة، الأصل فيها أنها كلها باطلة، إلا أن يثبت خلافها. بينما يقول رجال الدين وعلماؤنا عكس ذلك” (“شرح الدفتر الأول للمثنوي – الجلسة الرابعة“، ٥ يونيو ٢٠١٦، الدقيقة ٥).
[18] يقول في هذا الشأن:
“المتيقّن منه أن أحكام الشرع، الواردة في القرآن وحديث النبي، كلها مؤقتة ومحلية وتنتمي إلى عالم ما قبل الحداثة، ما لم يثبت خلاف ذلك… ففي السياسات والجزائيات والاقتصاد و… يجب الرجوع إلى العلم الحديث والأخلاق” (“محمد راوي الأحلام الرسولية (٤): انتفاء الشريعة وامتناع الرسالة. هامش ٣٢).
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
با سلام : به نظرم بنای این مقاله بر اساس نادرستی بنیان نهاده شده!!! ذات دین از نظر دکتر سروش اونهایی نیست که آقای گنجی معرفی میکنن!! یک بخش بسیار مهم از ذات دین از نظر دکتر سروش«نفی خود و تلاش در جهت رسیدن به خداست».نه اون چیزایی که آقای گنجی فرمودند! در واقع اگر ذات دین سنت، کتاب و شخصیت پیامبر باشه اونوقت عرص دین چی میشه؟؟؟؟
باعرض پوزش از خوانندگان محترم!! بنظرم اشتباه کردم ! منظور آقای گنجی دین بخصوصی بنام اسلام است نه دین در معنای کلی!