د. سيد حسن إسلامي: الآن، وأنا أراجع سجل طفولتي ومراهقتي «المشرق»، أجد أنه قد سُجِّل فيه على الأقل تجربة قتل، أو المشاركة في قتل، أفعيين أو ثلاثة، وقطة، وبضعة عصافير وحمام، وعشرين أو ثلاثين من السحالي، وعناكب، وعقارب، وعدد لا يحصى من الحشرات الأخرى. جزء من عمليات القتل هذه كان بلا قصد وفجائياً، وأحياناً ربما بدافع الضرورة. لكن معظمها كان واعياً وناتجاً عن محاولة لتسلية نفسي واعتُبر نوعاً من اللهو.
طبعاً لا تستنتجوا بسرعة أنني كنت شخصاً عديم الرحمة. كلا، فالظاهر أنه في تلك الأيام، حيث لم تكن هناك أخبار كثيرة عن الألعاب الإلكترونية ووسائل التسلية الصحية وغير الصحية المعاصرة، كان هذا سبيلاً بلا تكلفة لتسلية النفس وملء الأوقات التي بدت بلا نهاية في زمن الطفولة والمراهقة. كان الأطفال، على نحو أو آخر، يتبعون هذه الطريقة المرضية في تسلية أنفسهم بقتل الحيوانات أو تقطيعها إرباً.
حتى الكبار، الذين يفترض أن عقولهم قد اكتملت، لم يكونوا أقل منا في هذا المجال. كان هناك من يمسك بقطة، ويختار حبة جوز، ويُخرج لبها دون أن تنكسر قشرتها، ثم يصب في قشرة الجوز قليلاً من القار الحار، ثم يضع رجل القطة في الجوزة ويطلق سراحها.
كان عجز القطة وحيرتها عن صعود الدرج وتخبطها مدعاة لهو وضحك هؤلاء الكبار العقلاء. وإن كانوا أكثر عطفاً قليلاً، ربطوا علبة معدنية أو دلواً في عنق كلب وأطلقوه، وضحكوا على محاولات ذلك الحيوان العاجز.
أتذكر أن أحد الكبار، ممن كان له حظ من العلوم الدينية أيضاً، أمسك بفأر بكل شجاعة. وبمهارة ضغط على مؤخرة عنق الفأر حتى فتح فمه. ثم أطفأ السيجارة التي في فمه (بدلاً من أن «يهبها لظلمة الرمال» كما يقول سبهري) على لسان ذلك الفأر. وطوال هذه المدة كان يستمتع بتخبط الفأر وصراخه ويضحك.
لا يزال لغز ذلك المرحوم دون حل بالنسبة لي: أي لذة كان يجدها في هذا العمل؟ لكن الظاهر أنه كان يستلذ، وإلا لما أقدم العاقل، خصوصاً إن كان أشرف المخلوقات، على عمل عبثي.
حتى الأطفال ذوو التربية الدينية لم ينجوا من هذه القسوة البريئة. والمثال الواضح على ذلك شمس لنغرودي الذي، برغم كل روحه الشعرية التي تجعله يقول: «لا تقتلوا اليعاسيب، أيها السادة»، يتحدث عن أولى ذكريات طفولته هكذا:
بعد الغداء كان الجميع نياماً، وكان السكون ملموساً لدرجة يمكن لمسه باليد، وكنا نذهب إلى الفناء ونمسك بالسحالي ونقطع أذنابها وندفنها، وكنا نعتقد أن فيها «فألاً» وأننا سنحصل حتماً على مال قريباً.
أحياناً كانت هذه القسوة تحدث أمام أعين الكبار وبرضاهم، أو على الأقل بصمتهم. أنا الآن مندهش: كنا نحن أطفالاً وقليلي الإدراك، لكن لماذا لم يقل هؤلاء الكبار شيئاً؟
النقطة الأساسية هي أنه في ذلك الزمان لم يكن يُعلَّم لنا تقريباً أي تعليم رسمي أو غير رسمي، بصفته نقطة تربوية، حول السلوك مع الحيوانات.
كنت عادةً أشارك في غالبية المراسم والمناسك الدينية، من صلاة الجماعة إلى العزاء ودعاء الندبة والسمات والتوسل، وكان جزء أساسي من شقاوتي، وشقاوة أمثالي، يدور في هذه المجالس ذاتها، وفيها تعلمت وحفظت مختلف القصص التاريخية والأدبية والخيالية، ومنها قصة زعفر الجني. لكنني لا أذكر أبداً أن أحداً علمني جملة واحدة حول السلوك مع الحيوانات، أو قالها على المنبر. طبعاً بعض الكبار المتعلمين، الذين لم ينقرض جيلهم بالكامل بعد، كانوا ينقلون دوماً جملة عن النبي الأكرم (ص) أنه قال: اقتلوا المؤذي قبل أن يؤذي.
ولكن ألم يكن هناك من يسأل هؤلاء الكبار: إذن لماذا خلق الله كل هذه الحيوانات المؤذية أصلاً؟
ما هذا الفعل الذي يخلق فيه الله مخلوقات ثم نقوم نحن بقتلها دون أي جرم أو جناية؟
أليس هذا مصداقاً لفعل «العبث»؟
ألم يسمِّ الله نفسه حكيماً؟ ألم يقل إننا لم نخلق شيئاً عبثاً ولعباً؟
ألم يُؤكَّد في ذلك القرآن الذي نزل على هذا النبي أن جميع الدواب والطيور «أمم» أمثالنا، وأنه ما فرطنا في الكتاب من شيء؟
وأخيراً، لماذا أمر الله نوحاً أن يأخذ من كل حيوان زوجين ويضعهما في السفينة، دون أن يفرق في هذا الإجراء بين حيوان مؤذٍ وغير مؤذٍ؟
لا، لم تكن عقولنا نحن الأطفال لتبلغ هذه الأسئلة فنطرحها، ولا كانت لدينا الجرأة على طرحها، ولا كان عقول أولئك الكبار لتبلغ بهم أن يتأملوا قليلاً ويدركوا الفجوات الفكرية والنظرية والسلوكية التي يعانون منها.
على أية حال، مرت السنون. قرأت وقرأت وقرأت تدريجياً، وحين رأيت كم تم التأكيد في تراثنا الديني على السلوك والتعامل الصحيح مع الحيوانات، وكيف أن جميع الأحياء على الأرض، رغم النظرة المتمركزة حول الإنسان، قد قُدِّمت على أنها مخلوقات الله و«عباده»، أصابني العجب.
على سبيل المثال، يذكر الإمام الصادق في رواية عابداً من بني إسرائيل قضى عمره غارقاً في العبادة ولم يكترث بالخلق. ذات يوم وهو يصلي وقعت عيناه على صبيين أمسكا بديك وهما ينتفان ريشه. فاستمر العابد في عبادته دون أن يكترث لفعلهما. فخسف الله به الأرض بسبب هذه القسوة وعدم الاكتراث.
كما ورد في تراثنا الديني أن النبي قال: امرأة حبست هرة ومنعتها الماء والطعام فدخلت بسببها النار. ومن الطريف أن بعض الفقهاء استناداً إلى أحاديث من هذا القبيل، حرموا قتل الهرة حتى لو تسببت في إزعاج.
لا أريد هنا أن أدخل في جدال نظري وعلمي متجدد حول التعامل مع الحيوانات. لقد طرحت هذا النقاش في مواضع أخرى. قد ينقل أحد بالمقابل أحاديث تجيز بعض السلوكيات تجاه الحيوانات، أو قد يبرر أناس دعاواهم بادعاء أفضيلة الإنسان.
هدفي هنا هو التأكيد على أننا كنا في طفولتنا نتعامل مع الحيوانات بقسوة بالغة، وكأننا نضرب حجراً بحجر آخر ونريد أن نسحقه. لم تكن لدينا أي حساسية أو قلق تجاه فعلنا، ولم يعلمنا أحد أن هذا الفعل خطأ، ولم أسمع شخصياً من فوق أي منبر أن يعلمونا نحن الأطفال كيف نتعامل مع الحيوانات وألا نعتبرها بتعبير شاملو «حصاة في كف طفل». بل أن نعتبرها مخلوقات لها حق ونصيب في الحياة.
الآن حين أرى أن عدداً أقل من الأطفال يتصرفون كما كنا نتصرف، أشعر بالسعادة. لكنني حين أسمع وأرى أن بضعة أشخاص بالغين وصلوا إلى سن الرشد، يقتلون حماراً بمطرقة من أجل التسلية أو يشقون بطون صغار الدببة، يصيبني الذهول: أي لذة في هذا الفعل؟
أليس هؤلاء مرضى سيقومون غداً وبنفس البرود بخطف أطفال هذا البلد الأبرياء وقتلهم من أجل الابتزاز؟
مختطفو الأطفال الثلاثة الذين احتجزوا طفلة في الثانية عشرة من عمرها كرهينة في مدينة بناب في شهر مهر عام 1393، ثم خنقوها بعد يومين و«دفنوها» في فناء المنزل، ربما كانوا قد فعلوا الشيء نفسه بحيوانات أخرى من قبل وتعلموا درسهم جيداً.
كذلك عندما أقرأ لمتعلمين وجامعيين يسألون معترضين: هل تفهم الدجاجة ما هو «الألم»؟ وهل للحيوان «روح»؟، فإنني، بدلاً من أن أقلق عليهم، أقلق على الأطفال الذين سيربيهم هؤلاء ويسلمونهم إلى المجتمع.
والأكثر إثارة للقلق من ذلك، أن بعض هؤلاء يعتبرون هذه الأقوال أساساً مجرد خواطر نابعة من رقة القلب والعواطف والعاطفية الأخلاقية، ويسخرون منها.
قال شاملو في نقد شعر سبهري وروحه في مقابلة: «حيث توضع رقبة إنسان بريء على حافة الجدول لتُقطع، يقف شخص على بُعد خطوتين ويقول: لا تعكروا الماء! في تصوري أن أحدنا منحرف عن الجادة [...] ينبغي للشعر أن يكون بوقاً لا تهويدة.»
صعوبة مهمتنا أننا نحلل القسوة على المستوى الإنساني فحسب ونبدي حساسية تجاهها، ونتصور أنها ينبغي أن تُحل من الأعلى وتشمل تدريجياً الكائنات الأخرى أيضاً.
لكننا ننسى أن غلاظة القلب والقسوة تبدأ تجاه الكائنات الصغيرة والضعيفة، وعندما يشتد الخدر الأخلاقي، يصل إلى الإنسان. عندما نعتاد على قتل الكلب والقط والثعلب والعنكبوت، فإننا تدريجياً سنستسهل «القتل» بغض النظر عن أن متعلق هذا الفعل «ماذا» أو «مَن» يكون، وبصرف النظر عن الشيء أو الشخص الذي يُرتكب بحقه.
كانط، رغم أنه لم يعترف للحيوانات بمكانة أخلاقية، كان يدين العنف والقسوة تجاه الحيوانات بهذا التحليل نفسه.
يروي غوته في قصيدة شعوراً جميلاً، قلما نجده فينا:
ذات يوم وطئت بقدمي رأس عنكبوت
تساءلت في نفسي: أكان هذا صواباً؟
ألم يشأ الله أن ينال هو أيضاً، مثلي،
نصيباً من نعمة هذا اليوم؟
في تعليمنا الرسمي وغير الرسمي لم يكن هناك اهتمام بالبيئة والحيوانات. آملاً ألا يُحرم أطفالنا هكذا، وأن يحصلوا على فهم صحيح لأنفسهم ولمكانتهم، وأن يكونوا أكثر رأفة بالحيوانات.
.
.
قساوات بريئة، فقر ثقافة التعامل مع الحيوانات
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.