اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يستعرض سيد حسن إسلامي أردكاني ثلاثة كتب بارزة في فلسفة الدين والأخلاق. وهو إذ ينقد نظرية الأمر الإلهي في كتاب جوديث باس، يبسط نظرية الدافع الإلهي عند ليندا زاغزبسكي التي ترى في الله المثل الأعلى للأخلاق.

1_ مدخل
في السنوات القليلة الماضية، شهدنا اهتمامًا متزايدًا بمجال الأخلاق، وقد فتح المجتمع العلمي ملف هذا النقاش أمامه. ينبغي أن نتفاءل بهذا الالتفات، رغم أنه مع كل إقبال من هذا القبيل، تتشكل أيضًا أساليب لصناعة الكتب في هذا المجال، وتدخل السوق الثقافية كتب مصطنعة عديدة وعديمة القيمة باسم الأخلاق، مما يعرض هذه النبتة اليافعة للخطر. وأنا أيضًا، وقد انشغلت على مدى العقدين الماضيين، إلى جانب مباحث فلسفة الدين، بالتفكير الأخلاقي والكتابة الأخلاقية، أحاول الحصول على الأعمال البارزة التي تُنشر وقراءتها أو على الأقل تصفحها. هذا العام أيضًا قمت بمراجعة وتصفح عدة كتب في مجال فلسفة الدين والأخلاق. لكنني قرأت ثلاثة كتب تحديدًا ووجدتها مفيدة وغنية بالدروس من عدة وجوه. الأول هو كتاب الأخلاق للحياة، من تأليف السيدة جوديث أ. باس[1] وهو نص تعليمي في الغالب. والثاني هو كتاب مدخل تاريخي إلى فلسفة الدين،[2] من تأليف السيدة ليندا زاغزبسكي، التي تقدم نظرية خاصة حول العلاقة بين الدين والأخلاق، وقد وجدته جديرًا بالقراءة للغاية. والثالث هو كتاب أخلاقيات علم الدين، من تأليف السيد أبو القاسم فنائي[3] وهو عمل بحثي يستحق التأمل. سأشير هنا أولاً إلى الكتابين الأول والثاني، ثم أتناول الكتاب الثالث بالتفصيل وأعرض ملاحظاتي بشأنه.
2_ الأخلاق للحياة
يحتاج عرض وتحليل كتاب السيدة باس إلى مجال آخر. لكنني أكتب بضعة أسطر لمن لم يطلع عليه أو لا تتاح له فرصة استخدامه. يُعد هذا الكتاب في الواقع مدخلاً جادًا إلى مباحث الأخلاق، مصحوبًا بمقتطفات من النصوص الأساسية في هذا المجال، ويتمتع بجودة تعليمية عالية. نظمت المؤلفة كتابها في أحد عشر فصلاً، تبدأ من القضايا العامة ونظرة شاملة إلى الأخلاق، وبعد التعريف بأنواع المذاهب الأخلاقية والمجالات المختلفة لهذا العلم، تنتهي إلى أخلاق الفضيلة وتختم الكتاب بكلمة أخيرة جديرة بالاهتمام.
تستعرض المؤلفة في هذه الكلمة الأخيرة نقاط قوة وضعف كل واحدة من النظريات الأخلاقية الثلاث السائدة في الغرب. من هذا المنظور، فإن النظرية النفعية لجون ستيوارت ميل لها تطبيقات واسعة في رسم السياسات العامة. لكنها قد تتجاهل الكرامة الفردية وتغفل عنها. ومن ناحية أخرى، فإن نظرية كانط الأخلاقية، رغم أنها تقدم أساسًا متينًا للسلوك الأخلاقي والواجب المطلق، إلا أنها مفرطة في توقعاتها ويصعب الامتثال لها. أما نظرية أخلاق الفضيلة، التي أُحييت في الغرب خلال العقود الأربعة الأخيرة، فيمكن اعتبارها مكملة لهاتين النظريتين، لا منافسة لهما.
في حين أن هذه النظريات تختلف فيما بينها، إلا أنها تتقاطع بشكل ملحوظ في بعض الحالات. فعلى سبيل المثال، تطالب جميعها بأن تُطبق مبادئها بشكل عام ونزيه، وأن يُحترم الأفراد، وأن يسعى كل شخص لإصلاح نفسه. تميل النظريات الأخلاقية أساسًا إلى التبسيط ولا يمكنها التعبير عن جميع الجوانب. هذه النظريات، وفقًا لتشبيه بوذا، تشبه العميان الذين يريدون وصف الفيل في الظلام. كل منهم محق في إثبات ما أدركه، لكنهم يخطئون في إغفالهم للأجزاء الأخرى. المهم هو رؤية الصورة الكاملة. يشبه ديفيد روس، الفيلسوف الشهير في القرن العشرين، عملية اتخاذ القرار الأخلاقي بعملية فنية. لا يوجد شكل واحد أو صيغة ثابتة لحل المشكلات الأخلاقية. يجب اتخاذ القرار بشكل فني في الظروف الخاصة. لكن المهم هو أن نعرف أنفسنا ونسعى في جهد متواصل للتغلب على آلياتنا الدفاعية وانحيازاتنا الذهنية، لنصبح بشرًا أكثر فضيلة وحكمة.
يتناول الفصل الخامس من هذا الكتاب علاقة الدين بالأخلاق، وبعد أن يعرض نظرية الأمر الإلهي الشهيرة[4]، يوجه إليها النقد ويعتبرها غير كافية، ويرى أن نظرية الأمر الإلهي لا تقدم تفسيرًا مُرضيًا للأخلاق. ومع ذلك، فهو يتحدث في حدود ما يعلم. فالعجز عن تقديم تفسير كافٍ أمر، وعدم الصحة والبطلان أمر آخر. لذا، يؤكد باس، بعد أن يبين مشكلات هذه النظرية، أنه من الخطأ أن نعتبرها باطلة لمجرد هذه الأسباب، لأننا نرتكب بذلك مغالطة الاحتكام إلى الجهل. أقصى ما يمكننا قوله في مواجهة هذه النظرية هو أننا لا نعلم ما إذا كانت الأخلاق قائمة حقًا على الأمر الإلهي، وبتعبير آخر، ما إذا كانت الأخلاق تابعة للدين أم لا. قد تكون كذلك في الواقع، لكننا لا نملك دليلًا مقنعًا.[5]
3_ زاغزبسكي ونظرية الدافع الإلهي
في مقابل الرؤية السابقة، دأبت زاغزبسكي، اللاهوتية المسيحية، منذ سنوات على تطوير نظرية خاصة حول علاقة الدين بالأخلاق والدفاع عنها، وهي نظرية لا تقوم على استقلال الأخلاق عن الدين، ولا تُعتبر نظرية أمر إلهي. ذلك أن نظرية الأمر الإلهي تعرضت لانتقادات جدية، ولم يعد أحد يدافع اليوم عن شكلها الخام والتقليدي. وقد أطلقت على نظريتها اسم نظرية الدافع الإلهي[6]. ويُعد كتاب مدخل تاريخي إلى فلسفة الدين، عملها الناضج والمحكم، حيث يُبحث في فصله السادس علاقة الدين بالأخلاق وتُشرح فيه رؤية زاغزبسكي الخاصة في هذا الشأن.[7] وقد أدرجت هذه النظرية نفسها في مختارات (Anthologies) أو كتب دراسية في الفلسفة وفلسفة الدين، وواصلت هذا المطلب وسعت إلى بسطه. فعلى سبيل المثال، تطرح هذا البحث نفسه وتدافع عن نظريتها في الفصل الخامس من دليل أكسفورد، بتحرير ويليام وينرايت.[8] كما تقوم ببسط نظريتها في مقالة الفضائل الإلهية وأسس الأخلاق.[9]
تؤسس زاغزبسكي الدين على الأخلاق، لكنها بدلًا من ربطه بالأوامر الإلهية، تعتبره وليد الفضائل الإلهية، وهي في الواقع تصوّر الله بوصفه المثل الأعلى للأخلاق والأسوة التي ينبغي الاقتداء بها، بدلًا من تقديمه كمشرّع أخلاقي. وبتعبيرها، فإن الله في هذه النظرية، بدلًا من أن يُعتبر مشرّعًا أو واضع شريعة تجب طاعته، يُعرّف بأنه القدوة الأخلاقية التي ينبغي، بتعبير علماء الأخلاق الإسلاميين، «التشبه» بها.[10] في هذه النظرية، تتجذر جميع الصفات الأخلاقية في الدوافع الإلهية، ويُعتبر الأفراد خيّرين وعادلين بمقدار وبقدر ما يتشبهون بصفات الله.[11] كان أهم إشكال يوجه إلى نظرية الأمر الإلهي وروايتها الإسلامية، أي نظرية الحسن والقبح الشرعيين، هو أن الخير والشر بموجبها يتبعان الأمر والنهي الإلهيين، وبالتالي يصبحان أمرًا متغيرًا ونسبيًا. ولهذا السبب، تعتبر السيدة باس نظرية ارتكاز الأخلاق على الدين نوعًا من النسبية الأخلاقية. وتدعي زاغزبسكي، بالتقرير الذي تقدمه، أنه لا مكان في نظريتها للسلوك التعسفي، ولأن الله خير محض، فلا يمكن أن تصدر عنه أفعال غير لائقة أو أوامر غير لائقة.[12]
تسعى في مقالة الفضائل الإلهية وأسس الأخلاق، من خلال صياغة خاصة لنظرية الدافع الإلهي، تؤكد نوعًا ما على الفضيلة، إلى تأسيس الأخلاق بشكل خاص على وجود الله، وتبين أنه بدون وجود الله، لا تكون الأخلاق ملزمة، وذلك دون الوقوع في مآزق نظرية الأمر الإلهي.[13] وللوصول إلى هذا الهدف، تقدم استدلالًا من سبع مراحل، وتستنتج منه أن الأخلاق لا يكون لها معنى إلا بافتراض وجود الله.[14] إن طرح هذه النظرية ودراستها يحتاج إلى مجال آخر، وهذا القدر يكفي في مقام الإشارة.
لكن نظراً للأهمية المتزايدة لنقاش الدين والأخلاق والعلاقة بينهما في مجتمعنا العلمي، فمن المناسب أن أتناول الكتاب الثالث، الذي تابع هذا النقاش بصورة محلية، بشيء من التفصيل، وأن أعرض خيوطه الأساسية، وأن أبدي انتقاداتي الصغيرة أيضاً.
4_ أخلاقيات علم الدين
الكتاب الحالي هو في الواقع استمرار منطقي لكتاب الدين في ميزان الأخلاق[15] وينبغي قراءتهما وفهمهما بالترتيب. صُمم الكتاب الأول في قسمين. القسم الأول يتكون من فصلين: (1) مدخل تاريخي لنقاش العلاقة بين الدين والأخلاق، و (2) تعريف الدين والأخلاق. القسم الثاني يضم خمسة فصول: (1) تبعية الأخلاق للدين، (2) تبعية الدين للأخلاق، (3) خدمات الدين في مجال الأخلاق، (4) الناظر المثالي والمنظور الأخلاقي، و (5) الله بوصفه الناظر المثالي. في هذا الكتاب، يسعى المؤلف إلى دراسة أنواع العلاقات الممكنة بين الدين والأخلاق، ورغم أنه يُظهر أن الأخلاق مستقلة عن الدين من الناحية الدلالية والمعرفية والأنطولوجية، إلا أنهما في الواقع مرتبطان ببعضهما بشدة ويعزز كل منهما الآخر. تساعد نتائج هذا الكتاب في الوصول إلى فهم أخلاقي لحقيقة الدين وماهيته.
في الكتاب الحالي، يحافظ المؤلف على منظوره السابق، ويشرع في تحليل أخلاقيات الاجتهاد والمعايير التي ينبغي أن تحكمه، ويسعى إلى تطبيق هذا الفهم الأخلاقي في فهم أحكام الشريعة أيضاً. وهكذا، فرغم أن الكتاب الحالي أكثر تفصيلاً من الكتاب السابق ويزيد حجمه عن الضعف، إلا أنه اختار منظوراً أضيق وحصر نفسه في أخلاقيات الاجتهاد أو «مجموعة القيم» والمعايير التي «توجه الاجتهاد أو البحث والتفكير الفقهي أو ينبغي لها ذلك» (ص15). يضم هذا الكتاب، إضافة إلى مقدمته المطولة، سبعة فصول. في الفصل الأول، يُتحدث عن حلول الفقه محل الأخلاق، ويطرح الفصل الثاني التحديات التي تواجه الفقه في العصر الحديث، ويعرض الفصل الثالث اختلافات العقلانية التقليدية والحديثة، ويميز الفصل الرابع العقلانية الفقهية عن العقلانية العرفية، وفي الفصل الخامس يُناقش «القبض والبسط النظري للفقه»، ويُخصص الفصل السادس لـ«بسط التجربة الفقهية النبوية»، وفي الفصل السابع يُتحدث عن «الترجمة الثقافية للنصوص الدينية».
رغم وجود رابط خفي بين مباحث هذا الكتاب، إلا أن فصوله ليست مترابطة إلى حد كبير، وخلافاً للكتاب السابق، لا تتمتع بالتماسك الكافي. والحقيقة أن هذا الكتاب، لأسباب عدة، ليس سهل القراءة ولا سهل المنال، ولا يمكن ولا ينبغي قراءته بشكل سطحي، ومن الصعب متابعة المؤلف حتى نهايته. ومع ذلك، فإن هذا العمل ضروري لأولئك الذين تشغلهم قضية الدين والأخلاق. في الواقع، لدى المؤلف مشكلة وكل هدفه هو حلها؛ الحفاظ على اعتبار الفقه وفي الوقت نفسه جعله فعالاً في العصر المعاصر حيث غيرت النظرة الحديثة نوع رؤية الإنسان للفقه والشريعة والتعبد. إنه يسعى من جهة إلى الحفاظ على التراث الديني والالتزام بأصله الإلهي، ومن جهة أخرى يطالب بمواءمته مع قضايا العصر. هذه هي النقطة الأساسية التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند قراءة هذا النص. ونتيجة لذلك، فإن الذين لا تشغلهم قضية الدين، أو لا يهمهم الإنسان المعاصر، وبتعبير آخر هذا الإنسان من لحم ودم، ويفضلون نقاء الدين، لا فعاليته، على كل شيء، لن يجنوا من قراءة هذا الكتاب شيئاً.
حال پیش از بیان ملاحظاتی در باب این کتاب، بد نیست که مروری بر ایدههای اصلی آن داشته باشیم. از نظر نویسنده، نزاع دامنگستر سنت و تجدد در کشورهای در حال توسعه، در واقع نزاع بین دو اخلاق رقیب است: اخلاقیات مبتنی بر فقه سنتی، و دیگری اخلاق سکولار یا فرادینی. زیرا مدرنیته بر اساس قواعد اخلاقی مدرن استوار است که فقه سنتی و اخلاقیات آن را به چالش میکشد (ص 16). نویسنده در این میان جانب اخلاق سکولار را میگیرد و بر این باور است که احکام فقهی باید با ضوابط اخلاقی فرادینی سازگار باشند. در نتیجه، از سکولاریزم اخلاقی دفاع میکند، به این معنا که شریعت عقل، بر شریعت نقل تقدم دارد (ص23). از این منظر، فصل اول کتاب میکوشد تا حاکمیت فقه بر اخلاق را به نقد بکشد و نشان دهد که این احکام فقهی است که باید از پالایه یا فیلتر ضوابط اخلاقی بگذرد، نه بر عکس. به نظر نویسنده، در نگاه سنتی عقل بشری کارآمدی لازم را ندارد، در نتیجه اخلاق و فهم اخلاقی باید تابع فقه و قواعد آن گردد. نویسنده در این فصل چهار استدلال به سود نقص عقل، نقل و صورتبندی میکند و سپس همه آنها را نقادی کرده، کنار مینهد و از حجیت عقل و خوداصلاحگری آن دفاع میکند. برای مثال، روند یکی از این استدلالها که حاصل آن نشستن فقه به جای اخلاق است، این گونه است: (1) بخش قابل توجهی از منابع دینی بیانگر تکالیف و احکام عملی است؛ (2) اگر انسان خارج از دین بتواند این احکام را کشف کند، وجود آنها در دین لغو خواهد بود؛ (3) پس فقه باید این کار را بکند تا وجود آنها موجه گردد و حکم شارع لغو نگردد (ص81).
از نظر نویسنده این سبک استدلال کردن، خطا است، زیرا:
یک. برای اعتبار بخشیدن به وجود احکام، عقل را تعطیل میکند.
دو. بین مقام کشف و داوری خلط میکند. ممکن است دین واقعاً آورنده این احکام و کاشف ضرورت آنها باشد، اما دلیل نمیشود که خودش نیز مرجع شناسایی و اعتباربخشی به آنها باشد. برای مثال، دین ممکن است بگوید، عدل خوب است. اما عقل خود قادر به داوری در این باره است (ص82).
این پاسخ قانع کننده است، اما میشد به جای آن بهسادگی از استدلال خواجه نصیرالدین طوسی و شارح وی علامه حلی در باب شبهه برهمنان سود جست. طبق «شبهه براهمه» آن چه که پیامبران آرودهاند، یا موافق عقل است یا مخالف آن، اگر موافق عقل باشد، با بودن عقل نیازی به آن نیست و اگر هم مخالف عقل باشد، به طریق اولی نیازی به آن نداریم. پاسخ این دو در این مقام گویا است و به جای تن دادن به منفصله دروغین شقوق دیگری پیش میکشند و در عین اعتباربخشی به عقل از دین و ضرورت شریعت دفاع میکنند.[16]
در فصل دوم، نویسنده چالشهایی را که فقه سنتی با جهان مدرن دارد به بحث میگذارد. در این فصل اعتبار و حجیت ابزارهای استنباط فقهی، چون «قطع»، به پرسش گرفته و تأکید میشود که باید جهان مدرن را که متفاوت از جهان کهن است، نخست شناخت و سپس درباره آن حکم صادر کرد. از این منظر، برای حل مسائل تازه جهان مدرن دو شیوه وجود دارد: شیوه مدرن و شیوه سنتی. به عقیده نویسنده، مجتهدان سنتی ناگزیرند تا مسائل تازه را به مسائل کهن تحویل ببرند و بر اساس آنها به اجتهاد بپردازند. آنان در این مسیر عمدتاً چهار راه را پیمودهاند: (1) تمسک به عناوین ثانویه، (2) تقسیم احکام به ثابت و متغیر و پیش کشیدن ایده منطقه الفراغ که راه را بر قانونگذاری حکومت اسلامی میگشاید، (3) پیش کشیدن ایده مقاصد شریعت و ضرورت توجه به آنها، و (4) تأکید بر نقش زمان و مکان در اجتهاد و تقدم مصلحت نظام بر احکام اولیه و ثانویه.
این شیوهها بهرغم تفاوتهایشان در یک نکته مشترک هستند و آن درست بودن و کامل بودن شیوه اجتهاد گذشتگان و مسلم شمردن مفروضاتش است. از این منظر، خطا صرفاً در تطبیق و زاده ناتوانی مجتهد در فهم موقعیت و تطبیق درست مسائل است. لذا بر بحث موضوعشناسی و مصلحتسنجی تأکید میشود و از فقها خواسته میشود تا به این نکته توجه کنند. حال آن که مشکل اصلی در فقه نیست، در فلسفه فقه و مفروضات آن است و باید آنها اصلاح شود. این مفروضات زاده آن است که ما جهان مدرن را نشناختهایم. لذا باید این جهان و ویژگیهای آن را نخست شناخت و سپس برایش نسخه پیچید.
ونتيجة لذلك، يرى المؤلف ضرورة الحديث بالتفصيل عن خصائص العالم الحديث وسرد أوصافه. وأهم خصائص العالم الحديث هي: (1) العلمانية، (2) حلول الإرادة محل الحق، (3) العقلانية والأخلاق الحديثة، (4) الاعتقاد بتاريخية جزء من الشريعة، و(5) قابلية الاختبار الدنيوي للدعاوى الدينية (ص128).
فبينما كان العالم القديم عالماً قائماً على التكليف، فإن العالم الحديث قائم على الحق، ولا يمكن التمسك بنفس البراديغم التقليدي في هذا العالم. وفي مقابل الإله الذي كان الفقه التقليدي يقدمه، ينبغي اليوم الحديث عن إله أخلاقي يتمتع بخاصيتين مهمتين: (1) "متّصف بالفضائل الأخلاقية ومنزّه عن الرذائل الأخلاقية"، و(2) "أوصافه الأخلاقية متقدمة على وصفه بالربوبية والمالكية والشارعية" (ص170).
الفكرة المحورية في الفصل الثالث هي البحث عن الفروق بين العقلانية التقليدية والعقلانية الحديثة، مع التأكيد على أن العقلانية الحديثة هي من الأركان الأساسية للعالم الحديث ولا يمكن تجاهلها. في هذا الفصل، يقسم المؤلف الأمور بالتفصيل إلى عقلانية، وفوق عقلانية، وغير عقلانية، ويقدم تقسيمات لأنواع العقلانيات، مثل العقلانية الناظرة إلى المنهج أو العملية، والعقلانية الناظرة إلى النتيجة والمنتَج، والعقلانية النظرية والعقلانية العملية. ومن هذا المنظور، تنقسم العقلانية العملية أيضاً إلى قسمين: أداتية وغير أداتية، ومن جهة أخرى إلى أخلاقية واقتصادية. موضوع العقلانية النظرية هو التفكير والعقيدة، بينما تعود العقلانية العملية إلى اتخاذ القرار والمبادرة. العقلانية النظرية تعني "تناسب الدليل مع المدعى"، بمعنى أن كل دليل لا يصلح لإثبات أي مدعى، بل يجب أن يكون متناسباً معه (ص 206). في المقابل، العقلانية العملية ناظرة إلى اتخاذ القرار وتنقسم إلى نوعين: عقلانية أداتية وغير أداتية. هذه التقسيمات هي مقدمة لبيان الفرق الدقيق بين العقلانية الفقهية والعقلانية العرفية. وقد أوكلت هذه المهمة إلى الفصل الرابع.
من وجهة نظر المؤلف، ليس الفقه هو العاجز عن حل المشكلات الناشئة في العالم الحديث، بل العقلانية الفقهية هي ذلك، بسبب مفترضاتها ومبانيها. لذا فإن أي إصلاحات يجب أن تُجرى أولاً في هذه المباني. فالمصلحون والمفكرون الجدد، دون الالتفات إلى هذه النقطة، يريدون حل المشكلات مع الحفاظ على نفس البراديغم الفقهي، فيعجزون عن ذلك، لأنهم يصلون إلى "تكافؤ الأدلة" أو تساويها وتعادلها، وفي النهاية يقف حكم في مقابل حكم آخر بنفس القوة (ص261). ثم ينقل المؤلف بعض الأحكام التي تبدو غير منسجمة مع العقل الحديث، مثل جواز السرقة الأدبية (263). والحال أنه إما أن نعطل عقلنا، أو نفتي بعدم عقلانية هذه الأحكام، أو نبحث عن طريق ثالث.
حل المؤلف هو أن فهم الشريعة يقوم على ركنين: الركن الداخلي وهو القرآن والحديث، والركن الخارجي وهو معايير العقلانية والمفترضات المسبقة اللاهوتية والكونية وما شابهها. من هذا المنظور، فإن بعض الفتاوى المنافية للعقل هي نتاج مفترضات مسبقة خاطئة منهجية ولاهوتية وما شابهها، مما يعتبر ركناً خارجياً ويجب إصلاحها (ص267). في الواقع، التعارض القائم بين الشرع والعرف هو بشكل رئيسي تعارض بين "عرف مجتمع صدر الإسلام" و"عرف العالم الحديث"، بمعنى أن كثيراً من الأحكام الإشكالية هي من الأحكام الإمضائية للإسلام لا التأسيسية. فعلى سبيل المثال، في زمن كان العرف الاجتماعي فيه يعدّ الرق جائزاً وطبيعياً، أيده الإسلام وأمضاه. أما الآن وقد تغير عرف المجتمع، فلا يمكن الاستمرار في الحديث عن إسلامية هذا الحكم وكونه إمضائياً (274). من هذا المنظور، فإن أحد أسباب الأحكام المنافية للعقل هو الخلط بين الأحكام التأسيسية والإمضائية وعدم تقديم معيار للتمييز بينهما. هذه المسائل أدت إلى منافاة العقلانية الفقهية للعقل في بعض الحالات، وسبيل الخروج منها هو جعل الفقه فعالاً، وهو رهن بالعصرنة، وهذه بدورها رهن بإصلاح المباني الفلسفية للفقه (ص 285). ولكن كيف ينبغي إيجاد سبيل الخروج؟
يكتب فنائي أنه للخروج من الوضع الراهن طُرحت حلول، من أهمها ثلاثة: "القبض والبسط النظري للفقه"، و"بسط التجربة الفقهية النبوية"، و"الترجمة الثقافية للنصوص الدينية". في الفصول الثلاثة الأخيرة من الكتاب، تُعرض هذه الحلول الثلاثة وتُقيّم فاعليتها. في الفصل الخامس، تُفحص نظرية القبض والبسط الفقهي، التي تضرب بجذورها في نظرية القبض والبسط النظري للشريعة، وعلى الرغم من التعاطف معها، تُستبعد.
المدّعى الرئيسي لنظرية «بسط التجربة الفقهية النبوية» التي توسّع فيها الفصل السادس من الكتاب هو أن «الشريعة في مقام الثبوت (= عالم التشريع) لها بسط تدريجي وتاريخي، وهذا البسط مستمر إلى الأبد ولا يتوقف بختم النبوة ورحيل النبي الأكرم (ص)» (ص 389). وبهذه النظرة يمكن التمييز بين نوعين من الاجتهاد: الاجتهاد القانوني المحور والاجتهاد النموذجي المحور. النوع الأول يفضي إلى ظاهرية وقانونية شكلية، أما النوع الثاني فيتيح إمكانية بسط التجربة النبوية في ساحة الفقه، لأنه ينظر إلى النبي الأكرم (ص) بوصفه نموذجاً لو كان حاضراً اليوم لفعل كذا وكذا. النوع الأول يسعى إلى إعادة تنظيم المجتمع الحالي بناءً على قوانين زمن النبي. أما النوع النموذجي المحور فيسعى إلى أن يبيّن كيف كان النبي (ص) سيتخذ القرار ويشرّع القانون ويمارس الفعل لو كان في مجتمعنا اليوم. ثم يسعى فنائي إلى توضيح أسس هذه النظرة والنظرية ويعيد سرد افتراضاتها.
وفي النهاية، فإن النظرية التي يتبناها فنائي في هذا الكتاب هي «الترجمة الثقافية للنصوص الدينية» والتي يعرضها في الفصل الأخير. الافتراض المسبق لهذه النظرية هو أن «الدين مظروف قدسي وسماوي يُصَبّ في ظرف عرفي وأرضي، لذا لا ينبغي أن تسري قداسة المظروف وأبديته وخلوده إلى ظرفه» (ص451). ومن وجهة نظره، فإن خلود الدين لا يعني خلود جميع أحكامه (ص 454)، و«الاجتهاد يعني الترجمة الثقافية» في مقابل الترجمة الحرفية للأحكام. في الواقع، يمكن تقديم ثلاث مقاربات دينية في العالم الجديد: (1) المقاربة المتحجرة التي تظل حبيسة الظرف القديم وتعتبره الأصل، وتدّعي خطأً نقاء رؤيتها، (2) المقاربة التلفيقية التي تذهب إلى العالم الجديد وتريد تحديث كل شيء في الدين، و(3) المقاربة النقدية التي تسعى إلى توضيح العلاقة بين الظرف والمظروف (ص 472).
المؤلف، وهو نفسه مدافع عن المقاربة الثالثة، يسعى إلى تقديم معايير للتمييز بين الظرف والمظروف، وإن كان يقرّ بأن بعضها يتداخل. هذه المعايير هي: «(1) عدم الانسجام مع العقل والعقلانية الحديثة (2) عدم الانسجام مع الفطرة (3) عدم الانسجام مع ألوهية الله (4) عدم الانسجام مع إنسانية الإنسان (5) عدم الانسجام مع القيم والإلزامات الأخلاقية (6) عدم الانسجام مع ضروريات ومقومات العالم الجديد (7) عدم الانسجام مع الجوانب الجيدة والإيجابية والمفيدة في العالم الجديد (8) عدم الانسجام مع الوقائع التجريبية (9) عدم الانسجام مع أصول الدين (10) عدم الانسجام مع أهداف ومقاصد الشريعة (11) عدم الانسجام مع توقعات البشر من الدين (12) عدم الانسجام مع العرف الجديد» (ص477).
وبهذه النظرة يمكن القول إن الاجتهاد الصحيح له مرحلتان: الأولى الترجمة الثقافية للنصوص التي بموجبها يُفصل الدين عن ظرفه القديم، والثانية صبّه في ظرف مناسب لعصرنا (ص 537-538). فعلى سبيل المثال، دفع الزكاة وحرمة الاحتكار هما من الأحكام المطلقة لدين الإسلام، لكن النصوص التي تحدد موارده وتعيّن مصاديقه الخاصة، إنما تعبّر فقط عن الظرف القديم، وينبغي أن تخضع لترجمة ثقافية، في مقابل الترجمة الحرفية، وتتناسب مع عصرنا (539).
5_ ملاحظات حول أخلاقيات فهم الدين
حاولت أن أقدم صورة أمينة لهذا النص المطول، وأن أضع إصبعي على النقاط الأساسية وأفكاره وأحددها. في الواقع، ما كان قابلاً للاستفادة وملهماً لي في هذا الكتاب هو هاجس التوفيق بين الدين والأخلاق. لقد انصبّ همّ المؤلف وغمّه على ألا يضحي بأحدهما في سبيل الآخر. ولهذا السبب قرأت الكتاب حتى نهايته، رغم ما فيه من صعوبات. لكن هذا التعاطف لا يمنع من طرح بعض الملاحظات حول بنية الكتاب ووجهة نظر المؤلف. ودون الخوض في التفاصيل، سأكتفي بست نقاط أساسية في هذا الشأن.
١_ بنية الكتاب وحجمه ليسا مناسبين. هذا الكتاب لا يمتلك إيجاز كتاب الدين في ميزان الأخلاق ولا تماسكه. فبينما سعى المؤلف في كتابه السابق إلى طرح مباحث متعددة ودقيقة في نص مكثف، وهو ما أدى أحياناً إلى بعض الغموض في النص، نشهد في الكتاب الحالي توسعاً مفرطاً في المباحث. كما أن فصول الكتاب السابق كانت مترابطة تماماً وتعبر بشكل جيد عن فكرة واحدة ممتدة، أما الكتاب الحالي فليس كذلك، بل يتمتع كل فصل فيه باستقلال نسبي. ويشير المؤلف نفسه أحياناً إلى أن خلاصة هذا الفصل سبق أن نُشرت في دوريات (ص٢٥٩). وقد أدى هذا الوضع إلى عدم الاهتمام كثيراً بتناسب الفصول وحجمها، فنشهد أحياناً فصولاً تزيد عن مئة صفحة إلى جانب فصل من ٢٧ صفحة.
لكن المشكلة الأساسية ليست في حجم الكتاب فحسب. يبدو أن المؤلف لم يحدد مخاطب هذا العمل بدقة. منطقياً، قراء كتاب كهذا هم المتخصصون أو المهتمون بمباحث التجديد الديني، ولديهم إلمام كافٍ أو لازم ببعض مسائل هذا المجال. لذا، بدلاً من أن يشرح المؤلف كل شيء لهم، كان ينبغي أن يفترض في بعض الحالات معرفة مسبقة لدى المخاطبين، وفي حالات أخرى أن يحيل إلى مصادر أخرى، وفي حالات أن يوجز. لكن المؤلف، إجمالاً، يشعر وكأن القارئ غير ملم بكثير من المسائل، ونتيجة لذلك وجد نفسه مضطراً في مواضع ملحوظة إلى الشرح والتفصيل، وابتعد، بتعبير القدماء، عن المباحث الرئيسية بـ"استطراداته". على سبيل المثال، طُرحت نظرية القبض والبسط النظري للفقه كأحد سبل الخروج من التحدي بين الفقه التقليدي والعالم الحديث. وقد خصص المؤلف فصلاً كاملاً يقع في ١٠٢ صفحة (٢٨٧-٣٨٨) لشرح هذه النظرية. هذه النظرية هي في الواقع تطبيق لنظرية قبض وبسط الشريعة نظرياً في مجال الفقه. وقد رأى المؤلف ضرورة أن يشرح خلال هذه الصفحات هذه النظرية وأسسها وافتراضاتها. في حين أن غالبية قراء كتاب كهذا يعلمون على الأرجح أن هذه النظرية طُرحت في أواخر الثمانينيات ونُشرت أعمال ملحوظة في شرحها أو الدفاع عنها أو نقدها. من هذا المنظور، كان من الممكن اختزال هذا الفصل في ثلاث أو أربع صفحات وإحالة المهتمين إلى مصادر أخرى، دون أن يضر ذلك بعمومية البحث.
مشكلة الإطناب والخروج عن مسار البحث الرئيسي لا تقتصر على المثال أعلاه، فقد فعل المؤلف ذلك في مواضع أخرى أيضاً، وبهذا حال دون أن يتابع القارئ مسار البحث بسرعة، فعلى سبيل المثال، عند الحديث عن العقلانية العملية، خُصصت أربع صفحات لموضوع "لماذا ينبغي أن نكون أخلاقيين؟" وهو أمر لم يكن ضرورياً.
٢_ عدم الإحالة في كتاب كهذا يقلل من مصداقية ادعاءاته. كان يُنتظر من المؤلف في كتاب جاد ومن مقام كهذا أن يكون مستعداً دوماً للاستناد والإحالة. الإحالة، إلى جانب وظائفها المتعددة، تعبر عن دقة نظر المؤلف واستعداده لإثبات ادعاءاته. وبينما ذُكرت مصادر الأبيات والآيات، وهو أمر جيد، نشهد للأسف في مواضع أساسية من هذا الكتاب ادعاءات كبيرة دون أن يريح المؤلف ضمير القارئ الفضولي بتقديم مصدر واحد على الأقل. في هامش النسخة التي لدي، كتبت في بعض المواضع عبارة "المصدر؟" بالقلم الرصاص، أي أنني كنت أتوقع أن تُعرض مصادر بخصوص هذه الادعاءات لأتابع البحث وأتبين صحتها من خطئها. على سبيل المثال، ورد ادعاء: "بعض الفقهاء يشككون حتى في تدخل علم المنطق في استنباط الحكم الشرعي" (ص٣٧٩). جاء هذا الادعاء دون أي دليل أو مصدر. لست أنا ولا السيد فنائي من "بعض الفقهاء"، لكن كلانا درس المنطق في هذه المجالات، وأنا شخصياً لم ألحظ مثل هذا التشكيك حتى الآن. الحديث ليس عن الالتزام أو عدم الالتزام العملي، لكن المنطق يُعتبر اليوم من الدروس الأساسية في الحوزات، وحتى كتاب المنطق للمرحوم المظفر الذي أُلّف في حوزة النجف ومضى على نشره سنوات، لا يزال يُعد من المؤلفات التعليمية ويُدرس ككتاب دراسي في الجامعات. إذا كان هناك فقيه يحمل حقاً مثل هذه النظرة تجاه المنطق، فبدلاً من إخفاء اسمه واستخدام تعبير "بعض الفقهاء"، كان من الإنصاف أن يُعرض على الأقل مصدر يؤكد صحة هذا الادعاء.
في موضع آخر، حين ينقل الكاتب فتاوى «منافية للعقل»، يدّعي أنه من وجهة نظر الفقه التقليدي، «السرقة الأدبية جائزة» (ص263). ليت دليلاً يُقدَّم على ادعاء بهذه الفظاظة. إن كان المقصود بالسرقة الأدبية هو السرقة العلمية أو الانتحال أو ما يسميه الإفرنج بالسرقة الأدبية (Plagiarism)، فحسب ما بحث فيه الكاتب، لا أحد يفتي بجوازه، ومنذ القدم في تراثنا الإسلامي وحتى بين التقليديين، كان هذا الفعل يُعتبر خطأ وغير صائب. بلغ التدقيق في هذه المسألة حداً أن النظام التعليمي ينص على أن اختصار الطريق في نقل المصادر والنقل عن مصادر لم تُراجع يُعد خطأ، فكيف بسرقة آراء الآخرين وعدم ذكر أسمائهم. ولأنني ناقشت هذه المسألة في موضع آخر، فلن أسهب فيها أكثر من ذلك.[17]بالطبع، شهدنا عملياً نوعاً من التساهل إزاء السرقة الأدبية لا يقتصر على الفقهاء. فعلى سبيل المثال، كان المرحوم سيد جلال الدين آشتياني، في دفاعه عن الملا صدرا الذي اتُّهم بارتكاب الانتحال، يحاول تقديم ذلك كنوع من السنن والعادات الشائعة، وإن لم تكن قابلة للدفاع كثيراً. وإلى أي مدى يكون هذا الدفاع مقبولاً، فهذا خارج نطاق نقاشي الحالي.[18]لكن النقطة الأساسية هي أن شيوع عادة أو سنة لا ينبغي أن يُلقى باللائمة فيه على الفقه وحده وتُجرَّ أذيال الفقهاء إليه. وخلاصة القول إنه كان يُنتظر من الكاتب في هذا النوع من النقاش الحساس استنادات دقيقة، وهو توقع لم يتحقق.
3_ اعتبار الفقه التقليدي كتلة واحدة متجانسة ليس أمراً واقعياً. الفرض الضمني للكاتب هو أن الفقه التقليدي برمته يقف في معسكر واحد، وعقلانية العالم الحديث في الجانب الآخر. ونتيجة لذلك، يوصي سكان معسكر الفقه التقليدي بأن يعيدوا النظر في افتراضاتهم المسبقة بدلاً من سلوك طرقهم التقليدية، كالتمسك بالعناوين الثانوية وطرح مسألة منطقة الفراغ لحل المسائل المستجدة. لكن الواقع أن مثل هذه الصورة المتجانسة لا تحكم الفقه التقليدي، وفيما يُعتبر من بعيد فقهاً تقليدياً، نشهد تيارات عميقة تتجلى في طريقة التفكير الفقهي وإصدار الأحكام. فعلى سبيل المثال، من وجهة نظر الكاتب ووفقاً لمبنى الفقه التقليدي، فإن الأخلاق هي التي يجب أن تخضع للأحكام الفقهية، وليس العكس. لكن مراجعة بعض الإشارات التي نجدها بين علماء الفقه التقليدي تدل على أن بينهم أيضاً من يلتزم بالفقه التقليدي، ويدّعي في الوقت نفسه أن الأحكام الفقهية يجب أن تكون موافقة للأخلاق أو على الأقل غير متعارضة معها. يكفي أن نلتفت إلى بعض الحوارات التي وردت في كتاب تأثير الأخلاق في الاجتهاد[19] لندرك جيداً اختلاف وجهات النظر المتباينة.
4_ الاستخفاف بالتراث الفقهي لا يوصل إلى نتيجة. يؤكد الكاتب مراراً وبحق أنه بسبب القصور المعرفي للعقل، لا ينبغي تنحيته جانباً، ويستشهد بمصراع مولانا: «بهر کیکی تو گلیمی را مسوز» (ص63). وهذا هو الحق. فبسبب بعض الأخطاء المعرفية للعقل، لا ينبغي تجريده من الاعتبار، تماماً كما قال المرحوم البلاغي إنه بسبب بعض الحسابات الرياضية الخاطئة لا ينبغي اعتبار الرياضيات غير معتبرة. وهذا التوقع نفسه كان يُنتظر من الكاتب في مواجهته للفقه التقليدي. فبسبب القصور الذي شاب بعض الاستنباطات الفقهية، لا ينبغي التشكيك في فاعلية هذا النظام المعرفي برمته وإصدار حكم كلي عليه. نشهد اليوم بين فقهاء هذا التراث الفقهي نفسه صدور أحكام حظيت بقبول اجتماعي واعتبار عملي على نطاق واسع، وقد توصلوا إلى هذه الفتاوى بالآلية التقليدية نفسها. وسواء توصلوا إلى هذه النتيجة بسلوك طريق الفقاهة أم أنهم أصدروا هذه الفتاوى افتراضاً بدافع المصلحة ومع تنحية بعض مقتضياتهم المنهجية، فلا تأثير لذلك في النتيجة التي نراها. المسألة هي أن فقيهاً، بالتزامه بالمسلمات نفسها التي عددها السيد فنائي للفقه التقليدي، يتوصل إلى فتوى تتوافق مع العقلانية الحديثة ومطالب الإنسان الحديث، وهذه النقطة تعبر عن السعة غير المنظورة لهذا الفقه التقليدي نفسه.
5_ لا نتجاهل سلسلة نسب تقليد الإصلاح الديني. يبدو أن الانشغال بكفاءة الفقه وعصريته قد طُرح في هذا الكتاب بطريقة تبدو وكأنها حكر على طيف معين، يقف أولاً خارج معسكر الفقه التقليدي، وثانياً قد اختبر العالم الحديث عن كثب وألف رؤيته جيداً. ونتيجة لذلك، لم تُشر إلى هذا الانشغال نفسه لدى عدد كبير من الفقهاء، ولم تُستعرض سيرة الذين فكروا في هذا الميدان ونسجوا نظريات. على سبيل المثال، إحدى النقاط التي يطرحها فنائي ويعترض عليها هي مسألة الاحتياط والشك والوسواس ومسألة «الإعادة» التي تهيمن على الفقه التقليدي (ص166). هذه النقطة صحيحة، لكن قبل أكثر من ثلاثة عقود، كان المرحوم آية الله السيد محمد باقر الصدر قد طرح هذا البحث نفسه في محاضرة له نُشرت لاحقاً كمقال، وقال إن إحدى الإشكاليات الرئيسية للفقه الشيعي على مر الزمن هي هيمنة النظرة الفردية، وبالتالي طرح مسألة الشك والإعادة والوسواس. وقد طرح هذه المسألة في مقاله المناهج المستقبلية لحركة الاجتهاد[20] ودعا إلى إعادة النظر فيها.[21]
كذلك فإن بحث الظرف والمظروف والفصل بينهما الذي طرحه المؤلف في هذا الكتاب (ص451)، يبدو أنه قد طُرح سابقاً من قبل المرحوم المطهري، وإن كان من منظور آخر. فهو بعد أن يستعرض مسألة الحسن والقبح العقليين الشهيرة، يرى أن لهذه المسألة نتيجة عملية، فمن يقبل الحسن والقبح العقليين، فإنه سيوظف العقل في استنباط الأحكام، حتى لو لم يوجد حكم أو كان مخالفاً لظاهر النقل: «لأننا بناءً على ذلك المبدأ، نعتقد بأن للأحكام الإسلامية روحاً وغرضاً وهدفاً، ونحن على يقين بأن الإسلام له هدف ولن ينحرف عن هدفه أبداً. نحن نسير مع ذلك الهدف نفسه، وعندها لا نكون تابعين للشكل والصورة والقالب في القضايا.»[22] ونتيجة لذلك، فإننا ندين الربا والسرقة بأي شكل كانا عليه. أما بناءً على الحسن والقبح الشرعيين، فكل شيء تابع للشكل والقالب الثابت، ولا سبيل للعقل إلى علة الحكم، والأهم أنه «ليست للقوانين والمقررات الإسلامية روح ومعنى نجعلهما أصلاً. كل ما هنالك هو الشكل والقالب والصورة، وبتغير الشكل والقالب والصورة يتغير كل شيء.»[23] ونحن نعلم أن المطهري وسائر علماء الشيعة هم نظرياً من أتباع الحسن والقبح العقليين. وبهذا، فإن المطهري يقدم صراحة المحتوى على الصورة، أو المظروف على الظرف، ويؤكد أن روح الحكم هي المهمة، لا صورته.
6_ إخراج الحلول التقليدية من الباب وإدخالها من النافذة. يبدو أن السيد فنائي، الذي سعى طوال الكتاب لإثبات أن الحلول التقليدية لا تؤدي إلى نتيجة، يستعين بها أخيراً لتثبيت نظريته. فهو يشير في ثنايا الكتاب بإيجاز إلى أساليب الفقه التقليدي وعدم كفاءتها، ثم لا يناقشها أكثر. لكنه في نهاية الكتاب يوظف بعض هذه الأساليب في نظريته عن الترجمة الثقافية للنصوص الدينية. أحد هذه الحلول هو نظرية تقديم مقاصد الشريعة على الأحكام. ومع ذلك، فهو يدّعي أن هذه الحلول لا تؤدي إلى نتيجة وأن «محك التجربة قد كشف عن ضعفها وأظهرها للعيان» (ص123). لكنه حين يطرح نظريته المنشودة، أي الترجمة الثقافية للنصوص الدينية عبر الفصل بين الظرف والمظروف، يجعل أحد معايير تمييز الصورة عن المحتوى أو الظرف عن المظروف هو «التعارض مع أهداف الشريعة ومقاصدها» (ص477). لكن مقاصد الشريعة هذه هي الأسلوب نفسه الذي يزيد عمره عن ألف عام، ويُستخدم أحياناً لفهم أهداف الشريعة انطلاقاً من أحكام الشريعة. [24] وهذا الأسلوب هو ما يسميه القدماء: «كرّ على ما فرّ».
حاصل آن که در عین همدلی با دغدغه اصلی نویسنده، یعنی همسازی دین و اخلاق در دنیای مدرن، درباره کارآمدی این راه حل همان را میتوان گفت که نویسنده در نقد راهحلهای پیشین گفته است. نویسنده در باب ناکارآمدی نظریه قبض و بسط تئوریک شریعت، نوشته بود که مشکل اصلی آن است که توصیه در جهت به کارگیری علوم جدید در افتا، برای کسانی که اساساً ظنون عقلی و تجربی را فاقد اعتبار میدانند، راه به جایی نمیبرد (ص379-380). حال همین را میتوان به نویسنده گفت و مدعی شد از کسانی که پارادایم حاکم بر جهان مدرن را قبول ندارند، چگونه میتوان خواست که ضوابط و عقلانیت آن را بپذیرند. حاصل آن که بخشی از راه برون شدی که فنایی معرفی میکند، به همان نظریات کهن، مانند توجه به مقاصد شریعت، باز میگردد و بخشی نیز مشکل نظریات قبلی را دارد. بدین ترتیب، «حکایت همچنان باقی» است.
.
.
[1] Ethics for Life: A Text with Readings, Judith A. Boss, Fourth edition, Boston, McGraw Hill, 2008, 478 p.
[2] Philosophy of Religion: an historical introduction, Linda Trinkaus Zagzebski, Oxford, Blackwell Publishing, 2007, 254 p.
[3] اخلاق دینشناسی: پژوهشی در باب مبانی اخلاقی و معرفتشناسانه فقه، ابوالقاسم فنایی، تهران، نگاه معاصر، 1389، 604 صفحه.
[4] The Divine Command theory.
[5] Ethics for Life: A Text with Readings, Judith A. Boss, p. 158.
[6] The Divine Motivation theory.
[7] گفتنی است که این فصل ترجمه و با مشخصات زیر منتشر شده است:
دین و اخلاق، لیندا ترینکاوس زاگزبسکی، ترجمه شهاب الدین عباسی، کتاب ماه دین، شماره 171، دی 1390، ص101-111.
[8] Morality and religion, Linda Zagzebski, in the Oxford Handbook of philosophy of religion, edited by William J. Wainwright, Oxford, Oxford University Press, 2005, p. 344-365.
[9] The Virtues of God and the Foundations of Ethics, Linda Zagzebski, in Readings in Philosophy of Religion: Ancient to Contemporary, edited by Linda Zagzebski and Timothy D. Miller, Wiley-Blackwell, West Sussex, UK, 2009, p. 299-310.
[10]Philosophy of Religion: an historical introduction, Linda Trinkaus Zagzebski, p. 137.
[11] Ibid, p. 138.
[12] Ibid, p. 140.
[13] The Virtues of God and the Foundations of Ethics, Linda Zagzebski, in Readings in Philosophy of Religion: Ancient to Contemporary, p. 354.
[14] Ibid, p. 355.
[15] دین در ترازوی اخلاق: پژوهشی در باب نسبت میان اخلاق دینی و اخلاق سکولار، ابوالقاسم فنایی، تهران، صراط، 1384، 274ص.
[16] برای تفصیل این مطلب، نک: کشف المراد فی شرح تجرید الاعتقاد، یوسف بن المطهر الحلی، تحقیق حسن حسن زاده آملی، قم، دفتر انتشارات اسلامی، 1416ق.، ص 348.
[17] لمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع، انظر: چو دزدی با چراغ آید: سرقت علمی در سطح دانشگاهی، سيد حسن إسلامي، آینه پژوهش، العدد 126، فروردين 1390.
[18] لفحص هذه الادعاءات، انظر: ملاصدرا و معضل انتحال: بازسنجی دفاعیهها، سيد حسن إسلامي، آینه پژوهش، العدد 131، آذر و دي 1390.
[19] تأثير اخلاق در اجتهاد: گفتو گو با جمعی از اساتید حوزه و دانشگاه، بجهود سعيد ضيائيفر، قم، پژوهشگاه فرهنگ و معارف اسلامی، 1388.
[20] الاتجاهات المستقبله لحرکه الاجتهاد، در بحوث اسلامیه و مواضیع اخری، بيروت، دار الزهراء، 1403ق.
[21] هذه المقالة قام بترجمتها الكاتب ونُشرت بهذه البيانات: رویکردهای آینده حرکت اجتهاد، سيد محمد باقر صدر، ترجمة سيد حسن إسلامي، در تأملی در نظام آموزشی حوزه، قم، مرکز مطالعات و تحقیقات اسلامی، 1375.
[22] اصل عدل در اسلام، در مجموعه آثار، مرتضی مطهری، طهران، صدرا، 1375، مج4، ص 955.
[23] المصدر نفسه.
[24] للتعرف على فكرة مقاصد الشريعة وتاريخها وأبعادها، انظر: اهداف دین از دیدگاه شاطبی، أحمد الريسوني، ترجمة سيد حسن إسلامي وسيد محمد علي أبهري، قم، مرکز مطالعات و تحقیقات اسلامی، 1376.
.
.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.