اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى أمير حسين تركاشوند في كتابه «نسخ الرجم في الإسلام» أن هذا الحكم لم يُشرَّع قط في الإسلام، بل إن الإسلام هو الذي أبطله. ويطرح العمل نظريةً سادسة في مقابل خمس رؤى حول الرجم.

أود في هذا الكتاب أن أشرح لكم، أيها القارئ المؤمن بالدين، نتيجة بحثي حول "موقف الإسلام من عقوبة الرجم" لنرى ما هو الموقف الذي اتخذه الإسلام بعد ظهوره إزاء هذا الحكم الذي كان موجوداً بين أهل الكتاب وربما بعض مشركي البادية؟
ينبغي بدايةً أن نعلم أن للباحثين خمس نظريات حول علاقة الرجم بالشريعة الإسلامية:
شرعي مطلق شرعي مشروط شرعي مؤقت شبه شرعي غير شرعي1- شرعي مطلق: الرأي المشهور لدى الفقهاء يفيد بشرعية الرجم. علاوة على ذلك، فهم لا يعتبرون الرجم حكماً مؤقتاً خاصاً بصدر الإسلام، ولا يعلقون تنفيذه على حضور النبي (ص) والمعصوم؛ لكنهم، رغم اعتقادهم بهذا الحكم الصارم، يضعون لإثباته شروطاً تجعل وقوعه شبه ممتنع، لأنهم يجعلون الرجم عقاباً فقط لأولئك المتزوجين الذين تتوفر فيهم الشروط التالية:
أ- أن تتوفر لهم إمكانية الوصول الجنسي إلى الزوج في كل صباح ومساء؛ فإذا سافر الرجل، ولو سفر يومين أو ثلاثة، وارتكب هو في سفره وزوجته في الحضر الزنا، فلا يُرجم أي منهما لأنهما لم يكونا قادرين على الوصول إلى زوجهما وقت الزنا.
ب- إما أن يشهد أربعة عدول عياناً الجزء الذي لا يُذكر من الاتصال الجنسي كالميل في المكحلة، ويتعرفوا على هوية الطرفين، وإما أن يذهب الزاني بنفسه أربع مرات إلى القاضي ويقر بخطيئته. ويزداد الأمر تعقيداً حين لا يجوز للمسلم، من الناحية الفقهية، أن يحدق في عورة غيره، وبهذا الحساب لا يُعرف كيف يمكن للشاهد أن يدلي بشهادة كالميل في المكحلة؛ كذلك فإن المُقر، أولاً ليس مجبراً على المثول أمام القاضي، ومجرد أن يندم على فعله ويتوب يكفي، وثانياً يجب على القاضي أثناء الإقرار الأول أن يتعامل مع المقر بطريقة تجعله يندم على الاستمرار في المراجعات اللاحقة (والاعترافات من الثانية إلى الرابعة) ويحثه على مجرد التوبة.
ولهذه الأسباب يعتبر القائلون بهذا الرأي أن تنفيذه شبه ممتنع الوقوع.
2- الشرعي المشروط (المعلّق): رأي آخر مشهور بين فقهاء الشيعة، هو أنه مع كون حكم الرجم شرعياً وذا اعتبار دائم، إلا أن تنفيذه مشروط بحضور المعصوم، وبما أننا نعيش في عصر غيبة المعصوم، فإن هذا الحكم وتنفيذه يبقيان معلّقين حتى ظهور الإمام الثاني عشر.
يرى البعض أن سبب توقف الحكم في زمن غيبة المعصوم ناشئ من أنه في مثل هذه الظروف، لا تتوفر الأرضيات اللازمة والكافية لحياة سليمة ومتعالية، ولا إمكانية النمو والوعي بالشكل الأمثل الذي يريده الإسلام للبشرية، ونتيجة لذلك لا يمكن تنفيذ أحكام الإسلام (ومنها الرجم) بسبب عدم انسجام الأوضاع مع المعايير الإسلامية، لأن الإدارة غير الصحيحة للمجتمع تسهم أيضاً في وقوع الخطأ؛ أما إذا كان المعصوم حاضراً فإنه يهيئ في هذه الحال الأرضيات والمقتضيات لحياة سليمة ومرفهة وروحية، وإذا ارتكب شخص في تلك الظروف زنا المحصنة، فحينئذٍ تكون الحجة قد تمت عليه (بتهيئة الأرضيات اللازمة)، وبالتالي يمكن رجمه، طبعاً مع إثبات الشروط المصرح بها في كلام المعصومين. بعبارة أخرى، إن تنفيذ حكم الرجم هو جزاء لمن كان يتمتع في حياته بمواهب إدارة المعصوم في ساحة الحياة.
3- الشرعي المؤقت (غير الدائم): يرى بعض الباحثين أن حكم الرجم (وبعض الأحكام الجزائية الأخرى) ليس حكماً ثابتاً ودائماً، بل هو حكم مؤقت ومتعلق بفترة صدر الإسلام بخصائصها الخاصة، لا سيما وجود الطباع الخشنة؛ وهم يرون أن البشرية وقد تحولت وارتفعت شأنها من الناحية الأخلاقية والإنسانية، لم تعد منسجمة مع ذلك الحكم؛ بعبارة أخرى، إن الظرف والظروف التي أدت إلى إنشاء حكم الرجم في عصر النبي (ومنها كون العقوبات القاسية والخشنة أمراً عادياً) قد زالت اليوم، ونتيجة لذلك، وبسبب فقدان المكونات الموجودة في الظرف والموضوع، لا توجد شروط إنفاذ الرجم وتعميمه على العصر الحالي موضوعاً. وعلى هذا الأساس، كان عقاب الرجم منذ البداية حكماً محدوداً بعصر النبي (والعصور المشابهة) ومتناسباً مع الطبع العنيف لذلك الزمان، وليس مع الطبائع المتألمة واللينة الحالية.
4- شبه الشرعي: يعتقد البعض أيضاً أنه على الرغم من أن أصل الرجم هو حكم شرعي مطلق، إلا أنه بناءً على التوضيح والتعريف الواردين بشأنه في كلام المعصومين، لا يمكن اعتبار سوى نصف تعريفه المشهور الحالي شرعياً، أما النصف الآخر الذي يدل على كون الرجم مميتاً (بل وشديد الإيذاء) فلا يتوافق مع الشرع.
الرجم في هذه الرؤية الفقهية هو مجرد تنبيه وإظهار نفور رسمي، ينبغي بطبيعة الحال (بناءً على الروايات الواردة) أن يقتصر تنفيذه على استخدام الحجارة الصغيرة (الحصى) ودون إصابة الأماكن الحساسة (الرأس، الوجه، العورة...) وينتهي [بعد دقائق] بصدق مفهوم الرجم.
5- غير الشرعي: أما بعض الفقهاء المعاصرين فيعتقدون أن مثل هذا الحكم لم يُشرّع أساساً. وهم عادةً ما يعتبرون هذا الحكم مرتبطاً بمعسكر اليهودية (وناشئاً أحياناً عن سياسة عمر بن الخطاب) وقد تسلل إلى المجتمع الإسلامي. يعتقد هؤلاء أن عقاب المتزوجين يمكن العثور عليه بوضوح في القرآن، ومع وجوده لا حاجة للرجوع إلى أدلة أخرى، وبما أن القرآن لم يطرح أبداً عقوبة الرجم، فإنهم يعتبرونه حكماً غير شرعي.
في هذه الرؤية، تُرفض روايات الرجم لسببين رئيسيين: الأول بسبب تعارضها مع القرآن؛ لأنه كما قيل، القرآن نفسه ناطق بعقاب زنا المحصنة وهو شيء غير الرجم. والثاني بتضعيف الروايات المفتاحية، التي تفقد بطبيعة الحال اعتبار الاستناد.
الرجم يعني قتل الزاني بواسطة الرمي المتتابع للحجارة عليه؛ النسخ يعني إلغاء اعتبار حكم كان موجوداً من قبل؛ بناءً على ذلك، في نظرية "نسخ الرجم بواسطة الإسلام" أريد أن أوضح أن مثل هذا الحكم لم يشرّع في الإسلام ولم يُمضَ حتى! بل إن الإسلام بعد ظهوره نسخ هذا الحكم الموجود لدى أهل الكتاب واعتبره باطلاً!
يا لها من نظرية مدهشة!؛ كان يُعتقد حتى الآن أن الرجم حكم إسلامي، ولكن ها هي نظرية تُطرح لتكون على درجة 180 (بل وأكثر) معارضةً له، لأنها تقول إن الإسلام جاء ونسخ الرجم وألغاه وأبطله!
لن أتعجّل في إيصالكم إلى هذه النظريّة المذهلة، لأنني لو عرضت النظريّة ومستنداتها في البداية مباشرة، لصَعُب هضمها بسبب اختلافها بمقدار 180 درجة عن الرأي المشهور؛ لذا سأقرّب القارئ من النظريّة رويدًا رويدًا، وأزيل موانع قبولها واحدًا تلو الآخر من طريقه.
نظّمت أولاً القسم الأوّل، وفي بدايته ندرس مصطلح الرجم، ثم نُخضع روايات الرجم لإعادة قراءة دقيقة، لنرى أولاً ما المعنى الذي كانت تحمله هذه الكلمة بين العرب، وما تعريفها في مقام العقوبة، وثانيًا لنستخلص من قلب الروايات "القانون الجامع للرجم"، بما يشمل طريق ثبوت الرجم، وكيفيّة تنفيذه، وغايته ونهايته. في هذا القانون العلويّ يتّضح أنّ بنود القانون الثلاثة تختلف عمّا في أذهاننا الآن؛ إذ ليس طريق ثبوته الإقرار والاعتراف، ولا كيفيّة تنفيذه بالحجارة القاتلة وعلى النقاط المميتة، ولا غايته الموت والقتل. سمّيت القسم الأوّل: إعادة النظر في روايات الرجم. في هذا القسم، يُقطع جزء مهمّ من طريقنا للاقتراب من النظريّة.
ثمّ في القسم الثاني، أكشف النقاب عن الروايات المخالفة للرجم والرجم بالحجارة، وأُعرّف القرّاء الكرام، ولأوّل مرّة، بعدّة مجموعات من الروايات يكون فيها جزاء زنا المحصنين شيئًا آخر غير الرجم والرجم بالحجارة. وبهذا يمكن الاحتمال بأنّ روايات الرجم التي أشير إليها في القسم الأوّل لعلّها لم تكن القول القطعيّ والأصليّ للأئمّة، أو لعلّها صدرت من باب التقيّة؛ وعلى هذا الأساس، فالأئمّة إذ لم يكونوا يعتقدون بالرجم والرجم بالحجارة، كانوا في بعض الحالات يتكلّمون بما في قلوبهم ولا يأتون على ذكر الرجم والرجم بالحجارة عند تحديد عقوبة زنا المحصنة، لكنّهم في حالات أخرى كانوا بصدد بيان "القانون السائد" والحكم الجاري في النظام القانونيّ الحاكم على المجتمع، فكانوا يطرحون أصل الرجم، ولكن حتمًا وبخصائص إنسانيّة تختلف عن كمّ وكيف القانون السائد، ولم يكن ذلك أبدًا، كما قيل، معادلاً للرجم القانونيّ بالحجارة. ومع نهاية القسم الثاني الذي سمّيته روايات خلاف الرجم والرجم بالحجارة، نقترب من أهداف الكتاب، ويقف الذهن على بُعد خطوة من القسم الأخير، ويصبح مستعدًّا لسماع النظريّة.
وأخيرًا في القسم الثالث، ومن خلال إيراد واحد وعشرين مستندًا قرآنيًّا، أُبيّن كيف أنّ الإسلام نسخ مطلقًا حكم أهل الكتاب الدائر على قتل ورجم الزاني بالحجارة!. اسم القسم الثالث من الكتاب هو عنوان نظريّتي نفسه.
لعلّ القارئ يأخذ عليّ أنني، خلافًا للبرنامج التدرّجيّ، وضعت نظريّتك عنوانًا للكتاب على الغلاف، وهذا بذاته نقض كبير لهذا التدرّج؟ أنا أقبل هذا النقد، لكن لم يكن لي حيلة، لأنّ الاسم مهمّ جدًّا، وأردت باختيار هذا الاسم الاستثنائيّ، أي "نسخ الرجم بالحجارة من قِبَل الإسلام"، أن "أبعث الروح المعنويّة" في المجتمع المسلم ولأبناء إيران المؤمنين بالدين، كي يرفعوا رؤوسهم عاليًا وأعلى، ويقولوا بصوت نابع من أعماق الروح: لقد جاء إسلامنا وحكم بنسخ الرجم بالحجارة الموجود بين أهل الكتاب! وبالطبع، وللتخفيف من حدّة هذا النقض، توصّلت إلى أن أضع عناوين أقسام الكتاب على الغلاف أيضًا، كي يغتبط القارئ برؤية عنوان الكتاب، ويُدرك في الوقت نفسه، برؤية عناوين الأقسام، الطابع البحثيّ والتدرّجيّ للمطالب.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.