اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى فتغنشتاين أن الحياة ترتكز على معتقدات لا أساس لها، وهي التي تشكّل إطار كل سؤال واستدلال. هذه المعتقدات ليست ضعفاً، بل حدوداً يكتسب التبرير داخلها معناه، وعندها ينبغي الكفّ عن التبرير.

يكتب فتغنشتاين في ملاحظاته الأخيرة أنه من الصعب "أن ندرك انعدام أساس معتقداتنا." لقد كان فكره منصباً على المدى الذي تشكل به التسليمات المطلقة وغير المسندة حياتنا. [هذه المسألة] تبدو بديهية في حالة الأطفال. إنهم يسمعون أسماء الأشياء ويتقبلون ما يُقال لهم ولا يسألون عن دليله. لا يطلب الطفل دليلاً على أن الشخص الذي يطعمه يُدعى "ماما". أم هل ينبغي أن نفترض أن الطفل يستدل لنفسه قائلاً: "يبدو أن الآخرين الحاضرين يعرفون من يطعمني، وبما أنهم يدعونه 'ماما' فمن المحتمل أن هذا هو اسمه"؟ بالتأمل في [هذا الأمر] يتضح أن الطفل لا يستطيع أن يزن الأدلة أو حتى أن يشك في شيء ما لم يكن قد تعلم شيئاً من قبل. [في هذا الشأن] يقول فتغنشتاين: "يتعلم الطفل بناءً على الإيمان بالكبار. الشك يأتي بعد الإيمان." (في اليقين، 160).
الأصعب إدراكاً هو أن حياة البالغين والمتعلمين تتشكل أيضاً على أساس معتقدات لا أساس لها. لا أعني المعتقدات الشاذة وغير المألوفة التي تقع على هامش حياتهم، بل المعتقدات الأساسية والجذرية. تأمل الاعتقاد القائل بأن الأشياء المادية من حولنا (الساعة، الحذاء، الكرسي) لا تفنى دون تفسير فيزيائي [منطقي]. "إنها لا تختفي في الهواء الرقيق". المدهش أننا نستخدم هذه العبارة: "أنا أعلم أنني وضعت المفاتيح هناك بالضبط على الطاولة. لا بد أنها اختفت في الهواء الرقيق!" لكن إعلان الدهشة هذا مبالغ فيه؛ نحن في الحقيقة لا نتحدث بجدية. لا أعرف أي شخص بالغ يفترض حقاً أن المفاتيح اختفت دون أي تفسير.
موقفنا من هذه المسألة لافت للنظر. نحن لا نميل حتى إلى افتراض احتمال أن يكون كرسي الحديقة المفقود قد "اختفى". نحن لا نقبل مثل هذا القول، وإذا طرح أحدهم هذه المسألة فسنكون على يقين من أنه يمزح. ليس مبالغاً القول إن هذا الموقف يشكل جزءاً من أسس تفكيرنا. لا نريد أن نقول إن هذا الموقف لاعقلاني؛ بل هو شيء لا نحاول الاتكاء عليه [بامتلاك] أدلة [عقلية]. يمكننا القول إنه ينتمي إلى "الإطار" الفكري لدينا حول الأشياء المادية.
يسأل فتغنشتاين: "هل حاول أحدٌ قط أن يختبر ما إذا كانت هذه الطاولة لا تزال موجودة عندما لا ينتبه إليها أحد؟" (في اليقين، 163). جوابه هو: بالتأكيد لا. أليس السبب هو أننا لو حدث ذلك لما كنا نستطيع أن نسميها "طاولة"؟ لكننا نسميها "طاولة" ولا أحد منا يقوم بهذا الاختبار. ألا يدل هذا على أننا لا نعتبر ذلك الحدث أمراً ممكناً؟ الأشخاص الذين اعتبروه كذلك، فعلهم هذا مضحك في نظرنا. يمكن للمرء أن يتصور أنهم قرروا القيام بتجربة مبتكرة لهذه المسألة، لكن هذا التحقيق قد يثير ضحكنا. هل هذا لأن أسلافنا قاموا بمثل هذه التجارب وحسموا الأمر مرة وإلى الأبد؟ لا أعتقد ذلك. إن مبدأ أن الأشياء المادية لا تفنى بدون سبب فيزيائي [منطقي] هو جزء لاعقلاني من الإطار الذي تُجرى ضمنه التحقيقات الفيزيائية والذي ترتبط به التفسيرات والتعليلات الفيزيائية.
يصرح فتغنشتاين بأن هذا الأمر ينطبق أيضاً على ما يمكن تسميته "مبدأ اطراد الطبيعة"[1]:
"تأمل الأبحاث الكيميائية. يجري لافوازييه تجارب على المواد في مختبره ثم يستنتج أنه يحدث كذا وكذا جراء الحرارة. إنه لا يقول إنه من الممكن أن يحدث الأمر بشكل مختلف في المرة القادمة. إنه يتبنى صورة-عالم معينة، لم يخترعها بالطبع، بل تعلمها في طفولته. أقول صورة-عالم لا فرضية، لأن صورة-العالم هذه هي الأساس البديهي لبحثه، ومن هذه الناحية تبقى غير منطوق بها." (في اليقين، 167)
«ولكن، ما هو الدور الذي يلعبه هذا الافتراض المسبق بأن المادة (أ) تتفاعل دائمًا مع المادة (ب) بالطريقة نفسها في ظل ظروف متطابقة؟ أم أن هذا جزء من تعريف المادة؟» (في اليقين، 168)
تنتمي مبادئ الإطار، مثل استمرارية الطبيعة أو افتراض أن الأشياء المادية لا تفنى دون سبب فيزيائي، إلى ما يسميه فيتغنشتاين «النسق». وهو يطرح وجهة النظر التالية التي أراها صحيحة: «كل اختبار، وكل تأكيد أو تفنيد لفرضية ما، يحدث منذ البداية داخل نسق. وهذا النسق ليس بالطبع نقطة انطلاق اعتباطية ومشكوكًا فيها إلى حد ما لكل استدلالاتنا، بل هو ينتمي إلى ماهية ما نسميه استدلالًا. النسق هو العنصر الحيوي للاستدلالات، أكثر من كونه نقطة انطلاقها.» (في اليقين، 105)
يوفر «النسق» الحدود التي نطرح داخلها الأسئلة، ونجري التحقيقات، ونصدر الأحكام. تُطرح الفرضيات ويتم تحديها داخل نسق. التصديق، التبرير، والبحث عن الدليل يحدث داخل نسق. قضايا إطار النسق لا تخضع للاختبار ولا تُدعم بالأدلة. هذا هو ما يعنيه قول فيتغنشتاين: «بالطبع يوجد تبرير، لكن للتبرير نهاية.» (في اليقين، 192)؛ وعندما يسأل فيتغنشتاين: «أليس للاختبار نهاية؟» (في اليقين، 164) وعندما يصرح: «لا أحد يجرب أبدًا ما إذا كانت هذه الطاولة تبقى موجودة عندما لا ينتبه إليها أحد؟» (في اليقين، 163).
لا ينبغي أن يُعزى هذا الأمر إلى ضعف بشري. إنه مقتضى مفهومي أن تبقى أسئلتنا وأسبابنا داخل الحدود. على سبيل المثال، تأمل حساب عدد ما. نتحقق من صحة بعض خطوات الحساب، ولكن ليس بعضها الآخر: مثلاً، 8=4+4. قد يتحقق بعض المبتدئين من هذه العملية الحسابية، لكن البالغين لا يفعلون ذلك. وبالمثل، قد يرغب بعض البالغين في أن يبرهنوا بالحساب أن 625=25×25، بينما يسخر آخرون من هذا الأمر. لذا، قد لا تكون الحدود الحسابية لنسق أنت مطابقة تمامًا لحدود أنا. لكننا نحسب، وكما يصرح فيتغنشتاين، «في بعض المواقف... نعتبر عملية حسابية ما قد تم التحقق منها بما فيه الكفاية. ما الذي يعطينا الحق في ذلك؟... يجب أن نتوقف عن التبرير في مكان ما، وعندها تبقى هذه العبارة: إننا نحسب هكذا» (في اليقين، 212). إذا لم يقبل أحد أيًا من الحدود الحسابية، فهذا يعني أنه لم يستوعب اللعبة اللغوية: «إذا تصور أحدهم أن كل حساباتنا غير يقينية ولا يمكن الوثوق بأي منها (بحجة أن الخطأ ممكن في كل مكان)، فقد نقول إنه مجنون. لكن هل يمكننا القول إنه مخطئ؟ أليس أنه فقط يتفاعل بطريقة مختلفة: نحن نثق بالحسابات، هو لا يثق؛ نحن على يقين، هو ليس كذلك» (في اليقين، 217). لقد تعلمنا أو قبلنا أنساقًا نتعامل داخلها مع الشكوك، ونجري التحقيقات، ونستخلص النتائج. نحن ننمو داخل إطار، ولا نتساءل عنه. قبولنا قائم على الثقة. لكن هذا القبول لا يستند إلى تفكير. نحن لا نقرر قبول قضايا الإطار. لا نقرر أن نعيش على الأرض، أكثر مما نقرر أن نتعلم لغتنا الأم. نصل إلى حيث يجب أن نخلص إلى قضية إطار، بمعنى أنها تشكل طريقة تفكيرنا. قضايا الإطار التي ننمو معها ليست خصائص شخصية، بل هي طرق مشتركة في الكلام والتفكير يفرضها علينا المجتمع الإنساني. تقبلاتنا التي امتنعنا عنها تعني أننا لم نتعلم كيف نعد، أو نقيس، أو نستعمل الأسماء، أو نلعب، أو حتى نتكلم. يصرح فيتغنشتاين هكذا: «اللعبة اللغوية ممكنة فقط إذا وثقنا بشيء ما. لا يعني هذا أنه يمكننا الوثوق بشيء ما.» (في اليقين، 509)
أعتقد أن ما يعنيه بهذا الإقرار أو القبول هو ما يسميه الإيمان «بالمفهوم الديني للإيمان» (في اليقين، 459). ما الذي يقصده بالإيمان «بالمفهوم الديني للإيمان»؟ إنه يميزه بوضوح عن الحدس والتخمين (المرجع نفسه). أعتقد أن هذا يعني أنه لا يوجد شيء تجريبي أو قابل للاختبار بخصوصه؛ هذا الإيمان لا يُقبل كفرضية يمكن التخلي عنها لاحقًا في ضوء دليل جديد. يكشف هذا عن سمة مهمة لفهم فتغنشتاين للإيمان، بمفهوم «الإيمان الديني»، بمعنى أنه لا ينشأ ولا يزول بناءً على شاهد أو أدلة: إنه «بلا أساس».
2
في فلسفتنا الأكاديمية الغربية، تُعرف المعتقدات الدينية عادةً بأنها غير عقلانية ويُنظر إليها بازدراء بل وبإهانة. يُقال إن الدين هو ملاذ أولئك الذين لا يقدرون، بسبب ضعف فكري أو شخصي، على مواجهة الواقع الثقيل لهذا العالم. النظرة الموضوعية، الكاملة والموثوقة هي فقط التمسك بالاعتقادات القائمة على الشاهد والدليل.
في رأيي أن الفكر الفلسفي متأثر إلى حد كبير بهذا التمجيد للأمر الحدسي. لدينا نوع من العداء تجاه القضايا، والتقارير، والتصريحات، والمعتقدات التي لا تستند إلى استدلال ودليل. ثمة أمثلة كثيرة على هذا الميل الفلسفي.
على سبيل المثال، بالنسبة لتقرير شخص لديه تصور عن برج إيفل، نميل إلى الاعتقاد بأن هذا التصور يجب أن يكون شبيهًا ببرج إيفل. وإلا كيف يمكن للشخص أن يدعي بيقين كامل أن تصوره هو عن ماذا؟ كيف يمكن أن يكون واعيًا به؟
مثال آخر: نعتقد أن تقريرًا أو اعتقادًا قائمًا على الذاكرة يجب أن يستند إلى منبع ذهني مجهز بخصائص متنوعة للتطابق مع السمات المرتبطة بالاعتقاد الذاكري. يشمل هذا المنبع صورة تؤسس لارتباط الاعتقاد، وشعور خاص يجعل الشخص يحيل صورته إلى حدث في الماضي، وكذلك شعور آخر يجعل الشخص يعتقد أن هذه الصورة تمثيل دقيق للحدث الماضي، وشعور آخر يجعل الشخص يدرك أنه هو نفسه كان شاهدًا على الحدث الماضي. حضور هذه الخصائص المتنوعة يجعل المعتقدات القائمة على الذاكرة معقولة تمامًا.
تمثيل أخير: تأمل هذه الحقيقة أنه بعد بضعة أمثلة مقارنة وقليل من التدريب، يمكن للشخص أن يشرع في عمل، أن يستخدم كلمة بدقة في المستقبل، أن يواصل متواليات عددية من نقطة بداية، أن يميز البنى النحوية من غير النحوية، أن يحل مسائل الحساب، وهكذا دواليك. هذه الأداءات الصحيحة ستتعامل مع أمثلة جديدة ومختلفة، وشروط وتركيبات. سيكون ناتج الأداء أكثر تنوعًا بكثير من مُدخل التدريب. كيف يكون هذا ممكنًا؟ ما الذي ينقل الشخص من التدريب الضعيف إلى أدائه المتقن؟ يمكن أن يكون التفسير أن إحدى نتائج تعليمه كانت انتزاع التصور والفكرة، ملاحظة الطبيعة المشتركة، «استبطان» القانون، وفهم التركيب. ماذا عساه أن يجسر الهوة بين فقر التدريب وثراء الأداء؟ هكذا نفترض سلوكًا نفسيًا وسيطًا أو حالة تزيل الفارق وتقيم التوازن.
تنتمي تمثيلاتي إلى ما يمكن تسميته «باثولوجيا» الفلسفة. يتحدث فتغنشتاين عن «مرض فكري عام» يسعى إلى تفسير وقوع الإدراك، أو التمييز، أو الفهم عبر افتراض حالات داخلية أو عملية تجري خلالها الوقائع كالماء الجاري من خزان. (الكتاب الأزرق والبني، 143). هذه الوسائط الداخلية تُفترض في العلية النسبية للبنى المعرفية المتنوعة. الأهم لغرضي الحالي، أن الوسائط تُفترض لتبريرها؛ إنها تُعد استدلالاتنا لقول أو فعل هذا بدلًا من ذاك؛ إنها تشرح كيف نعلم بأمر ما. الصورة، أو الحالة المعرفية، أو الشعور، أو الأنموذج، أو العينة، أو القاعدة، أو التركيب تُعلمنا. إنها أشبه بخريطة طريق أو لافتة إرشادية، تدلنا على المسار.
ما هو «الباثولوجي» لهذه البنى المفترضة والاستدلالات شبه العلمية؟ أمران على الأقل. أولاً، إن حركة الفكر التي تقتضيها هذه الوسائط هي حركة دائرية وجوفاء، ما لم توفر لوجودها وجوهرها معايير غير وقوع الظواهر التي تُفترض لتفسيرها - وبالطبع، فإن مثل هذه المعايير غير ممكنة. ثانيًا، نقد فيتغنشتاين العميق لحركة الفكر الفلسفية هذه: أي إشارته إلى أنه لا يهم أي نوع من الحالة، أو العملية، أو النموذج، أو الأنماط، أو التركيب، أو القاعدة نتصورها كدليلنا الضروري، إذ يمكن فهمها أو قبولها على أنها شيء يُظهر مسارًا مختلفًا عن المسار الذي سلكناه في الحقيقة. إن التصور، أو التركيب، أو القاعدة الوسيطة المفترضة، لا تكشف ولا يمكنها أن تكشف أننا لهذا السبب سلكنا هذا المسار لأننا اعتبرناه عقلانيًا. لذا، فإن الوسيط المُدخَل الذي نُفتتن بأن [نستخدمه] لجسر الهوة بين التعليم والأداء، لا يستطيع، في موضعه كشيء يُظهر لنا ما يجب فعله لنفعل شيئًا أو نقوله بعقلانية، أن يفعل ما صُنع لأجله. إنه لا يستطيع سد الفجوة الإبستيمولوجية. ولا يمكنه أن يوفر جسر التبرير. ولا يمكنه أن يسكّن [حيرة] سؤال: كيف-نعرف-شيئًا؟ لم لا؟ لأنه لا يستطيع أن يخبرنا كيف ينبغي أن يُنظر إليه هو نفسه، ويُفهم، ويُطبَّق. يعبر فيتغنشتاين عن هذه النقطة بإيجاز وقوة: «لا تظن أنك تقرأ ما تقوله دائمًا من الوقائع؛ وأنك تصورها في كلمات وفقًا للقواعد. لأنه حتى في هذه الحالة، سيكون عليك تطبيق القاعدة في الحالة الخاصة دون دليل إرشادي.» (تحقيقات فلسفية، 292) دون دليل! تمامًا كعلامة السهم، لا يستطيع فيتغنشتاين أن يخبرنا أن نسير في الاتجاه الذي يظهره لنا السهم أم بعكسه، تمامًا كما لا تستطيع الصور، أو التصورات الذهنية، أو التراكيب المعرفية، أو القواعد التي نعتبرها نحن الفلاسفة أدوات إرشادية أن تفسر نفسها لنا. إن العلامة الإرشادية لا تخبر المسافر كيف يقرأها. قد تخبر علامة إرشادية ثانية المسافر كيف يقرأ الأولى؛ يمكننا تصور مثل هذه الحالة. لكن هذا لا يمكن أن يستمر. إذا أراد المسافر أن يواصل سفره دون دليل، فعليه أن يباشر الأمر بنفسه.
إن قصة المسافر تتحدث عن جميع ألعاب اللغة التي نتعلمها ونمارسها؛ حتى تلك التي تمتلك أكثر أنواع التدريب انتظامًا وأكثر المعايير التقليدية دقة. لنفترض أن تلميذًا تلقى تدريبًا كاملاً في بعض المهارات، سواء أكانت هذه المهارات رسم النقوش أو التسييج أم إثبات القضايا. لكنه في ظروفه الجديدة يجب أن يواصل بمفرده. كيف يعرف ماذا يفعل؟ يقول فيتغنشتاين:
«كيف يمكنه أن يعرف كيف ينبغي أن يواصل النمط بنفسه - أيًا كان ما يعطيه إياه التدريب؟ حسنًا، كيف أعرف أنا؟ - إذا كان هذا يعني "هل لدي أسباب؟" فالجواب هو: ستنفد أسبابی قريبًا، وعندها سأتصرف دون أسباب.» (تحقيقات فلسفية، 211)
الأسباب تنتهي. الإجابات عن سؤال كيف-نعرف-شيئًا؟ تبلغ نهايتها. الشواهد تنتهي. علينا أن نتكلم، ونمارس الفعالية، ونعيش دون شاهد. هذا هو الحال ليس فقط على هامش الحياة واللغة، بل في مركز معظم فعالياتنا اليومية أيضًا. إننا نتعلم اتباع القواعد في أثناء تعلمنا لها. لكن تدريبنا كان في الماضي! علينا أن نتجاوزه ونواصل معتمدين على أنفسنا.
إنها لحقيقة طبيعية بالغة الأهمية أنه إذا واصل الناس الانخراط في فعالية تلقوا فيها تدريبًا عامًا، فسيتفقون إلى حد كبير مع بعضهم البعض، وسيقبلون النماذج والتناسبات نفسها، وسيقومون بإجراءات متشابهة. نحن نتفق على ما ينبغي قوله وكيفية استخدام اللغة. نحن نتفق على الإجابة التي نعطيها في حالات خاصة.
كما يقول فيتغنشتاين: «ليس التوافق في الآراء، بل في شكل الحياة» (تحقيقات منطقية، 241). لا يمكننا تفسير هذا التوافق بالقول إننا نفعل فقط ما تمليه علينا القواعد – لأن توافقنا في قبول القواعد والتعليمات والإعلانات هو ما يمنحها معناها.
أحد أمراض الفلسفة الأساسية هو الشعور بأننا مضطرون إلى تبرير ألعابنا اللغوية. نريد أن نقر بتلك التي تمتلك أساسًا متينًا. لكن ينبغي لنا هنا أن نورد ملاحظة فيتغنشتاين بأن لعبة لغوية «لا تستند إلى سبب. إنها موجودة فحسب – مثل حياتنا.» (في اليقين، 559)
داخل لعبة لغوية يوجد تبرير ولا تبرير، شاهد وبرهان، خطأ واعتقاد لا أساس له، استدلال جيد وسيئ، تقييم دقيق وغير دقيق. لا يمكن للمرء أن يطبق هذه المصطلحات بشكل صحيح على اللعبة اللغوية نفسها. على أية حال، يمكن القول عنها إنها «بلا أساس»، ليس بمعنى اعتقاد لا أساس له، بل بمعنى أننا قبلناها، ونحن نعيش بها. يمكننا القول: «هذا ما نفعله. هذه هي كيفيتنا في الوجود.»
بهذا المعنى، الطقس والشعيرة بلا أساس؛ والكيمياء كذلك. داخل كلا النظامين من الفكر والممارسة، توجد مناقشة واستدلال. داخل كلا النظامين يوجد تقدم وتقهقر في استبطان أسرار الطبيعة أو الحالة الروحية للبشرية ومطالب الخالق، المخلص، القاضي، المبدأ. داخل إطار كل نظام يوجد نقد، شرح، تبرير. لكن لا ينبغي لنا أن نتوقع وجود نوع من التبرير العقلاني في الإطار نفسه.
يستخدم الكيميائي أحيانًا الاستقراء. هل لديه دليل على [استخدام] قانون الاستقراء؟ يصرح فيتغنشتاين بأنه من العبث أن نقول «أنا أعرف أن قانون الاستقراء صحيح». («تصور أن تُقال جملة كهذه في المحكمة.») الأصح أن نقول «أنا أؤمن بقانون الاستقراء.» (في اليقين، 500) طريقة العرض هذه أفضل لأنها تعبر عن أن هذا الموقف من الاستقراء هو إيمان بمعنى الإيمان «الديني» – الذي يعبر عن قبول ليس ظنًا ولا تخمينًا، وفي الوقت نفسه لا يوجد له دليل – إنه قبول لا أساس له.
يبدو لنا من قبيل الاضطراب العقلاني أن نتصور نظامًا فكريًا قد يكون غير مدعم بالحجج وليس له تبرير عقلاني. ومع ذلك، ندرك ببساطة أن الأسباب تنتهي سريعًا – لأننا لا نستطيع الاستمرار في تقديم أسباب لأسبابنا. من هذا الإدراك ينشأ مفهوم سبب مبرر بذاته – شيء لا تكون مشروعيته كسبب موضع تساؤل.
هذا المفهوم الميتافيزيقي يجعل حضوره محسوسًا بطرق عديدة – على سبيل المثال، كتفسير لكيف يمكن للمرء أن يقول عمَّ تكون صورته الذهنية. نشعر بأن العبارات التالية، التي تصورها فيتغنشتاين، صحيحة تمامًا: «يجب أن تكون الصورة الذهنية أكثر شبهًا بالشيء [المتعلق بها] من أي صورة. لأنه مهما جعلنا الصورة شبيهة بما يفترض أن تمثله، يمكنها دائمًا أن تكون صورة لشيء آخر أيضًا. لكن ما هو جوهري في الصورة الذهنية هو أنها الصورة الذهنية لهذا، وليست الصورة الذهنية لأي شيء آخر.» (تحقيقات فلسفية، 389) رسم مرسوم بقلم وحبر يمثل برج إيفل؛ لكنه يمكن أن يمثل منجمًا أو نوعًا جديدًا من رافعة السيارة [أيضًا].
لا شيء يمنع من أن تكون اللوحة تمثيلاً لشيء آخر غير برج إيفل. لكن تصوري الذهني لبرج إيفل هو بالضرورة تصور لبرج إيفل. لذلك ينبغي أن يكون نوعاً من الصورة «اللافتة للنظر». وكما يصرح فتغنشتاين: «من هذا المنطلق قد يخلص المرء إلى اعتبار هذه الصورة بمثابة صورة فائقة التطابق[2]» (المرجع نفسه). حتى الآن، ليس لدينا مفهوم واضح ومفهوم لكيفية تميز صورة استثنائية عن صورة عادية. يبدو أنها ينبغي أن تكون تطابقاً استثنائياً[3] – ولكن ما معنى ذلك؟
هناك تمرين لغوي حيث يخبر شخصٌ آخرَ عن ماهية تصوره (أو ما يتخيل فعله أو عمَّ يتحدث) ولا يُطرح سؤال عن كيف يعرف الشخص الأول أن ما يقوله صحيح. هذا السؤال يُفرض من الخارج فرضاً، بدافع من حماسة فلسفية للتبرير. يمكننا هنا أن نرى أهمية هذه الإشارة: «المسألة ليست مسألة شرح لعبة لغوية بواسطة تجاربنا، بل مسألة الانتباه إلى لعبة لغوية.» (تحقيقات فلسفية، 655) «اعتبر اللعبة اللغوية هي الموضوع الأساسي.» (تحقيقات فلسفية، 656) داخل نظام من الفكر والممارسة، بالقدر المشار إليه، يوجد بحث ونقد للأسباب والتبريرات المستخدمة في النظام. هذا السؤال حول ما إذا كان السبب جيداً أو كافياً لا يمكن، كما قيل، أن يستمر إلى الأبد. نحن نوقفه. ننهيه. نصل إلى أشياء تقنعنا. إنه أشبه باتخاذ قرار أو إصدار أمر: «هذا استدلال كامل!» (أو شرح، أو تبرير). وهكذا نكون قد حددنا تخوم وحدود لعبتنا اللغوية.
لا يوجد خطأ هنا. وإلا كيف يمكن أن يكون لدينا انتظام ونظام ولعبة؟ لكن خوفنا من اللا أساس [لمعتقداتنا] يدفعنا إلى تصور أننا خاضعون لجبرية منطقية، لكي نكون مقيدين عند نقاط التوقف المحددة تلك. نتصور أننا واجهنا باستدلالنا شاهداً، وبشرحنا مبرراً، وبصورة أو رمز لا يمكن المساءلة عن معناهما. هذا يطمس الجانب الإنساني لمفاهيمنا – حقيقة أن ما نسميه «استدلالاً»، و«شاهداً»، و«شرحاً»، و«تبريراً» هو ما نستعين به ويُرضينا.
3
إن الميل إلى توفير أساس عقلاني لشكل من أشكال الحياة له أهمية خاصة في فلسفة الدين، وهو موضوع ينطوي على انخراط كبير مع براهين وجود الله. في الجامعات الأمريكية، لا بد أن هناك مئات الفصول الدراسية التي يكون موضوعها الرئيسي [دراسة] هذه البراهين. يمكننا أن نكون على يقين من أن الرأي النقدي، غالباً، هو أن مثل هذه البراهين باطلة، وبالتالي، على الأقل حتى الآن، لم تحظَ المعتقدات الدينية بتبرير عقلاني.
حسناً، بالطبع لم تحظَ! إن الاهتمام بأهمية هذه البراهين يكشف عن افتراض مفاده أنه لكي يكون نسق الاعتقاد الديني مقبولاً عقلانياً، فإنه يجب أن يكون له تبرير عقلاني. هذا سوء فهم. إنه مثل الاعتقاد بأننا لا نعتبر الاعتماد على الذاكرة مبرراً ما لم يتم إثبات وثوقية الذاكرة.
يقول روجر تريغ[4] متابعًا هذا الموضوع: «إن القول بأن سلوك شخص ما يتخذ شكلاً معينًا بسبب اعتقاده بالله يبدو أكثر من مجرد إعادة وصف لسلوكه... إنه تقديم سبب للسلوك. الاعتقاد متميز عن الالتزام الذي قد يتبعه ويكون مبررًا له.»[5] «الاعتقاد بالله» وفقًا لتصريحات تريغ الأخرى يعني «الاعتقاد بوجود الله» أو «الاعتقاد بأن الله موجود». من المحتمل أن تريغ يشير من خلال أعمال الشخص الدينية والتزاماته إلى أمور مثل الدعاء، والعبادة، والاعتراف، والشكر، والمشاركة في الطقوس الدينية، والمساهمة في الحياة الجماعية الدينية.
بالنسبة لي شخصيًا، فإن فكرة الاعتقاد بوجود الله معقدة إلى حد كبير، بينما تصور الاعتقاد بالله قابل للفهم لدي. إذا لم يسبق لشخص أن دعا من أجل النجاة أو المغفرة، أو لم تكن لديه أي رغبة في ذلك؛ ولم يشعر أبدًا بأن شكر الله على نعم الحياة «أمر طيب ومبهج»؛ ولم يقلق أبدًا بسبب عدم التزامه بواجباته الدينية - فمن الواضح لي عندئذ أنه لا يمكن اعتباره شخصًا مؤمنًا بالله. الاعتقاد بالله ليس أمرًا كليًا أو عدميًا؛ يمكن أن يكون كثيرًا أو قليلاً؛ يمكن أن يزيد أو ينقص. لكن الاعتقاد بالله، أيًا كانت درجته، يتطلب، كما أفهم الأقوال، بعض الممارسات الدينية، أو بعض الالتزامات، أو على الأقل ضميرًا معذبًا.
وفقًا لرأي تريغ، إذا كنت قد فهمته بشكل صحيح، فإن الشخص الذي يخلو من أي ميل نحو الممارسات الدينية أو وخز الضمير، قد يعتقد بوجود الله. ماذا ستكون علامات هذا الاعتقاد؟ هل هي أن يعرف الفرد شيئًا من اللاهوت بحيث يحفظ الأحكام الدينية والكتاب المقدس؟ أم أن اعتقاده بوجود الله شيء مختلف عن هذه الأمور؟ إذا كان الأمر كذلك، فما هو؟ ما الفرق بين شخص يعرف بعض الأقوال الدينية والبدع والنصوص الدينية ويعتقد بوجود الله، وشخص آخر يعرف هذه الأشياء ولا يعتقد بوجود الله؟ أعتقد أن كليهما غير مبالٍ بممارسات والتزامات الحياة الدينية.
أنا لا أفهم فكرة الاعتقاد بوجود الله التي تُتصور منفصلة عن الاعتقاد بالله. يبدو لي أن هذا بناء فلسفي مصطنع، صورة أخرى من الرغبة والميل إلى التبرير.
الدين شكل من أشكال الحياة؛ إنه لغة متغلغلة في الممارسة - شيء يسميه فيتغنشتاين «لعبة لغوية». العلم شكل آخر. كل منهما ليس بأكثر حاجة إلى التبرير من الآخر ولا أقل.
يميل الفلاسفة الأكاديميون اليوم إلى تحدي صحة الدين أكثر بكثير مما يميلون إلى تحدي العلم، وربما يعود هذا لعدة أسباب. قد يكون أحد هذه الأسباب هو التصور بأن العلم قادر على تبرير إطاره الخاص. وسبب آخر هو حقيقة أن العلم هو القوة الواسعة والمهيمنة في ثقافتنا. وقد يكون سبب آخر هو حقيقة أن الدين، إجمالاً، يُعتبر شكلاً غريبًا من أشكال الحياة من وجهة نظر الأكاديميين. فهم لا يشاركون فيه ولا يعرفون شيئًا عن ماهيته.
.
.
Norman Malcolm extract from ‘The Groundlessness of religious belief’ from Reason and Religion edited by Stuart C. Brown (Cornell University Press, 1977)
في المقاطع المنقولة عن فيتغنشتاين، تم استخدام الترجمة الفارسية للكتاب لأنني وجدتها دقيقة وواضحة بعد ترجمتها ومطابقتها مع الكتاب، كما أن الترجمة الفارسية كانت مبنية على النص الأصلي. (م)
[1] “The principle of the continuity of nature”
[2] Super-picture
[3] Super-likeness
[4] Roger Trigg
[5] Reason and Commitment (Cambridge, 1973), p.75 .
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.