اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ازدراء ما نملكه ناجم عن التسليم بتفوّق العالم الحديث؛ يرى مهدي نصيري في نقده لبابائي أن أزمات الغرب وظواهر كالإرهاب التكفيري هي نتاج هذه الحضارة عينها، ويعتبر قبول المُسلّمات الغربية سبباً لسلبية المتديّنين في الصراع الحضاري.

أليس هذا الأسلوب في الكتابة وهذه النبرة في الحديث، أي تجاهل الذات والنظر بازدراء إلى ما نملك، قائماً على افتراض مسبق مفاده أن العالم الحديث والإنسان الجديد قد بلغا الكمال والتقدم مقارنة بعالمنا ما قبل الحديث؟ كلنا، إن لم يكن بالجملة ففي الجملة، نحمل هذا الافتراض المسبق، وما دام الأمر كذلك، فإن أصدقاء مثل السيد بابائي يمكنهم التحدث بهذه الطريقة. لكن أولئك الذين أدركوا العمق المدمر والمولّد للأزمات للحضارة الحديثة، بما في ذلك العلم والتكنولوجيا والفلسفة والعلوم الإنسانية وكل ما فيها، وحرروا عقولهم وقلوبهم من شر مسألة تخلف الشرق وتقدم الغرب المدمرة، يعلمون جيداً أن قسماً مهماً من مشكلاتنا اليوم ناجم أيضاً عن تغلغل الحداثة في فكرنا وروحنا وحياتنا.
ما يسميه السيد بابائي بالإنجاز الفلسفي الغربي الممتد لأربعة قرون ليس سوى النسبوية والعدمية ومذهب اللذة والفردانية المدمرة والنفعية، ونتاج العلوم والتكنولوجيا الحديثة ليس سوى ظهور أزمات عالمية متعددة، كل واحدة منها كافية لإبادة البشرية في غضون قرن أو قرنين قادمين.
السيد بابائي ومن يفكرون على هذا النحو هذه الأيام لا يشيرون أبداً إلى أن أحد أبشع أحداث هذه الأيام، الذي أدى إلى ازدراء الدين والمذهب والعقيدة والمثل العليا لدى البعض، أي ظاهرة الإسلام والإرهاب التكفيري وداعش، هو، استناداً إلى أدلة لا يمكن إنكارها واعترافات، نتاج الغربيين أنفسهم والدول-الأمم الحديثة المنبثقة عن الفلسفات والعلوم الإنسانية الحديثة. أليس صحيحاً أن السعودية وتركيا وقطر والإمارات كلها أصدقاء وحلفاء للحكومات الغربية، وهي التي تمول التكلفة الباهظة لآلة إرهاب الإسلام التكفيري؟
لماذا لا تُحسب هذه الجرائم - على الأقل جزء مهم منها - على العلوم والتكنولوجيا والفلسفات والأنظمة السياسية الحديثة والجديدة؟ لماذا يعتبر الحديث عن التقاليد والحدود العقائدية والدفاع عن الاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي والصراخ ضد الإمبراطورية الغربية العالمية تطاولاً، بينما إلقاء قنبلة كل عشرين دقيقة على رؤوس الأبرياء في العراق واليمن وأفغانستان وليبيا وسوريا و... من قبل حكومة أوباما التي دامت ثماني سنوات يقوم على التسامح واللين والعلم وكل القيم الإنسانية؟
بالطبع، ما دامت حوزاتنا العلمية وثوارنا وشبابنا لم يقفوا بعد على العمق المدمر والمولّد للأزمات للحضارة الحديثة بكل أبعادها المادية والمعنوية، وقبلوا موسى الغرب، فإن مقالات السيد بابائي وبعض ذوي الفكر المشابه يمكن أن تجد جمهوراً كبيراً وتهز فكر وقلب البعض وتجعل آخرين سلبيين ومشوشين تجاه دينهم وشعائرهم وتقاليدهم.
بالطبع، ليس مقصودي الدفاع عن كل ما يحمل اسم التقليد، ولا أريد أن أنسب كل المشكلات إلى الحداثة والغرب وأغض الطرف عن أخطائنا المتعددة، لكنني لا أوافق أبداً على ازدراء الذات والتقاليد على حساب تعظيم الغرب والعالم الحديث، وأعتبر ذلك مغالطة وخطأ.
وأما الإشارة إلى موسى الغرب. فما قصته؟ يقال إن مسلماً ويهودياً قررا ذات يوم التناظر حول أحقية الإسلام أو أحقية الدين اليهودي، وعقدا مجلساً. سأل الطرف اليهودي، الذي كان ذكياً ومحتالاً، المسلم في البداية: هل تقبلون بالنبي موسى؟ أجاب المسلم فوراً ودون تردد: بالطبع، وبكل تأكيد. سأل اليهودي: وهل تقبلون بأن كتاب اليهود السماوي هو التوراة؟ قال المسلم: نعم حتماً. قال اليهودي: حسناً، إذاً نحن متفقان على أحقية موسى والدين اليهودي ولا شك في ذلك. الآن يجب أن نبدأ النقاش من أحقية محمد (ص) والدين الإسلامي لنرى هل بُعث نبي كهذا أم لا و...
وفي الجمع، صاح رجل مسلم، أدرك الورطة التي أوقع اليهودي المسلم فيها وأنه على وشك كسب المناظرة، في وجه المسلم: لماذا قبلت بموساه؟ لا تقبل بموساه! اضرب بموساه عرض الحائط. نعم، وحكايتنا اليوم مع الغرب والمتغربين هي ذاتها؛ فنحن في هذا النزاع والصراع الحضاري والفكري، قبلنا موسى الغرب، واعترفنا بكمال الغرب وتقدمه على الأقل في المجال المادي والمعيشي وبتخلفنا، ودائماً ما نبدأ النقاش من هنا: ما هي أدلة كمال الغرب المادي؟ وما هي الأمور التي أسهمت في هذا الكمال؟ وما هي أدلة تخلفنا وشقائنا؟ وهنا، بطبيعة الحال، يكون المتغربون هم من يسيطرون على الميدان ويكونون فاعلين، بينما يكون التقليديون والمتدينون سلبيين و...
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.