اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تُعدّ موسوعة «الحياة» من أفضل الأعمال الحديثية في نظر مهدي نصيري، إذ تتناول قضايا العصر بمنهجٍ ابتكاري، وتُوصف بأنها ثمرة مدرسة خراسان المعارفية. ويكمن تميّزها عن بحار الأنوار في منهجية مباحثها التطبيقية.

[الموسوعة القرآنية الروائية الحياة هي مجموعة جمعها الإخوة الحكيميون (محمد رضا، ومحمد، وعلي) وطرحتها دار نشر «دليل ما» في الأسواق في 12 مجلداً. في هذا الحوار يتناول مهدي نصيري – وهو من منتقدي العرفان والفلسفة والمدير المسؤول عن مجلة سِمات - نقد ودراسة هذا الأثر- صدانت]
مهرنامه - كسؤال أول، لو تفضلتم، من وجهة نظركم، في أي تصنيف من مشاهير الفكر الديني المعاصر ينبغي أن نضع الأستاذ محمد رضا حكيمي؟ هل ينبغي تقديمه كمُحدِّث أم كمفكر؟ من الطبيعي أن الإجابة الدقيقة على هذا السؤال ستوضح لنا إلى حد ما موقفنا من مشروع الحياة. ما هو رأيكم؟
بسم الله الرحمن الرحيم. بدايةً، لا بد أن أقول إن الأستاذ محمد رضا حكيمي هو من الشخصيات التي تُعتبر حجةً موجِّهةً للتدين بالنسبة للكثيرين. هذا الرجل الشريف والعالم، في أوج زهده وعدم اكتراثه بالدنيا، كان منادياً بالمُثُل والقيم الإسلامية والشيعية وأهل البيت (ع)، وكانت لديه على الدوام هموم العدالة، هذا المثال الإنساني الأكثر فطرية وجوهر تعاليم ورسالة الأنبياء. قلت هذه المقدمة لأعبر عن عمق تقديري له، وهو جدير بكل تكريم وتعظيم، وفي معرض إجابتي على أسئلتكم، وبكل راحة ودون قلق من أي تأويلات خاطئة محتملة، أوجه بعض الانتقادات لآثاره وأفكاره.
أما إجابة سؤالكم: إذا كان مقصودكم من المفكر هو أن الفرد يفكر بحرية وهو نفسه معيار صحة وبطلان الأفكار والآراء، ويرى الحجية لفهمه وإدراكه هو - دون استناد إلى مصدر ومرجع متعالٍ سواء كان الوحي أو الاستدلال العقلي المتقن - فبالطبع لقب مفكر ليس مناسباً للأستاذ حكيمي، وإذا كان مقصودكم من المُحدِّث أيضاً مجرد ناقل وراوي للحديث بمعزل عن الفهم والدراية، فهذا اللقب أيضاً ليس مناسباً له. حكيمي هو مفكر يسعى لأن تكون منابع ومواد تفكيره مأخوذة من الوحي (القرآن والروايات) وفي الوقت نفسه عقلانية.
مهرنامه - إذا ألقينا نظرة سريعة على كتب الحديث الشيعية - مثل أصول الكافي وبحار الأنوار - فأين يقع موقع الحياة بالنسبة لهذه المأثورات الثقافية الشيعية؟ بعبارة أخرى، ما هو الدور الذي يضطلع به الحياة في تاريخ تدوين معارف ومواريث التشيع؟
مهدي نصيري - الحياة - وهو نتاج سنوات وعقود من جهد الأستاذ مع أخويه الفاضلين والعالمين حجتي الإسلام والمسلمين محمد وعلي حكيمي - سعى بشكل رئيسي إلى تقديم بعض المباحث التي يحتاجها اليوم والزمان، كمبحث العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وأسلوب الحكم وبناء المجتمع، وموضوعات من نمط الحياة، ومباحث حول الأنثروبولوجيا الإسلامية، والمجتمع والتاريخ، والانتظار ومستقبل التاريخ... إلخ، بتبويب [1] وتفصيل مبتكر، وكما يقول المؤلفون أنفسهم، بشكل عضوي يعكس منظومة فكرية متماسكة. وهذا بطبيعة الحال يختلف عن بحار الأنوار الذي يحتوي تقريباً على عموم المباحث والموضوعات الدينية والشيعية ويبرز جانبه الموسوعي. كما يختلف عن أصول الكافي الذي هو أيضاً أكثر شمولية من الحياة. فمثلاً، يحتوي كل من البحار وأصول الكافي على مباحث عقائدية وكلامية مهمة كالتوحيد والإمامة والمعاد، بينما الحياة، كأبواب وفصول محددة، تناول هذه الموضوعات بشكل أقل.
على أية حال، فإن المجموعة القرآنية والروائية «الحياة» هي من أفضل الأعمال الحديثية في العقود الأخيرة، ويمكن تقديمها للعالم كنموذج مكتوب للمعارف الوحيانية للإسلام والتشيع، وفي خضم ضجيج التطرف والتوحش للإسلام الوهابي والتكفيري من جهة، والسقوط المعنوي والعدالتي للحضارة الغربية الحديثة من جهة أخرى، تقدم ديناً وفكراً بديلاً.
مهرنامه - ما الذي يمكن أن يكون الإبداع والفارق المميز لمجموعة الحياة عن المجموعات المماثلة الأخرى؟ برأيكم، هل تابع هذا الكتاب ذو الإثني عشر مجلداً عملاً كان متروكاً في التشيع؟
مهدي نصيري - بالنظر إلى نوع التبويب والتصنيف الموضوعي الذي أنجزه كتاب الحیاة، لا بد من اعتباره أثراً بديعاً وابتكارياً. يضع الحیاة بين يدي الباحث وقرّائه العديد من الآيات والروايات في جملة من الموضوعات المهمة والمطروحة على الساحة، بشكل منقّح وموضوعي، ويُغنيهم إلى حد كبير عن استخراج المباحث من المصادر الأولية.
أما القول بأن الحیاة هو العمل النهائي في هذه المجالات ولم تعد هناك حاجة لأعمال جديدة، فالأمر حتماً ليس كذلك، ويُستبعد أن يكون مؤلفوه أنفسهم يدّعون ذلك، لكن على أي حال، لن يستغني أي عمل جديد في هذه الموضوعات عن الرجوع إلى الحیاة.
مهرنامه - إحدى النقاط الأساسية في فهم مسار وغاية المشروع الفكري التأليفي للأستاذ محمد رضا حكيمي تتعلق بمبانيه العقائدية. إذا ما اعترفنا بمدرسة المعارف، أو كما اشتهرت بمدرسة التفكيك، كموقعٍ ومقامٍ للسيد حكيمي، فكيف يمكن تبرير علاقة الحیاة بهذه المدرسة؟ بعبارة أخرى، هل الحیاة ثمرةٌ نبتت من شجرة التفكيك، أم أن تأليف وتدوين الحیاة ليس له بالضرورة جذور في تربة مدرسة التفكيك؟
إذا اعتبرنا أن الدعوى الرئيسية لمدرسة المعارف الخراسانية هي ضرورة الرجوع إلى المصادر الدينية والوحيانية الأصيلة، أي القرآن والحديث، لتقديم موقف الدين في مختلف الموضوعات العقدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية...، فنعم، ينبغي اعتبار الحیاة ثمرة هذه الشجرة بالذات. طبعاً، ما يميّز مدرسة المعارف الخراسانية عن سواها من الاتجاهات هو في المباحث الكلامية وأصول العقائد كالتوحيد والنبوة والإمامة والمعاد، وقد يكون الكثير من الأشخاص والتيارات، رغم اختلافهم في الرأي مع هذه المدرسة في هذه الموضوعات، متوافقين ومتفقين في الرأي مع مؤلفي الحیاة في كثير من الموضوعات المطروحة فيه. بعبارة أخرى، الكثير من مؤيدي الفلسفة والعرفان المصطلح عليهما، وهما مما تنتقدهما مدرسة التفكيك، لا يعارضون الحیاة، بل لعلهم لو تصدّوا لتأليف أثر قرآني وروائي في الموضوعات المطروحة في الحیاة، لسلكوا هذا المسار نفسه، قليلاً أو كثيراً. وإن كان لا يمكن إنكار أن من الآثار الوضعية والمنطقية للانتماء إلى الفلسفة والعرفان المصطلح عليهما اليونانيين، هجر القرآن وروايات أهل البيت عليهم السلام - على الأقل نسبياً.
مهرنامه - النقد الأساسي الذي يوجهه الناقدون والمعترضون على الأستاذ محمد رضا حكيمي لمبانيه العقائدية في مدرسة معارف أهل البيت، وكذلك لمجموعة الحیاة، يتعلق بمحاولة تقديم خالصة دينية لا تأخذ العناصر الواقعية بعين الاعتبار. برأيكم، إلى أي مدى تكون الانتقادات الموجهة لمنهج وطريقة تفكير السيد حكيمي في تأليف الحیاة جديرة بالتأمل؟
مهدي نصيري - ينبغي أن نفصل بين موضوعين: مدرسة المعارف الخراسانية وكتاب الحیاة، وأن نبدي رأينا في كل منهما على حدة.
لمدرسة المعارف الخراسانية مجموعتان من المنتقدين: الأولى مؤيدو الفلسفة والعرفان المصطلح عليهما، والثانية طيف من المعارضين لهذه الفلسفة والعرفان أنفسهم. سأبدأ بالمجموعة الثانية. هؤلاء يثمّنون من جهة الجهود الكبيرة والمخلصة التي بذلتها مدرسة المعارف الخراسانية للتصدي لهيمنة التيار الفلسفي والعرفاني على الحوزات العلمية. وقد أسفرت هذه الجهود عن نتائج بالغة الأهمية في تصدّع حصار وقلعة النزعة الفلسفية والعرفانية، وفتحت باب انتقاد شخصيات مشهورة كملا صدرا وابن عربي، ولم تسمح لهذه الشخصيات بأن تبقى في حصن منيع من النقد، وأن تفرض تحجراً ودوغمائية خطيرة على الحوزات العلمية الشيعية التي لطالما افتخرت بالاجتهاد وحرية الفكر.
غير أن هذه الجماعة ترى من جهة أخرى أن مدرسة المعارف الخراسانية، في مقام تقديمها لخطاب قرآني وأهل بيتي وعقلاني في الوقت نفسه في موضوع الإلهيات، تعاني من بعض القصور. فبعض مؤسسي هذه المدرسة، ومنهم المرحوم الميرزا مهدي الأصفهاني، أنكروا الإلهيات الاستدلالية في بعض آثارهم وطرحوا التوحيد الفطري بتفسيرات تؤول في نهاية المطاف إلى أسس الفلسفة والعرفان، في حين أنه بنص الروايات الكثيرة، لا يمكن التوحيد وموضوع إثبات وجود الله والخالق الأحد الصمد إلا من طريق الاستدلال العقلي، وإن كان معلمو هذا التوحيد العقلي ليسوا سوى الأنبياء وأهل البيت عليهم السلام. وبالطبع فإن مباحث وآثار آية الله السيدان تتمتع بقدر أكبر من النقاء، وتأكيده على دور العقل في مسألة التوحيد مقرون بالاستناد إلى الآيات والروايات.
على كل حال، هذا النقاش جارٍ وقد تناولناه في مجلة سمات. وفي رأيي أنه من الضروري أن يتناول طرفا هذا النقاش هذه المسألة بصدر رحب وبعيداً عن الصدامات الحادة التي تمنع الحوار، وأن يقتربا قدر الإمكان من نقطة وفاق.
أما المجموعة الأولى من منتقدي مدرسة التفكيك فهم أنصار الفلسفة والعرفان. ومن الطبيعي أنني هنا أتفق مع عموم استدلالات التفكيكيين في رد الفلسفة والعرفان، وأعتقد جازماً أن الفلسفة والعرفان الاصطلاحيين هما مدرسة منفصلة ومتميزة بل ومتعارضة مع مدرسة القرآن وأهل البيت عليهم السلام في جميع المجالات، من نظرية المعرفة إلى الإلهيات وعلم الكونيات والنبوة والإمامة والمعاد، وكما بيّن الأستاذ الحكيمي في مؤلفاته المتعددة، فإن جذور هذه الفلسفة والعرفان تعود إلى اليونان والهند وإيران القديمة، وليست منبثقة عن تعاليم الأنبياء وأهل البيت عليهم السلام، وغاية ما في الأمر أنها فلسفة تلفيقية ممتزجة ببعض التعاليم القرآنية والروائية، وهذا التلفيق يضر بالدين ضرراً بالغاً.
وينبغي أن أذكّر، بالمناسبة، أن التعارض بين الفلسفة والعرفان اليونانيين، اللذين يلتقيان في فلسفة الملا صدرا، هو مع التعاليم القرآنية والروائية المحكمة، وليس مع المتشابهات والظنون التي يمكن تبريرها بالاستناد إلى الهرمنيوطيقا والتأويل. فمثلاً، تعارض المعاد الذي طرحه الملا صدرا في الأسفار مع النصوص القطعية والكثيرة القرآنية والروائية، كان موضع اعتراف وتأكيد كثير من الفلاسفة وأتباع الملا صدرا. ونظرية «وحدة الوجود» و«عينية الواجب والممكن، والخالق والمخلوق» أو «قدم العالم الزماني» هي أيضاً في تعارض مع ضروريات ومسلمات جميع الأديان التوحيدية.
وبالطبع، فإن بعض انتقادات أنصار الفلسفة للتفكيك، ومنها الرفض المطلق للاستدلال والبرهان من قبل المرحوم الميرزا مهدي الأصفهاني (بصرف النظر عن أن الفلسفة الإسلامية، وخصوصاً الفلسفة الصدرائية، ليست برهانية وعقلية وإنما هي مجرد ادعاء للبرهان)، هي انتقادات واردة، وينبغي للتفكيك أن يقبل هذا النقص الجاد ويعمل على إصلاحه.
أما بخصوص كتاب الحياة، فقد أثير إشكال من قبل بعض المنتقدين (منهم كتاب رؤيا الخلوص، سيد حسن إسلامي، 1383) مفاده أن ما انعكس في كتاب الحياة ليس ترتيباً وتدويناً واستنباطاً خالصاً قرآنياً وروائياً كما يعتقد مؤلفو كتاب الحياة، بل هو متأثر بالافتراضات المسبقة والأفكار المطروحة في ذلك العصر، ومنها الأفكار الاقتصادية والمساواتية اليسارية قبل الثورة وبعدها. وأنا أرى هذا الانتقاد مبالغاً فيه إلى حد ما، لكن لا يمكن نفيه كلياً.
إن التأثر بعوامل خارجة عن النصوص والمتون الدينية في مقام تفسيرها وانتقائها وترتيبها وإبرازها هو أمر نعاني منه غالباً ولا نستطيع إنكاره كلياً، وبخصوص كثير من أصحاب الرأي يمكن إظهار أمثلة على ذلك.
بطبيعة الحال، هذا الكلام لا يعني قبول الهرمنيوطيقا النسبوية – التي تمنح الأصالة للمؤلِّف والمفسِّر لا للنص – وليس من شك في أن الفهم اليقيني والاطمئناني لمفاد ومرادات الكثير من الآيات والروايات أمر ممكن وميسور، ولكن من جهة أخرى، فإن طرح الادعاء القائل بأن جميع استنباطاتنا وتفاسيرنا للآيات والروايات قطعية ويقينية ومطابقة للمراد الواقعي لله وأهل البيت عليهم السلام، هو ادعاء غير علمي، والدليل البارز عليه هو اختلاف الأفهام والتفاسير الكثيرة الموجودة في جميع العلوم الإسلامية، من الفقه والأصول والكلام والحديث والتفسير والأخلاق وغيرها... بين العلماء والمتخصصين. وهذه الاختلافات ليست كلها راجعة إلى الافتراضات المسبقة والفهم المسبق حتى نقول إننا بتجريد أذهاننا من جميع الافتراضات المسبقة – وهو أمر صعب بذاته – نتوجه إلى النص لنصل إلى استنباط خالص ونقي، بل إن الأمر في كثير من الحالات يعود إلى الغموض والتشابه الموجودين في نفس النص وألفاظ الآية أو الرواية، مما يجعل ظهورها ظنيًا ويحتمل احتمالات وتفاسير مختلفة، ولا يستطيع أحد أن يقسم على الصحة القطعية لما يفهمه من هذا النص، وأن لا يختم استنباطه بعبارة «والله العالم». وأحيانًا تعود الاختلافات إلى الاطمئنان أو عدم الاطمئنان بصدور رواية عن المعصوم عليه السلام. أو عوامل أخرى يمكن تعدادها كمصدر لاختلاف الاستنباطات.
ومن بين النماذج التي يتناولها مؤلف كتاب «حلم الخلوص»، استنباط وترجمة مؤلفي «الحياة» لهذا الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: «تمنّوا الفتنة، ففيها هلاك الجبابرة، و طهارة الأرض من الفسقة». (الحياة / ترجمه احمد آرام، ج6، ص: 28 به نقل از امالى شيخ طوسى، 2/ 311) لقد ترجم مؤلفو «الحياة» الأفاضل الرواية على النحو التالي: «تمنوا الثورة، ففي الثورة يهلك الجبارون (السياسيون وقارونات الاقتصاد)، وتتطهر الأرض من دنس وجود الفاسقين (المرتشين والمحتكرين وصانعي الحرمان وبائعي السلع بأسعار باهظة و...).»
وكما نبه الدكتور إسلامي، لا يمكن العثور على أي شاهد من كتب اللغة واستعمالات كلمة «فتنة» في القرآن والروايات ليمكن تفسيرها بمعنى الثورة، ومن ثم ترجمة وتفسير «الجبابرة» بمعنى قارونات الاقتصاد و«الفسقة» بمعنى المرتشين والمحتكرين وبائعي السلع بأسعار باهظة. ويمكن من حيث المبدأ الإشارة إلى حالات أخرى من هذا القبيل. وهذا النوع من التفسير – المتأثر بالافتراض المسبق – ناشئ عن النزعة العدالتية والمناهضة للرأسمالية لدى كتاب «الحياة».
قد يعتبر الأستاذ حكيمي هذا النوع من النقد متأثرًا بمباحث الهرمنيوطيقا القادمة من الغرب ويرفضه، لكن الواقع هو أننا باستنادنا إلى نفس الآيات والروايات، يمكننا أن نبين حقيقة اسمها الاختلاف وعدم الاطمئنان وعدم الوصول إلى لب الدين في الكثير من الاستنباطات في عصر الغيبة، حيث تنقطع أيدينا عن ذيول المفسرين الحقيقيين للقرآن والناطقين بالروايات، أي أهل البيت عليهم السلام. وهذا بحد ذاته بحث طويل الذيل يحتاج إلى مقالة بل إلى رسالة وكتاب مستقل، وسأكتفي هنا بذكر آية واحدة من القرآن مع الروايات الواردة في تفسيرها عن أهل البيت عليهم السلام:
الآية 31 من سورة الملك هي: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ» ترجمة الآية هي: «قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورًا فمن يأتيكم بماء معين» أي أن الله هو الذي يؤمن لكم الماء الذي تحتاجونه عبر الأمطار السماوية، ولكن للآية بتفسير أهل البيت معنى باطني وتأويلي أيضًا. سئل الإمام الرضا عليه السلام عن تأويل هذه الآية، فقال: «ماؤكم» يعني أبوابكم، والمقصود بها الأئمة الذين هم أبواب الله بين الله والخلق، «فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ» يعني من يأتيكم بعلم الإمام. (تفسیر صافی، ج 5، ص 205) أي أنه مع غيبة الإمام المعصوم، يصاب وصولكم إلى العلم والتعاليم الدينية والوحيانية الواضحة والخالية من الغموض والاختلاف بنقصان جدي. وفي رواية أخرى في تأويل نفس الآية، قال الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام: إذا لم تجدوا إمامكم ولم تشربوا بعد ذلك من نمير [علمه ومعارفه] العذب، فماذا تفعلون؟! (الإمامة و التبصرة من الحيرة، ص 125)
هذه الآية، مع روايتي مفسرها، تعبّر بوضوح عن معضلة الوصول إلى المعارف الوحيانية النقية والصافية في عصر الغيبة، وأنه بغيبة الإمام المعصوم، لن يكون هناك فصل الخطاب لكثير من الخلافات العقائدية والدينية في الأبعاد السياسية والثقافية والاقتصادية وغيرها.
بطبيعة الحال، وبالنظر إلى مجموع الروايات حول عصر الغيبة وتكليف المؤمنين والشيعة في هذه الفترة، فإن الاستنتاج بأن عصر الغيبة هو إبهام وحيرة محضة وأن التكاليف السياسية والاجتماعية والثقافية... ليست موجهة إلى الشيعة، لا وجه له. والرجوع إلى الفقيه أو الفقهاء الجامعين للشرائط ورواة الحديث بوصفهم النواب العامين للمعصوم هو طريق كُلّف الشيعة بسلوكه. لكن لا يمكن الشك في أننا لا نواجه في عصر الغيبة ظروفاً عادية وطبيعية من الناحية النظرية والعملية. وهذا بالطبع موضوع مهم غالباً ما يكون مغفولاً عنه ومسكوتاً عنه، خصوصاً في الإسلاميات المعاصرة، ولا يُلتفت إليه بالشكل اللائق.
بطبيعة الحال، فإن المجلد الثاني عشر من «الحياة» في مبحث الانتظار، يشير إلى هذا الموضوع، ولكن برأيي الحقير أن باباً بعنوان «مصيبة ومآزق عصر الغيبة» كان يمكن أن يجمع تحته آيات وروايات كثيرة، يبقى خالياً في «الحياة»، وهذا نقص لافت لمجموعة حديثية أصر مؤلفوها مراراً وبصدق على الرجوع الشامل إلى معارف أهل البيت عليهم السلام.
مهرنامه - بقدر ما تكون مجموعة «الحياة» رسالة نظرية وفكرية، فهي كتاب يدّعي مؤلفوه أن له وظيفة عملية أيضاً. بعبارة أخرى، يعتقد الأخوان حكيمي أن «الحياة» يمكن أن تكون دليل طريق ومرشداً لإقامة واستمرار حكومة تحترم العدل والعلم. يبدو أن التحديات التي قد تنشأ عند تحقيق الأفكار الدينية الخالصة في هيكل نظام حاكم قد أغفلها السيد حكيمي. من جهة أخرى، يعتقد بعض أنصار الأستاذ حكيمي أن له زاوية نقدية تجاه طريقة إدارة المجتمع في الحكومة الحالية، ويعتبرون «الحياة» دواء للآلام والاضطرابات. هل السيد حكيمي غير مبالٍ بصعوبات تطبيق الأفكار على أرض الواقع، أم أنه يؤمن إيماناً راسخاً بتحقق جميع أقوال الأئمة الأطهار بلا قيد أو شرط في كل زمان؟
مهدي نصيري - مع التأكيد مجدداً على قيمة وعظمة العمل الذي تم في «الحياة»، والصورة الجذابة ـ مع الإقرار بأوجه القصور المذكورة أعلاه ـ التي قُدمت عن الموقف العقلاني والإنساني والعدالة المحورية للدين في موضوعات مختلفة، يجب أن أقول إن الوظيفة المهمة لـ «الحياة» هي بشكل أساسي في مقام تقديم نظرية في مجال بناء الفرد والمجتمع، وبيان أن حساب الإشكالات الموجودة في المجتمع والحكومة منفصل عن حساب الدين نفسه. ولكن إلى أي مدى يمكن لـ «الحياة» أن تتحقق موضوعياً كدليل عمل وخريطة طريق، فهذا أمر قابل للبحث والتأمل.
توضيح ذلك أنه حول مسألة الحكومة في عصر الغيبة، توجد ثلاث وجهات نظر بين الشيعة. وجهة نظر تقول بعدم مشروعية تأسيس الحكومة، وهذه الوجهة غير مقبولة لدى مؤلفي «الحياة» وكثير من فقهاء الشيعة. ووجهة نظر أخرى تقول بمشروعية وضرورة تأسيس الحكومة، وتنقسم إلى شعبتين: الشعبة الأولى، وهي الرأي الغالب والمشهور في العقود الأخيرة، تقول بسعة وقدرة عالية تتجاوز الخمسين بالمائة لتحقيق أهداف الدين وأحكامه وتعاليمه في الظروف الراهنة. والشعبة الثانية تعتقد أن سعة الشيعة، حتى في حال استلامهم السلطة السياسية وتأسيس الحكومة، محدودة تماماً لتحقيق المُثُل والتعاليم الدينية، وستكون بعيدة جداً عن المجتمع والدولة والحضارة بمستوى الإسلام، لكنها في الوقت نفسه ترى تحقيق هذا المقدار ضرورياً وتكليفاً، وبناءً على القاعدة الفقهية «الميسور لا يسقط بالمعسور» لا ترى نفسها مخولة بالانسحاب من ساحة السياسة والسلطة.
يتضح تماماً من مقدمة «الحياة» والشروح التي وردت في مواضع مختلفة في ذيل الآيات والروايات (لا سيما من المجلد 1 إلى 6)، أن مؤلفي «الحياة» يتبنون رؤية إمكانية تحقيق ما يزيد عن ستين إلى سبعين بالمئة من المُثُل والأحكام الدينية في عصر الغيبة والزمن الراهن، ولا يرون عائقاً جاداً في هذا الطريق سوى الوهن وضعف الإرادة وروح المساومة وعدم الفهم الثوري للإسلام، وربما فساد وتلوث بعض القائمين على الأمر. وإن كان نبرة المؤلفين قد تغيرت إلى حد ما في المجلد الثاني عشر، الذي يفصل بين صدوره والمجلدات من 1 إلى 6 عدة سنوات، حيث يُلاحظ قدر من الواقعية إزاء مدى تحقق المُثُل والأحكام الإسلامية.
والكلام الآن هو أن النظرة إلى إمكانية تحقق مجتمع وحضارة على مستوى الإسلام (وهو أمر ممكن بصورة محدودة ونسبية بالطبع) في عصر الغيبة، وخصوصاً في المرحلة والعهد الراهن الذي نواجه فيه هيمنة الحداثة الكاملة على جميع شؤون العالم والإنسان، هي نظرة غير واقعية ولا تتوافق مع روايات عديدة وردت في هذا الشأن في متون الحديث الشيعية.
والنقد الموجَّه هنا إلى مؤلفي «الحياة» الكرام هو: لماذا لم تحظَ هذه المجموعة من الروايات بالاهتمام اللازم؟ هل يعود ذلك إلى تأثير الافتراضات المسبقة للمؤلفين؟ إن فكرة سهولة إصلاح العالم والإنسان، بصرف النظر عن كوننا في عصر الغيبة أو في حضرة الإمام المعصوم، كانت ذات صدى واسع في السنوات القريبة من الثورة وما بعدها ـ ربما بتأثير كبير من الأفكار اليسارية ـ وخصوصاً قبل الثورة، كان تصور الكثير من الثوريين أنه بمجرد الاستيلاء على السلطة السياسية والوسائل الإعلامية وتنفيذ بضعة برامج للتنمية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، سيتحول البلد بسرعة وسهولة، وستُنفَّذ وتتحقق الأحكام والمُثُل الإسلامية، وعلى سبيل المثال الاقتصاد الإسلامي. ولكن كما قال الشاعر: «بدا الحب سهلاً في البداية لكن المشكلات وقعت».
وبالطبع، فقد ذُكرت إحدى هذه الروايات في المجلد الثاني عشر من «الحياة» (ص 758) وهي كالتالي: الإمام الباقر عليه السلام: إِنَّ دَوْلَتَنَا آخِرُ الدُّوَلِ وَ لَمْ يَبْقَ أَهْلُ بَيْتٍ لَهُمْ دَوْلَةٌ إِلَّا مَلَكُوا قَبْلَنَا لِئَلَّا يَقُولُوا إِذَا رَأَوْا سِيرَتَنَا إِذَا مَلَكْنَا سِرْنَا بِمِثْلِ سِيرَةِ هَؤُلَاءِ ... (بحار الأنوار 52/332)
الإمام الباقر عليه السلام: إن دولتنا آخر الدول، ولن يبقى أهل بيت لهم دولة إلا ملكوا قبلنا، لئلا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء.
وقد شرح المؤلفون في ذيل هذه الرواية ما يلي: «يُفهم من هذا الحديث أن المراد من «لن يبقى أهل بيت لهم دولة» هم جميع الجماعات التي تقوم بدعوى الحكم وتشكل الحكومة، حتى أرباب العمائم، ولا سيما بالنظر إلى قيام المشروطية في إيران، وكذلك الثورة الإسلامية في إيران التي لم تُفضِ بأي وجه من الوجوه إلى تشكيل نظام عامل بالعدل ومجتمع قائم بالقسط.» (الحياة ج 12 ص 760)
لو لم يكن المؤلفون منذ البداية تحت تأثير فكرة الإصلاح السهل والسريع للعالم والإنسان بمجرد الاستيلاء على السلطة السياسية، (وهي فكرة كانت شائعة بين عموم الثوريين بمن فيهم كاتب هذه السطور، ولا تزال موجودة لدى البعض) لكانت هذه المجموعة من الروايات، التي ليس عددها بالقليل، قد استحوذت بالتأكيد على أبواب وفصول خاصة في موسوعة «الحياة» القيمة، ولكان ما يُلاحظ من ألم ووجع وتأوه بين ثنايا المجلدات الاثني عشر وسائر آثار الأستاذ حكيمي من عدم تحقق مُثُل الإسلام وأهل البيت عليهم السلام الداعية للعدالة، والذي يفضي أحياناً إلى اعتراضات موجعة وشديدة على مسؤولي الجمهورية الإسلامية، قد حل محله إلى حد كبير النواح والشكوى من غيبة الإمام المعصوم عليه السلام (اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا وغيبة ولينا و...) فهو الشرط الأساسي لتحقق المجتمع القائم بالقسط، وبغيابه لا يمكن أن نخطو في هذا المسار إلا بقدر محدود.
موضوع عدم امکان تحقق جامعه و تمدن تراز اسلام در عصر غیبت (البته با تاکید مجدد بر عدم سقوط تکالیف سیاسی و اجتماعی، و مشروعیت و لزوم تشکیل حکومت در صورت امکان تحقق آن و ضرورت تلاش برای اصلاح نسبی و مقدور امور) با استناد به آیات و روایات، بحثی جامع و طولانی را میطلبد که دغدغه و موضوع پژوهش چند ساله حقیر بوده است اما در یک جمعبندی بسیار گذرا میتوانم بگویم که بر اساس قرآن و روایات، حضور و بسط ید امام معصوم که تنها پس از حادثه عظیم ظهور رخ میدهد، شرط اساسی تحقق جامعه و دولت تراز اسلام است و اولین و مهمترین معضل ناشی از غیبت، عدم امکان دستیابی به تئوریها و الگوهای نظری مورد تفاهم واجماع لازم و کافی در بین فقها و عالمان شیعه و به تبع آن جریانهای گوناگون فکری شیعی در صدها موضوع سیاسی و اقتصادی و فرهنگی و اجتماعی و ... است.
میدانیم که در همان آغاز غیبت کبری اختلافات کلامی و فقهی بین علما و فقهای تراز اول شیعه شروع میشود. بین شیخ صدوق و شاگردش شیخ مفید که هر دو بزرگوار با صدور توقیعاتی از ناحیهی حضرت حجت ـ عجل الله تعالی فرجه الشریف ـ مورد تایید قرار گرفتند، اختلاف نظرهایی در بارهی پاره ای از مسائل اعتقادی آغاز میشود و گاه حتا از ناحیهی شیخ مفید، لحنی تند و گزنده نسبت به استادش صدوق بهکار گرفته میشود. و بعد ما با اختلافات حاد فقهی بین ابن ادریس حلی با جد مادری اش شیخ طوسی مواجه هستیم. این اختلافات در موضوعات مختلف کلامی و فقهی و اصولی و حدیثی و رجالی در حوزههای شیعه ادامه مییابد تا به اختلافات حاد بین اصولیها و اخباریها میرسد و اکنون نیز علاوه بر اختلافات سابق با اختلافاتی جدی و جدید در موضوعات مختلف از جمله نسبت سنت و مدرنیته و اسلامی یا غیر اسلامی بودن فلسفه و عرفان مصطلح و ... روبرو هستیم.
مثلا در موضوع اقامهی نماز جمعه در عصر غیبت با سه فتوا در بین فقهای شیعه مواجه هستیم: حرمت، وجوب عینی و وجوب تخییری بین ظهر و جمعه و این در حالی است که همگی به قرآن و روایات برای اثبات فتوای خود استناد میکنند.
فقیه بزرگ و اسوهی پرهیزکاری، مرحوم مقدس اردبیلی در همین موضوع، پس از بحثهای فنی فقهی و اصولی و طرح آرا و اقوال مختلف و عدم وصول به فتوایی قاطع در موضوع نماز جمعه، از مصیت غیبت امام معصوم چنین شکوه میکند:
«چکیدهی سخن آن که رهایی از شکوک و شبهات برای اهل ایمان امری دست نیافتنی است، مگر آن هنگام که ولیّ امر و گوینده گفتار حق ظهور نماید. بدون او رسیدن به حقیقت در بسیاری از مسائل دشوار و ناممکن است. خداوند به حق مدینهی دانشها و دروازهی معصوم آن، با ظهور وارث حکمتها و علوم، اندوه و غم را از ما دور سازد و شک و تردیدها را از میان بردارد.... من هیچ مسئلهی علمی را جز اندکی خالی از شبهه و تردید نمییابم.» ( اردبيلى، احمد، مجمع الفائدة و البرهان، ج 2، ص 363. به نقل از مقالهی «فقه حاضر و امام غائب» به قلم مسعود امامی، مجلهی فقه اهل بيت عليهم السلام؛ ج38، ص100)
این معضل تاریخی در حالی است که هر چه ما از آغاز عصر غیبت فاصله می گیریم و در معرض دگرگونیهای زمانه قرار میگیریم، این اختلافات عریق تر و عمیق تر میشود و آن گاه که به دوران معاصر و دورهی سیطرهی تجدد و مدرنیته میرسیم، با طوفانی از اختلاف نظرها در مسائل مختلف کلامی و فقهی و سیاسی و فرهنگی و اجتماعی و اقتصادی و .... در دایرهی خود عالمان و صاحب نظران شیعه مواجه هستیم و این البته خاصیت عصر غیبت است و اهل بیت علیهم السلام خود به بیانهای گوناگون بدان تصریح کرده اند و از حیرتی که شیعه در این عصر بدان دچار میشود، خبر داده اند که خود میتوانست در فصولی از الحیاة منعکس گردد.
والسؤال الآن: كيف يمكن، من قلب كل هذا الاختلاف والحيرة، تدوين أنظمة وبرامج عملية تحظى بالحد الأدنى من الوفاق في الشؤون السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، من أجل تحقيق مجتمع وحضارة على مستوى الدين والتشيع؟ ولا بد من التأكيد مجدداً أن هذه الحيرة ليست مطلقة ولا تؤدي إلى طريق مسدود، ولا يمكن أن تكون ذريعة للامسؤولية أو الإباحية أو الشكية أو النسبية المطلقة، ولكن مما لا شك فيه أنه لن ينبثق منها مدينة ومجتمع ودولة على مستوى الإسلام، أو على حد تعبير الأخوين العالمين الجليلين الحكيميين، «نظام عامل بالعدل» و«مجتمع قائم بالقسط». وستضطر الجمهورية الإسلامية، شاءت أم أبت، إلى تقديم تنازلات كثيرة عن الموقف الحقيقي للدين والمثل الدينية، وقد فعلت ذلك وستفعله. وبالطبع، فيما يتعلق بالمقدار الذي لا يعود إلى تقصير وسوء إدارة وفساد قابل للإزالة والمنع، فلا ينبغي توجيه اللوم إليها. فالنظام، كالفرد، مكلف بقدر وسعه لا أكثر.
أما النقطة الأخرى البالغة الأهمية التي ينبغي الإشارة إليها في هذا البحث، فهي موضوع هيمنة الحداثة في العصر الحالي، والتي ضاعفت مصيبة الغيبة ومعضلتها أضعافاً مضاعفة، علماً بأن تحقق هذه الحضارة وهيمنتها هو في حد ذاته معلول لغيبة الإمام المعصوم. وهذه مسألة لم تحظ بالاهتمام اللائق في الإسلاميات المعاصرة، بل إنها فُهمت في بعض الأحيان فهماً معكوساً، حيث اعتُبرت الحداثة نتاجاً للتعالي والتكامل العلمي والعقلاني للبشر.
لست الآن بصدد إثبات هذه الرؤية، وأعلم أن النظرية المشهورة تخالفها، لكن لا يمكن لأحد أن ينكر وجود خلاف جوهري حول هذا الموضوع بين المتدينين المعاصرين، وهو ما يشكل بدوره عائقاً آخر أمام الوفاق اللازم لتحقيق مجتمع على مستوى الدين.
وكتاب «الحياة» متأثر في هذا الموضوع أيضاً بالنظرة المشهورة، وإن كنا نجد في شروح بعض فصوله نقداً لافتاً ومفيداً للغاية للحضارة الغربية الحديثة. (المجلد 12، ص 481 و 482 و 551 و 552). لكن المشكلة أن النقد لا يتوجه كثيراً إلى أسس ومبادئ الحداثة والتجدد، بل إن العلم والتكنولوجيا الحديثين والبنى المادية والمعيشية مقبولة عموماً، وتُعتبر المشكلات الناشئة عارضة على الحداثة، لا نابعة من أساس هذه الحضارة وماهيتها الإنسانية (الأومانيستية).
مما لا شك فيه أن مؤلفي «الحياة» لو كانوا قد التفتوا من جهة إلى المعضلات الجوهرية وغير الدينية للاقتصاد الحديث، بما في ذلك البنك الحديث والنقود الحديثة والإنتاج والاستهلاك الحديثين والاحتكارات الحديثة وسائر البنى الاقتصادية الحديثة التي أتاحت اليوم أن تكون نصف ثروة سكان العالم في أيدي 62 شخصاً فقط (نقلاً عن مجلة بيزنس إنسايدر 4/11/94)، ومن جهة أخرى لو أنهم أولوا عناية لموضوع أن التحرر من هذه البنى لم يعد متيسراً بسهولة لأي بلد، لكانوا في رأيي قد أضافوا حتماً شروحاً مستفيضة حول صعوبة تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية بالمستوى المثالي في مثل هذا العالم وهذا الزمان، حتى مع الاستحواذ على السلطة السياسية، وذلك في ذيل فصول من «الحياة».
وبالطبع، فإن المعضلات الثقافية والاجتماعية الناجمة عن هيمنة الحداثة أشد كارثية بكثير من أبعادها الاقتصادية.
نقرأ في «الحياة»، المجلد 1، ص 24:
«يجب على الاجتهاد أن يعرف الوقائع المتغيرة للزمان، وأن يعرف الثقافة الجديدة والتربية الجديدة، وأن يعرف الإنسان الجديد والصناعة الجديدة والعمل الجديد والاقتصاد الجديد. يجب على الاجتهاد أن يواجه تجارب الحياة البشرية والموضوعات العالمية وجهاً لوجه. لو أن كبار الفقهاء والمجتهدين السابقين لم يهتموا بمسائل زمانهم، ولم يسعوا في بسط «الفقه» وتوسعته، ولم يخرجوا فقهنا من صورة المواد والأحاديث والقواعد المندرجة في «الأصول الأربعمائة» إلى صورة كتب مثل «المبسوط» ... ثم «جواهر الكلام» وبعدها «صلاة» الحاج آقا رضا الهمداني، و«مكاسب» الشيخ الأنصاري، لكان فقهنا اليوم ميتاً. وإذا لم نسع اليوم لتوسيع العروض الفقهية والاجتماعية، ولم نعرف الوقائع والتحولات، أو تجاهلناها، ولم ندخلها في مجرى الفقاهة والاجتهاد، نكون قد أعدنا الاجتهاد والفقه والفقاهة، من الناحية الزمنية، إلى الوراء وألحقناها بالماضي.»
مع الاعتذار لمؤلّفي الحیاة الأفاضل، أقول إن طرح هذه الأفكار العامة التي قُبلت فيها الحداثة والعالم الجديد في أبعاده الثقافية والصناعية والاقتصادية ضمناً، والتي نسمعها ونقرأها منذ أكثر من بضعة عقود على ألسنة وأقلام كبار المفكرين، لن يحل أي عقدة، ولن يصدر عن الاجتهاد والفقه في هذا المجال، مع التسليم الضمني بالحداثة، أي عمل يُعتد به أكثر مما هو موجود الآن. وبالطبع، لن يصدر عن رفض الحداثة أيضاً عمل كبير، لكن ستترتب عليه نتيجة بالغة الأهمية، وهي أن الفقه والدين لا يتحملان مسؤولية الكثير من الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية القائمة، ويُظهران المذنب الرئيسي، وفي الوقت نفسه لا يطرحان الشعار غير القابل للتطبيق المتمثل في تحقيق مجتمع ودولة على مستوى الإسلام والمدينة الفاضلة الدينية، والذي يتسبب في خلق ألف مشكلة وغموض في أذهان المجتمع حول قدرة الدين وكفاءته.
بالطبع، يقترح الفقه في كثير من المجالات أحكاماً ثانوية وحكومية قائمة على المصلحة والعرف السائد في الزمان، لمنع الوصول إلى طريق مسدود واختلال النظام الاجتماعي، ومتابعة الإصلاح النسبي للأمور، لكن ينبغي إحالة بناء الإنسان والمجتمع على مستوى الإسلام إلى صاحبه الأصلي وعصره ودورته الموعودة.
مهرنامه - كسؤال أخير، تفضلوا ببيان أوجه التشابه والتقارب الفكري بينكم كمحور لتيار سمات في قم ونهج الأستاذ محمد رضا حكيمي؟ هل ترون في شيوع مصطلح "التفكيكية الجديدة" لتوصيف أنشطتكم البحثية والفكرية مؤشراً على تجاوز فكر السيد حكيمي؟ وهل تعتبرون أنفسكم مدينين له أصلاً؟ أوضحوا قليلاً في هذا الشأن.
مهدي نصيري - لقد استفدت كثيراً من آثار الأستاذ حكيمي، ومنها الحیاة، وكذا آثاره في نقد الفلسفة، وكان لطرحه مسألة التفكيك في مقابلته مع كيهان فرهنگي (اسفند 1371) أثر خاص على توجهي إزاء مسألة الفلسفة والعرفان. أما تعبير "التفكيكية الجديدة"، فإذا كان يعني أننا، مع اتفاقنا مع التفكيكيين في نقد الفلسفة ورفضها، نختلف معهم في بعض المواضع، ومنها مسألة عقلانية معرفة الله التي قلتُ إن المرحوم ميرزا مهدي ينكرها، فهو كلام صحيح.
علاوة على ذلك، فإن تركيز مدرسة التفكيك الخاص على علماء العقود الأخيرة المناهضين للفلسفة والعرفان، بمن فيهم سيد موسى زرآبادي وميرزا مهدي الأصفهاني والحاج شيخ مجتبى القزويني وميرزا جواد آقا الطهراني و...، يقابله تركيزنا في سمات بشكل أكبر على التيار التاريخي للتشيع في نفي الفلسفة والعرفان اليونانيين، وندافع عن علم الكلام العقلي الشيعي المنبثق من التعاليم الوحيانية المرشدة إلى الاستدلالات العقلية، في مواجهة الفلسفة.
منذ بداية عصر الغيبة وحتى قبل ذلك، في آثار صحابة مثل هشام بن الحكم وفضل بن شاذان، يبدأ اتخاذ الموقف ضد التوجه اليوناني في العقائد. إن عظماء كالصدوق والمفيد والطوسي وأبي الصلاح الحلبي والكراجكي والعلامة الحلي والعلامة المجلسي والميرزا القمي وعشرات العلماء والمتكلمين والفقهاء الشيعة، وقفوا بكل قوة في وجه عقائد مثل قِدم العالم وصدور العالم عن ذات الله ووحدة الوجود والجبر والتعددية العرفانية والمعاد الروحاني و...، بأدلة عقلية ونقلية محكمة، وكان الميل الواضح للفلسفة والعرفان في الحوزات الشيعية مقتصراً على فترتين: العصر الصفوي والعقود الأخيرة.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
العلوم السياسية
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.