اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
أدّى نهاية اليوتوبيا إلى تحوّل جذري في اللغة السياسية، واستبدال مفاهيم كالعدالة بالبيروقراطية. ومعتمدين على 'الهندسة التدريجية' عند بوبر، لم يعد المؤمنون بهذه النهاية يفكرون إلا في تخفيف الألم؛ وهو نهج حدّ أدنى تعرّض للنقد.

أثر نهاية اليوتوبيا في اللغة والأدب
لنهاية اليوتوبيا نتائج بالغة الأهمية. أهم نتيجة لنهاية المدينة الفاضلة أو اليوتوبيا، هي التحول الجوهري في اللغة والأدب. مفاهيم مثل «العدالة الاقتصادية»، و«المساواة»، و«المقاومة»، و«النضال»، و«التضحية والإيثار»، و«الكيفية»، و«الراديكالية»، و«البشرية»، و«الإنسانية»، و«الحقيقة»، و«الحقوق الوطنية»، و«الضمير العام»، و«الاهتمام الجماعي»، و«مواجهة الحق والباطل»، و«الأخلاق المتعالية»، و«الأمر المتعالي»، و«الأمر السياسي»، و«الأصالة»، و«الالتزام بالمبادئ»، و«التنزه»، و«تحمل المسؤولية»، و«الاغتراب»، و«الامتناع عن السلطة»، و«انتفاء الهيمنة»، و«الإنسانية»، و«الراديكالية»، و«الاستفتاء» ترحل من مجال اللغة والأدب السياسي وحتى من مجال العلوم الاجتماعية.
أي استخدام لهذه المفاهيم يُفسر تحت عنوان «الرومانسية الثورية» أو «الفانتازيا البعيدة المنال». هذا التغيير من مجال اللغة والأدب، يمتد إلى المستويات التحليلية والتنظير في العلوم السياسية والعلوم الاجتماعية. يكتسب نظام البيروقراطية والعلوم التطبيقية أهمية، ويلقي هذا النسق من التغييرات بظلاله الثقيلة على النظام الاجتماعي. في الظاهر يُسعى إلى «نزع القداسة» عن الكلمات والمفاهيم، ولكن في ضوء نزع القداسة عن الكلمات، تزول حرمة كلمات هي نتاج الحرية والتعالي البشريين، وتصبح، في تقديمها للثنائيات والازدواجية، مكملة للسلوكيات والأفكار التوتاليتارية.
نحن نعلم جيداً أن إحدى سمات الحركات التوتاليتارية هي خلق الثنائيات وجعل الثنائيات والازدواجيات مطلقة في المجتمع: الذاتي وغير الذاتي، الحق والباطل، الصديق والعدو، الخير والشر، هذه سلسلة من الثنائيات التوتاليتارية. والمؤمنون بنهاية اليوتوبيا يستفيدون من هذه السمة التوتاليتارية ذاتها. استخدام ثنائيات مثل: «أخلاق النتيجة» في مقابل «أخلاق الواجب»، المصلحة في مقابل الحقيقة، الواقع في مقابل المثل الأعلى، الإصلاحات في مقابل الثورة، الاستسلام في مقابل المقاومة، النسبي في مقابل المطلق، «الحد الأدنى» في مقابل «الحد الأقصى»، القانونية في مقابل تفكيك البنى، الأمن في مقابل الحرية، الاستقلال في مقابل الحرية، والتنمية الاقتصادية في مقابل التنمية السياسية، هي مجموعة الثنائيات التي يستفيد منها المؤمنون بنهاية اليوتوبيا. استخدام المفاهيم التي أشرت إليها سابقاً في قاموس «اليوتوبيانية» هو طابو لا يُغتفر، يدين مستخدمه بـ«الرومانسية الثورية» والابتعاد عن الواقع.
وهكذا، فإن مفاهيم مثل، «البيروقراطية»، و«التكنوقراطية»، و«تطبيع العلوم»، و«التجريبية»، و«السلوكية»، و«النفعية»، و«الحسابية»، و«موازنة ربح وخسارة الخيارات»، و«ترويض العلوم الاجتماعية»، و«الكمية»، و«الإفراط»، و«الحد الأدنى»، و«المصلحية»، و«المصالح الوطنية»، و«الرأي العام»، و«استطلاعات الرأي»، و«النسبية»، و«القانونية»، و«الأمن الوطني»، و«الاختيار بين السيئ والأسوأ»، و«المرونة»، و«التسوية»، و«المصلحة»، و«البراغماتية»، و«النتيجوية»، و«النخبوية»، و«إدارة المعرفة»، و«الدولة المهيمنة»، و«السلطة السياسية»، و«هيمنة الدولة»، و«القوة المشروعة»، و«القدرة المشروعة»، و«الاقتدار المشروع»، و«العنف المشروع»، وعشرات الكلمات والمفاهيم الأخرى من هذا القبيل، تتسرب إلى مجال لغة وأدب المؤمنين بنهاية اليوتوبيا.
المؤمنون بنهاية المدينة الفاضلة، عندما يواجهون موضوعات مثل الأزمة، والعنف، والإدمان، والقتل والانتحار، وعمالة الأطفال، والبطالة، والفقر والبؤس الذي يعاني منه جزء من المجتمع، وكذلك عشرات المعضلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، يجيبون باستخدام كلمات ومفاهيم مصبوبة في قالب لغة وأدب الواقعية ذاته. استخدام مفاهيم وكلمات مثل: «تخفيف الألم والمعاناة»، و«إزالة التمييز»، و«العدالة السياسية»، و«الإصلاحات»، و«التغييرات التدريجية خطوة بخطوة»، و«صندوق الاقتراع»، و«الانتخابات» هي جزء من الحلول التي يقدمها المؤمنون بنهاية اليوتوبيا. إنهم يسعون جاهدين لإصلاح الأمور بنظرة واقعية حد أدنى. وينتقدون بأن إزالة الألم والمعاناة هي حالة يوتوبيائية بعيدة المنال، والبشر غير قادرين على بلوغ هذه الحالة. من وجهة نظر الواقعية، يجب التفكير فقط في تخفيف الألم، لا في إزالته. وهو ما يسميه كارل بوبر في كتابه «الهندسة الاجتماعية التدريجية».
الهندسة التدريجية مصطلح آخر يصوغه كارل بوبر في مقابل مصطلح «الهندسة اليوتوبية». فالمهندس الاجتماعي والسياسي التدريجي، بفهمه الجزئي والتجريبي للأحداث والاختلالات، وإدراكه للمسائل والمشكلات القائمة في بعض المجالات السياسية والاقتصادية، يشرع في خلق أفكار على قدر المشكلات الواقعية القائمة. ولعل أهمية العمل الهندسي التدريجي تكمن في أن الأفكار والنظريات الموجهة نحو حل بعض المشكلات والمسائل الاجتماعية، تظهر بقدر حجم المشكلة ذاتها. فتناسب حجم كل نظرية تدريجية ومداها واتساعها، ينبغي أن يكون على قدر الواقع الموجود في السياق. فكون النظريات والأفكار الهندسية التدريجية أكبر أو أصغر من حجمها، يقلل من فاعليتها وقابليتها للتطبيق أو يقضي عليها. يرى بوبر:
«إن الهندسة التدريجية لا تسعى إلى فهم ما تكمن فيه السعادة القصوى للمجتمع ثم النضال من أجل بلوغ تلك الغاية، بل إنها ببساطة تختار منهجًا لتكتشف بمساعدته أعظم المصائب وأكثرها إلحاحًا في المجتمع وتسعى إلى دفعها. والفرق بين هذين المفهومين ليس لفظيًا فحسب، بل هو في الحقيقة فرق بالغ الأهمية: إنه فرق بين منهج معقول لتحسين أوضاع البشر من جهة، ومن جهة أخرى، منهج إذا ما طُبق فعلًا، فسيؤدي بسهولة بالغة إلى مصائب فادحة للإنسان[1]».
يرتكب بوبر في هذه العبارة خطأين مهمين:
الأول أنه يرتقي بوظيفة الهندسة التدريجية إلى حد إزالة أعظم مصائب المجتمع. هذه الوظيفة هي وظيفة قصوى للهندسة التدريجية وتقربه من الهندسة اليوتوبية. ذلك أن أنصار الهندسة اليوتوبية (حسب قوله)، أو المثقفين اليوتوبيين، لا يرون لأنفسهم وظيفة تتجاوز هذا. ودائمًا ما يُطرح في لسان المثقفين هذا السؤال: ما هو الألم الأكثر إلحاحًا أو المعضلة الأكثر إلحاحًا في مجتمع ما؟ ومن أين ينبغي البدء؟ خطأ بوبر الثاني يكمن في حيث يجعل أداء دور الهندسة اليوتوبية مرهونًا بتشكيل «حكومة مثالية». سأعود لاحقًا إلى هذا النقد.
في أعقاب الانتقادات الموجهة لليوتوبياوية وتحت تأثير ما ذكرته سابقًا عن «عولمة الواقعية»، ازداد ميل المثقفين نحو نهج الهندسة التدريجية. إن ميل هؤلاء المثقفين إلى تقديم خطط وأفكار حدّية ومواقفهم المتصلبة تجاه الأفكار القصوى، قد تم بهدف أداء دور الهندسة التدريجية. يقول كارل بوبر: «إن أولئك الذين حاولوا تحويل الأرض إلى جنة، لم يصنعوا شيئًا أكثر من جحيم.» ولهذا الغرض، تستخدم الهندسة التدريجية، بدلًا من مفهوم وكلمة العدالة، التي تحمل عبئًا دلاليًا يوتوبيًا ومثاليًا، مفهوم وكلمة «العدالة السياسية». مصطلح العدالة السياسية يستخدمه راولز، وهو يستخدمه في مقابل مصطلح «العدالة الاقتصادية». العدالة الاقتصادية مفهوم يُستخدم في اليوتوبيا، لكن المطالبة بالعدالة السياسية أقرب إلى الواقع. مع أن راولز يعتبر العدالة السياسية لمجتمع ديمقراطي، ومراده من المجتمع الديمقراطي «نظام منصف للتعاون الاجتماعي بين مواطنين أحرار ومتساوين[2]». ومع ذلك، فإن وجهة نظر راولز بين الليبراليين تقترب نوعًا ما من وجهة النظر اليسارية. كما أن راولز نفسه لا يؤيد صراحة سوى الليبرالية السياسية ويمتنع عن تأييد الليبرالية الاقتصادية.[3] لا يمكن تفسير آراء راولز على أنها نقد «للواقعية»، بل إن راولز يؤسس حتى خطته للعدالة السياسية على نوع من اليوتوبيا. نوع من اليوتوبيا يتساوق مع الواقعية. برأي راولز: «العدالة بوصفها إنصافًا هي إيمان يوتوبي واقعي، فالعدالة بوصفها إنصافًا تفحص الحدود الواقعية العملية، أي إلى أي مدى يمكن للأنظمة الديمقراطية في عالمنا (بالنظر إلى القوانين والاتجاهات) أن تحقق قيمها السياسية المرغوبة – وبعبارة أخرى الكمال الديمقراطي – بشكل كامل[4]».
نقد النقد
لكن ردًا على انتقادات الواقعيين لليوتوبيين، ألفت انتباه القراء إلى ثلاث نقاط:
نخست اینکه، اگر بنا باشد که یوتوپیا یا آرمانشهر توسط دولت و یا نهادهای قدرت به اجرا دربیاید، و دولتها متصدی پیاده کردن و عملیاتی کردن یوتوپیا باشند، روشن است که یوتوپیا نزدیکترین راه بسوی جهنم است. چنانچه کارل پوپر می نویسد: «اگر بخواهیم این اصول [ایجاد یک جامعه یوتوپیایی] را در حوزه فعالیت سیاسی به کار گیریم، پیش از اقدام به عمل، باید هدف نهایی خود را معین سازیم، که همان حکومت آرمانی است[5]».
در نتیجه تشکیل یک حکومت آرمانی شرط لازم ایجاد یک جامعه آرمانی است. تشکیل حکومت آرمانی، «خواست قدرت» است. سرشت حکومت به مثابه «سازمان قدرت»، با سرشت آرمان به مثابه آزادی مغایرت دارد.
همین جا لازم است از مفهوم ایدئولوژی هم استفاده کنم. بدون اینکه بخواهم از این مفهوم دفاع کنم و یا آن را رد کنم، معتقدم که دو مفهوم «ایدئولوژی» و «یوتوپیا» به تنهایی و یا به خودی خود مفاهیم معیوبی نیستند. این مفاهیم زمانی معیوب ميشوند و کارکرد معیوب پیدا ميکنند که دولت به عنوان تأسیسات سیاسی و اقتصادی بخواهد متصدی اجرای یک ایدئولوژی و یا یک آرمانشهر باشد. دولت و تأسیسات سیاسی وظیفهای جز امنیت جامعه و وظایف محدود دیگری که قانون معین ميکند، ندارد. دولت به عنوان سازمان قدرت وقتی مدافع یک ایدئولوژی ميشود، مدافع ایدئولوژی قدرت میشود. سرگذشت دولتهای توتالیتر از همین نقطه شروع ميشود. ایدئولوژی و یوتوپیا دو ابزار دفاع از دولتهای توتالیتر هستند. هم ایدئولوژی و هم یوتوپیا با واقعیت موجود ناسازگار هستند. وقتی وظیفه پیادهسازی این دو بر عهده دولت به عنوان «سازمانیافتهترین شکل قدرت» ميافتد، ایدئولوژی و یوتوپیا رفته رفته و به تدریج محتوای خود را از دست ميدهند. هیچ دولتی به یکباره توتالیتر نميشود. ایدئولوژی و یوتوپیا در آغاز به مثابه هدف، و سازمانهای قدرت به مثابه ابزار تحقق این هدفها، در نظر گرفته ميشوند. اما بنا به اینکه قدرت تابع هیچ هدفی جز هدفی که خود تعین ميکند نیست و نميتواند باشد، دیری نميپاید که جای وسیله و هدف عوض ميشوند.
وجود واقعیت مغایرتی با آرمانشهر یا یوتوپیا ندارد. یوتوپیاها ميتوانند بر اساس فضای امکانی واقعیت طراحی شوند. تغایر و تنافی واقعیت با یوتوپیا زمانی است که کانونهای قدرت به عنوان حلقههای واسط میان «واقعیت و یوتوپیا» نقشآفرینی ميکنند.
دوم آنکه، پارهای از نظریهها درباره یوتوپیا از جمله نظراتی که در این نوشتار بیان ميشود، بنا ندارند و یا در این اندیشه نیستند که بر روی زمین یک آرمانشهر خالی از درد، خالی از رنج و خالی از فقر، خالی از جنگ و ستیز بسازند. هرچند زمینی خالی از درد و رنج، آرمان یوتوپیاگرایی است.
نکته سوم این است که، تمام کسانی که به پایان یوتوپیا ميرسند و یا از واقعگرایی دفاع ميکنند، همانطور که در همین بحث از تأثیرگذاری پایان یوتوپیا بر زبان و ادبیات صحبت کردم، در تمام بحثها و تحلیلهای خود، آگاهانه و ناآگاهانه سعی دارند تا هیچگاه واژههایی چون «حق» و «حقیقت» را بر زبان نیاورند. کل ساختار کلامی و ادبیاتی نظریههای پایان یوتوپیا فاقد این مفاهیم، و بکار بردن پیگیرانه واژه های مرتبط با «حقوق» است. اکنون از روشنفکران و کنشگران سیاسی سکولار و یا بیاعتقاد به دین در ميگذریم، اما نکته با اهمیت این است که بسیاری از روشنفکرانی که خود را دیندار و حتی روشنفکر و یا روشناندیش دینی مينامند، زبان و ادبیات آنها تحت تأثیر واقعگرایی فاقد واژهها و مفاهیمی چون «حق» و «حقیقت» و «حقوق» است.
إذا أبدينا رأيًا في سياق (أرضية) ممارسة السياسة، فلربما لا يمكن توجيه نقد جاد لهذه اللغة وهذا الأدب. لأن ماهية وظيفة السياسيين تكمن في «إظهار القوة»، وهي خالية من أي حق وحقيقة. فالحقيقة بالنسبة للسياسي ليست سوى تعظيم المنفعة. خارج نطاق المصالح وخارج المصلحة، لا يمكن طرح أي نوع من الحقيقة بالنسبة لسياسي. لكن وضع المتدين، لا سيما في مقام المثقف، مختلف تمامًا. فبموجب المسؤولية الدينية، حتى لو لم يقل العالم بأسره ومجتمع ما الحق، فإن «مسؤولية بيان الحق» لا تُسلب من مثقف ومتدين، ولا يمكنه الامتناع عن استخدام الحق والحقوق والحقيقة. والآن، لو أن المثقفين الدينيين أو الإصلاحيين، بدلًا من الامتناع، استخدموا هذه المفردات بجدية في لغتهم وأدبهم، وتحرروا قليلًا من السياسة بمعنى «القوة»، لتحولت بنيتهم التفسيرية والوصفية برمتها.
الواقع هو أن المثالية واليوتوبياوية ليستا مجرد أمر ذهني فحسب، بل يمكن الحديث عن اليوتوبيا بوصفها حقًا من حقوق الإنسان. من هذا المنطلق، إذا أمعنا النظر في حقوق الإنسان، أليست جهود نشطاء حقوق الإنسان تهدف إلى جعل فكرة حقوق الإنسان عالمية؟ إذا سعى شخص ما إلى السلام للعالم وسعى إليه، فهل يُعتبر سعيه ذهنيًا وبعيدًا عن الواقع؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن أساس المؤسسات الحقوقية وأساس المؤسسات التي تسعى للسلام وحماية البيئة سيبدو ذهنيًا وعبثيًا وبعيدًا عن الواقع. كل بند من بنود حقوق الإنسان، حتى لو لم يكن قابلاً للتطبيق بشكل كامل وتام في أي مكان في العالم عمليًا، لا يحكم أي حقوقي ببطلانه. وبالمثل، إذا سُعي إلى جعل المجتمع مليئًا بالحقوق، حتى لو كانت المجتمعات خالية من الحقوق، فلا يمكن لأي حقوقي أن يحكم ببطلان هذه المساعي. إذن، ليس فقط توقع تنفيذ الحق هو حق، بل إن توقع مجتمع مليء بالحقوق هو أيضًا حق مسلم لا يمكن إنكاره. إن تنفيذ هذا الحق، أو على الأقل السعي لتحقيقه، ليس سوى المدينة الفاضلة أو يوتوبيا البشر. المدينة الفاضلة التي تقدم صورة لمجتمع مليء بالحق والحقوق.
دور المدينة الفاضلة ووظيفتها
لا يزال هذا النقاش قائمًا بقوة: على أي تقييم للوضع وأي دراسة تجريبية يستند الادعاء بنهاية اليوتوبيا ونهاية المثل الأعلى في المجتمع؟ ومرة أخرى من زاوية أخرى، لا يزال هذا النقاش قائمًا بقوة: إذا انتهى أمر ما في فترة من فترات الحياة الاجتماعية، فهذا لا يعني بطلانه ولا يعني أن المجتمع لم يعد بحاجة إليه. على العكس، لطالما كان أحد هواجس المثقف والتزاماته أنه عندما يصل المجتمع، في موضوع معين أو بفقدانه لموضوع معين، إلى نقطة من الإفراط أو التفريط، فإنه في تلك اللحظة بالذات يحتاج إلى «تنظيف ذهني» [قول ومصطلح ديكارت] ويصبح مستعدًا له. إن دور المثقفين هو إحداث هذا التنظيف الذهني. دور السياسي هو «حراسة المجتمع وصيانته». دور النشطاء السياسيين هو «الوسيط أو حلقة الوصل بين المثقف وممارسة السياسة». ونظرًا لأن النشطاء السياسيين في مجتمع مُسَيَّس هم على اتصال أكبر بالمجتمع، فعليهم أن يكتسبوا الوعي اللازم بدور اليوتوبيا ووظيفتها.
أ) خلق الإمكانيات
من هذا المنظور، يخلق النشطاء السياسيون إمكانيات جديدة وحديثة، لكي يصبح المجتمع أكثر دراية بحرياته وحقوقه. إن دور الإحالة إلى اليوتوبيا والمثل الأعلى هو خلق هذا الفضاء الإمكاني. كما يرى بول ريكور أن دور اليوتوبيا ووظيفتها هو «خلق إمكانيات جديدة».[6]
يفكر السياسيون في الإمكانيات المتاحة في المجتمع. مجال عمل السياسي وفكره هو مجال «الممكنات». الواقعية تدعو المجتمع إلى هذا المجال من الممكنات فحسب. من وجهة نظر الواقعية، فإن العمل أو التفكير خارج نطاق الممكنات هو «ذاتوية» (مثالية). ولعل هذا هو السبب في أن بول ريكور يعرّف اليوتوبيا بأنها «ملاذ المجتمع». لأنه إذا كان علينا أن نستسلم للواقعية، ففي الاقتصاد نواجه ندرة المواد، وفي السياسة ندرة السلطة، وفي المجتمع ندرة المكانة، وفي عالم الندرات هذا، لن يتبقى أي ملاذ للأكثرية. وهكذا تتحول اليوتوبيا، بخلقها للإمكانيات، إلى ملاذ للمجتمع. هذا لا يعني أن اليوتوبيا تشغل المجتمع بوهم إمكانيات مستحيلة وتلعب دور الأفيون. خلق الإمكانيات ليس وهماً لإمكانيات مستحيلة. خلق الإمكانيات هو تحرير لقوى محركة تكون مخفية عن أعين السلطة وعن ذهن ووعي مجتمع أسير وتائه في ضجيج الانفعالات ودعايات الرأي العام. لقد بلغ مثقفونا الآن هذه النقطة عينها، حيث لا يتجاوزون، شأنهم شأن السياسيين، حدود الواقعيات والممكنات. هذه النقطة ليست نقطة مباركة، إنها آفة للتنوير وآفة للتغيير والتحول الاجتماعي. إنها اختزال للتنوير وانتقاص له من دور النموذج والأسوة والطليعة (الريادي) إلى دور الحارس والناطور.
ومع ذلك، وعلى عكس ما يُصرح به، فإن دور المثالية ليس «ذاتوياً». المثل الذهنية والمثالية الذهنية هما من سمات «الأصولية» و«الأنظمة التوتاليتارية». فعلى سبيل المثال، إذا أردت أن تدعو الناس في جزيرة العراة إلى آداب العفة، فإنك إن لم تكن تقصد الخداع، تكون قد وقعت أسيراً لذهنية جوفاء وغير مدروسة. مثل هذه الدعوة غريبة عن الواقع. قد تكون المثالية غير منسجمة مع الواقع، لكنها ليست غريبة عنه. يمكن أن يكون المثل الأعلى مستمداً من الواقع، لكن الاستسلام للواقع ليس من شأن المثالية. الواقعية تدعونا إلى الاستسلام للواقع، أما المثالي، إن لم يشأ أن يسلك طريق الأصولية، فعليه أن يكون واقعياً. لا حاجة إلى توضيح أن «الواقعية» و«الواقعية السياسية» أمران مختلفان ومنفصلان.
ب) دور التجاوز لليوتوبيا
يرى كارل مانهايم في كتابه الإيديولوجيا واليوتوبيا[7]، أن الإيديولوجيا واليوتوبيا حالتان ذهنيتان خاصتان بالفرد والمجتمع «غير منسجمتين مع الواقع». مع فارق أن مسعى الإيديولوجيا هو «كتمان الواقع»، بينما مسعى اليوتوبيا هو «تجاوز الواقع». يعارض مانهايم في كتابه الإيديولوجيا ويعرّفها بأنها أوهام كاذبة غير قابلة للتحقق. الإيديولوجيا، لكونها قائمة على أوهام كاذبة، غير قابلة للتحقق في المجتمع، أما اليوتوبيات فهي قابلة للتحقق، لأنها تتشكل بناءً على «التجربة» و«الأسس الوجودية التاريخية» للمجتمعات. برأي مانهايم:
«إذا نظرنا إلى الماضي، يبدو من الممكن إيجاد معيار ملائم تماماً للفكر اليوتوبي والفكر الإيديولوجي. هذا المعيار هو بالتحديد تحققها. الأفكار التي تبين لاحقاً أنها لم تكن سوى تجليات مشوهة لنظام اجتماعي كامن أو نظام اجتماعي ماضٍ، كانت تُعتبر إيديولوجية، أما الأفكار التي تحققت على نحو لائق في النظام الاجتماعي المستقبلي، فقد اعتُبرت يوتوبيات نسبية[8]». كل الفنون والثقافات والفلسفات الموجودة اليوم في المجتمع، كانت يوماً ما يوتوبيا للإنسان. الحريات والتعددية اليوم، كانت تُعد يوماً يوتوبيا للبشر[9]. إن إلغاء العبودية في زمن كانت فيه أكثرية المجتمع أسيرة ومغلوبة لأقلية من الأسياد، كان يوتوبيا للبشرية. لم تندثر علاقة الهيمنة بعد، بل أُعيد إنتاجها في أشكال أكثر تعقيداً وتنظيماً. زوال هذه العلاقة ونشوء علاقة حرة بين الإنسان والإنسان، يمكن أن يكون يوتوبيا للبشرية. الواقعية تصف التحرر من هذه العلاقة بأنه غير واقعي. إذا اعتبرنا ثوسيديديس مؤسس الواقعية، فهو أيضاً في زمانه كان يصف تحرر الإنسان من علاقة العبودية بأنه غير واقعي، وبالتالي كان يحكم باستعباد أقوام كان يرى أنهم يقتضون علاقة القوي والضعيف.
مع ذلك، فإن المسألة الأساسية والمهمة في الطوباوية ليست ما إذا كان المحو الكامل لعلاقة الهيمنة عمليًا أم لا؟ بل المسألة هي أن كل نوع من علاقة الهيمنة ينقض العلاقة الحرة والمتساوية بين الإنسان والإنسان، والمسألة المهمة، كما سبق أن أوضحنا، هي جعل اليوتوبيا مؤشرًا لقياس درجة حرية العلاقات ولا حريتها في المجتمع. يضيف مانهايم قائلاً: «عندما ترحل اليوتوبيا من مجتمع ما، فإن ذلك يكون بمنزلة أفول الإرادة البشرية. رحيل اليوتوبيا يعني أن الإرادة البشرية تختزل إلى مستوى الأشياء واليومي المعتاد». كتب كارل مانهايم كتابه بين عامي 1929 و1931. في تلك الأيام، كانت فكرة المثالية الليبرالية في طريقها إلى الأفول، وكانت الواقعية تغرس شجرتها في تربة اليأس وخيبة الأمل التي سادت المجتمع العالمي. قدم مانهايم في تلك الفترة بالذات صورة لنهاية المثالية هي صورة عالمنا الراهن:
«من الممكن في المستقبل، في عالم لا جديد فيه، حيث انتهى كل شيء وما هو إلا تكرار للماضي، أن ينشأ وضع يكون فيه الماضي خاليًا تمامًا من أي عنصر أيديولوجي ويوتوبي. لكن الإزالة الكاملة لهذه العناصر من عالمنا ستجرنا إلى الاهتمام بالأمور الجزئية التي تعني في نهاية المطاف أفول الإرادة البشرية. يكمن الفرق الأساسي بين هذين النوعين من ’تجاوز الواقع‘ هنا: بينما لا يمثل أفول الأيديولوجيا أزمة إلا لبعض الشرائح، فإن واقع الحياة الناتج عن انكشاف زيف الأيديولوجيات يحمل دائمًا حكمًا منيرًا للمجتمع ككل. التدمير الكامل للعنصر اليوتوبي من فكر الإنسان وعمله يعني أن الطبيعة البشرية وتطور الإنسان ستكتسبان صفة جديدة تمامًا. يؤدي تدمير اليوتوبيا إلى خلق حالة من السكون يهبط فيها الإنسان نفسه إلى مستوى شيء تافه. حينها سنواجه مفارقة يمكن تصورها، وهي مفارقة أن الإنسان قد بلغ أعلى درجات السيطرة العقلية على الوجود، دون أي مثال أعلى متبقٍ، مما يحوله إلى مخلوق من الدوافع والمحفزات الآنية[10]».
ج) المدينة الفاضلة كمؤشر
المثالية، أكثر من كونها مخططًا عالميًا، هي «مؤشر». مؤشر للقياس، فبدون معيار لقياس الأشياء، يصبح اتخاذ القرار مستحيلاً حتى في العالم الممكن. حتى الدول الواقعية، وجميع الأحزاب، والجمعيات، وحتى الأسرة الواحدة، لديها يوتوبياها الخاصة. حتى لو اعتبرنا يوتوبياهم يوتوبيا نسبية. إن أي تخطيط اقتصادي وسياسي بسيط يُصمم على أساس يوتوبيا مصغرة تم تعريفها مسبقًا في البرنامج. لم تدرك الواقعية بعد أن العديد من المفاهيم التي لا تستطيع الامتناع عن استخدامها هي نتاج المثالية. مفاهيم مثل «الحرية»، و«حقوق الإنسان»، و«الحقوق الأساسية»، كلها مستمدة من يوتوبياها المفترضة. الكثير مما يعيش به البشر اليوم وأصبح من مستلزمات العالم الجديد، كان في يوم من الأيام يوتوبيا البشر. إن مسألة «الحرية الاقتصادية» وتحرر الإنسان من علاقات العبودية هذه، كانت في يوم من الأيام يوتوبيا لجزء كبير من المجتمع البشري.
الإيمان بالمساواة، وتحقيق مجتمع متساوٍ، والوصول إلى العدالة الاقتصادية، ليس فقط إمكانية الوصول إليها أو عدمه. المساواة هي مؤشر. اليوم أيضًا، نظريات التنمية ليست بعيدة عن هذا المؤشر. مؤشر «جيني» الذي يقيس درجة المساواة واللامساواة في مجتمع ما، هو أحد مؤشرات التنمية. أدوات القياس هي من إمكانيات النقد في المجتمع. المدينة الفاضلة كمؤشر قياس تتحول إلى أداة لنقد المجتمع. بدون اليوتوبيا لا يمكننا أن نتبنى مقاربة نقدية لنظام المجتمع. الواقعية تدعونا إلى النظام القائم، ومن خلال إيحاء الفكر الوضعي، تختزل المجتمع إلى مستوى تل إحصائي قابل للعد والقياس. المدينة الفاضلة، بوضعها أداة النقد، تنفخ الروح النقدية في الجسد شبه الميت للمجتمع، وكما يقول سارتر: «إذا كانت فكرة المساواة غير قابلة للتحقق بالكامل وكانت يوتوبيا مثالية، فإنها مع ذلك أساس ومؤشر لقياس وضعنا الراهن وتخطيطاتنا، بمعنى إلى أي اتجاه نسير».
.
.
قائمة المصادر:
[1] - كتاب المجتمع المفتوح وأعداؤه، تأليف كارل بوبر، ترجمة علي أصغر مهاجر، منشورات شركة سهامي انتشار، الصفحتان 178 و179
[2] - كتاب العدالة بوصفها إنصافاً، تأليف جون رولز، ترجمة عرفان ثابتي، منشورات ققنوس، صفحة 79
[3] - المصدر نفسه، صفحة ٢٥٦
[4] - المصدر نفسه، صفحة 39
[5] - كتاب المجتمع المفتوح وأعداؤه، صفحة 178
[6] - كتاب لاكان والأمر السياسي، تأليف يانيس ستافاراكاكيس، ترجمة محمد علي جعفري، منشورات ققنوس، صفحة 208
[7] - تُكتب كلمة آرمانشهر (المدينة الفاضلة) بالإنجليزية في بعض النصوص أوتوبيا وفي نصوص أخرى يوتوبيا، لكنها غالباً ما تُكتب يوتوبيا، وقد استخدمها المؤلف على هذا النحو في نصه. أما كتاب كارل مانهايم فقد استخدم طريقة كتابتها بصيغة أوتوبيا تحديداً، سواء في عنوان الكتاب أو في المتن.
[8] - كتاب الأيديولوجيا واليوتوبيا، تأليف كارل مانهايم، ترجمة فريبرز مجيدي، منشورات جامعة طهران، صفحة 210
[9] - المصدر نفسه، صفحة 228
[10] - المصدر نفسه، صفحة 269
.
.
.
.
.
.
العلوم السياسية
العلوم السياسية
علم الاجتماع
الفلسفة
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
بحث اتوپیا یکی از جنجالیترین بحثها در تاریخ اندیشۀ اروپاست که پرداختن به آن لازمهاش آشنایی با دیسیپلینهای مختلفی اعم از ادبیات، اقتصاد، جامعهشناسی، تاریخ و ... است. نویسنده جامعیت لازم را در بیان مسئله اتوپیا ندارد. نشانهاش منابع اتدک و پراکنده آن است گرچه مسئلهای که مطرح میکند مسئلهای جدی و قابل تامل است. اما سوالی که برای من در مواجهه با تفکرات چپ از جمله در این مقاله مطرح می شود این است: «چرا برای چپها سیاسنمدار خوب سیاستمدار مرده است؟» از متن مقاله:«... چون ماهیت کارکرد سیاستمداران در «بیان قدرت»، تهی از هرگونه حق و حقیقت است. حقیقت برای یک سیاستمدار چیزی جز حداکثر کردن منفعت نیست. بیرون از منافع و بیرون از مصلحت، هیچ نوع حقیقتی برای یک سیاستمدار قابل طرح نیست. ...»