اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
وصف البعض رسالة فرهادي عن مشرّدي المقابر بأنها شعبوية، لكن الكاتب يراها نموذجاً لـ«الانحياز الإيجابي للشعب» الذي، خلافاً للتحريض الشعبي الهدّام، يتقصّى الآلام الاجتماعية دون اختلاق أعداء وبلغة عقلانية.

عندما كتب فرهادي إلى رئيس الجمهورية للفت الانتباه إلى معاناة "نائمي القبور" التي يمكن تجنبها، طرح بعض المحللين في مجموعات تلغرام أنهم يرون في رسالته نوعاً من "الشعبوية الخفيفة". لأنه في رسالته كفنان ملتزم تحدث من جهة عن الآلام الاجتماعية، ومن جهة أخرى سخر من "الألاعيب الانتخابية". وأنا على العكس من هذا التقييم، أرى في مبادرة فرهادي المتألمة نزوعاً نحو "شعبوية إيجابية" أعتقد أنها تختلف عن التحريض الشعبي والشعبوية بمعناها السلبي. للتعرف على دفاعي عن "الشعبوية الإيجابية"، عليكم أن تصبروا وتقرأوا المقاطع الأحد عشر التالية.
١ - بدايةً، لا بأس من إيضاح مفهومي. بعد صعود ترامب في أمريكا، راجعتُ مجدداً الأدبيات النظرية للشعبوية (بوصفها تياراً فكرياً وعملياً يريد الشعب - بدلاً من "الحزب" أو "طبقة معينة" أو "الدولة" - في مركز السياسة الحديثة). وتتبعتُ بشكل خاص نماذجها التجريبية. في هذه المذكرة التلغرامية أقدم لكم خلاصتي من هذه المراجعة النظرية. "الشعبوية" أو "النزوع الشعبي" نوعان على الأقل: أحدهما "شعبوية إيجابية" والآخر "تحريض شعبي سلبي ومدمر".
٢- خصائص الشعبوية الإيجابية (أو الشعبوية الديمقراطية)
▪️ في هذا النزوع الشعبي، لا يهتم الناشطون السياسيون والاجتماعيون في خطابهم للشعب بمشاكل ومصالح طبقة واحدة من الشعب فحسب، بل ينتبهون إلى أن الشعب لا يمكن اختزاله إلى مجموعة محددة، وأنه يتكون من جماعات اجتماعية متعددة، وأن كل الشعب بحاجة إلى ممثلين.
▪️ في هذا النزوع الشعبي، "يعارض" الناشطون السياسيون والاجتماعيون جماعة سياسية أو أيديولوجيا أو برنامجاً منافساً. هذه المعارضة بأساليب مدنية وفي قالب الحوار والتنافس وحتى المشاجرة تساعد في بناء الهوية بين الأنصار، لكنها لا تُجر إلى "لعبة حياة أو موت" وإقصاء وعنف.
▪️ في هذا النزوع الشعبي، تُروج دائماً لفكرة مركزية ينبغي أن تتحقق في المستقبل (مثل فكرة التعايش المدني والحكم الديمقراطي لكل فئات الشعب).
▪️ في هذا النزوع الشعبي، لا يتبع الناشطون "برنامجاً خاصاً ومحدوداً"، بل يسعون وراء "موضوعات وأهداف سامية وواسعة". (ولهذا السبب يتهم "النخبويون" الشعبويين بالشعبوية بمعناها السلبي والتحريضي).
▪️ ينتقد هذا النزوع الشعبي الوضع القائم والبرامج المنافسة، لكن توجهه النقدي الأساسي إيجابي، ويركز على حلول تستهدف رفع مشاكل الشعب عملياً.
▪️ في هذه الشعبوية، يُلتفت إلى التغييرات التدريجية وإلى التغييرات البنيوية على حد سواء.
▪️ المشاريع السياسية لهذه الشعبوية قابلة للدفاع العقلاني ويؤيدها خبراء متمرسون، لكن الناشطين السياسيين والاجتماعيين يسعون إلى التعبير عن هذه المشاريع بلغة بسيطة وفي قالب يثير الحماس والعاطفة.
٣- خصائص التحريض الشعبي السلبي (أو الشعبوية المتطرفة)
▪️ في هذا النزوع الشعبي، يدعي الناشطون السياسيون والاجتماعيون أنهم اكتشفوا "الإرادة الحقيقية والأصيلة للشعب"، ويقولون للشعب مخاطبين إياه: "هؤلاء النخب البيروقراطيون" الذين لا يحملون همّ الوطن هم العدو الحقيقي للشعب.
▪️ في هذا النزوع الشعبي، يقدم الناشطون السياسيون خصمهم السياسي والأيديولوجي على أنه عدو وجودي وشرفي لهم. وبدلاً من "نقد" الخصم، يسعون إلى نفيه وإقصائه.
▪️ في هذا النزوع الشعبي التحريضي، توجد فكرة مركزية لجذب الأفكار وتعبئة مشاعر الشعب، لكن هذه الفكرة المركزية ليست "إيجابية ولبناء مستقبل المجتمع"، بل هي سلبية في الغالب ومحورها "العدو" الذي يجب تدميره حتى يستعيد المجتمع سعادته.
▪️ في هذا النوع من النزوع الشعبي، يعتمد الناشطون السياسيون، بدلاً من التأكيد على برامج متنوعة وملموسة وقابلة للتنفيذ، على حل سحري محدد (مثلاً سنعطي أموال النفط للجميع)، وعندما لا يتحقق ذلك غالباً ما يلجأون إلى قومية متطرفة عرقية أو وطنية أو دينية.
▪️في هذه الاستثارة الشعبوية يبلغ النقد ذروته ويؤول إلى «السباب» ضد الخصم. وتتحول الأمور الهامشية للخصم إلى وسيلة دعائية من أجل «حذفه» وإظهاره بمظهر الشيطان.
▪️في هذه الاستثارة الشعبوية تُقطع وعود بتغييرات عظيمة وسريعة، ويسعون في المجتمع إلى خلق مناخ ثوري زائف ليس في الواقع سوى سراب.
▪️في هذه الاستثارة الشعبوية تُطرح الخطط التنفيذية بصورة مبسطة وحلول سحرية لا يؤيدها الخبراء (مثل خطة الإدارة العالمية في فترة المهرورزي)، دون أن يُشرح للناس كيف يمكن تنفيذ هذه الخطط.
٤- من الجدير أن ننتبه إلى أن إحدى خصائص العالم الحديث (سواء في المجتمعات الغربية أو الشرقية) هي عملية «الشعبوية» هذه في مركز السياسة. لا يمكن تفسير ديناميكية المجتمعات المعاصرة وتغيراتها (بما فيها المجتمع الإيراني) «فقط» بأداء المنظمات والمؤسسات المدنية والأحزاب والحكومات، بل إن «الشعبوية» (بنوعيها الإيجابي والسلبي) هي من أهم عناصر السياسة الحديثة.
٥- الشعبوية والبوبيوليزم
البوبيوليزم من جهة هو مروج للديمقراطية، لأنه يذكي مشاركة الناس، ومن جهة أخرى هو مخل بالديمقراطية لأننا في الديمقراطيات نحتاج إلى بيروقراطية كفؤة لتحقيق «الوعود التي قطعت للناس». بعبارة أخرى، تحقيق الوعود دون تقوية البيروقراطية (التي هي عرضة لانتقاد البوبيوليستيين) ليس ممكنًا. لا أقصد هنا حل التعارض بين البوبيوليزم والديمقراطية بشكل كامل، لكن كلامي هو أن هذا البوبيوليزم السلبي هو «المخل» بالديمقراطية والبيروقراطية، وأن البوبيوليزم الإيجابي هو بالضبط مقوٍّ و«مروج» للديمقراطية.
٦- في تاريخ إيران المعاصر، كلا النوعين الإيجابي والسلبي من الشعبوية كثيرا الأمثلة. برأيي، تيار مصدق، وتيار الإمام الخميني (ره) في تشكيل الثورة (والمهندس موسوي في فترة الحرب)، وتيار الإصلاحات وخاتمي هي من نماذج الشعبوية الإيجابية والصادقة (والمشجعة للديمقراطية) في تاريخ إيران المعاصر. ونموذج الاستثارة الشعبوية لحزب توده في عقد ١٣٢٠ من أوائل النماذج، ونموذج أحمدي نجاد في فترة المهرورزي من أواخر النماذج السلبية والمدمرة للبوبيوليزم في إيران. (كذلك تيار أوباما في ٢٠٠٨ في أمريكا وصعود جيرمي كوربين في حزب العمال الإنجليزي في السنوات الثلاث الماضية من نماذج الشعبوية الإيجابية، وتيار ترامب في ٢٠١٦ نموذج للاستثارة الشعبوية السلبية والمدمرة.
٧- في إطار توضيحات هذه الكتابة، يمكن دون خجل أن ننصح الإصلاحيين بأن يواصلوا الشعبوية الإيجابية كما في فترة الإصلاحات (طبعًا مع برنامج قائم على العدالة الاجتماعية الديمقراطية التي يقتضي الحديث عنها فرصة أخرى) وألا ينزلقوا إلى «وادي سياسة النخبوية». الإصلاحات والديمقراطية في إيران، دون دعم وحضور شعبي، ستتحول إلى مطالَبة فانتازية وعديمة الجدوى.
٨- كذلك في إطار هذه الكتابة نفسها، يمكن مع دعم حكومة روحاني أن نذكر هذه النقطة وهي أن نبرة ولغة روحاني نفسه لحسن الحظ شعبوية وإيجابية، لكن فريق روحاني الدعائي وأغلب وزرائه ليس لديهم بالطبع لغة شعبوية إيجابية ونافذة (وإن لم تكن لديهم لحسن الحظ نبرة استثارية شعبوية ومدمرة أيضًا).
٩- ومرة أخرى بهذه التوضيحات يمكن القول إن نبرة ومسعى فرهادي في رسالته إلى روحاني (في التعاطف مع من ينامون في المقابر) هو مسعى شعبوي إيجابي. ما المانع في مجتمع مؤسساته المدنية والسياسية ليست كفؤة كثيرًا ويتم كبحها، أن يشارك فنان قريب من الناس آلام الناس مخاطبًا رئيس الجمهورية مع الناس.
١٠- عدم الاهتمام بـ«خاصية الشعبوية» في تحليل أوضاع المجتمع يجعل المحلل نخبويًا و«أعمى عن الناس»، ويحولنا من «علم اجتماع متمحور حول الناس» إلى «علم اجتماع أرشيفي وعديم الجدوى». كما أن عدم الاهتمام هذا بالشعبوية يحرم الحركات الديمقراطية في إيران من دفء الدعم الشعبي. خلاصة الكلام أنه يمكن دون خجل الدفاع عن الشعبوية الإيجابية وعدم الوقوع في وادي الاستثارة الشعبوية المدمر.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
علم الاجتماع
الفلسفة
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
درود به جناب جلائی پور که برخلاف بعضی تحلیلگران ، طرفدار حرف حق هستند. از نظر بنده نامه هایی از نوع نامه جناب فرهادی قبلا توسط عزیزان دیگر به نهادهای مختلف نوشته شده بود. اما معمولا با برخورد امنیتی ظرفت و انعطاف پذیری پایینی از خود نشان میدادند. احتمالا خطاب قراردادن جناب روحانی هرچند در نظر اول به نظر مقصر دانستن ایشان در مورد "دردهای اجتماعی" (به زعم جناب جلالی پور) ممکن است جلوه کند، اما در شرایط پیچیده سیاسی فعلی ایران می توان نشان از اعتماد "نسبی" این هنرمند عزیز کشورمان به ریاست جمهوری و جریان حامی ایشان باشد.