اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ليس للإسلام جوهر ثابت، وقراءات المسلمين المتنوعة لا تجمعها سوى شبه عائلي. ينقد سروش دباغ النزعة الجوهرانية، ويدافع عن قراءة إصلاحية قوامها التسامح، ويؤكد على حقوق الأقليات، مبيّناً الحد الفاصل بين نقد المقدسات والإساءة إليها.

كثيرًا ما نسمع مقولة «ليس في الإسلام بذاته عيب، وكل عيب إنما هو من إسلامنا نحن». يقول البعض بدافع الغيرة الدينية إن «ذات» الإسلام حسنة، وإن المشكلات التي تُرى في مجتمع مسلم كالمجتمع الإيراني إنما هي بسبب إهمال المسلمين للأوامر الإسلامية وتجاوزهم إياها، لا غير. ومن جهة أخرى، يعتقد بعض منكِري الدين أن الإسلام يمتلك ذاتًا، ولا يمكن بمعزل عن هذه الذات الحديث عن قراءات مختلفة للإسلام وأنماط من التدين، ثم ترجيح إحداها وإسقاط سائر القراءات. ووفقًا لرأيهم، فإن رجال الدين الرسميين هم الممثلون «الفعليون» الوحيدون للإسلام في يومنا هذا، وأما الآخرون ممن يسعون إلى تقديم قراءات غير رسمية للإسلام فإنهم يضربون في حديد بارد ولا يبلغون مبلغًا. في نظري أن كلام الطائفتين المذكورتين ليس وجيهًا؛ فلتقديم قراءة وجيهة مقبولة عقلًا للإسلام في زماننا الراهن، لا حاجة إلى افتراض ذات للإسلام. ومن جهة أخرى، فإن منتقدي التدين يخطئون أيضًا حين يبحثون عن ذات في الإسلام ويسعون إلى تبيينها وشرحها. وكما أتبين، ليس للإسلام ذات، ويمكن من منظور دلالي ومعرفي، ومع وضع أنماط عيش المسلمين المتنوعة نصب الأعين، الحديث عن كثرة غير قابلة للرد إلى وحدة في ميدان الدين الإسلامي؛ فبنقد النظرة الذاتوية، تتهيأ أرضية للاعتراف بكثرة القراءات للإسلام. والمتنورون الدينيون، باعترافهم بهذا التكثر، يدافعون عن قراءة إصلاحية للإسلام ويعتبرون سائر القراءات غير وجيهة؛ قراءة إصلاحية محورها التسامح وتدافع عن الحقوق الأساسية للأقليات الدينية ومنكِري الدين في المجتمع الديني. أسعى في هذه الكتابة، من خلال إقامة أدلة في نقد القراءة الذاتوية للإسلام، إلى الدفاع عن القراءة الإصلاحية للإسلام، وبيان اللا أخلاقية في إهانة المقدسات الدينية عبر التفريق بين «النقد» و«الإهانة».
في فلسفة اللغة المعاصرة، يرى القائلون بـ«الجوهرية الدلالية»1 أن «الأنواع الطبيعية»2 كالماء والذهب والنحاس... تمتلك ماهية ضرورية ثابتة لا تتغير، ويمكن إظهار وحصر جميع المكونات المكوّنة لتلك الماهية، كجميع مكونات الذهب مثلاً. بعبارة أخرى، حين نستخدم مفهوم الذهب في اللغة ونحدد المراد منه، فإن معنى هذه الكلمة يشير إلى جميع المكونات المكوّنة لهذا المفهوم. في المقابل، يرى أولئك الذين هم اسميون3، وبتعبير بوتنام يؤمنون بـ«التعددية اللسانية»4، أن إحراز معاني الألفاظ متوقف على الرجوع إلى «الخصائص الباطنية»5 المتكثرة للمصاديق، لا إلى ماهية محددة سلفاً ومعينة؛ وذلك لأن ماهية كهذه ليست موجودة ولا ينبغي البحث عنها. في اعتقادي يمكن التعاطف مع موقف الاسميين، على الأقل بصدد مفاهيم كالليبرالية والديمقراطية والعلمانية والعرفان والدين والأخلاق واللعب...؛ مفاهيم تنبثق، خلافاً لمفاهيم كالشجرة والجبل والنهر والبحر...، في المجتمع الإنساني، وقوامها رهن بقوام البشر وتفاعل مستخدمي اللغة بعضهم مع بعض في مجتمع إنساني. لا يمكن إحصاء مكونات مثل هذه المفاهيم على نحو قبلي وسابق على التجربة؛ بل فقط بالرجوع إلى التجربة وعلى نحو بعدي يمكن الحصول على قائمة مكوناتها المكوّنة؛ قائمة مفتوحة ويمكن من حيث المبدأ أن تزيد أو تنقص. ومقتضى هذا الكلام هو أنه بدلاً من «العلمانية» و«الليبرالية» و«العرفان» و«اللعب»، تكون لدينا «علمانيات» و«ليبراليات» و«عرفانات» و«ألعاب»، ولا نستطيع تقديم قائمة جامعة مانعة لجميع المكونات المكوّنة لهذه المفاهيم. وعلى هذا المنوال، ليس لمفهوم «الدين» ماهية بالمعنى الأرسطي للكلمة، ولا تتوفر قائمة قبلية وكاملة لجميع المكونات المختلفة المكوّنة للدين؛ بل ينبغي، على نحو بعدي – تجريبي وتاريخي، الحصول على المكونات والمقومات المتنوعة المكوّنة للدين وحصرها. إذا كان هذا التفكيك الدلالي مبرراً، فمقتضى هذا الكلام هو أنه لا يمكن الحديث عن ماهية «الدين» وحصر مكوناته الماهوية الثابتة والادعاء بأن ماهية الدين قد أُدركت. في المقابل، إن استخدام كلمة «دين» وتحديد المراد منها يشير إلى المكونات المقوّمة لمفهوم «الدين» التي انبثقت حتى الآن؛ مكونات تم إحرازها على نحو تاريخي وتجريبي، لا قبلي وغير تجريبي. مثلاً، قال كثيرون إن «التوحيد» هو المفهوم الأكثر جوهرية في دين الإسلام؛ وكأنه يمكن الاتفاق على هذا المكون بوصفه المكون الماهوي لـ«الإسلام». لكن مروراً عابراً على تاريخ الحضارة الإسلامية يدل على مدى اختلاف فهم وتلقي الفلاسفة والعرفاء والفقهاء والمتكلمين لهذا المفهوم الجوهري، في حين كانوا جميعاً يعتبرون أنفسهم مسلمين. فإله ابن سينا الفلسفي القائم على «برهان الوجوب والإمكان» والذي له رنين أرسطي، يختلف كثيراً عن إله ابن عربي ومولوي العرفاني الذي له وحدة من سنخ «الوحدة الحقّة الحقيقية» وهو «بسيط» و«بلا صورة» وقد ملأت تعيناته وتجلياته العديدة العالم. وكذلك إله آية الله البروجردي وآية الله الخوئي الفقهي، وهو إله آمر ناهٍ، يختلف عن إله العرفاء والفلاسفة. وكما يُرى، توجد تصورات وتلقيات مختلفة ومتكثرة للتعليم الإسلامي الأكثر جوهرية بين النحل المختلفة، والمعنى الذي يقصدونه من تعليم التوحيد يختلف بعضه عن بعض. بعبارة أخرى، لا توجد ماهية وجوهر مشترك بين التلقيات المتنوعة لتعليم التوحيد بين المسلمين؛ بل ما يُرى، بتعبير فتغنشتاين، هو نوع من «الشبه العائلي»6؛ شبه من سنخ الشبه بين أعضاء عائلة واحدة. في العائلة الواحدة، ليس بالضرورة أن يكون لجميع الأفراد لون العين نفسه ونموذج الحاجب نفسه، وليست هناك خصوصية واحدة متطابقة ومشتركة بين جميع الأعضاء؛ إذ يمكن أن يكون لون عين العضو (أ) مثل لون عين العضو (ب)، لكن لون عينيهما يختلف عن لون عين العضو (ج)؛ ومع ذلك ينتمي جميع هؤلاء الأعضاء إلى عائلة واحدة دون أن توجد بالضرورة خصوصية مشتركة بين جميع أعضاء العائلة؛ لكن هذا الأمر لا يمنع من اعتبار جميع هؤلاء الأعضاء منتمين إلى عائلة واحدة. علاوة على ذلك، يمكن، بالنظر إلى مجموع أوجه الشبه وعدم الشبه التي تُرى بين أعضاء عائلة واحدة، تمييز هذه العائلة بأكملها عن عائلة أخرى.7
من جهة أخرى، وكما نعلم، تشكلت الإبستمولوجيا الحديثة مع التأكيد على مركزية الذات. يكشف كانط في كتابه «نقد العقل المحض» عن ثورة كوبرنيكية إبستمولوجية؛ ثورة تقوم على مركزية الذات ومدخليتها في معرفة العالم المحيط؛ ذات تسعى بنشاط (لا بانفعال) إلى فهم العالم المحيط. من الواضح أن مجمل الخلفية المعرفية والتربوية المتنوعة للبشر المختلفين الذين يقصدون النصوص الدينية (القرآن والسنة النبوية هنا) ويسعون بصدق وجد إلى فهمها الوجيه والمعقول، تنعكس بطبيعة الحال في تقديم قراءة صادقة ومنسجمة ومعرفية للنص. ويقتضي هذا القول أننا نواجه، في قراءة نص ديني، كثرة غير قابلة للرد إلى الوحدة، لأن الخلفيات المعرفية والتربوية لقارئي النص تتباين فيما بينها تبايناً واضحاً. وعندما تتجه ذوات كهذه بنشاط إلى فهم الكتاب والسنة، فستظهر وتبرز منتجات معرفية متعددة ومتنوعة. ومن هنا، نشأ «الإسلام التقليدي» و«الإسلام الأصولي» و«الإسلام الإصلاحي» بطبيعة الحال، لا بفعل مؤامرة أو تخطيط مسبق من أناس في المجتمع الإسلامي. ينبغي الاعتراف بتعددية الفهم الديني؛ تعددية تقر مختلف القراءات للدين ولا تضمر الرغبة المستحيلة في تقديم قراءة واحدة للإسلام والوصول إلى جوهر الإسلام. بالطبع، لا يقتضي هذا القول أن تكون جميع القراءات المختلفة للدين ذات قيمة معرفية واحدة. بعبارة أخرى، إن تبيين كوننا نواجه كثرة في قراءات الدين له صبغة «وصفية» لا «توصية». فبعد الاعتراف بهذه الكثرة الفعلية، لقبول كل قراءة، «ينبغي» فحص أدلة كل قراءة واستشهاداتها والانشغال بتقييمها المعرفي. في الواقع، المدعى هنا له صبغة وصفية وتوصية معاً. الاعتراف بالقراءات المختلفة للدين له صبغة وصفية، وفحص الأدلة والاستشهادات وتقييمها المعرفي واعتبار قراءة ما وجيهة وطرح القراءات الأخرى جانباً له صبغة توصية.
يعترف عموم المثقفين الدينيين بقراءات مختلفة للدين؛ بينما يعتبرون القراءات التقليدية والمتأثرة بالنزعة التقليدانية والأصولية للإسلام غير مبررة؛ وفي المقابل، يرفعون القراءة الحداثية وينصبونها على منصة التصويب. إنهم، باتخاذ معيار ومحك «الاجتهاد في الأصول»، يفصلون التعاليم الأخلاقية والروحية الأبدية للإسلام عن السياق الذي نشأت فيه هذه التعاليم؛ ومع استحضار المنجزات المعرفية للعالم الجديد، يقدمون قراءة للدين تحفظ حرمة الأخلاق وتتيح مجالاً وأرضية لتحقق التجارب الروحية والباطنية في العالم المحيط. وعلى سبيل المثال، وكما يُستفاد من الآية «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»8، فإن الله يخاطب مخاطبي الوحي ناظراً إلى فهمهم وتلقيهم لمفاهيم مثل «العدل» و«الإحسان» و«الفحشاء» و«المنكر»، وقد تم التخاطب والتفاهم ناظراً إلى التصور والتلقي والمصاديق العرفية لهذه المفاهيم. فمخاطبو كلام الوحي أساساً لم يكن لديهم فهم للعدل فوق التاريخي، ولم يكن بوسعهم أن يكونوا مخاطَبين برسالة كهذه. وبناءً على هذا التلقي، فإن نبي الإسلام الكريم، في مجال الاجتماع والسياسة، دعا المخاطبين من جور وظلم العصر إلى عدل العصر، لا إلى العدل فوق التاريخي. وينبغي النظر إلى «العدل» هنا بوصفه مفهوماً أخلاقياً مهماً؛ وهذا الكلام يسري على المفاهيم الأخلاقية الأخرى مثل «عدم إلحاق الأذى بالآخرين»، و«الرفق»، و«الوفاء»، و«العفة»... أيضاً. وبناءً على تلقي المثقفين الدينيين، فإن عموم الأحكام الاجتماعية في الإسلام تندرج تحت مظلة العدالة وتتقيد بالقيود الأخلاقية. وفي الوقت نفسه، ولأن تلقي وتصور البشر لحدود وثغور المفاهيم الأخلاقية مثل «العدالة»، و«الإحسان»، و«إلحاق الأذى بالآخرين»، و«الوفاء»... زماني ومكاني، ويمكن من حيث المبدأ أن يتغير من عصر إلى عصر؛ فإن صون الرسالة المودعة في قلب التراث النبوي يستلزم وزن الأحكام الاجتماعية بميزان الأخلاق وإعادة قراءتها؛ أخلاق تستمد تصوراتها وتصديقاتها من عرف العصر وإجماع العقلاء. ومن هنا، فإن الانفتاح على المنجزات المعرفية للعالم الجديد وتنظيم مجموعة المعتقدات حولها، يعين الإنسان في السياق والعصر الراهنين، مع صون الروح الحاكمة على التعاليم القرآنية، على تقديم قراءة مبررة للإسلام. وبرأي عموم المثقفين الدينيين، فإن القراءات التقليدية والأصولية للإسلام غير مبررة وغير فاعلة؛ لأنها لا تأبه بالمنجزات المعرفية للعالم الجديد، ولا تعير اهتماماً، لتفسير النص في الأفق المعاصر، للسياق الذي تشكل فيه النص المقدس، وتقدم قراءة غير مبررة وآلية وغير متناسبة مع روح النص الديني.
القراءة الإصلاحية للإسلام قائمة على التسامح، ومع صون وقبول تعاليم حقوق الإنسان، تعترف بالحقوق الأساسية للأقليات الدينية والكفار واللادينيين في المجتمع الديني، وتدين بشدة أي انتهاك لهذه الحقوق من المنظور الأخلاقي والحقوقي؛ علاوة على ذلك، فهي منفتحة على نقد الدين من قبل اللادينيين والناقدين، وتسعى إلى توفير أرضية للتعبير عن آرائهم في المجتمع الديني. وفي الوقت نفسه، فإن القائلين بهذه القراءة للإسلام، مثل كاتب هذه السطور، يشددون على الفرق بين «النقد» و«الإهانة»، وبينما يرون رواج الأول في المجتمع الديني جائزاً ويدافعون عنه؛ فإنهم يعتبرون الثاني، كما أسلفت9، غير جائز وغير أخلاقي وينطوي على ازدراء «الآخر». ومما يثير التأمل أن بعض اللادينيين المقيمين في الخارج، بدلاً من أن ينشطوا سوق نقد التعاليم الدينية، ومن خلال ذلك يضعوا مدعياتهم واستدلالاتهم أمام أنظار المتدينين ويساعدوا في غسل الفكر الديني في المجتمع الإيراني؛ يدافعون عن إهانة التعاليم الدينية، ومع الاستخفاف بالتعاليم الدينية والمتدينين، يقولون مؤكدين إنه نظراً لأن الحدود بين «النقد» و«الإهانة» ليست واضحة تماماً، فعلى المتدينين أن يرفعوا عتبة تحملهم ويتعايشوا مع هذا الأمر. تأمل الاقتباس التالي:
«.. الهراء هراء في كل حال، ومن داخل الهراءات المقدسة يخرج العنف. وهذا العنف، عنف محلي ووليد البيت... لكن قصدنا هو التنوير، لا أن نثير عناد الأشخاص الخرافيين، لا سيما أولئك الذين لا يزالون، من حيث الوعي الحضاري، وكما يقول إيمانويل كانط، يعيشون في "القصور"»10.
من العجب أن شخصًا يصف التعاليم الدينية بأنها «ثرثرة مقدسة» وينعت المتدينين بـ«الخرافيين» و«القاصرين»، يزعم أنه يسعى إلى التنوير؛ إنه يجلس على غصن ويقطع جذعه؛ لعله يتوقع كاتب هذه السطور أن يلقى المتدينون كلامه سمع القبول، فيهتدوا ويخرجوا من القصور، بعد أن يتخذ هذه النبرة العدائية الغاضبة! يثير دهشتي لماذا يصبح البعض بهذا القدر من نفاد الصبر ويتجاوزون حدود الأدب والإنصاف عندما يخاطبون المتدينين. دعنا من الإيرانيين المتدينين، هل الفلاسفة المسيحيون المتدينون المعاصرون أمثال روبرت أودي، ووليم ألستون، وألفين بلانتينغا، وروجر تريغ، وريتشارد سوينبرن، وجون هيك، الذين اشتغلوا بالتدريس والبحث في أعرق المراكز الأكاديمية في العالم خلال العقود الأخيرة، هم أيضًا قاصرون وخرافيون؟! لماذا يُتحدث بهذا القدر من اللاموضوعية والحقد؟ ما لم يُقل إن كل من يفكر على نحو مغاير لنا ولا ينتمي إلى قبيلتنا ويؤمن بشكل من الأشكال بالحيز القدسي والأمر المتعالي، هو إنسان قاصر وخرافي؛ وهذا كلام نابع من الصلف والنرجسية ولا وزن له في ميزان الأخلاق. لنسأل: لو أن شخصًا متدينًا خاطب شخصًا لا دينيًا على هذا المنوال وبهذه اللغة واستخف به، هل يكون ذلك جائزًا؟ ألا ينتج العنفَ من يخاطب المتدينين بهذه الطريقة؟ إذا كان أذى منكري الأديان والكفار وانتهاك حقوقهم الأساسية أمرًا غير أخلاقي، وهو كذلك؛ فإن هذه المواجهة مع معتقدات المتدينين هي أيضًا غير أخلاقية، وتسهم في ترسيخ العنف ولا تحل عقدة من عقدنا المستعصية. إلى أين سنصل باستخدام هذه اللغة العدائية، وأي قمة وأفق سنفتح؟ إذا كان البعض ينتقدون ويحتجون على ما جرى تحت مسمى الحكم الديني في العقود الأخيرة ولا يتحملون سلوك الحكم مع المواطنين، فلماذا يستخفون بالمتدرنين وينعتونهم بالقاصرين والخرافيين ويدافعون عن حرية الإهانة؟ إلى أين هذا الإسراع؟
إذا كان الحد الفاصل بين «النقد» و«الإهانة» غير واضح؛ فأولاً، نحن ملزمون أخلاقيًا بالامتناع عن الإدلاء بأقوال والقيام بأفعال تُعتبر مهينة من منظور «الناظر المثالي»؛ لا أن نترك اليد مطلقة من ذاك الجانب وندعو الأفراد إلى إزالة الحساسية لتختلط الأقوال والأفعال المهينة بالنقدية ويتعذر الفصل بينها. على سبيل التمثيل، إذا قال شخص ما كلامًا ينطوي على شتيمة لوالدك، فقد ارتكب فعلًا غير أخلاقي؛ وفي الوقت نفسه، إذا تحدث هذا الشخص نفسه في جمع عن والدك بطريقة طاعنة ومستخفة، فما هو رد الفعل الذي تبديه أو ينبغي أن تبديه تجاهه؟ هل تقول له: استمر في هذا السلوك لأن الحد الفاصل بين «الإهانة» و«النقد» غامض، أم تحتج عليه وتطلب منه أن يغير نبرة كلامه؟ إذا نظرنا من منظور الناظر المثالي، فينبغي أن تطلب من هذا الشخص أن ينهي سلوكه ويتخذ طريقة أخرى في الكلام، وإلا كان سكوتك غير أخلاقي. إذن، حتى بافتراض أن الحد الفاصل بين النقد والإهانة غير محدد، وهو ليس كذلك برأي الكاتب، فإن هذا لا يمنح ترخيصًا أخلاقيًا لمنكري الأديان والناقدين كي يتحركوا في هذه المنطقة الحدودية ويتفوهوا بأي قول ويقدموا على أي فعل؛ كما لا ينبغي للمتدينين أيضًا أن يسلكوا سبيل الاستخفاف بمعتقدات منكري الأديان وإهانة الكفار.
ثانيًا، تخبرنا بديهياتنا اللغوية11 نحن الناطقين بالفارسية أن مفهوم «النقد» ينطوي على معنى وله مصاديق عدة؛ وكذلك الحال بالنسبة لمفهوم «الإهانة». فإذا لم تكن الحدود بين «النقد» و«الإهانة» واضحة بزعم البعض، فإن لازم هذا القول هو أن الحدود والمعالم الدلالية لمفهوم «الإهانة» غير محددة، وأن كل إهانة ينبغي أن تُعتبر نقدًا. وبتعبير آخر، ليس لمفهوم «الإهانة» دائرة مصاديق محددة، وهو مفهوم بلا مصداق. لكن هذه النتيجة تتناقض مع بديهياتنا اللغوية، إذ يمكن لأي متحدث بالفارسية أن يسمي بعض الأقوال والأفعال التي هي مصداق للقول والفعل المهين، وهي في الوقت ذاته ليست مصداقًا للنقد؛ والعكس بالعكس، بعض الأقوال والأفعال التي هي مصداق للنقد ولا تُحسب إهانة. وبتعبير المناطقة، يرتكب القائل بمثل هذا الكلام مغالطة «الاستدلال بالمنحدر الزلق»12، لأنه ينطلق من مفهوم «الإهانة» ودائرة مصاديقها ويتقدم شيئًا فشيئًا، ويعتبر كل أمر يراه جماعة ما مصداقًا للأمر المهين، غير مهين وينحيه جانبًا، حتى لا يبقى في النهاية أي أثر للأمر المهين. في حين أن بديهياتنا اللغوية تقول إنه يمكن اعتبار أفعالاً وأقوالاً في العالم الإنساني مهينة، والإحالة إليها في اللغة والحديث عنها؛ كما يمكن اعتبار أقوال وأفعال ناقدة والإشارة إليها في اللغة الطبيعية.
ثالثًا، من دواعي الأسف أن أناسًا عاشوا سنين في الخارج واختبروا الأجواء الحرة هناك، يدافعون عن جواز إهانة المقدسات؛ وهو كلام من لوازمه المنطقية إجازة التحقير من شأن قادة الأديان والمذاهب المختلفة. إذا كان بالإمكان بلوغ الخلاص عبر إهانة العظماء الروحيين لقوم ما، فبالضرورة يجوز للشيعة أن يحقّروا عظماء أهل السنة ويسخروا منهم، وعلى هذا المنوال ينبري المسلمون السنة لإهانة عظماء الشيعة؛ ويسخر المسيحيون من معتقدات اليهود، وهلم جرًا. من المؤكد أن حالنا الثقافية والدينية ستغدو أفضل بكثير مما كانت عليه، وستترسخ ثقافة التسامح بيننا لو تصرفنا هكذا! هذا الكلام إما يصدر عن غفلة وفهم خاطئ للوضع الراهن للمجتمع الإيراني، أو عن عدم إدراك للمسؤولية وإهمال، وهو ضار في كلتا الحالتين.
سواء أعجب هؤلاء أم لم يعجبهم، أذعنوا أم لم يذعنوا؛ فإن سكان أرض إيران اليوم هم في الغالب مسلمون، يؤمنون بدين الإسلام والمذهب الشيعي، وينزعجون حقًا من التحقير من شأن عظماء هذا الدين. إن كان ثمة طريق إلى الخلاص، فهو يتمثل في تنقية وتنقيح التراث الديني السميك الذي يحضر في ذاكرتنا الجمعية منذ قرون ونعيش به. إهانة مقدسات الكثرة الكاثرة من الإيرانيين ليست جائزة أخلاقيًا، ولا تعيننا في المسار الصعب لتنقية تراثنا الديني؛ بل هي مضللة، وتصب، دون قصد، في مصلحة أولئك الذين يؤمنون بقراءة غير متسامحة للإسلام ويروجون لها. لقد انشغل المثقفون الدينيون، عن صدق ووجع ومروءة، بطرح وبسط قراءة إصلاحية ورحمانية للإسلام، منذ سنين، في إعادة قراءة نقدية للتراث الديني، وخلقوا خطابًا مؤثرًا في هذا المجال، وتحملوا في هذا السبيل، شأنهم شأن سائر الفاعلين السياسيين والثقافيين في هذه الديار، صنوفًا من المكاره. إذا كنا مهتمين بإصلاح دين وثقافة وسياسة أبناء أرض إيران، فمن المؤكد أن هذا الأمر المهم لا يتحقق عبر إهانة معتقدات الكثرة الكاثرة من الإيرانيين وإجازة ذلك. علاوة على ذلك، فإن تشويش الحد الفاصل بين «النقد» و«الإهانة»، ودعوة المتدينين إلى سماع الإهانات وتحملها وكظم الغيظ إزاءها، بدلًا من التفريق بين مقولتي «النقد» و«الإهانة»، والنفخ في بوق النقد ونبذ الإهانة، هو وضع للقدم في منعرج خاطئ ولا يفضي إلى طائل:
«كانت كلماتي، مثل حزمة عشب مضيئة
قلت لهم:
ثمة شمس على أعتابكم
لو فتحتم الباب لأشرقت على سلوككم.»13
.
.
1 semantic essentialism
2 natural kinds
3 nominalists
4 linguistic pluralism
5 Intrinsic properties
6 family resemblance
7 لمزيد من الاطلاع على فكرة «التشابه العائلي» في فلسفة فتغنشتاين، انظر: سروش دباغ، «بازیها و معناها»، سکوت و معنا: جستارهایی در فلسفه ویتگنشتاین، طهران، صراط، 1387، الطبعة الثانية، ص 62-47
8 سورة النحل، الآية 90.
9 انظر: سروش دباغ، «این است حریف ای دل تا باد نپیمایی»، موقع بي بي سي، تموز 1391
10 عبدي كلانتري، «آیا توهین مجاز است»، موقع بي بي سي، تموز 1391
11 linguistic intuitions
12 slippery slope argument
13 سهراب سبهري، «سوره تماشا»، حجم سبز، هشت کتاب، طهران، طهوري،
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
تنها پاراگراف مستدل و سخن درستی که یافتم این پاراگراف بود که نمی دانم از کی هست : «.. یاوه در همه حال یاوه است و از درون یاوه های مقدس خشونت بیرون می آید. و این خشونت، خشونت بومی و خانه زاد است…اما قصد ما روشنگری است نه اینکه لج آدمهای خرافی را در بیاوریم، بویژه کسانی که هنوز از لحاظ اگاهی تمدنی به قول امانوئل کانت، در ” صغارت” به سر می برند» متاسفانه جناب دباغ این پاراگراف را توهین تلقی کرده اند در حالی که واقعا روشنگرانه است یاوه های مقدسی که داعش و روحانیت تند رو دارد از بطن آن خشونت وحشیانه ای را استخراج می نماید را من کجای دل اسلام بگذارم !!! این پاراگراف توهین نیست بلکه واقعیتی سخت دلخراش است که میلیونها قربانی در ایران و سوریه و یمن و عراق تا به امروز داشته است
كلام اقاي محمد عزيز در كنار هم قرار دادن برخي ديدگاههاي روحانيت/ كه البته با نظرات (احتمالا" سياست زده )ايشان هماهنگ نيست/. با داعش، خود مصداقي از خشونت بي رحمانه نيست؟ غالبا علائق سياسي مانند هر كشش ديگري مي تواند ما را در درك و فهم درست ديدگاههاي مخالفين عاجز سازد لذا در بسياري موارد با پنداري خود ساخته در باره موضع ديگران به جدال مي نشينيم سربلند باشيد