اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
بقلقٍ من التبرير الديني لعنف الحاكمية، تساءل المجتهد الشبستري عن إمكانية الفقه في العالم الحديث ووصف مواجهة الله بأنها ظاهراتية؛ ومن منظور النظرية السياسية، ينقد الافتراض القائل بأن الإصلاح الديني شرطٌ للإصلاح السياسي.

ذكرى ميلاد الدكتور محمد مجتهد شبستري هي فرصة سانحة لاستذكار وإيفاء حقّ حياة فكرية مباركة امتدت عمراً لهذا الأستاذ الكريم والنظير. وكما أن حياتنا المادية رهنٌ، في جملة ما هي رهنٌ به، بنبض القلب واستمرار الشهيق والزفير، فإن حياتنا المعنوية والفكرية رهنٌ هي الأخرى بجريان الروح والنفس والذهن والفكر المستمر، نبضٌ يستلزم تجدّداً متواصلاً للأسئلة الحيوية واتضاحاً متزايداً لنطاق المسائل الأساسية. إن المفكرين الطلائعيين والفنانين المبدعين والسالكين الثابتين الساعين في وادي المعرفة هم الركن المحوري لاستمرار نبض الروح والنفس والذهن والفكر، لا على الصعيد الفردي فحسب، بل على الصعيد الاجتماعي والجيل. وبهذا المعنى، فإن للمفكرين الطلائعيين حق الحياة في أعناق المجتمع. ومحمد مجتهد شبستري هو من جملة هؤلاء المفكرين.
إن السجل الفكري لمحمد مجتهد شبستري في نصف القرن الأخير هو جزء بارز وملفت من سجل إعادة النظر الجريئة في الدين والاجتهاد المتحرر من الحذر في الفقه والأصول في العالم الإسلامي المعاصر، إعادة نظر واجتهاد يمتد نطاقه ليشمل رقعة واسعة من أصول الدين إلى أصول الفقه والحقوق المؤسسة على الدين، ويشق مبضعه الجريء أعماق السؤال عن ظاهرة الوحي ومواجهة البشر والله، وكذلك إمكان وامتناع الفقه والأصول في العالم الحديث المتأخر. وبمثل هذا النطاق الواسع وهذه الأعماق السحيقة، فإن الاجتهاد الذي يمثله مجتهد شبستري بل هو طليعته، قد جعل منه مفكراً أصيلاً لم يوسع فقط نطاق الإجابات الممكن تصورها عن الأسئلة اللاهوتية والمسائل المتعلقة بالتدين، بل الأهم من ذلك أنه فتح آفاقاً جديدة من الأسئلة الدقيقة والمسائل العسيرة أمام العيش المدروس والمتأمل للمسلم واللاهوت الفلسفي وعلم الكلام والفقه والأصول.
كل هذا التحليق العالي في سماء التفكر في الله والسباحة في أعماق بحر العيش الديني هو حصيلة تجربته الآملة والمدروسة والمختبرة، تجربة الإصغاء منقاداً إثر نداء «الحقيقة الدينية» و«صوت الجرس» الذي لا يزال يصل إلى مسامعه، ذاك الصوت والنغم الذي قلّما يستقر في أذن أو قلب (بخير) ويبشر بأفق أمل في عصر الصقيع الروحي هذا، وعصر غيبة الألوهة وصمت السماء والسكون المطبق لصحراء الوجود بلا ظل والغربة البشرية في مواجهة عاصفة التكنولوجيا وضجيج الجماهير المسخية الروح في إثر أنبياء العصر ما بعد الحقيقة الثرثارين العدوانيين.
أحد الوجوه البارزة لتميز البرنامج البحثي لمجتهد شبستري (وقلة قليلة مثله) بالمقارنة مع البرامج البحثية الأخرى التي شرعت في نقد الشريعة وتنقيتها، هو أنه تنبه مبكراً لخطر كبير في طريق مجتمع وجد نفسه، طوعاً أو كرهاً، يعيش تحت ظل حكومة ذات أساس ديني أرادت أن توفر من رصيد التراث الشيعي سنداً لممارسة الإكراه السيادي في العصر الحديث. إن ممارسة القوة والعنف والإكراه على سبيل الاحتكار، كما شرح ماكس فيبر واقتفاءً به كثيرون غيره، هي ظاهرة كونية وعنصر معرف ومكون مقوم للسيادة الوطنية في العصر الحديث. وهكذا، عندما يُستدعى مخزون التراث الديني لتبرير شرعية السيادة، أي ممارسة القوة والعنف والإكراه على سبيل الاحتكار، يبدو أن مفكرين مسؤولين مثل مجتهد شبستري، ممن كانوا يرون الخير الأخلاقي والاجتماعي في المواكبة مع التيار الشعبي للثورة والتغيير السياسي، ويدينون في الوقت ذاته بتدين مقتدر وإنساني، كانوا على حق تماماً إذ تحسسوا بقلق إزاء سلطة التراث الجامحة في تبرير العنف الاحتكاري للسيادة، وسعوا إلى كبح هذه السلطة المتراكمة تاريخياً بلجام من الاجتهاد التجديدي، خشية أن يصبح التراث ذريعة لتبرير أعمال العنف والتمييز القسرية.
كان تدارك الديناميكية المفقودة للفقه هو أول إجابة قُدّمت لهذا الهاجس المهم. لكن لم يمضِ وقت طويل حتى أدرك بفطنة أن الإجابة الفقهية لا تتناسب مع سعة وعمق ذلك الهاجس. فالجدول الذي تفجّر من سعيه لشق مسار الاجتهادات المبتكرة داخل الفقه، سرعان ما صار نهرًا هادرًا يشق مسارات جديدة في سفحين رحيبين: أحدهما في سفح الفقه والحقوق ذات الأساس الديني، والآخر في سفح مواجهة الله بوصفه أمرًا فينومينولوجيًّا (ظاهراتيًّا). في السفح الأول انفتح مسار نحو تشخيص الامتناع الأصولي للفقه والحقوق ذات الأساس الديني في العصر الحديث على مستوى الدولة والمجتمع. أما السفح الثاني فقد قاد إلى تغيّر فهمه لمنطق تشكّل المواجهات المتضمنة للكلام والمعنى بين الإنسان والله، تغيّر في الفهم نقل محور هذه المواجهة مع الأمر الإلهي، فينومينولوجيًّا، من الله إلى شخصية النبي بوصفه شخصًا (person) فاعلًا نشطًا. وبتغيير هذا المحور والمدار، أعاد المجتهد شبستري التعرف على كل ما هو متاح من مواجهة الإنسان والله في قالب الروايات النبوية والنص المحوري للإسلام، بمقاربة فينومينولوجية، بوصفه تفسيرًا للعالم تمت صياغته من نافذة روح النبي.
خلال العقدين أو العقود الثلاثة الأخيرة، كان هذان الإنجازان النظريان، في مسار تشكّلهما ونشأتهما، موضوعًا ومحلًا للنقد والنظر، ولا شك أنهما سيشغلان لسنوات عقولًا وقّادة كثيرة من المجددين والمتنورين والباحثين في الدين والفقه والكلام واللاهوت الفلسفي. النقد والمساءلة شرط لأداء الحق الفكري، وكيف يمكن تقدير جهود أرباب الآراء الاجتهادية بأكثر من المساءلة النقدية لآرائهم وآثارهم؟
هنا، فقط من منظور النظرية السياسية التي هي مجال اهتمامي الدراسي والتخصصي، وباختصار، ومن بين الأسئلة التي يمكن طرحها من هذا المنظور، أطرح بتواضع سؤالًا كليًّا واحدًا فقط ناظرًا إلى هذه الحصيلة الفكرية الثرّة، حصيلةٌ جزء كبير منها هو انعكاس لأفكار عميقة عن الله وإعادة تفكير في القرآن والسنة الدينية، وهي هكذا، بتعبير حافظ، «مرآةٌ إلهيةُ التجلّي».
كما مرّ، كانت الحساسية تجاه العنف السياسي والانشغال بكبح نطاق التبرير الديني للعنف السياسي أحد أهم المحركات لهذا البرنامج الفكري-السياسي. وإلى جانب ذلك، كان توفير إمكانية استمرار التدين في العالم الحديث المتأخر هدفاً يمكن تلمس أثره في كامل هذا البرنامج. غير أن استراتيجية هذا البرنامج الفكري والسياسي كانت استراتيجية إصلاحية ومعرفية، أي متابعة الهدف الأول عبر تحقيق الهدف الثاني. أو بتعبير آخر، متابعة الأهداف السياسية والاجتماعية من طريق طرح نوع من الإصلاحية الإسلامية أو إصلاح أسس التراث الفقهي والكلامي الشيعي. إن الوتيرة العالية لاستعمال مصطلح «قراءة الدين» في أعمال محمد مجتهد شبستري علامة صورية لكن واضحة على اتخاذ طريق الإصلاح والتجديد الديني بوصفه استراتيجية للتغيير. كان هدفهم المُعلَن والصريح وهدف بعض المثقفين الدينيين هو تقديم قراءات حداثية، ديمقراطية، حقوقية، إنسانية، ورحمانية للفقه أو الشريعة أو الدين. وهكذا، يبدو أن ثمة افتراضاً مسبقاً غير مدروس، افتراضاً مسبقاً راسخاً وعميقاً ومرتكزاً كامناً في أعمال مجتهد شبستري وبعض المجددين والمثقفين الدينيين العلمانيين أو غير العلمانيين، يحكم بأن الإصلاح الديني شرط لازم (وكافٍ) للإصلاح السياسي. بعبارة أخرى، يبدو أن أجزاءً من النصوص القرآنية والمصادر الروائية والأحكام الفقهية التي استخدمها الإسلاميون للتحريض على العنف السياسي والاجتماعي وتبريره، داخل إيران وخارجها، كانت العلة الرئيسية لممارسة المسلمين للعنف، بحيث إنه لولا هذه النصوص والمصادر والأحكام، لما وقعت مثل هذه الأعمال العنفية في المجتمعات المسلمة، أو لكانت تقلصت بشكل ذي معنى. لو كان هذا الحكم صحيحاً، لكان أقرب طريق لكبح العنف هو طريق الإصلاح الديني الذي يفترض خطاً مستقيماً بين تقديم قراءة جديدة للدين وكبح العنف السياسي، ويؤدي إلى تنقية وتطهير المصادر والنصوص الدينية من هذه الأحكام المحرضة على العنف، وهو مسار إصلاحي يثمر قراءات منزهة عن العنف للشريعة أو الفقه أو الدين. لكن السؤال الرئيس ينبع تحديداً من الشك في وجاهة هذا الافتراض المسبق واعتباره. هل حقاً كانت أعمال العنف في العقود الأخيرة في المجتمعات المسلمة دالة مباشرة لوجود إشارات قرآنية وروايات وأحكام تُستخدم لتبرير العنف؟ وعلى مستوى آخر يمكن أن نسأل: هل نشوء الحركات والجماعات المسلمة العنفية ناجم عن فرط تمسك هؤلاء المسلمين بالمصادر الروائية والقرآنية والفقهية التي يستخدمونها لتبرير أعمال العنف التي يرتكبونها؟ بتعبير آخر، لو لم تكن هذه الآيات والروايات والأحكام موجودة، ولم تستطع هذه الجماعات بالرجوع إليها تبرير العنف الذي ترتكبه، ألم تكن هذه الجماعات والحركات لتجد تبريرات أخرى، وفي غياب هذه التبريرات، أكانت ستكف عن العنف؟ الوجه الآخر لكل هذه الأسئلة هو: إذا ما تم، عبر آلية لا نزال نجهلها، بناءُ قراءة صحية تماماً ومنزهة عن العنف وديمقراطية وحقوقية لمجموع الدين والشريعة والفقه، ثم حصلت هذه القراءة، عبر سبيل مجهول أيضاً، على سلطة دينية تضاهي القراءات التقليدية والسائدة، فهل كانت لتجد هذه القراءة قبولاً في مجتمعات مسلمة تعيش تحت الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة؟
مجموعة الأسئلة هذه هي في الواقع تعبيرات متنوعة عن وجوه مختلفة لمسألة واحدة. هل الإصلاح الديني شرط لازم لمراقبة العنف السياسي وتقليصه وكبحه؟ لقد عالج الكاتب هذا السؤال متفرقاً في أعماله خلال السنوات الخمس الأخيرة، لكنه يكتفي في هذا المقام بالتذكير بهذا السؤال في مرآة أعمال وآراء الأستاذ مجتهد شبستري النيرة.
آملاً أن تدوم صحته البدنية ونشاطه الفكري والروحي أعواماً طوالاً، وأن يواصل، بوصفه نموذجاً للتفكير المنصف والعميق والدقيق والمتألم، إرشاد المتشوقين.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.