اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تنطلق محاضرات شيرزاد بيك حرفه في فلسفة السياسة باستبيان لقياس التوجه السياسي، ثم تُحدَّد مواقع المرشحين للانتخابات الأمريكية والأحزاب الألمانية على مصفوفة، ويُشرَح 'مبدأ الأذى' ويُنقَد.

.
.
الجلسة ۱، القسم ۱: تقديم بانورامي قائم على الإشكاليات من خلال استبيان متعدد الخيارات
تقديم: طرح أكثر من 60 سؤالاً متعدد الخيارات؛
تمرين: مراجعة إجابات الطلاب والأسباب التي يقدمونها لصالح إجابتهم وضد إجابات الآخرين؛
إنتاج: وصول الطلاب إلى القدرة على طرح أسئلة جديدة ومؤصلة محلياً بناءً على قضايا البلاد الراهنة.
تبدأ محاضرات «فلسفة السياسة» بعرض أكثر من 60 سؤالاً متعدد الخيارات عبر برنامج باوربوينت. يجب على الطلاب، رداً على كل سؤال، اختيار أحد الخيارات: «أوافق بشدة»، «أوافق»، «أعارض»، أو «أعارض بشدة»، والدفاع عن إجابتهم في مواجهة إجابات الطلاب الآخرين.
أُعدت هذه الأسئلة وصيغت لتهيئة أذهان الطلاب وتقديم صورة عامة قائمة على الإشكاليات للمباحث الملموسة والعينية (وليس المجردة) في «فلسفة السياسة». ولهذا الغرض، تُعرض مصفوفة تتكون من محور أفقي ومحور عمودي.
المحور الأفقي لقياس «الاتجاه الاقتصادي»، وطرفاه هما «اليمين» و«اليسار». المحور العمودي لقياس «الاتجاه الاجتماعي»، وطرفاه هما «السلطوي» و«التحرري».
علاوة على ذلك، في الأسبوع الذي يسبق بدء المحاضرات، يحصل الطلاب، بزيارة موقع إلكتروني يحتوي على هذه الأسئلة والإجابة عليها، على شهادة تُبين موقعهم في المصفوفة وأقرب سياسي إلى اتجاههم. والمشاركة في المحاضرات مشروطة بتقديم تلك الشهادة.
فيما يلي جانب من هذه الأسئلة:
1- أنا دائماً مؤيد لبلدي؛ حتى لو لم يكن الحق مع بلدي.
2- لا أحد يختار الأرض التي يولد فيها؛ لذا فمن غير العقلاني أن يفخر بها.
3- يتمتع عرقنا بالعديد من الخصائص المتفوقة مقارنة بالأعراق الأخرى.
4- كبح التضخم أهم من كبح البطالة.
5- إنها صورة محزنة لمجتمعنا أن شيئاً حيوياً مثل مياه الشرب يُعبأ اليوم في زجاجات، وتوضع عليه علامة تجارية للمستهلك.
6- أحياناً يكون دعم الدولة للإنتاج المحلي مطلوباً في الاقتصاد.
7- يجب على الأثرياء دفع المزيد من الضرائب.
8- من يمتلكون قدرة مالية عالية يحق لهم استخدام خدمات علاجية أفضل.
9- كلما كان السوق أكثر حرية، كان الناس أكثر حرية.
10- لا ينبغي السماح للأشخاص ذوي الإعاقات الوراثية بالتكاثر.
11- لا ينبغي لأي وسيلة إعلام، حتى لو كانت محايدة تماماً، أن تستخدم الميزانية العامة.
12- إحدى المزايا الخاصة لنظام الحزب الواحد هي أنه يمنع النزاعات التي تؤخر التقدم في نظام سياسي ديمقراطي.
13- الفن التجريدي الذي لا يمثل شيئًا على الإطلاق لا ينبغي اعتباره فنًا.
14- التجار والمنتجون أهم من الكتّاب والفنانين.
15- في مساعدة المحتاجين، دور المؤسسات الخيرية أكثر فاعلية من دور سن القوانين الحمائية من قبل الدولة.
.
.
الجلسة 1، القسم 2: مرشحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية والأحزاب الألمانية
عرض: التعريف بآراء مرشحي الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 (مع سيرة ذاتية موجزة وفحص الموقع الإلكتروني الشخصي والرسمي، وصفحة الفيسبوك وموقع الحملة الانتخابية) والأحزاب الألمانية (مع أبرز وجوهها ورموزها)؛ ولا سيما حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD: Alternative für Deutschland) المعادي للمهاجرين والشعبوي، والذي كان يُتوقع وقت تقديم الدرس أن يحظى بالاهتمام نظرًا للظروف الجديدة في ألمانيا، وقد حصل بالفعل بعد الدرس على أصوات لافتة في آخر انتخابات للبلاد.
مرشحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016
ديمقراطي
1- بيرني ساندرز (سيناتور عن فيرمونت).
2- هيلاري كلينتون (وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة)؛
جمهوري
1- تيد كروز (سيناتور عن تكساس)؛
2- ماركو روبيو (سيناتور عن فلوريدا)؛
3- دونالد ترامب (الملياردير من نيويورك)؛
4- جيب بوش (الحاكم السابق لفلوريدا).
الأحزاب الألمانية
1- AFD: Alternative für Deutschland (حزب البديل من أجل ألمانيا)
2- CDU: Christlich Demokratische Union Deutschlands (الاتحاد الديمقراطي المسيحي)
3- SPD: Sozialdemokratische Partei Deutschlands (الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني)
4- FDP: Freie Demokratische Partei (الحزب الديمقراطي الحر)
5- Die piraten: Piratenpartei Deutschland
6- Die Linke (حزب اليسار)
7- Die Grünen (حزب الخضر)
تمرين: ينبغي أن يكون الطلاب قادرين على تخمين إجابات مرشحي الانتخابات الرئاسية الأمريكية والأحزاب الألمانية على القضايا المطروحة في القسم الأول من الدرس، ومن خلال فحص مدى يمينية/يسارية هذه الإجابات يحددون موقعهم التقريبي على المحور الأفقي، ومن خلال فحص مدى سلطويتها/تحررية هذه الإجابات يحددون موقعهم التقريبي على المحور العمودي.
الإنتاج: يطرح الطلاب قضايا ملموسة جديدة ويطلبون من زملائهم تخمين ردود مرشحي الانتخابات الرئاسية الأمريكية والأحزاب الألمانية على تلك القضية. ثم، يُقسم الطلاب إلى مجموعات رباعية. يطرح كل عضو في المجموعة 3 قضايا، ومن بين 12 قضية جديدة يختارون قضية واحدة ويطرحونها كقضية لمجموعتهم. يكتب ممثل كل مجموعة تلك القضية على اللوحة، ويدافع عنها، ويطلب من الطلاب الآخرين تخمين ردود مرشحي الانتخابات الرئاسية الأمريكية والأحزاب الألمانية عليها. في النهاية، بعد دفاع ممثلي كل مجموعة عن قضية مجموعتهم، يتم اختيار أفضل قضية من قبل الطلاب.
.
.
الجلسة 2: شرح وتحليل ونقد «مبدأ الضرر»
العرض: يبدأ العرض من قضايا ملموسة ويومية للطلاب. «كل واحد منا حر؛ ما لم يضر بحرية الآخرين». هذه الجملة، هي تبسيط لما يُعرف في فلسفة الأخلاق بـ «مبدأ الضرر»[1]. وفقاً لـ «مبدأ الضرر»، الذي يُسمى أيضاً «مبدأ الحرية»[2]، لا يحق للمجتمع، من الناحية الأخلاقية، أن يمسك بتلابيب الفرد؛ أو يتدخل في شؤونه الشخصية؛ أو يمنعه من القيام بعمل[3] ما؛ أو يعاقبه بسبب قيامه بذلك العمل، إلا في حالة واحدة: عندما يكون الفرد قد ألحق «ضرراً»[4] بشخص/أشخاص آخرين. هذا يعني أنه حتى لو كان عمل ما، في اعتقاد المجتمع، «أحمق» أو «منحرفاً» أو «خاطئاً»، فطالما لا يسبب «ضرراً» لأحد، لا ينبغي منع الفاعل من القيام به. كما يمنعنا «مبدأ الضرر» من التدخل في الحالات التي نعتقد فيها أن القيام بعمل ما أو عدم القيام به هو لمصلحة الفاعل نفسه أو لضرره. تقييد حرية الفرد لمجرد عدم تجانس فكره أو قوله أو فعله مع أغلبية أفراد المجتمع أو مع الأعراف والعادات والتقاليد يُسمى «طغيان الأغلبية»[5] أو «طغيان العرف»[6]، وتقييد حريته لمصلحته هو يُسمى «الوصاية» أو «الأبوية».[7]
التمرين: بعد تقسيم الطلاب إلى مجموعات رباعية، يفحصون قضايا الجلسة الأولى بناءً على «مبدأ الضرر». المجموعات التي تختلف حول «مشروعية» أو «عدم مشروعية» قضية ما تتناقش فيما بينها لإثبات موقفها. يلعب الأستاذ في هذه المرحلة دور مدير الجلسة فقط ويدير النقاش. في نهاية كل مناقشة، يشرح الأستاذ مغالطات كل مجموعة من خلال طرح أمثلة ملموسة أخرى. العديد من هذه المغالطات متكررة. من بينها يمكن الإشارة إلى جمل خاطئة في النقاش يستخدمها الطلاب عادة. مثال: «كل رأي يُحترم»؛ «أنا لا أرضخ لكلام بالقوة».
الإنتاج: يجب أن يكون الطلاب قادرين على تقييم وتصنيف مختلف «الجرائم» و«الغرامات» و«العقوبات» في القوانين الجنائية لمختلف البلدان. وتشمل هذه الحالات نطاقاً واسعاً من غرامة «عدم ربط حزام الأمان أثناء القيادة» إلى عقوبة «الإعدام لبيع المخدرات بكميات كبيرة». وبعد التصنيف، يحكمون عليها بناءً على «مبدأ الضرر». الهدف الأهم في هذه المرحلة هو أن يكتسب الطلاب القدرة على تحديد الحالات التي يتعارض فيها أو يتناقض مخرَج «مبدأ الضرر» مع «أحكامهم الأخلاقية الراسخة». تتيح هذه القدرة إمكانية نقد «مبدأ الضرر» وإمكانية تعديل «أحكامهم الأخلاقية الراسخة» على حد سواء. هذه الطريقة مستلهمة من منهج «التوازن التأملي» عند «جون رولز».
[1] harm principle
[2] liberty principle
[3] في النصوص الفارسية، في مجال فلسفة الأخلاق، عادةً ما يُختار أحد هذه المكافئات للكلمة الإنجليزية action ومرادفاتها: «فعل»، «عمل» أو «كنش». ومع ذلك، أعتبر كلمة «کار» هي المكافئ الأبلغ والأسهل فهماً والأكثر تجسيداً لهذه الكلمة. أحد أكثر استخدامات كلمة «کار» رسوخاً يتطابق تماماً مع الكلمة الإنجليزية action. لاحظ مثلاً هذه الجمل: «ما هذا الذي فعلته؟»؛ «من فعل هذا؟»؛ «أنا لم أفعل شيئاً». إن إمكانية استخدام فعل «کار» ـ أي «کردن» ـ وتصريفه هي أيضاً إحدى المزايا الأخرى لاستخدام «کار» مقارنةً بالمكافئات الأخرى.
[4] harm
[5] tyranny of the majority
[6] despotism of the custom
[7] paternalism
.
.
1- تحليل الكلمات الثماني عشرة التي يستخدمها ميل في حول الحرية لشرح مفهوم «الضرر».
2- المنابع الأولى لفكر ميل في حول الحرية: بستالوتسي، فيلهلم فون هومبولت، غوته والرومانسيون الألمان، ويليام ماكول، جوسيا وارن، دستور الولايات المتحدة، مؤلفو الأوراق الفيدرالية: ألكسندر هاميلتون، جون جاي وجيمس ماديسون، ملاحظات حول ولاية فرجينيا لجيفرسون، الديمقراطية في أمريكا لألكسيس دو توكفيل، أريوباجيتيكا لجون ميلتون.
3- تاريخ وأهمية حول الحرية.
4- التأثير العظيم لـحول الحرية على فلاسفة الأخلاق والقانون والسياسة في أيامنا هذه: برلين (Berlin, 1969)، رولز (Rawls, 1971)، تِن (Ten, 1980; 1995)، هارت (Hart, 1982)، غراي (Gray, 1983; 1989)، برغر (Berger, 1984)، فاينبرغ (Feinberg, 1984-8) وسكوروبسكي (Skorupski, 1989).
5- الأضرار التي كانت تُعتبر غير مبرَّرة في مجتمع إنجلترا آنذاك ويعتبرها ميل في عن الحرية «مضايقات مبرَّرة»؛ لا «أضراراً غير مبرَّرة»: اعتبار التفاوت في الثروة ضرراً ومطالبة الاشتراكيين بمساواة الثروات، واعتبار تعدد الزوجات في المذهب المورموني ضرراً ومنعه، وما شابه ذلك.
6- مصاديق الحرية في عن الحرية لميل: «حرية الفكر أو الرأي»، و«حرية التعبير عن الفكر أو القول»، و«حرية الشعور والعاطفة»، و«حرية الذوق والسعي وراء ما نحب»، و«حرية اختيار نمط الحياة الذي نرتضيه»، و«حرية اجتماع المتشابهين في الرأي وتأسيس الجمعيات».
7- انزعاج الآخرين من التعبير عن بعض الأفكار والمشاعر العنصرية والتمييزية وما شابهها: يدرك ميل، جيداً، أن «التعبير عن الفكر والشعور» وكذلك بعض السلوكيات الشخصية يمكن أن تؤدي إلى «انزعاج» الآخرين لأن الآخرين قد يعتبرونها «حمقاء» أو «منحرفة» أو «خاطئة». ومع ذلك، فهو يُخرج هذه الحالات من قائمة مصاديق «مبدأ الضرر» ويلقي بذنب «الانزعاج» المحتمل الناجم عنها على عاتق الشخص «المنزعج» و«قلة تحمّله»:
8- الترجمة الفارسية للأجزاء الرئيسية من عن الحرية: تُرجم هذا الكتاب إلى الفارسية مرتين حتى الآن. والترجمتان كلتاهما «جيدتان» و«جديرتان بالقراءة». ومع ذلك، يستخدم ميل في عن الحرية ما لا يقل عن 18 كلمة مختلفة لـ«الضرر»، وهذا التمييز غير ملحوظ في هاتين الترجمتين. علاوة على ذلك، هناك 3 أسباب أخرى على الأقل تجعل إعادة ترجمة الأجزاء الرئيسية من عن الحرية ضرورية. هذه الأسباب الثلاثة هي: (1) طرح «نظرية رواية الضرر الذهني»؛ (2) التفسير الجديد لتشين ليو تِن لـعن الحرية؛ و(3) شرح جويل فاينبرغ للجزء السلبي من عن الحرية؛ ولا سيما المبادئ العشرة التي استُخدمت عبر التاريخ لتقييد الحرية وإضفاء الشرعية على الإكراه والتي يعتبرها ميل غير مبرَّرة. هذه الحالات الثلاث ستُشرح بالتفصيل في الجلسات اللاحقة.
9- إحدى أهم فقرات عن الحرية، التي تم تحليلها في هذا الدرس الحواري:
هذا هو النطاق الصحيح لحرية الإنسان. يشمل هذا النطاق، أولاً، المجال الباطني للوعي؛ ويقتضي حرية الضمير، بأوسع معاني هذا المفهوم؛ حرية الفكر والشعور؛ الحرية المطلقة للرأي والعاطفة بشأن أي موضوع عملي أو نظري، علمي، أخلاقي، أو لاهوتي. قد يمكن إدراج حرية التعبير عن الرأي ونشره تحت مبدأ آخر لأنها تنتمي إلى ذلك الجزء من سلوك الفرد الذي يؤثر على الآخرين؛ لكنها لما كانت لا تقل أهمية عن حرية الفكر ذاتها، وتستند إلى حد كبير إلى الأسباب نفسها، فإن الفصل بينهما [أي حرية الفكر وحرية التعبير عن الفكر] غير ممكن عملياً. ثانياً، يستلزم هذا المبدأ حرية الذوق والسعي وراء ما نحب؛ حياة منسجمة مع شخصيتنا؛ أن نفعل ما يحلو لنا، رهناً بقبول العواقب المحتملة؛ دون أن يمنعنا أبناء جنسنا من ذلك، [طبعاً] ما دام ما نفعله لا يضرهم، ولا يهم أيضاً أن يعتبروا سلوكنا أحمق، أو منحرفاً، أو خاطئاً. ثالثاً، تنبثق من حرية كل فرد، حرية اجتماع الأفراد؛ حرية أن نكون معاً لأي غرض لا يترتب عليه ضرر لأحد: [طبعاً] ينبغي أن يكون هؤلاء الأفراد قد بلغوا السن القانونية، وألا يكون هناك إكراه فوق رؤوسهم ولا خداع للانضمام إلى تلك الجمعية (Mill, [1859] 1998:15-16).
.
.
نظریۀ «روایی آزار ذهنی»:
«لا تَنْزَعِجْ» ولكن «لا تُزْعِجْ»!
هذه الجلسة هي أهم جلسات درس «فلسفة السياسة» وتحتوي على نظرية طرحتها قبل بضع سنوات، ثم ما فتئت أُحلّيها بنقد أعزّائي مراراً. والآن أيضاً أتطلّع إلى نقدات وآراء المثقفين الكرام الهادية. ما دفعني إلى طرح نظرية «مشروعية الأذى الذهني» هو هاجس لازمَني زمناً طويلاً: كوننا «حسّاسين كالبرتقالة الناضجة»! يكفي أن يمسّنا أقلّ شيء! فسرعان ما نُظهر ردّ فعل عاطفي وغير عقلاني ونعتبره «إهانة» لنا و«غير أخلاقي».
نسمع كل يوم هذه الجمل بـ«إيماءة تنويرية»: «لقد أُهين ذكائي!»؛ «لقد أُهين شعوري»؛ «الفعل الفلاني غير أخلاقي». حينها يكفي أن تسأل: بناءً على أي نظرية في «الأخلاق المعيارية» تدّعي ذلك؟ لتكتشف أن أصل الكلام هو: «أنا لا أُحبّ هذا الفكر أو القول أو الفعل»! أو «ليست لديّ القدرة على سماع الرأي المخالف» أو «ليست لديّ القدرة على تقبّل الخسارة»! لكن قول هذه الجمل ليس في مقدور كل أحد؛ إنها تتطلب درجة عالية من «الصحة النفسية»، و«الصراحة مع الذات»، و«الثقة بالنفس». إذا تحلّى الفرد بهذه الفضائل، اتّضح أمره مع نفسه ومع الآخرين. وإن لم يتحلَّ بها، فماذا؟ يزيدنا تعباً فوق تعبه! عليه أن يُخفي قلّة حيلته؛ أولاً عن نفسه، ثم عن الآخرين. وراء ماذا يُخفي هذه الرذيلة الكبيرة؟ لعلّه يبحث عن فضيلة أكبر لتختفي تماماً، فلا يَبين منه لا أطرافه ولا تخبّطه! ما الأفضل من «الأخلاق»؟ كلمة واحدة يقول فيها: هذا فعلكم «غير أخلاقي» وخلاص! هذا الاستخدام الرذيل، الجاهل، المزاجي والأناني لكلمات مثل «غير أخلاقي» و«إهانة» يُعرقل مسيرة «الأخلاق» في المجتمع على المدى الطويل. «الاستخدام الأداتي» لـ«الأخلاق»، مع «إيماءة تنويرية قبيحة»، هو تماماً مثل تزوير العملات النقدية، إن لم نمنعه، فسيُذهب اعتبار العملة الأصلية أدراج الرياح.
حسناً، من الواضح أن معظم الأفكار أو الأعمال التي نقوم بها قد تمسّ أحداً، لكن إذا اعتبرنا كل فكر أو قول أو فعل «مؤذٍ» «غير مشروع»، فعلينا أن نجلس في زاوية ولا نتنفس حتى بصوت عالٍ! ما الحلّ إذن؟ «الأذى» لا يساوي «اللامشروعية الأخلاقية». «الآلام» كثيرة، وليس منها غير مشروع إلا بعضها. ولكن أيّها؟ أين نضع المسطرة؟ نظرية «مشروعية الأذى الذهني» تُقيم تمييزاً بين «الأذى الموضوعي» و«الأذى الذهني». «الأذى الموضوعي»، كالرشّ بالأسيد والاغتصاب، «ضروري» و«لا يمكن اجتنابه»؛ أي «لا يمكن» أن «لا ينزعج» منه ابن آدم. لكن (وهنا لكن مهمة) «الأذى الذهني» ليس «ضرورياً» ولا «غير قابل للاجتناب»؛ أي إنه يتوقف على «قابلية» الفرد، و«يمكن» أن «لا ينزعج» منه شخص ما. «الأذى الذهني» لا يؤدي بالضرورة إلى نشوء حالة من عدم الارتياح لدى جميع الأفراد الذين يقعون في ذلك الموقف، و«من الممكن» أن يقع أشخاص آخرون في الموقف نفسه دون أن تنشأ لديهم أي حالة من عدم الارتياح. هنا ينبغي أن نعكس مثلنا هذا: من كان «سقف قابليته» أكثر، كان «ثلج انزعاجه» أقل! يستطيع الفرد، من خلال استثمار الموقف الذي انزعج فيه (وكان يمكن ألا ينزعج)، أن يكتشف نقصاً في شخصيته. ولهذا السبب، يمكن اعتبار «الأذى الذهني» مفتاحاً لسمو الشخصية، وبالتعلّم من الانزعاج غير المبرر منه، نقلّص من نطاق «الآلام» ونوسّع من نطاق «التسامح».
خلاصة وزبدة نظرية «مشروعية الأذى الذهني» كلمتان: «لا تَنْزَعِجْ! ولا تُزْعِجْ!». بناءً على هذه الوصية الأخلاقية، النموذج الأخلاقي الأمثل هو من يعترف للآخرين بالحق في أن يسببوا له «أذى ذهنياً» بأقوالهم وأفعالهم وأفكارهم، لكنه هو نفسه في «مراقبة» دائمة لكي لا يسبب حتى «الأذى الذهني» للآخرين؛ أي إنه «لا ينزعج ولا يُزعج». ما نُقل عن سيرة نبي الإسلام الأكرم (صلى الله عليه وسلم)، وخاصة قصة عيادته للشخص الذي كان يرمي القمامة تجاهه كل يوم، هو مثال ساطع لهذه القاعدة الأخلاقية: «لا تَنْزَعِجْ! ولا تُزْعِجْ!».
.
.
"مثقفون أنصاف متعلمين" من أجل "طبقة وسطى أنصاف متعلمة"
يقارن ميل، في مواضع مختلفة من عن الحرية، أولئك الذين، بدلاً من أن يجدوا بأنفسهم أسلوب الحياة المناسب لهم عبر الدراسة والبحث، يسعون وراء وصفات جاهزة راقية يتصرفون وفقاً لها، بـ"القردة" و"الأنعام" و"الخراف" و"المحركات البخارية"، لأنهم "فقدوا شيئاً أو تخلوا عنه هو السمة المميزة للإنسان والتي تفصله عن سائر المخلوقات". هؤلاء الأفراد الذين يبحثون باستمرار عن وصفة لحياتهم من أولئك الذين يصفون الوصفات للآخرين، لا يستطيعون توظيف طاقتهم الإنسانية في الاختيار أو يعزفون عنها. من يمتلك قيمة إنسانية لا يسمح أساساً لشخص آخر بأن يملي عليه ما يفعل وما لا يفعل؛ حتى لو كان ذلك البرنامج صحيحاً بمحض الصدفة. من وجهة نظر ميل، حتى امتلاك الآراء الصحيحة ليس مهماً بحد ذاته؛ المهم هو طريقة الوصول إليها. يطلب ميل من الناس أن يصلوا إلى آرائهم بشكل عقلاني وبمعرفة بأهميتها وأسسها، وأن يكونوا مستعدين دوماً لتعديلها وتنقيحها في ضوء البراهين والأدلة والشواهد الجديدة؛ لا أن يضعوا كرامتهم وقيمتهم الإنسانية بالكامل تحت تصرف فرد آخر.
يرى ميل أن محرك نمو الفرد وازدهاره يكمن في داخله؛ لا في خارجه. على الفرد أن يجد أسلوب حياته المناسب عبر التعمق في التفكير والبحث والتأمل الباطني. بالطبع، هذا العمل في غاية الصعوبة ويلقي بمسؤولية ثقيلة على عاتق الإنسان. لهذا السبب، يفضل معظم البشر التملص من عبء هذه المسؤولية عبر دهس حريتهم وإلقائها على عاتق شخص جعلوه "مرشداً" لهم هرباً هم أنفسهم من عبء المسؤولية الناشئة عن الحرية. يسمي ميل هؤلاء البشر "عبيداً فكريين"؛ عبيد لا يدرسون ولا يبحثون بأنفسهم، ولذلك يجهلون التفسيرات والأدلة البديلة حول الخير والصلاح، وبالتالي لا يظهرون أي رغبة في استقصاء أساليب الحياة الأخرى. من هنا، يسعون إلى حل هذه المشكلة وإراحة أنفسهم بإيجاد "مرشد".
وهنا تحديداً يظهر الدجالون بأقنعة النخب ويمسكون بزمام الأفراد. كي يتمكن الناس من الحصول على وجاهة اجتماعية أو أن يكونوا، كما يقال، راقين، يسعون لأخذ وصفتهم من شخص له وجاهة بين المحيطين بهم؛ غافلين عن أن الشخص الصالح حقاً لا يجلس في مثل هذا المقام أبداً. يصبح الجلوس في مقام تقديم التوصيات العامة دون استدلال، وعدم الإشارة إلى آراء المفكرين الكبار أو الإشارة إليها دون إسناد من لسانهم، ووصف الوصفات لحياة الناس من المطبخ إلى غرفة النوم، عملة المجتمع الرائجة، ويفضل الناس بهذه الطريقة التملص من عبء مسؤوليتهم العظيمة. يبقون أذلاء، خاضعين، مطيعين، وتكون معتقداتهم ورغباتهم ليست نتاج اختياراتهم الواعية. إنهم فقط يسعون بشكل سلبي إلى جعل أنفسهم مشابهين لذلك النموذج القالب السائد الذي يعتبر راقياً في مجتمعهم أو جماعتهم، وبهذه الطريقة يتوهمون أنهم يختارون حقاً. هذا هو ما يعتبره ميل الخطر الأعظم في كل العصور: "استبداد الجمع". كل شخص يقيس نفسه بالنظر إلى طبقته الاجتماعية والمحيطين به؛ يذهب إلى المحاضرات التي صارت موضة، ويستمع إلى الموسيقى الرائجة. والأدهى من ذلك، يقول ميل إن الأمر يصل إلى حد أن الفرد، حتى للترفيه، ينظر إلى أي ترفيه يعتبر راقياً.
في عصرنا هذا، من أكثر الطبقات الاجتماعية أناقةً إلى أقلها أناقةً، يعيش الجميع تحت رقابة عدائية مرعوبة. الفرد أو الأسرة، لا يسألون أنفسهم، لا في المسائل التي تؤثر على الآخرين فحسب، بل حتى في المسائل التي تؤثر عليهم وحدهم: ماذا أحب؟ أو ما هو الأنسب لشخصيتي ومزاجي؟ ... بل يسألون: ما هو المناسب لمكانتي؟ أو ماذا يفعل عادةً من هم في مستواي من الثروة والمقام في مثل هذه الحالات؟ (أو الأسوأ من ذلك) ماذا يفعل من هم أعلى مني شأناً ومقاماً؟ ... هؤلاء لا يفكرون في شيء على الإطلاق سوى تقليد ما هو شائع في المجتمع تقليداً أعمى. ... حتى في الأمور التي يفعلها الناس لمجرد التسلية والتمتع، فإن أول ما يخطر ببالهم هو الانصهار في لون الجماعة. هكذا أفراد هم عبّاد الجماعة، يختارون أعمالهم وأهدافهم دوماً من بين ما يفعله عامة الناس، ويتجنبون اختلاف المشرب أو تباين السلوك كما يتجنبون الجرائم والأفعال القبيحة. واستمرار هذا الوضع يبلغ بهم حداً أنهم، بفعل ذلك التجنب الدائم لطبيعتهم الخاصة، تذبل كل موهبة وقدرة إنسانية لديهم ذبولاً تاماً، فلا يعودون قادرين أبداً على أن يصبو إلى طموح عظيم أو أن ينعموا بالملذات الحقيقية التي ترغبها قلوبهم. وخلاصة القول، ليس لديهم رأي ولا شعور نبت من تربة طبيعتهم الخاصة وكان ملكاً لهم (Mill, [1859] 1998: 72).
في مثل هذه الظروف، ينخفض مستوى كل الأمور العظيمة ويصبح كل شيء مبتذلاً. المتوسطون في كل مجال وفن وصنعة، بما أن مستوى عملهم قريب من متوسط المجتمع، يُرفعون إلى الصدارة ويُقدرون:
الجاهلون قد صاروا سادةً ومن خوفٍ/ قد أخفى العلماءُ رؤوسَهم في العباءة
كل مفكر مستواه أعلى من متوسط المجتمع الأنيق يُستبعد ولا يُسمع كلامه، لأنه يدعو الناس إلى التحقيق، والتحقيق أمر في غاية الصعوبة، وليس كل أحد يطيق تحمل عبء المسؤولية الناشئة عنه. لذلك، يتجه الناس نحو من هو في إطار ذلك المتوسط من المجتمع الأنيق. فهو بدل التحقيق، يدفع الناس بحيل شتى وبأناقة إلى التقليد. وبما أن مستوى فكره قريب من مستوى فكر متوسطي المجتمع، فإن كلامه يستسيغه ذلك الجمع ويدفئهم.
لكن لماذا يقف المجتمع إلى هذا الحد في وجه السلوك المختلف/غير الأنيق للأفراد؟ جواب ميل هو أن الآراء العامة المتفرقة في المجتمع هي دوماً آراء الجماهير؛ أي فكر الجماعات التي يكون مستوى ذوقها وتفكيرها منخفضاً أو متوسطاً:
البشر المتوسطون غالباً ليس لديهم عقل متوسط فحسب، بل ميولهم متوسطة أيضاً: رغباتهم وأمانيهم ليست كبيرة إلى حد يدفعهم للقيام بأعمال غير مألوفة. ونتيجة لذلك، فهم لا يفهمون أولئك الذين يتمتعون برغبات وأمانٍ كبيرة، ويظنون أن هؤلاء الأفراد مثل المتوحشين والمتطرفين، ولهذا السبب ينظرون إليهم نظرة العاقل إلى الأحمق (Mill, [1859] 1998: 81).
يعتبر ميل أن "استبداد الجمع الأنيق" هو سبب زوال "الحضارة" في أي بلد، ويرى بعض مجتمعات ذلك الزمان مثالاً صارخاً لمثل هذا المجتمع. هذه الحلقة المفرغة تجعل الناس ذوي المستوى المنخفض من الذوق والتفكير يلجؤون إلى من هم مثلهم في انخفاض مستوى الذوق والتفكير. وفي النهاية، كلما تقدم هذا المجتمع ازداد ذبولاً؛ مفكروه سطحيون، وفنانه مبتذلون، ومتنوروه من مستوى منخفض، ولك أن تقرأ أنت الحديث المفصل عن آخرته وعاقبته!
.
.
في هذه الجلسة، نتناول فيلسوفًا يُعدّ رمزًا بارزًا للأثر الهائل للفلسفة على حياتنا اليومية، حيث أن النظام القضائي الأمريكي اليوم، أكثر من أي مفكر آخر، واقع تحت تأثير نظرياته. مجموعته المؤلفة من أربعة مجلدات ـ الحدود الأخلاقية للقانون الجنائي ـ قلبت «القوانين الجنائية» «للولايات المتحدة» رأسًا على عقب، ولهذا يُعتبر أكثر فيلسوف تأثيرًا في نصف القرن الأخير على «القوانين الجنائية» «الأمريكية». لقد أنجز ما كان «ج. س. ميل» (1873-1806) قد بدأه بطرحه «مبدأ الضرر». ومن هنا، فإن كتابه الحدود الأخلاقية هو، بمراحل، أكثر قيمة من عن الحرية لميل. هدفه تقديم «دليل خطوة بخطوة» لكتابة «دستور» «أخلاقي» كامل. إنه يصر على «تطابق» «الأخلاق» مع «القانون» ويسعى، بتوظيف «مبدأ الضرر»، إلى تنقية «الدستور» من المبادئ غير المعقولة «المقيدة للحرية» أو «المُضفية للشرعية على الإكراه» وتزيينه بـ«مبدأ الحرية هو الأصل». إنه يُقيم هذا «الدستور» كـ«حارس» واعٍ، على «صون» «كرامة» الإنسان في الوجود و«النطاق الواسع» لـ«حقوقه» و«حرياته» «التي لا تُمس». جويل فاينبرغ (2004-1926)، الأستاذ السابق في جامعة أريزونا، هو بقدر شهرته في «إيران»، عظيم. فاينبرغ، على الرغم من تأثيره المذهل في دفع «الفلسفة» إلى الأمام وحل العقد المستعصية في عصرنا، غير معروف بشكل لا يُصدق في العالم الناطق بالفارسية. آمل أن يكون هذا «الدرس الحواري» بداية لأبحاث فلسفية عميقة حول نظرياته الفريدة.
.
.
ثلاث «معضلات أخلاقية» لتبيان «الطبيعة المزدوجة للحرية»
1. افترض أن طلب عمل شخص ما في «شركة خاصة» قد رُفض بسبب رفضه قبول شروط تلك الشركة. هل يمكن لذلك الفرد أن يقول إن «إلزام» تلك الشركة بقبول تلك الشروط يتعارض مع «مبدأ الحرية هو الأصل» وبالتالي فإن قرار تلك الشركة غير جائز من الناحية الأخلاقية؟ يمكن النظر إلى هذه القضية من منظور آخر، وهو أن تلك الشركة يمكنها أيضًا، وبناءً على نفس «مبدأ الحرية هو الأصل» تمامًا، أن تقول إن من حقي اختيار موظفيّ بناءً على الخصائص التي أحددها بنفسي. كلا الطرفين يستندان إلى «مبدأ الحرية هو الأصل» وللخروج من هذه الأزمة يبدو أنه لا مفر من اللجوء إلى «مبدأ فاصل».
2. لفهمٍ أفضلَ لـ«طبيعة مفهوم الحرية ذي الوجهين» سأستخدم معضلةً ملموسةً نواجهها مراراً هذه الأيام في الفضاء الافتراضي. لنفترض أن شخصاً ما، بعد فحص إمكانيات عدة تطبيقات مثبّتة على هاتفه الذكي، يقرر إنشاء مجموعة افتراضية في أحدها لغرض معين. أعضاء المجموعة على دراية بمزايا وعيوب المجموعات التي تُنشأ في ذلك التطبيق، وكذلك بمدى صلاحيات مديري المجموعات، ويعلمون مثلاً أن إمكانية حذف الرسائل و/أو الأعضاء متاحة لمديري المجموعات في هذا التطبيق. علاوة على ذلك، فإن مديري المجموعة، ومن أجل الحفاظ على الطابع التخصصي للمجموعة ووظيفتها في تقاسم المعرفة وتوزيعها، قد وضعوا هم أيضاً قوانين ولوائح خاصة وأطلعوا الأعضاء عليها. الآن، لنفترض أن مديري المجموعة قرروا حذف أحد الأعضاء. هنا أيضاً «الأصل هو الحرية»، وبدون وجود «أصلٍ قاطع»، فإن الأمر يواجه مشكلة. يمكن للفرد المحذوف، بالاستناد إلى هذا الأصل، أن يقول إن حذفه يتعارض مع الحرية، ويمكن لمديري المجموعة أيضاً، بالنظر إلى الأصل نفسه، أن يقولوا إنهم أحرار في القيام بهذا العمل.
3. اسمحوا لي أن أطرح مثالاً آخر. لنفترض أن مديرَ المسؤوليةِ في صحيفةٍ ذات خط فكري معين يطلب من مدير المسؤولية ورئيس تحرير صحيفة أخرى خطها الفكري مناقض تماماً له، أن يختار مقالاً معيناً لعمود الغد، أو صورةً معينةً لتكون صورة الصفحة الأولى، أو عنواناً معيناً ليكون العنوان الرئيسي. هل يُعتبر رفض مدير مسؤولية تلك الصحيفة لهذا الطلب انتهاكاً لـ«حرية التعبير»؟ بأي «أصلٍ قاطع» يمكن حل مشكلة كون «الأصل هو الحرية» ذا وجهين؟
.
.
الجلسة 8: «الحرية» ليست الخير الأسمى !
تسعى هذه الجلسة، من خلال طرح عدة أسئلة حول «الحرية» وفحص إجابات ج. س. ميل وجويل فاينبرغ، بالإضافة إلى حل الألغاز الأخلاقية للجلسة السابقة، إلى الإشارة إلى «المعتقدات الخاطئة، الراسخة، والمُحدِثة للضرر والشائعة» حول «الحرية» ـ خاصة بين «الطبقة الوسطى الحضرية» وبعض «النخب الإيرانية». هذه المعتقدات هي:
إن الاهتمام بالقضايا الاجتماعية لدى الطبقة الوسطى غالباً ما يكون لملء أوقات الفراغ، وهو شيء بموازاة التخلص من تعب العمل المضني خلال الأسبوع بالذهاب إلى المطعم أو المتنزه في نهاية الأسبوع. ومن ثم، فهي في الغالب تبحث عن غذاء جاهز وفلسفة سريعة التحضير (فاست فود)؛ لا عن التعمق في تحليل القضايا من زوايا متعددة. هذه الطبقة تستحسن ما هو «جاهز»، و«سريع التحضير»، و«مداعب»، و«شعبي»، و«مقهوي»، و«مُحسِّن للمزاج» (لاحظوا الاستخدام الواسع لمصطلح «مُحسِّن للمزاج» من قبل شريحة واسعة من الناس في هذه الأيام)؛ وهي في سخرية دائمة من الطبقات التي تعتبرها أدنى منها؛ وخلافاً لوهمها المتغطرس، فهي مقلدة وتابعة من قمة رأسها إلى أخمص قدميها؛ تمارس «العبودية الفكرية» لتنال «السيادة الاجتماعية»؛ تؤمن ببعض المفاهيم الحديثة إيماناً مطلقاً دون أي بحث؛ وتنفر بشدة من «ذباب الخيل المزعج لنومها العذب صباحاً». هذا في حين أن «الطبقة الوسطى الحضرية» هي نفسها منبع شريحة واسعة من أنواع المشكلات المختلفة في المجتمع، ودفع المجتمع إلى الأمام رهين بنقد تصوراتها وأقوالها وأفعالها.
إذا قام «النخب» بنحت معتقداتهم وفق «المعتقدات الشائعة للأغلبية» ولم ينتقدوا «المعتقدات الخاطئة الراسخة لدى الناس» بشجاعة، فلن يصبح المجتمع ديناميكياً وتقدمياً. في مثل هذه الحالة، سيكون ظهور «المثقف» ممتنعاً من الأساس، وربما لا نكون مخطئين إذا اعتبرنا حاصل ضرب «عمق القول» في «شعبية القائل الكبيرة» مقداراً ثابتاً دائماً! وكما يقول ميل بحق، يجب على «نخب» أي مجتمع أن يتقدموا ويحركوا المجتمع إلى الأمام بتحطيم هذه المعتقدات الخاطئة:
لا أحد ينكر أن المبادرة عنصر قيّم في الشؤون المتعلقة بالإنسان. نحن بحاجة دائمة إلى أولئك الذين، بالإضافة إلى اكتشافهم حقائق جديدة وإظهارهم أن أشياء كانت تُعتبر حقيقة في وقت ما لم تعد كذلك الآن، يبدؤون أيضاً أساليب جديدة ويكونون مثالاً بارزاً للسلوكيات الأكثر استنارة والذائقة والحس الأفضل في حياة الإنسان. ... هذا العمل يحتاج إلى ثور وحشي ورجل عتيق، وقليل من الألوف هم من هذا الطراز الصوفي. ... ولكن هؤلاء النوادر درر الدهر هم حلاوة الأيام، ولولا وجودهم لتحولت الحياة إلى سبخة. هؤلاء هم الذين يقدمون أشياء جديدة لم تكن موجودة من قبل، وينفخون روحاً جديدة في جسد الأشياء التي كانت موجودة من قبل (Mill, [1859] 1998: 76).
.
.
الجلسة 9: الخطر الأعظم للديمقراطية: استبداد الحزب الفائز، القرارات الحزبية، الإقصاء المطلق للخصم، طغيان الأغلبية
طغيان الأغلبية هو الخطر الأعظم للديمقراطية. إن قلة الاهتمام بهذه النقطة وإحاطة الديمقراطية بهالة من القداسة وتجنب نقدها، يحول الديمقراطية إلى أداة لتكثير المعتقدات غير المشروعة لـ«لأغلبية» المنتصرة ضد «الأقلية» المهزومة. النائب الذي يخرج من صندوق الاقتراع بطريقة ديمقراطية، هو كأي شخص آخر حر في فكره وقوله، لكنه في صياغة القوانين وإقرارها (التي تؤدي إلى الأفعال) يجب أن يعمل في إطار «حقوق الإنسان» ويصون «الكرامة» الإنسانية. لضمان ذلك يمكن الاستعانة بآليتين: آلية قبلية وآلية بعدية. يمكن أن تكون الآلية القبلية هي صياغة وإقرار شروط للترشح والتصويت، والآلية البعدية هي صياغة وإقرار «محظورات» للقوانين التي يصوغها النواب ومراجعة تلك القوانين من قبل مجلس تكون مهمته صون كرامة البشر وحقوقهم وحرياتهم الأساسية.
في المجتمعات ما قبل الديمقراطية، كان الحاكم المطلق يحكم على أجساد جميع المواطنين، أما في الديمقراطية فإن أولئك الأكثر عددًا أو مالًا أو قوةً من سائر المواطنين هم من يحكمون على أرواحهم. هم من يحددون القبيح والجميل، السيئ والحسن، غير المشروع والمشروع... ويقمعون الآخرين. إن «الديمقراطية» أشبه بجواد جامح، إن لم يُروَّض بلجام «حقوق الإنسان» فقد يكون طائشًا ويسهم في إعادة إنتاج «العنف» وقمع «الأقليات» الأقل قوةً جندريًا وعرقيًا وما شابه ذلك. هذا الخطر يكون ملموسًا أكثر في الانتخابات ثنائية القطب، وكذلك في الدوائر الانتخابية التي توجد فيها مجموعتان عرقيتان وقوميتان أو أكثر (ترك/كرد؛ جيلك/تالش) وما شابهها، وإن لم يُداوَ بدواء، فإن نهاية الانتخابات الديمقراطية وعيد النجاح ستكون بداية لقمع حقوق وحريات المجموعة أو المجموعات الخاسرة. في المواجهة التي تقع بين الفينة والأخرى بين «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان»، فإن «حقوق الإنسان» هي ما يجب أن يُصان ويُعلى شأنه؛ فما «الديمقراطية» إلا أداة لتحقيقها.
برزت هذه المشكلة مع نشوء الدول الديمقراطية في العالم الجديد. كانت الولايات المتحدة أول مجتمع في العالم الحديث أدرك هذه المشكلة الكبرى للديمقراطية، وفكر مفكروها في إيجاد حل لها. لقد أدركوا أن الديمقراطية المباشرة، أي الرجوع المباشر إلى آراء المواطنين وصوت كل فرد، يمكنها بسهولة أن تشل النظام السياسي. ولهذا السبب تختلف طريقة إجراء الانتخابات في أمريكا عن معظم دول العالم، وتقوم على أساس الصوت الانتخابي.
إن صوت كل فرد يؤدي إلى مخاطر كبرى، مثل استبداد الأكثرية الدائم بالأقلية الخاسرة. لذا، لا بد من تدبير احتياطات في عملية إجراء الانتخابات تمنع هذا الخطر الكبير، وإلا فإن رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس، على سبيل المثال، سيظل ينتخبه إلى أبد الآبدين مواطنو المحافظات الأكثر عددًا من المحافظات الأخرى. كثير من الحكام الخطرين في التاريخ، مثل هتلر، استلموا زمام الأمور بطريقة ديمقراطية تمامًا. «الأكثرية» التي تحمل معتقدات راسخة قائمة على التمييز الجندري والعرقي وما شابهها، لا بد أن تنتخب من يصب الزيت على نار تلك المعتقدات.
في ممارسة الديمقراطية، ثمة نقطة أساسية يجب أن تؤخذ على محمل الجد، وهي أن الديمقراطية هي «أسوأ الأفضل»؛ لا «أفضل الأفضل». الالتفات إلى هذه النقطة رهن بتقييم الديمقراطية والإحاطة بعيوبها والسعي لإزالتها. «استبداد الأكثرية» هو أكبر هذه العيوب، وإن لم يؤخذ على محمل الجد، فإن الديمقراطية نفسها يمكن أن تتحول إلى أداة لتقويض جذور الحقوق والحريات الأساسية للإنسان في المجتمع.
مصطلح «استبداد الأكثرية» أو «استبداد المجموعات ذات المصالح المشتركة»، في فلسفة السياسة، طُرح لأول مرة في 22 نوفمبر عام 1787، في المقالة الفيدرالية العاشرة (Madison, 1878). جيمس ماديسون (1836-1751)، رابع رئيس للولايات المتحدة، هو كاتب هذه المقالة، وقد تحدث فيها بالتفصيل عن هذا النوع من «الاستبداد».
مقالات ماديسون وزملائه التي تحمل عنوان الأوراق الفيدرالية حظيت بإشادة عدد كبير من المفكرين، وتُعد إلى جانب نظرية في العدالة لجون رولز (Rawls, 1971) من أثمن آثار أمريكا في الفكر السياسي.
بعد عام، أشار جون آدامز (1826-1735)، أول نائب رئيس وثاني رئيس للولايات المتحدة، في المجلد الثالث من دفاع عن دستور الولايات المتحدة الأمريكية، إلى خطر أن تُداس حقوق الفرد وحرياته من قبل الأكثرية.
بعد عامين، أشار إدموند بيرك، رجل الدولة والخطيب والمنظر السياسي الأيرلندي، في تأملات حول الثورة الفرنسية (Burke, 1790)، وبلغة أخرى، إلى المفهوم نفسه قائلًا: «استبداد الأكثرية هو استبداد مضاعف القوة (مضاعف عدة مرات)».
بعد خمسة وأربعين عامًا، تألق هذا المصطلح في كتاب الديمقراطية في أمريكا لألكسيس دو توكفيل. كان توكفيل قد سافر إلى أمريكا من قِبَل الحكومة الفرنسية لدراسة نظام السجون في الولايات المتحدة، وكتب المجلد الأول من الديمقراطية في أمريكا بالفرنسية عام 1835، والمجلد الثاني عام 1840. وفي الفصل الخامس عشر من المجلد الأول من هذا الكتاب، المعنون "السلطة غير المحدودة للأغلبية وعواقبها"، تحدث بالتفصيل عن "طغيان الأغلبية" وأمثلته في الجمهورية الديمقراطية الأمريكية حديثة التأسيس. كان توكفيل يعتقد أنه حتى العقوبات الوحشية للملوك المستبدين في أوروبا، من حيث مستوى قمع الآراء غير المألوفة، لا ترقى إلى "الضغوط الاجتماعية" في أمريكا آنذاك: "لم يعد الكتّاب الأمريكيون معرضين لخطر الحرق، لكنهم يتعرضون باستمرار للقذف والمضايقات الاجتماعية".
بعد ذلك، ومع ظهور الحكومات الديمقراطية من القرن التاسع عشر حتى اليوم، حظي "طغيان الأغلبية"، بوصفه أكبر آفة للديمقراطية، باهتمام أكبر من المفكرين. فالأمم التي حققت أخيرًا، بعد سنوات من التقلبات والجهود والتكاليف، مثلها الأعلى (الديمقراطية)، واجهت فجأة ظاهرة جديدة، لم تكن ترقى إليها، على حد تعبير توكفيل، حتى الحكومات المطلقة في العصور الوسطى من حيث مستوى القمع.
اعتبر اللورد أكتون، المؤرخ والسياسي والكاتب التحرري الإنجليزي، في عام 1877، في كتابه تاريخ الحرية في العصور القديمة (Acton, 1877) أن "طغيان الأغلبية" هو "أحد الشرور الدائمة للديمقراطية".
كما دافعت آين راند (1905-1982)، الروائية الأمريكية من أصل روسي، عن "الحقوق الفردية" في مواجهة "طغيان الأغلبية"، بقولها إن "الفرد" هو "أصغر أقلية على وجه الأرض".
نشرت لاني غوينير في عام 1994 مجموعة من المقالات من مجلة لا ريفيو بالاسم نفسه، وحلل هربرت ماركوزه في عام 1965 في مقالته "التسامح القمعي" "طغيان الأغلبية". وفي أيامنا هذه، يُعد جويل فاينبرغ (1926-2004) وتشين ليو تن أعظم الفلاسفة الذين استلهموا أفكار ج. س. ميل، وبحثوا في عدة أعمال مختلفة "طغيان الأغلبية" من منظور فلسفي واقترحوا حلولاً له.
إن تحذيرات هؤلاء الفلاسفة من احتمال ضياع كل شيء نتيجة تمرد الأقليات هي تحذيرات يجب أن تؤخذ على محمل الجد في عصرنا هذا أيضًا. إن دوس حقوق الأقليات من قبل الأغلبية، بالإضافة إلى القضاء على الحرية والنمو والازدهار في المجتمع، يحمل في طياته احتمال تمرد الأقليات وضياع أسس المجتمع. وهذا ينطبق أيضًا على المدن التي تعيش فيها مجموعتان أو أكثر أو أعراق رئيسية. فالمجموعة أو العرق الذي يصل إلى السلطة عبر انتخابات حرة للمجالس والبرلمانات، يجب عليه من أجل تقدم المدينة وازدهارها أن يتصرف في توزيع المناصب والإدارات على أساس الجدارة وبعيدًا عن التعصبات الفئوية والعرقية، وأن يكسب قلوب أفراد المجموعات أو الأعراق الأخرى قدر استطاعته. وإلا، فلن تكون النتيجة سوى الجمود أو التراجع لتلك المدينة.
.
.
حياة توكفيل وعصره
توكفيل هو أعظم مفكر تحدث في نقد الديمقراطية في العالم الحديث. يعتبر فلاسفة السياسة كتاب الديمقراطية في أمريكا لتوكفيل معادلاً لـ الجمهورية لأفلاطون ونسختها العصرية. هذان الكتابان هما أبلغ الأعمال في تحليل الديمقراطية، والطريف أن أبلغ الأعمال في تحليل الديمقراطية كتبها نقادها.
وُلد توكفيل عام 1805 في أسرة ذات أصل ونسب نورماندي، من سكان نورماندي الواقعة شمال فرنسا. لا يزال منزل توكفيل قائماً هناك وبيد أفراد من عائلته. ولا يزال ورثة توكفيل يعيشون في نورماندي؛ رغم أن نسبهم لا ينتهي إليه مباشرة لأنه لم يكن له ولزوجته أي أولاد. إنهم أحفاد أحد إخوة توكفيل والتمثال الكامل لأرستقراطي فرنسي مهذب وكريم. كان توكفيل شديد التعلق بمنزل والده. ففي عام 1828 بعد غياب عن الوطن وعودة من سفر، كتب في رسالة إلى أحد أصدقائه: «ها أنا هنا، أخيراً في توكفيل (كان يسمي منزله باسم عائلته). أنا أخيراً في توكفيل؛ في منزل عائلتي القديم المتداعي. على مسافة فرسخ واحد (حوالي 5 كيلومترات) أستطيع رؤية الميناء؛ نفس الميناء الذي رفع فيه ويليام الفاتح أشرعة سفينته للإبحار إلى إنجلترا. يحيط بي النورمانديون؛ أولئك الذين تظهر أسماؤهم في قائمة الفاتحين. يجب أن أعترف أن كل هذا يسيل السكر في قلبي».
لقد كان من أسرة شارك أجدادها في فتح نورماندي وعاشوا هناك لقرون. كان منزل عائلة توكفيل لا يبعد عن ساحل نورماندي، حيث وقع الإنزال العظيم في يوم النصر في الحرب العالمية الثانية، سوى بضع دقائق. ومع ذلك، فقد بقي هذا المنزل سليماً بأعجوبة. ألقي القبض على والدي توكفيل أثناء الثورة الفرنسية ومكثا في السجن حوالي عام، وكان سقوط روبسبيير عام 1794 سبباً في نجاتهما من خطر الإعدام. وُلد توكفيل الشاب في عهد نابليون وترعرع في فرنسا الاستبدادية المحافظة بعد الثورة. درس الحقوق في باريس. وفي ذلك الوقت تعرف على أرستقراطي شاب آخر – غوستاف دو بومون – وصادقه. في عام 1830، عندما كان توكفيل في الخامسة والعشرين تقريباً، ولأسباب غامضة علينا، كُلف هو وصديقه من قبل الحكومة الجديدة للملك لويس فيليب بالسفر إلى الولايات المتحدة لدراسة نظام السجون فيها.
رحلة توكفيل إلى أمريكا، الموصوفة بدقة، استغرقت أقل من عام، بدأت في مايو 1831 وانتهت في فبراير 1832. في هذا العام جاب أمريكا كلها؛ من نيو إنجلاند شمالاً إلى نيو أورلينز جنوباً. كانت حصيلة هذه الرحلة مجلدين ضخمين أسماهما الديمقراطية في أمريكا. صدر المجلد الأول من هذا الكتاب عام 1835، بعد حوالي أربع سنوات من انتهاء رحلته، عندما كان في الثلاثين من عمره فقط. ونُشر المجلد الثاني بعد خمس سنوات في عام 1840.
.
.
الهاجس الرئيسي لتوكفيل في الديمقراطية في أمريكا
ما هو هاجس توكفيل في هذا الكتاب وما هو السؤال الذي يسعى للإجابة عنه؟ في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، كانت «الحرية» و«المساواة»، يداً بيد، وخطوة بخطوة، تتقدمان معاً. كان هوبز ولوك وروسو، جميعهم، يعتقدون بأننا جميعاً، في «الحالة الطبيعية»، وُلدنا «أحراراً» و«متساوين». لقد انتهى تاريخ صلاحية الأنظمة القديمة والمجتمعات الخاضعة لسلطة فرد مطلق، وكانت الحرية والمساواة السمتين الأساسيتين للنظام الديمقراطي الجديد اللتين تسيران جنباً إلى جنب وتعزز إحداهما الأخرى.
في مطلع القرن التاسع عشر، ومع ظهور الديمقراطية في أوروبا والعالم الجديد، أخذ فلاسفة السياسة يتفكرون رويداً رويداً في احتمال ألا يجري ماء الحرية والمساواة في جدول واحد. لقد أدرك توكفيل، قبل غيره من مفكري السياسة في ذلك العصر أمثال ج. س. مل وبنجامين كونستان، أن المجتمعات الديمقراطية الجديدة تخلق أنواعاً جديدة من «السلطة الاجتماعية» يمكن أن تشكل تهديداً لحرية الأفراد في المجتمع. وكان ما يعنيه توكفيل بالأنواع الجديدة من «السلطة الاجتماعية» هو نشوء «الطبقة الوسطى» أو «البرجوازية» في الديمقراطيات الحديثة لبلدان مثل فرنسا وإنجلترا و(قبلها وقبل غيرهما) الولايات المتحدة. كان هاجس توكفيل أو سؤاله، شأنه شأن هاجس لوك والمفكرين السياسيين من قبله، هو كيف يمكن التحكم في «السلطة السياسية» والحد من آثارها المدمرة.
كان جواب لوك على هذا السؤال، الذي تصدره واضعو «الدستور» الأمريكي وقدروه حق قدره، هو «تقسيم» السلطة و«تجزئتها». لكن توكفيل لم يكن متفائلاً كثيراً بهذه الآلية القانونية المحور لتقسيم السلطة وتقاسمها. فقد كان يظن أنه في المجتمعات الديمقراطية، حيث تؤدي «الأكثرية» فيها الدور نفسه الذي كان يؤديه «الملك» في الملكيات المطلقة القديمة، لا يمكن لآلية قانونية محضة أن تفي بغرضنا.
في اعتقاد توكفيل، لا يمكن البتة القول إن الحكومات الديمقراطية الجديدة في أمريكا وأوروبا التي يديرها الشعب هي أكثر عدلاً أو أقل استبداداً من أنماط الحكم السابقة. لا يمكن منح شيك على بياض لأي شخص أو جماعة من الأشخاص ممن يمسكون بالسلطة السياسية، فالسلطة الموحدة أو إرادة الشعب نفسها لا يمكن الوثوق بها بقدر ما لا يمكن الوثوق بأنماط الحكم الأخرى. وعليه، فإن المسألة الرئيسية في علم السياسة في عصر الحكومات الديمقراطية هي كيفية التحكم في الإرادة العامة. لم يكن روسو قلقاً البتة إزاء هذه المسألة، فمن وجهة نظره لا تخطئ الإرادة العامة أبداً، وإذا ما حكم الشعب بقدراته المتضافرة فلن يضل الطريق، لكن توكفيل لم يكن بهذا التفاؤل قط، ولم يكن يرى الإرادة العامة معصومة من الخطأ.
ما الذي يمكن وما الذي ينبغي فعله لحل هذه المشكلة؟ في الأنظمة الديمقراطية حيث حل الشعب محل الملك وصار قوياً مثله، من أو ما الذي يمكنه أن يضطلع بذلك الدور ويتحكم في السلطات الموازية؟ من أو ما الذي يمتلك من القوة ما يكفي للتحكم في الإرادة العامة؟ كيف يمكن تفتيش السلطة الديمقراطية؟ وكما يقول توكفيل في مقدمة كتابه، فإن العالم الجديد بحاجة إلى فلسفة سياسة جديدة هو مؤسسها، ومن هذه الناحية فنحن جميعاً أبناء توكفيل. إن توكفيل هو طليعة هداية الدولة الديمقراطية والتحكم فيها وإيجاد سبيل للجمع بين الحكومة الشعبية والحكمة السياسية، وفي هذا السبيل نحن جميعاً تلامذته. وعلى الرغم من طرح إجابات متنوعة، لا تزال هذه النقطة تمثل مسألة جوهرية في ديمقراطيات العالم: كيف نصل القوانين المنبثقة من الإرادة العامة بالحكمة السياسية. هذا هو ما كان توكفيل مشغول الفكر به أشد الانشغال.
علاوة على ذلك، يسعى توكفيل في الديمقراطية في أمريكا إلى الإجابة عن سؤالين فرعيين أيضاً. السؤال الأول يتعلق بالاستبدال الهادئ والمتدرج للنظام القديم بمجتمع ديمقراطي مؤسس على المساواة. النظام القديم مصطلح كان الفرنسيون يستخدمونه للنظام الأرستقراطي القديم القائم على الامتيازات الخاصة والتسلسل الهرمي والاختلاف واللامساواة. كيف يحدث هذا التحول الاجتماعي والسياسي العظيم من نظام عتيق وغير متكافئ إلى نظام يفيض بتكافؤ الفرص؟
أما السؤال الثاني الذي لا يسأله توكفيل صراحة لكنه يتحدث عنه في ثنايا كتابه، فيتعلق باختلاف شكل الديمقراطية في أمريكا وفرنسا إبان الثورة. يتساءل توكفيل لماذا الديمقراطية في أمريكا «هادئة» و«لينة» إلى هذا الحد. لماذا الديمقراطية في أمريكا هي ضرب من الديمقراطية التي نسميها اليوم الليبرالية الديمقراطية، بينما غيرت الديمقراطية في فرنسا إبان الثورة اتجاهها بشكل خطر نحو القتل والاضطهاد؟
إنه على يقين من أن جميع المجتمعات ستصبح ديمقراطية عاجلاً أم آجلاً. وما ليس على يقين منه هو النوع الخاص من الديمقراطية في المجتمعات المختلفة. فقادة المستقبل وحدهم هم من يستطيعون الإجابة عن هذا السؤال: هل ستكون الديمقراطية في مجتمعهم متوافقة مع الحرية، أم أنها ستتحول هي نفسها إلى ضرب جديد من الاستبداد.
هذان السؤالان (كيف يحدث هذا التغيير؟ وما هو الشكل الذي ستكون عليه الديمقراطية في المستقبل؟) يُظهران أن توكفيل، شأنه شأن عظماء أمثال أفلاطون وأرسطو ومكيافيلي وغيرهم، قد كتب كتابه بوصفه مُعلِّماً للسياسة. فهو لم يكن مجرد مؤرخ لعادات وتقاليد الأمريكيين، بل كان مُعلِّماً لحكام أوروبا في المستقبل.
كيف أجاب توكفيل على هذه الأسئلة؟ ما الذي أراد تعليمه؟ يكتب في الجزء الأخير من مقدمة كتابه: «كل من يقرأ هذا الكتاب بدقة سيلاحظ فكرة أساسية تسري في كامل أنحائه».[1] ما هي هذه الفكرة الأساسية؟ إنها فكرة المساواة. يقول في الجملة الافتتاحية للكتاب: «من بين الأمور التي استرعت انتباهي أثناء إقامتي في أمريكا، لم يلفت نظري شيء أكثر من تساوي الأوضاع».
.
.
الجلسة 12 (الجلسة الختامية): الديمقراطية في عالم ما بعد «ترامب»
الديمقراطية مفهوم شبه مقدس في أذهان الكثيرين منا. وهذا في الوقت الذي لطالما نظر إليه المفكرون السياسيون بمزيج من الخوف والأمل. أرسطو، في كتابه السياسة، يربط الديمقراطية بـ«حكم الأكثرية». و«حكم الأكثرية» يعني في الواقع حكم الفقراء والضعفاء لتحقيق منفعتهم الخاصة. وبحسب رأي أرسطو، فإن خطر الديمقراطية يكمن في أن طبقة واحدة من المجتمع، وهي الطبقة الأكبر أيضاً، تحكم المجتمع بأكمله والأقليات وتفرض منفعتها عليهم. كان القدماء يعتبرون الديمقراطية نزاعاً بين الأغنياء والفقراء. حتى الآباء المؤسسون لأمريكا وكتّاب المقالات الفيدرالية كانت لديهم هذه النظرة إلى الديمقراطية، وقد وجدوا حلاً لمشكلة الديمقراطية، أو ما أسموه هم «الحكومة الجمهورية». كانت مشكلة الحكومة الجمهورية هي حزب الأكثرية، وكان حل ماديسون لهذه المشكلة هو «توسيع نطاق الدولة»، و«توسيع المؤسسات المدنية والسياسية قدر الإمكان» لمنع محاولة استبعاد مجموعة، والسعي بدلاً من ذلك إلى توسيعها. فكلما زاد عدد المجموعات، قلّت إمكانية سيطرة إحداها الدائمة على المجموعات الأخرى وتشكل استبداد الأكثرية.
كان الآباء المؤسسون لأمريكا متخوفين من الديمقراطية منذ البداية. فقد كانت الديمقراطية تحمل في نظرهم دلالة سلبية، ولذلك فضلوا تسمية هيكل الحكم في أمريكا بـ«الجمهورية» لا الديمقراطية. يقول جيمس ماديسون في مقاله الشهير الفيدرالي رقم 10 في هذا الصدد: «إن الديمقراطية الخالصة، أي مجتمع يتكون من مجموعات صغيرة من المواطنين يديرون الحكم بأنفسهم وبشكل مباشر، لا تملك أي علاج للبلايا الناجمة عن طغيان الأكثرية. ... [في مثل هذا الحكم] لا توجد وسيلة للسيطرة على ... التضحية بالحزب الأضعف أو الفرد المكروه. ولهذا السبب كانت هذه الصورة من الديمقراطية دوماً مسرحاً للفوضى والنزاع؛ وكانت دوماً متعارضة مع الأمن الشخصي أو حقوق الملكية؛ وبالجملة، كانت حياتها قصيرة ومماتها عنيفاً. لقد ظن الساسة المنظرون، ممن ناصروا هذا النوع من الحكم، خطأً أنهم إن سووا بين رؤوس الناس وأذنابهم تحققت مساواة كاملة في حقوقهم السياسية، وأنهم سيصبحون جميعاً متساوين ومتماثلين تماماً في ممتلكاتهم ومعتقداتهم ومشاعرهم. أما الجمهورية، أي الحكم الذي يتشكل فيه إطار التمثيل النيابي، فتفتح أمام أعيننا أفقاً مختلفاً وتمنحنا علاج الداء الذي كنا دوماً نسعى لعلاجه. فلندرس بدقة الفروق بينها وبين «الديمقراطية الخالصة» لكي ندرك طبيعة العلاج وندرك الفعالية المنتظرة من الاتحاد». ثم يعدد ماديسون فرقين رئيسيين بين «الجمهورية» و«الديمقراطية»: «الفارقان الكبيران بين الديمقراطية والجمهورية هما: أولاً، في الجمهورية يُدار الحكم بواسطة عدد قليل من الخبراء المنتخبين الذين تختارهم بقية الشعب؛ ثانياً، العدد الأكبر من المواطنين والدوائر الانتخابية الأوسع بكثير».
من هنا، فقد ابتكر مؤسسو الولايات المتحدة تدابير تجعل نظام حكمهم يبتعد عن الديمقراطية الخالصة والمباشرة. والأسلوب الخاص والمعقد والفريد لإجراء «الانتخابات الرئاسية في أمريكا» والتأكيد على أمور مثل «التصويت الانتخابي» فيها هو مثال بارز على هذه التدابير. لقد حاول الآباء الأمريكيون، لعلمهم بعيوب الديمقراطية وإمكاناتها في «الإقصاء الصامت لنخب المجتمع»، أن يبتعدوا قدر استطاعتهم عن الديمقراطية الخالصة والصافية والمباشرة، وأن يضعوا لها صمامات أمان تمنع إقصاء النخب في المجتمع. لقد كانوا يقولون «بلا مجاملة» إنه في الديمقراطية المباشرة «قد يقوم رجال ذوو أمزجة طائفية وتعصبات محلية أو أهداف خبيثة، عبر الدسيسة أو الفساد أو وسائل أخرى، بحصد الأصوات أولاً ثم يخونون مصالح الشعب لاحقاً». وكانوا يعتقدون أنه في الجمهورية الكبيرة (وليس في الديمقراطية) سيكون احتمال انتخاب الأفراد الأكفاء أكبر. علاوة على ذلك، في الجمهورية الكبيرة مقارنة بالجمهورية الصغيرة، يُنتخب كل نائب بعدد أكبر بكثير من أصوات الأفراد. ولهذا السبب، سيصبح الأمر أكثر صعوبة على المرشحين غير الأكفاء، ولن يعود بوسعهم استخدام حيلهم الخبيثة للفوز في الانتخابات؛ تلك الحيل التي تُستخدم عادة في الانتخابات. كما سيكون تصويت الشعب أكثر حرية، وسيُخصص على الأرجح لأولئك الذين يتمتعون بأكثر الكفاءات جاذبية وبالشخصيات الأكثر شهرة وثباتاً. وكلما وسعتم هذا النطاق ليشمل نطاقاً أوسع من الأحزاب والمصالح، كلما قللتم من احتمال أن تكون لأكثرية من مجموع الأفراد دوافع مشتركة لانتهاك حقوق المواطنين الآخرين؛ وحتى لو وجدت مثل هذه الدوافع، فسيظل من الأصعب على أولئك الذين يمتلكونها أن يكتشفوا قوتهم ويتصرفوا بصوت واحد.
هذه هي المسألة ذاتها التي يتناولها توكفيل في فصل بالغ الأهمية من كتابه بعنوان «السلطة المطلقة للأغلبية في الولايات المتحدة ونتائجها». يتضمن هذا الفصل قراءة توكفيل للنظرية الكلاسيكية أو التقليدية لـ«الاستبداد الديمقراطي» ونقده لها. يعتقد توكفيل أن دستور الولايات المتحدة قد وضع الأغلبية في الصدارة وأجَلَّها منذ بدايته بعبارة «نحن الشعب». وقد كرّس توكفيل في المجلد الأول من كتابه قسطاً كبيراً منه لوصف صياغة «الدستور الفيدرالي» و«هيكل السلطة في أمريكا». ولهذا السبب، يمكن القول إنه كان أقل تفاؤلاً بكثير من ماديسون أو غيره من كتّاب أوراق الفيدراليست إزاء حل «مشكلة استبداد الأغلبية في أمريكا». فقد كانوا، متبعين لوك ومونتسكيو، يعتقدون أن «فصل السلطات» وإقامة نظام تمثيلي قادران وحدهما على حل هذه المشكلة، لكن توكفيل كان يرى هذه الحلول «ضرورية» لكنها «غير كافية». كان يرى أن هذه «الأدوات القانونية المحضة» وحدها «غير كافية» للسيطرة على ما أسماه «إمبراطورية الأغلبية». ففي اعتقاده، لا تجدي الضمانات القانونية نفعاً في الدفاع عن «حقوق الأقليات» في مواجهة قوة الرأي العام المتماسكة.
والآن، بعد «فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية»، باتت هذه النقطة أكثر وضوحاً من ذي قبل، وهي أن خشية الآباء المؤسسين لأمريكا من الديمقراطية وإمكاناتها في إقصاء النخب والحيل الخبيثة في كسب الأصوات كانت في محلها تماماً. لقد أدركنا الآن أن حتى صمامات الأمان التي وضعوها للديمقراطية يمكن أن تكون قليلة الفاعلية. يبدو أن الحق كان مع توكفيل حين اعتبر التدابير القانونية للآباء المؤسسين لأمريكا، الذين تأثروا بفلاسفة مثل لوك وروسو ومونتسكيو، «ضرورية» لكنها «غير كافية».
يُعد كتاب الديمقراطية في أمريكا لألكسيس دو توكفيل تحفة تعليمية في «فلسفة السياسة»، موجَّهة إلى الحكام الفعليين والمحتملين في زمن توكفيل وما بعده. يقول توكفيل في مقدمة هذا الكتاب، في إحدى جمله المأثورة التي كثيراً ما يستخدمها للتأكيد على فكرة: «إن عالماً صار كُن فيكون مثل عالمنا يحتاج إلى فلسفة سياسة جديدة»؛ فلسفة تنفصل، فضلاً عن العصر القديم، حتى عن أسلافها المحدثين مثل مكيافيلي وهوبز ولوك وروسو.
كان توكفيل يعتقد أن الليبرالية الجديدة تحتاج إلى «علم سياسة جديد لعالم جديد كلياً»، وهذا العلم السياسي الجديد لا يُرى حتى في أعمال مونتسكيو. لقد كُتب علم السياسة الجديد لمونتسكيو لعالم لم تكن الديمقراطية الحديثة قد ظهرت فيه بعد، وكان ظهور الديمقراطية الحديثة في الولايات المتحدة هو ما خلق عالماً «جديداً كلياً».
في العصر الحديث، كانت الولايات المتحدة أول تجربة حقيقية لجمهورية ديمقراطية حَلُم بها فلاسفة الليبرالية، مثل هوبز ولوك وروسو. لقد تعرّف توكفيل، في الأشهر العشرة التي جابها فيها برفقة صديقه وزميله غوستاف دو بومون وكتب وصفها في تحفته الديمقراطية في أمريكا، عن كثب على «نواقص الديمقراطية» وحذّر مواطنيه الفرنسيين. لقد اعتبر «الاستبداد الاجتماعي» «أكبر أضرار الديمقراطية». فالديمقراطية تضاعف خطر الاستبداد الاجتماعي لأنها تتيح للأغلبية المنتصرة أن تتكاتف لاستبعاد الأقلية الخاسرة وإقصائها بشتى الطرق.
لقد أظهرت ملاحظة توكفيل الدقيقة لهذه الجمهورية الديمقراطية، ولا سيما طريقة تعامل الناس مع الكتّاب الذين لا تتوافق نظرياتهم مع معتقدات الناس السائدة، وكذلك مع السود والهنود الحمر، أن الإجراءات السياسية، مثل «فصل السلطات»، وكتابة «دستور» جديد، وتغيير القوانين، لا يمكنها وحدها أن تخلص المجتمع من خطر «الاستبداد الاجتماعي» و«استبداد الأغلبية». ومن هنا، حذّر توكفيل جميع الأمم التي تحلم بالديمقراطية من أنه، خلافاً للاعتقاد السائد بين العامة وحتى بعض فلاسفة السياسة، للعثور على مشكلات المجتمع ومعضلاته، ينبغي التوجه، قبل «السياسة» وأكثر منها، إلى «خُلُق» و«ثقافة» كل فرد من أفراد ذلك المجتمع. فالديمقراطية عملية – لا إجراء – وهي من الأسفل إلى الأعلى – لا من الأعلى إلى الأسفل – و«استبداد الأغلبية» أو «الاستبداد الاجتماعي» هو توأمها الدائم؛ الذي ينبغي البحث عن حل محلي له.
فلسفة السياسة هي تقديم القدرات اللغوية والبلاغية للناس لبناء الماضي وتصوّر المستقبل. وكما كان يقول أرسطو، فإن اللغة أو اللوغوس تمنحنا حرية الفعل والقدرة على التكيّف مع المواقف المتغيّرة وخلق مواقف جديدة. إن التفكير مع لغة ما، لبناء مستقبل المجتمعات الديمقراطية، يعلّمنا كيف نحيا في العصر الديمقراطي. أما كيفية استخدام هذه اللغة وتطبيقها على المواقف والأوضاع الجديدة التي لم تخطر حتى على مخيلة المفكر، فهي مهمة ينبغي أن نقوم بها نحن بأنفسنا.
نعم! إن العالم الجديد بحاجة إلى فلسفة سياسة جديدة تماماً. ينبغي التفكير في صمامات أمان إضافية للديمقراطية. يجب إعادة بناء الديمقراطية بحيث لا تؤدي إلى استبعاد النخب. نحن نلزم المعلّم الذي يدرّس عدداً من التلاميذ باجتياز دورة دراسية مدتها أربع سنوات، ولكننا نعتبر الجميع متساوين في الحق بإبداء الرأي حول موضوع يرتبط به مصير المجتمع والمنطقة والعالم!
.
.
الفلسفة
العلوم السياسية
علم النفس
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١٣ تعليق
با سلام و مراتب تشکر جسارتا فایل های صوتی مربوط به جلسه 10 قابل دانلود نیست، گویا حذف شده است.
سلام و درود فایل ها اصلاح شد
باسلام و تشکر از مدیر محترم و فعال سایت وزین صدانت. جلسه دهم دانلود نمیشه اگر ممکنه لطفااصلاح بفرمایید. متشکرم.
سلام و درود اصلاح شد
ساینا خانم,اگه ممکنه من فایلهاتون رو برای صرفا استفاده شخصی بگیرم,رشته من مهندسی است و زندگی اجازه تحصیل در رشته فلسفه رو بهم نمیده,ولی بینهایت فلسفه رو دوست دارم,وقتی این جلسات رو گوش میدادم,گاهی اشک میریختم از اشتباهی که سالها پیش در انتخاب رشته کردم.شنیدن چنین کلاسهایی ارزوی من هست,خوشحال میشم اگه بتونم از چنین اصواتی استفاده کنم.سپاس
سلام من ارشد جامعه شناسی دارم و همه کلاس های ارشد و بعضا دوره لیسانس رو با ریکوردر ضبط کرد برای استفاده شخصی ام. سوال بنده اینه که از نظر حقوقی اشکالی نداره فایل های صوتی رو یک جایی (مثلا بلاگ) منتشر کنم؟ حقوقی یعنی نظر استاد و نیز نظر همکلاسی ها که در سر کلاس ارائه نظر می کردند. میشه موارد و زوایای حقوقی کار رو بدونم؟ ممنون میشم.
سلام کاش دست اندرکاران صدانت قبول زحمت میکردن، فایلها رو در اختیارشون میذاشتید تابه صورت ویرایش شده منتشر کنن، که ما هم بتونیم استفاده کنیم.
سوال ايشان بسيار در زمينه ي اين كه هيچكس سرزميني كه در آن به دنيا مي آيد انتخاب نمي كند پس نا بخردانه است كه به آن ببالد. بر مبناي استدلال اين استاد مي توانيم نتيجه بگيريم هيچكس به دنيا آمدنش ،انسان بودنش ، دينش و.... را انتخاب نمي كند پس نا بخردانه است كه به آن ببالد. اصلا باليدن به چيزي نا بخردانه است. چون دايره ي انتخاب ما انسان ها محدود به ساختار هاست. ساختار ها را ما انتخاب نمي كنيم بلكه درون آن ها ساخته مي شويم. گزينه هايي كه در برابر ما جهت امتخاب قرار دارند همه درون اين ساختار ها هستند پس اصلا به چيزي نباليم و از چيزي حمايت نكنيم.
چرا، دینش را می تواند انتخاب کند یعنی راه این انتخاب مسدود نیست ولی سود یا زیان آین انتخاب ، اجتناب نا پذیر است.بدیهی است که خوب یا بد بودن اجباری نیست هر چند که در زمینه نا مساعد اجتماعی ، برای خوب بودن تلاش بیشتری لازم است و البته پاداش زیاد تری هم دارد و عکس آین نتیجه برای گمراهان است یعنی گمراهی در یک زمینه خوب کیفر بیشتری دارد.
چیزی که در این درسگفتارها برام جالبه آشنایی با فیلسوفانی ه که تا حالا نمی شناختمشون. بعضیاشون مثل تکویل ازشون یا دربارشون به فارسی مطلب هست ولی خیلیاشون مثل فینبرگ اولین باره که به فارسی چیزی ازشون می بینم. متشکرم صدانت که صداهای گوناگون رو پخش می کنید.
من جلسه اولو فعلا گوش دادم که سوالات قشنگی بود و بیان مدرس نسبتا خوب بود. سپاس
سلام .به نظر می رسه جلسه ی چهارم در دو بخش می باشد که در تار نما در یک بخش ارایه شده است .
با سپاس از مطالب زیبای بانو قندی برای ایشون وهمه دست اندرکاران این سایت آرزوی موفقیت دارم