اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
انعقد المؤتمر الأربعون لذكرى شريعتي تحت محور «شريعتي واليوم»؛ تحدث آقاجري عن تفكيك إرثه لاستئناف «المشروع غير المكتمل»، فيما اعتبر احسان شريعتي جوهر فكره بديلاً في مواجهة «المال والسلطة والتضليل».

ما علاقة شريعتي بيومنا هذا؟ كان هذا هو السؤال الذي طُرح في ندوة الذكرى الأربعين لشريعتي في قاعة ابن خلدون. كيف يمكن لموقف شريعتي المزدوج من الاشتراكية والإسلام، وما أبدعه من تركيب مثير للجدل تحت مسمى الماركسية الإسلامية، أن يظل ذا أهمية لظروف إيران اليوم؟ كان هذا سؤالاً لم يسمع الجمهور عنه شيئاً في نهاية المطاف، جمهور غفير أرهقته الفوضى من نقص في المقاعد، وحر، وتهوية غير مناسبة، وكلمات المقدم المطولة. في هذه الجلسة، تحدث هاشم آقاجري عن ضرورة تكرار مشروع شريعتي غير المكتمل وإعادة بنائه وتحديثه بدقة عله يسفر عن نتيجة مختلفة، دون الإجابة عما إذا كان ما وقع في الواقع التاريخي نتيجة منطقية لمشروع شريعتي أم انحرافاً عنه. واعتبر يوسف أباذري كلمته رداً على الانتقادات الموجهة إلى شريعتي. ففي نظره، تحول شريعتي إلى ما يشبه الأسطورة، وبسبب الدوال الكثيرة التي تشكلت حوله، لم نعد أمام مدلول واحد. لذا لا يمكن الحديث عن شريعتي واحد. وتحدث إحسان شريعتي عن اختلاف زمننا عن زمن شريعتي، وأن شريعتي لم تسنح له فرصة التعمق في بحث رؤاه الديناميكية. ومع ذلك، رأى أن النواة المتماسكة لفكر شريعتي تقدم بديلاً في مواجهة ثالوث «الذهب والقوة والتضليل». انعقدت ندوة «الآن، نحن وشريعتي» يوم أمس في كلية العلوم الاجتماعية، وفيما يلي خلاصة لكلمات هذه الجلسة.
أعتزم مناقشة تفكيك شريعتي من أجل تصميم وتدوين طريق جديد واستئناف مشروع غير مكتمل بسبب تطورات سياسية لم تكن متوقعة. إنه لم يتمكن من بلوغ ما خطط له من بعث فكري ونهضة ثقافية وخلق نوع من الوعي الجمعي لقيامة من القاعدة.
لقد فاجأت سلسلة الأحداث الجميع عشية الثورة. فبعد نحو عام ونيف من هجرة شريعتي، انتصرت الثورة وبقي مشروعه غير مكتمل حتى يومنا هذا. لقد وقعت الثورة الإسلامية في الظروف التي كان شريعتي قد أوجدها. نحتاج اليوم إلى تكرار وإعادة بناء المشروع نفسه، بل إلى نوع من التفكيك في تراث شريعتي لاستئناف ذلك المشروع في زمننا. لقد عاش شريعتي مساراً مليئاً بالتقلبات ووجداناً أشبه بالأوديسة. تاريخنا هو تاريخ قتل الأبطال، مثل عين القضاة والسهروردي والحلاج. تصور شريعتي في الرابعة والأربعين من عمره، بهروبه المعجزة من إيران، أنه يستطيع متابعة مشروعه عبر الحدود. لقد نما هذا الفكر في السنوات الثلاثين الماضية.
من العبث توقع ألا نجد في أعماله أي تناقض أو تغيير، ولم يدع أي من محبي شريعتي ذلك حتى الآن، ومع ذلك، نرى في فكر شريعتي، منذ أولى أعماله في مراهقته والمتمثلة في ترجمة «أبو ذر اشتراكياً مؤمناً» (عن اللغة العربية) وحتى جمله الأخيرة، نرى في نهاية المطاف وحدة داخلية. ينبغي أن نفصل النواة الصلبة لشريعتي عن قشرته. وهذا ما ينبغي أن نفعله أيضاً مع الإمام علي ونهج البلاغة لأنه كان في حقبة تاريخية من الرق والنظام الأبوي والقبلي، وكل هذه العناصر تتسرب إلى اللغة والثقافة. مهمتنا كممارسة للتفكيك هي فصل النواة عن العناصر العارضة والقشرة. وهذا هو معنى الاجتهاد بالمعنى الدقيق للكلمة.
يمر مثقفونا اليوم بأزمة. وهذه الأزمة ليست خاصة بالمثقف الإيراني طبعاً، بل هي أزمة المرجعيات عموماً. المجتمع يمضي في طريقه ولا يكاد يلتفت إلى المثقفين، بل أحياناً يكون العكس، حيث يسير المثقفون خلف الجماهير. وهذه المشكلة موجودة على المستوى العالمي بالطبع. فنحن اليوم، على عكس الماضي، لا نرى مثقفين ذوي مرجعية مثل سارتر أو بورديو أو ماركس. والسبب في ذلك هو توسع رأس المال المالي والنيوليبرالية والعولمة والمجتمع الشبكي واستبدال العلاقات الأفقية بالعلاقات العمودية. كانت المرجعية السابقة للمثقفين تنتمي إلى حقبة لم يكن فيها الفضاء الافتراضي والمجموعات الأفقية المتعددة قد نشأت بعد. مثقفو اليوم لا مكان لهم في هذه الشبكة.
لا يمثل مثقفو اليوم أية شريحة أو طبقة. الطبقة الدينية التقليدية لها من يمثلها. أما الطبقة العاملة في إيران فليس لها أي ممثل على الإطلاق. الكادحون بلا ممثلين، ويسعى التيار اليميني جاهداً ليكون ممثلاً للعمال بالقوة، وإن كان دون نجاح. والطبقة الوسطى الجديدة تعيش في الشبكات الافتراضية وعلاقتها بالمثقفين مقطوعة. أما كبار الرأسماليين فتمثلهم البيروقراطية والتكنوقراطية. المثقف الإيراني اليوم أحادي البُعد، ولذا فإن لغته بعيدة كل البعد عن لغة الناس. كان مثقف عقدي الستينيات والسبعينيات قد حل هذه المشكلة. اقرأ جلال آل أحمد، فهو يقول في موضع ما إنه ذهب إلى مكان يتواجد فيه العمال والكادحون والفعلة، فنُعت بـ«العامل» بسبب هيئة لباسه، وكان جلال يعتبر هذا مدعاة فخر له. وكانت الحركة الفدائية تنظر النظرة نفسها، وترى أن من سبل الاقتراب من الناس المعايشة الحقيقية والعمل الحقيقي، في أفران الطوب مثلاً.
اليوم، انفصل عالم معيشة المثقفين ولغتهم عن الناس، وصاروا عين الإنسان الأحادي البُعد الماركوزي. المثقف هو من يحمل مسؤولية بروميثيوسية. نحن بحاجة إلى مثقف المجال العام، لا سيما في المجتمع الإيراني حيث لم تُحسم بعدُ توترات أساسية كثيرة. كان شريعتي يرى المثقف نوعاً من النبي، لكن المثقف الأحادي البُعد يقترب من تعريف الفيلسوف. في مجتمعنا، ثنائية الحرية والعدالة في تقابل. بعض المثقفين يشتغلون على الحرية ويتجاوزون العدالة، ولهذا لا يستطيعون التواصل مع جماهير الناس لأن قضية الناس هي لقمة العيش. وتقابل آخر هو بين الإيرانية والعالمية. بعضهم يروج لقومية إيرانية تفوح منها أحياناً رائحة الشوفينية النتنة. وعلى العكس، يتخلى بعض المثقفين كلياً عن قضية إيران، ونتيجة لذلك صار مثقفنا أحادي البُعد وبلا أيديولوجيا؛ الأيديولوجيا التي أُعلن موتها مع التاتشرية والريغانية، لماذا؟ لأنها كانت أيديولوجيا تتحدث عن التغيير. نحن اليوم بحاجة إلى مثقف متعدد الأبعاد مثل شريعتي المتأخر. مثقف إذا فكر في الحرية لا يتجاوز الفقر والظلم والاستغلال، والعكس بالعكس. كما ينبغي ألا ينسى تكامله الوجودي، وألا يرى النضال مجرد طريق لتغيير المجتمع، بل عليه هو نفسه أن يتغير في أثنائه؛ وهذا يعني ترابط الذات والعالم.
في الذكرى الأربعين لشريعتي، لا مناص لنا من العودة إلى موضوع شريعتي. شريعتي نفسه وإرثه. أن نرى مرة أخرى: من كان شريعتي؟ وما هو جوهر كلامه؟ أعني طرح هذا السؤال الذي يبدو بديهياً: عمّن وعمّ نتحدث؟ فلنعد إذن إلى صلب الموضوع! حتى نتمكن من إظهار مستوى وأفق جديدين من مقولة شريعتي. «العودة إلى الأشياء ذاتها» كان شعار الفينومينولوجيا. ولكن، خلافاً للمقاربة الوضعية (والتجريبية المنطقية)، فإن هذا الشيء، الأمر، الموضوع، ليس شيئاً مادياً قابلاً للحساب والقياس، بل هو معنى ومضمون يدور حوله نزاع بين الباحثين. بمناسبة الذكرى الأربعين للمعلم شريعتي، جئنا لنسأل ونعرف: ما هي راهنية مشروع شريعتي اليوم؟ من بين هذا الكم من الشريعتيين الافتراضيين، من هو شريعتي الأصيل؟ ما هو كلام شريعتي الجوهري وجوهر كلامه؟
يعلم الجميع، قليلاً أو كثيراً، أن النواة المتماسكة (المحكمات) لفكر شريعتي كانت تقديم بديل في مقابل ثالوث «الذهب والقوة والتزوير»؛ عبر رسم مثلث «العرفان، المساواة، الحرية» (الوعي الذاتي الإنساني-المعنوي، العدالة الاجتماعية، والديمقراطية السياسية). لكن ما قد يقل أن نعرفه، هو الكيفية التي أقام بها توازناً، في التقابل بين نوع من المعنوية (عرفانية، أخلاقية، دينية)، ونوع من العقلانية النقدية-الاجتماعية.
كان شريعتي مثقفًا مفكرًا. والمفكر ليس بالضرورة فيلسوفًا أو ميتافيزيقيًا (بالمعنى الأفلاطوني-الأرسطي لهذه المصطلحات)، لكن الفيلسوف الحقيقي ينبغي حتمًا أن يكون مفكرًا أو صاحب فكر، وإلا فإنه، مثل كاتب هذه السطور، في أفضل الأحوال باحث في الفلسفة، أو مدرس، أو شارح، وما إلى ذلك... كان شريعتي مثقفًا يعرف الفكر المعاصر السائد في العالم. لكنه لم يهب هيبة كبار مفكري العالم، بل كان يعلمنا، على حد تعبير كانط، أن «نفكر بأنفسنا» إزاء هؤلاء المفكرين! وكان يرى في ذلك علامة على البلوغ والخروج من وصاية قطبي التقليد المتصلب والتحديث المهزوم أمام ذاته. ومع ذلك، كانت ظروف عمل شريعتي صعبة للغاية ولم تتح له فرصة التعمق في بحث رؤاه الديناميكية، ولهذا السبب أيضًا، فإن إرث شريعتي الذي هو مجموعة من الخطوط العريضة، يحتاج بطبيعة الحال إلى النقد. النقد شرط لازم وسمة أساسية للفكر في العصر المعاصر. فعلى سبيل المثال، كان النقد الكانطي عبارة عن تنقية العقل من الدعاوى الكاذبة ووهم إمكانية معرفة كل شيء. لكن هذا النقد لم يكن لنفي العقل، بل كان لإجلاس العقل نفسه على عرش السلطة المشروعة والمعقولة. إن نقد شريعتي لا يمكن أن يستعيد صورته المعقولة والأصولية إلا على يد العارفين بفكره، أي المتخصصين في شريعتي، سواء كانوا معتقدين بآرائه أو منتقدين لها. ولهذا، فإننا نقوم هذا العام بالإعداد لندوة يجلس فيها المتخصصون بشريعتي، ليس بالمعنى الأكاديمي للكلمة فحسب، إلى طاولة النقاش والجدل النقدي فيما بينهم. فهل سيكون الجمهور المشاهد مجرد شاهد على مشهد من مناقشة المتخصصين حول آرائه؟ ليس هذا هو الهدف؛ بل على العكس، قصدنا هو إظهار جدية ومستوى وعمق الموضوع المطروح للنقاش، بالشكلين التخصصي والتوعوي معًا، للمجتمع الثقافي من جهة، ومن جهة أخرى إيصال الرسالة التحررية العامة لإرثه إلى المجتمع بأسره، إيران، ومن ثم مجتمعاتنا التي تشاطرنا المصير ذاته.
يختلف عصرنا عن عصر شريعتي: أول اختلاف على مستوى الفكر الكوني، هو اجتياز مرحلة تفكيك أو تقويض السرديات الكبرى أو الإيديولوجيات في العصر الحديث: اليوم، نحن، على ما أعتقد، نعيش في عصر يمكن تسميته بعصر
«ما بعد ما بعد الحداثة». سواء في الفكر الفلسفي القاري أو في التقليد ما بعد الوضعي (التجريبي المنطقي) والنيوليبرالي في البلدان الأنغلوفونية. أهم خصائص هذا الفكر المعاصر هي السعي نحو «العودة»، بمعنى «الاستئناف»، بداية جديدة وانطلاقة أخرى في كل المجالات، من الثقافة والدين إلى السياسة والاقتصاد. وكأن نبوءة فيتغنشتاين قد تحققت بأن «الثقافة السابقة ستتحول إلى كومة من الأنقاض، وفي النهاية إلى ركام من الرماد، ولكن فوق هذا الرماد ستحلق أرواح».
سنتحدث عن المزيد من التفاصيل وسمات هذا العصر الجديد الذي نقف على أعتابه والخصائص التشريحية لهذه العودات في الندوة القادمة. وباختصار، إن عصرنا، بتعبير الفيلسوف الفرنسي الشاب كَنتَن ميّاسو، هو عصر «ما بعد المتناهي»، ودعوة إلى نوع من الوفاء، وانتظار مهدوي-مسيحاني «للإله الآتي» من قِبَل مفكرين ملحدين، مقترنًا هذه المرة بـ«لا يقين» «إيجابي وبناء» وليس متخاذلًا وعدميًا!
الاختلاف الآخر بين عصرنا وعصر شريعتي، هو اشتعال نار عنف ظاهرة الأصولية الدينية في البلدان المسلمة. لا تزال هذه الظاهرة بحاجة إلى تحليل أعمق من النقاشات الصحفية. لأننا هنا، بتعبير آلان بديو، نواجه ذاتًا خرساء مغمورة ضالة تائهة، وفاعلًا وكنشًا مظلم الفكر ملتبسًا موهومًا، امتهن أعمى أنواع الإرهاب في التاريخ، وتكمن أهميته في اتساع وتنوع المنضوين إلى هذا التيار، والعطش الجنوني لطلب الموت الجماعي، والأساليب المذهلة التي تشمل كافة الجنح والجنايات، لاستعراض ذاته في العالم الخيالي والفضاء الافتراضي. نحن بالطبع محصنون في إيران، وهذا التيار لحسن الحظ لم يعد يشكل خطرًا أو جاذبية لمجتمعنا!
أما ما يثير القلق ويحفز الفكر في مجتمعنا، فهو التجربة الوطنية والثقافية وسجل المجتمع وميزانيته وأزماتنا وإشكالياتنا نحن في إيران.
باختصار، يعاني مجتمعنا الذي يوصف بأنه في طور «الانتقال» من نمط عيش ومسار تنمية غير متوازن. والثقافة، بوصفها عاملاً مؤثراً في التنمية، إن لم نقل أهم عامل، تؤدي في هذا السياق دوراً محورياً أو على الأقل رمزياً وذا دلالة. ومن بين العناصر المكونة للثقافة، لا يزال الدين، رغم كل النفور الناجم عن التقليد والأصولية، يؤدي الدور الأهم. لذا فإن نقد الدين الذي تقدمه اللاهوتية التحررية عند شريعتي ضروري اليوم وله وظيفة راهنة. في العقود الأربعة الماضية، استجاب جيل منا لدعوة شريعتي ودفع ثمناً باهظاً لهذا الإيمان في الممارسة، ويجدر بنا هنا أن نعرب عن تقديرنا لمجموعة الوجوه التي أبقت هذه الشعلة مضاءة ببذل أرواحها وشبابها، ولا سيما في أحلك الفترات. وأخيراً، فإن السمة الأخيرة والأهم لفكر ذلك المعلم ومنهجه هي الالتزام الاجتماعي واستمرارية النضال، الذي تواصل حتى اليوم في جميع ساحات الحياة المدنية والثقافية.
ولكل الأسباب التي نعرفها والتي لا نعرفها، من الطبيعي ألا تقام لشريعتي مراسم في الإذاعة والتلفزيون والمؤسسات الرسمية (وحتى المستقلة منها كحسينية الإرشاد وغيرها)، ونحن مضطرون للتراجع مرة أخرى إلى الجامعة بدلاً من المجتمع! إن هذا التناقض والتجنب إزاء اسم منقوش على جدران المدينة والمؤسسات والروزنامة الرسمية، يدل بالصدفة على أن ذكرى ذلك المعلم حية وراهنة وخطيرة. لقد اجتمعنا اليوم في كلية العلوم الاجتماعية بجامعة طهران، التي هي في الواقع البيت الروحي لشريعتي، ونعلم أن من خصائص خطاب شريعتي كونه «بينيّ التخصصات»، بمحورية علم الاجتماع والتاريخ. التاريخ، تلك القارة الأخرى التي ادعى ألتوسير أن ماركس اكتشفها، ونحن نقول إنه كان لنا في تاريخنا أمثال ابن خلدون.
إن مراسم اليوم، ومع أخذ كل هذه الملاحظات في الاعتبار، ينبغي اعتبارها إعلاناً تمهيدياً لإقامة المراسم الرئيسية لهذا العام، الذكرى الأربعين لرحيل شريعتي، والتي ستستمر جارية في هذا العام. وبهذه الطريقة، نجدد العهد مرة أخرى مع ميثاق ذلك المعلم الشعبي، لكي نبدأ من الآن ومن هذه النقطة انطلاقاً آخر، وبأداء واجب إعادة بناء خطاب «الشريعتية الجديدة»، يضطلع كل واحد من الباحثين والساعين الذين يفكرون في هذا الأفق الفكري، بقلمه وخطاه، بمسؤوليته التاريخية في طريق الوعي والتحرر، وهذا هو التكريم الحقيقي لذكرى المعلمين السابقين وسبيلهم وإرثهم والارتقاء بفكرهم.
عندما نتحدث عن شريعتي فإننا نتحدث عن نوع من الأسطورة. شخص شُيدت حوله دلالات كثيرة بحيث لا يمكن الحديث عن شريعتي واحد. أحاول فك شيفرة هذه الأسطورة: ماركسي إسلامي، شخص ينتمي إلى زمانه وقد انقضى زمانه. أنا أتحدث عن هذه الأسطورة. يقولون إنه كان أحد أهم مسببي الثورة الإسلامية وانتهى الأمر. يقول البعض إننا كنا عاطفيين آنذاك ويجب أن نكون عقلانيين الآن. بمساعدة العلم والإبستمولوجيا ووقائع اليوم، ينبغي أن نلقي نظرة على بعض القيم «العلمية». ثمة مجموعتان تهاجمان شريعتي من هذا المنظور؛ إحداهما مجموعة التاتشريين الإسلاميين التي تجمعت أساساً حول مجلة «مهرنامه». والمجموعة الثانية هي جماعة كورش الكبير، وهي خليط من الملكيين وغيرهم... وهم أيضاً يعتقدون أن شريعتي لا ينتمي إلى عصرنا. هاتان المجموعتان ليستا اقتصاديتين محضتين ولا فيلسوفتين سياسيتين.
لِبنيامين مقالة بعنوان «الرأسمالية كدين» يتحدث فيها عن الخصائص المتشابهة بين الرأسمالية والدين. كلاهما ضرب من العبادة والطقوس، وفي كليهما نزعة نفعية واضحة. أول مفهوم يحوّل الرأسمالية، من وجهة نظر بنيامين، إلى نوع من العبادة والطقوس هو وجود إحساس بالمعصية والذنب فيها. والتاتشريون الإسلاميون في إيران يقدمون الرأسمالية كعبادة جديدة. وفقاً لبنيامين، نحن لسنا أمام نظام اجتماعي واقتصادي، بل أمام دين وطقس. تحدث شريعتي في عام ٥٢ عن حرية التجارة وحرية الاستثمار وتحوّلهما إلى مفاهيم حماسية. يظن الناس أن كل شيء مقدس في هذا الطقس. كلام شريعتي هنا هو عين كلام بنيامين. ليس من العبث أن شريعتي وآل أحمد يتعرضان اليوم لهجوم التاتشريين الإسلاميين. قال الدكتور غني نجاد قبل ١٠ سنوات في مقال بعنوان «الإصلاحية الشعبوية اليسارية» إن شريعتي ليس أكثر من كاتب إنشاء. ويشير في هذا المقال أيضاً إلى المادة ٤٤. اليوم اتضحت نتائج هذه المادة. نتائج الاقتصاد اللاأخلاقي الذي تحدث عنه في ذلك المقال تجلت في الوضع الحالي والفساد المستشري الذي شهدنا طرفاً منه في مناظرات الرئاسة هذا العام.
يتحدث التاتشريون الإسلاميون باستمرار عن جراحة الاقتصاد. كل الجراحات البنيوية والقانونية للاقتصاد أُجريت في هذه المدة؛ لكن ليس واضحاً لماذا لا يزال هذا المريض طريح الفراش ولا يستطيع النهوض. إحدى أفكار هايك هي العقل المُصطنَع. (أي العقل الذي يريد بناء المجتمع، مثل عقل ديكارت وكانط وهيغل). هايك يدين هذا النوع من العقل ويقول إنه يؤدي إلى الشمولية. اعتقاده الثاني هو أن قواعد السوق تطورت عبر التاريخ وتمضي قدماً على أساس البقاء للأصلح. يعتقد التاتشريون الإسلاميون أن بوبر وهايك متشابهان؛ بينما العقل مهم بالنسبة لبوبر، وهو موجود في إطار العلم، وعملية العقل النقدي تساعدنا على استبدال العادات السيئة بالعادات الحسنة في المجتمع، لكن هايك أسس طريقاً جديداً. والتاتشريون الإسلاميون لا يقبلون أي نوع من العقل. اليوم ربما اتضح من يكتب الإنشاء، الدكتور شريعتي وآل أحمد أم الدكتور غني نجاد أم الدكتور نيلي؟ الدكتور نيلي، على عكس الدكتور غني نجاد، فريدماني وليس هايكياً. يعتقد أن ما يصنع علم الاقتصاد هو التنبؤ. سؤالي للسيد نيلي بشكل صريح هو: ماذا تنبأتم حتى الآن؟ هذا السؤال بالذات وجهته ملكة إنجلترا بعد أزمة ٢٠٠٨ لاقتصاديي السوق الحرة، فأجابوا أنهم كانوا غارقين في أيديولوجيا أصولية السوق لدرجة أنهم لم يفهموا الأزمة.
تحدث بنيامين عن الزمن المُمَكْنَن في عملية التقدم. وكان يقابله بالزمن المسيحاني. كان الهبوط مسألة أساسية مهمة لبنيامين كما كانت مهمة لشريعتي.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
علم الاجتماع
علم الاجتماع
العلوم السياسية
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.