اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى ملكيان أن تقسيم شريعتي لأعماله إلى اجتماعيات وإسلاميات وكويريات غير دقيق؛ بل يعتبرها قضايا اجتماعية منظورًا إليها من زاوية الدين. ومن خلال تبيين مستويات الدين الثلاثة، يعتبر شريعتي ناقدًا لإسلام المستوى الثاني.

محمد صادقي - شرق: يصنف الدكتور شريعتي في مستهل كتابه «الصحراء» كتاباته إلى ثلاثة أضرب: «الاجتماعيات، والإسلاميات، والصحراويات. فما يروق للناس فحسب: الاجتماعيات، وما يروق لي وللناس معًا: الإسلاميات، وما يُرضيني أنا وحدي وأحس أنني لا أعمل به – بل ماذا أقول – لا أمارس الكتابة به، بل أحيا به: الصحراويات». لكن يبدو أن وجه شريعتي الذي نراه في الصحراويات لا يتوافق كثيرًا مع الوجه الأكثر رسوخًا ورسميةً المنطبع في أذهان الناس. حتى إن البعض تصوروا وما زالوا يتصورون هذا الوجه في مقابل وجهه الأكثر شهرةً، فما تقييمكم؟
بدايةً أود أن أقول، إنه في رأيي لا تقسيم الدكتور شريعتي لمجمل أعماله إلى ثلاثة أقسام، أي الاجتماعيات والإسلاميات والصحراويات، دقيق، ولا الحكم الذي أصدره على هذه الأقسام حين قال مثلاً: إن الاجتماعيات لا يروق لها إلا الناس، والإسلاميات يروق لها الناس وأنا معًا، والصحراويات تروق لي وحدي. هذا التقسيم وهذا الحكم الذي عبر عنه لهذه الأقسام الثلاثة ليس أي منهما دقيقًا في نظري. لماذا؟ لأن تقسيم مجمل الأعمال وما تبقى من تراث الدكتور شريعتي إلى هذه الأقسام الثلاثة ليس تقسيمًا صحيحًا، لأن تلك الإسلاميات التي ينقلها الدكتور شريعتي، إن لم أقل مئة بالمئة فأكثر من تسعين بالمئة منها هي من الاجتماعيات، أي أن ما نقله عن الإسلام يمكن القول إنه نوع من شرح وتفصيل وبيان وتوضيح للنصوص الدينية المقدسة، وهو في الواقع نوع من التفسير الجديد لمواد كان الآخرون قد قدموا لها تفاسير من قبل، وكان الدكتور شريعتي يبتغي تقديم تفسيره الخاص، وهذه أيضًا إن لم أقل مئة بالمئة فقرابة خمسة وتسعين بالمئة منها هي من الاجتماعيات. لذلك لا يمكن القول إن لدينا إسلاميات واجتماعيات، وبتعبير آخر يمكن الحديث عن المجتمع في صنفين: صنف من الحديث قائم على النصوص الوحيانية، وصنف آخر من الحديث عن المجتمع يمكن أن يقال إنه قائم على آخر ما توصلت إليه العلوم والمعارف البشرية، كآخر ما توصل إليه -لنفترض- علماء الاجتماع أو الاقتصاديون أو علماء السياسة وأمثالهم. هذان الصنفان من حيث الموضوع هما من الاجتماعيات، غير أننا ندرس الاجتماعيات تارة من منظور لاهوتي فيكون ذلك بحسب تعبير الدكتور شريعتي هو الإسلاميات، وتارة لا ندرسها من منظور لاهوتي بل ندرسها من منظور العلوم والمعارف البشرية، أي من منظور العلوم الفلسفية، ومن منظور العلوم التاريخية، ومن منظور العلوم التجريبية، ومن هذه المناظير ندرس الأمور الاجتماعية. فنحن هنا نتعامل مع الاجتماعيات لكننا لم نعد نتناول الأمور الاجتماعية من منظور اللاهوت، بل نتناولها من منظور الفلسفة أو التاريخ أو أمثال ذلك. وإلا فانظر إلى كل إسلاميات الدكتور شريعتي، أين لم يتطرق فيها إلى المسائل الاجتماعية؟ لكنه أراد أن يقول إنني أتناول هنا المسائل الاجتماعية ولكن من منظور الإسلام والنصوص الدينية المقدسة، ومن منظارها، وفي النهاية من منظار ما أسميه أنا بالإسلام واحد أو الإسلام اثنين أو حتى الإسلام ثلاثة.
هل يمكن أن تشرح أكثر هذا التقسيم الذي تجريه؟
نعم، إن مجموعة النصوص المقدسة الدينية والمذهبية لكل دين ومذهب، نسميها الدين الأول، أي أننا مثلاً نعبّر عن مجموعة النصوص المقدسة للمسيحية بالمسيحية الأولى، أو نعبّر عن مجموعة النصوص المقدسة للهندوسية بالهندوسية الأولى. هذا هو الدين الأول، فمثلاً بالنسبة للمسلمين، القرآن والروايات (سواء كانت روايات نبوية بالنسبة لجماعة من المسلمين، أو روايات الأئمة الأربعة عشر المعصومين بالنسبة لجماعة أخرى من المسلمين، وهكذا) هي الإسلام الأول. أما الدين الثاني، فهو مجموعة الشروح والتفاسير والبيانات والتوضيحات التي يقدمها علماء دين ما عبر التاريخ لتلك النصوص المقدسة الدينية والمذهبية. أي أن الإسلام الثاني هو مجموعة الجهود العلمية والتحقيقية والدراسات والتأملات التي تدور حول الإسلام الأول. أين ينبغي أن نبحث عن هذا الإسلام الثاني؟ في رأيي في ثلاثة مواضع، وبالتسامح في خمسة. الأول؛ مجموعة الآثار الباقية عبر التاريخ من المتكلمين الإسلاميين، الثاني؛ مجموعة الآثار الباقية من الفقهاء الإسلاميين، والثالث؛ مجموعة الآثار الباقية من علماء الأخلاق الإسلامية. أي أن ما قاله متكلمو العالم الإسلامي، وفقهاء العالم الإسلامي، وعلماء الأخلاق الإسلامية، هو الإسلام الثاني. لكنني قلت إنه يمكن بالتسامح إضافة اثنين آخرين، أحدهما ما قاله الفلاسفة تحت عنوان الفلسفة الإسلامية، والآخر ما قاله العرفاء تحت عنوان العرفان الإسلامي. هذه هي الإسلام الثاني. وبالطبع يمكن قول الشيء نفسه عن المسيحية. أي أن ما قاله اللاهوتيون المسيحيون عن النصوص المقدسة الدينية والمذهبية، أي الشروح والتفاسير والبيانات والتوضيحات التي قدموها لنصوصهم الدينية والمذهبية، يصبح هو المسيحية الثانية. لكن دعنا نتناول الدين الثالث، الدين الثالث هو مجموعة السلوكيات والأفعال وردود الأفعال التي قام بها أتباع دين ما عبر التاريخ، والآثار والنتائج الباقية من هذه السلوكيات، فمثلاً تُعتبر الحروب الصليبية جزءاً من الدين الثالث. هذا هو في الواقع الدين في مقام التحقق التاريخي. في رأيي، يمكن في كل دين ومذهب تحديد هذا الواحد والاثنين والثلاثة.
ألا تقيمون تفريقاً في هذا التقسيم؟ أعني بين الفترة التي كان الأنبياء حاضرين فيها وما بعدها؟
لا، إذن فعلى سبيل المثال، صعود السلالة الصفوية إلى السلطة يُحتسب أيضًا ضمن الإسلام الثالث. لقد تناول الدكتور شريعتي مسائل اجتماعية بنسبة مئة بالمئة تقريبًا، ولكن من منظور الإسلام. أحيانًا من منظور الإسلام الأول، وأحيانًا من منظور الإسلام الثاني، وأحيانًا أخرى من منظور الإسلام الثالث. يمكن القول بالطبع إن أكثر ما يقوله الدكتور شريعتي هو من منظور الإسلام الأول والثاني، ولا سيما فيما يتعلق بالإسلام الثاني، فإن جانبه النقدي يغلب على جانبه التقريري والتحليلي، لكنه في النهاية يتحدث من هذا المنظور. يشبه الأمر أن تُطرح عليك مسألة نظرية أو مشكلة عملية، فيُقال لك مثلاً إن إحدى المشكلات العملية التي يواجهها مجتمعنا هي مشكلة تزايد الطلاق. ثم يُقال لك: ما الحل الذي تعرفه لمعالجة هذه المشكلة؟ شخص ما، لمعالجة هذه المشكلة، يرجع إلى النصوص الدينية والمذهبية المقدسة أو آراء علماء الأخلاق الدينيين، وهنا يقول إن النصوص الدينية والمذهبية المقدسة أو علماء الأخلاق الدينيين يقولون لمعالجة هذه المشكلة، يجب القيام بهذا وذاك وذاك. أنت هنا في الواقع تبحث عن حل لهذه المشكلة الاجتماعية من منظور الإسلام. مرة أخرى، بدلاً من أن تفعل ذلك، ترجع لمعالجة المشكلة ذاتها إلى أعمال علماء النفس الاجتماعي أو علماء الاجتماع. هنا أيضًا تنظر إلى معالجة المشكلة ذاتها، لكن ليس من منظور ديني، بل من منظور أحدث ما توصل إليه البشر، فتعالج المشكلة. في كلتا الحالتين أنت تصارع مشكلة اجتماعية. لكنك مرة تأخذ الجواب من الدين، وهذا ما يُسمى بالجواب اللاهوتي، ومرة أخرى تبحث عن جواب لمعالجة هذه المشكلة من منظور غير ديني وتنظر إلى المشكلة من منظور العقل البشري، وهنا أيضًا مسألتك هي مسألة اجتماعية. حينًا نقسم أمور العالم الإنساني من منظور كونها فردية أو اجتماعية، فتنقسم حينئذ إلى أمور فردية واجتماعية، أي الفرديات والاجتماعيات. وحينًا يتم التقسيم من منظور المصدر الذي ترجع إليه لمعالجة المشكلة أو حل المسألة، فتنقسم الأمور حينئذ إلى قسمين: لاهوتي وعقلاني. من هذا المنطلق، يمكنك أن تدرس مسألة أو مشكلة فردية من منظور ديني، وتدرس المسألة أو المشكلة الفردية ذاتها من منظور عقلاني، وكذلك الأمر بالنسبة للمسألة أو المشكلة الاجتماعية. إذن، بالنظر إلى ماهية المسألة أو المشكلة نفسها، يبرز النقاش الفردي والجمعي، ومن منظور المصدر الذي نرجع إليه لمعالجة المسألة أو حل المشكلة، يبرز هناك نقاش اللاهوت واللاّلاهوت. لقد وضع الدكتور شريعتي أحد أقسام التقسيم الأول إلى جانب أحد أقسام التقسيم الثاني، وهذا هو ما أراه يمثل إشكالاً منطقيًا في تقسيمه. أما الحكم الذي أصدره بشأن حكم التاريخ، فهو ليس صحيحًا، فهو مثلاً يقول إنه شخصيًا يفضل الكويريات أكثر، لكنني أعتقد أن أولئك الذين يواجهون أعمال الدكتور شريعتي بعمق أكبر، على العكس، يفضلون الكويريات على الاجتماعيات. ثم يقول أيضًا إن الناس يفضلون الاجتماعيات أكثر، لكن التاريخ يقول إن هذا الحكم ليس صحيحًا. أنا أعتقد أنه حتى لو تحدثنا وفق تقسيمه ذاته، فإن أكثر أجزاء أعمال الدكتور شريعتي بقاءً، في ظني، هي كويرياته. مع كامل الاحترام الذي أكنه للدكتور شريعتي وكامل المحبة والعلاقة العاطفية التي تجمعني به، يجب أن أقول إن قسم الإسلاميات هو أكثر أجزاء أعمال الدكتور شريعتي عرضة للزوال، وإذا كان الأكثر عرضة للزوال، فهذا يعني أنه لم يحظ بقبول المتلقي، وقد حظي بقبول المتلقي أقل من الأقسام الثلاثة الأخرى، مع أنه يقول في كلامه إن المتلقي يحب الإسلاميات، وأنا شخصيًا أحبها. أما كونه هو يحبها، فهذا شأنه الخاص، ولا إشكال فيه. لكن قوله إن الناس أيضًا يفضلون هذا القسم أكثر، فعكس ذلك هو الصحيح، لأن المثقفين يفضلون هذا القسم أقل. على أية حال، أردت أن أقول إنني لا أعتبر هذا التقسيم صحيحًا من الناحية المنطقية، ولا أعتبر الحكم الذي أصدره بشأن هذه الأقسام الثلاثة صحيحًا من الناحية التاريخية. بمعنى أنه الآن، وقد مر ما يقرب من 36 عامًا على وفاة الدكتور شريعتي، نرى أن حكمه لم يصب، أي أنني أعتقد الآن أن كويريات الدكتور شريعتي هي أكثر أجزاء أعماله بقاءً.
متى قرأت "كوير" لأول مرة؟ وما هو الأثر الذي تركته فيك آنذاك؟
أول مرة كان ذلك في عام 1352 (1973م) حين كنتُ قد التحقتُ بالجامعة حديثاً. أستطيع القول إن أحد أكثر الكتب تأثيراً التي قرأتها في حياتي (في تلك الفترة الزمنية) كان كتاب «كوير» (الصحراء) للدكتور شريعتي (التعبير الذي نستخدمه اليوم هو «كويريات»)، والذي شغلني كثيراً من الناحية الوجدانية والعاطفية والحماسية، وأسرني في قيوده، وخلق فيّ تعلقاً وربطني بشخصية الدكتور شريعتي. كان مؤثراً حقاً. في السنوات اللاحقة، والتي كانت غالباً سنوات ما بعد الثورة، قرأتُ هذا الكتاب مرات عديدة، وحتى في الآونة الأخيرة. لا شك أن ذلك الانجذاب الذي كان لديّ في القراءة الأولى قد تضاءل قليلاً كلما تكررت القراءة، لكنني لا أزال حتى الآن عندما أقرأ «كوير» أكنّ له احتراماً كبيراً ولا يزال مؤثراً فيّ للغاية. مع أن التأثير في شخص يبلغ من العمر 57 عاماً ليس بالأمر السهل في رأيي، لكنه حقاً حتى في هذه الأيام القليلة الماضية عندما كنت أقرؤه كان مؤثراً فيّ بشدة. لكن في ذهني ينشأ تقابل بين التأثير الإيجابي للكويريات والتأثير السلبي للأجزاء الأخرى. برأيي أن سر خلود الكويريات يكمن في ثلاثة أمور: الأول أن موضوع الحديث في الكويريات بطبيعة الحال هو أمور نعبر عنها بالقضايا أو المسائل أو النظريات أو المشكلات الوجودية (الإكزیستانسیالیة) للإنسان. هذه الأمور والمسائل والمشكلات ليست لها جوانب زمانية أو مكانية أو ظرفية. كل إنسان يواجه هذه المسائل والمشكلات الوجودية، أياً كان دينه ومذهبه، وأياً كانت عقيدته وملته، وأياً كانت مدرسته ومسلكه، وأياً كان مشربه ومرامه، ومهما كانت أيديولوجيته وانتماؤه لأي «مذهب» (إسم)، وفي أية حقبة تاريخية وفي أحضان أية ثقافة وحضارة يعيش. يمكن القول تقريباً إن جميع هذه المسائل قد أشير إليها في الكويريات (لا تكاد توجد أية مسألة أو مشكلة وجودية إلا وأشير إليها في موضع ما من الكويريات) ولأنها لا تختص بمجتمع معين أو زمان ومكان محددين، فإنها يمكن أن تكون مثيرة للاهتمام لدى الجميع. على عكس المسألة التي تختص بالإيرانيين، وبالتحديد الإيرانيين الشيعة، وبالتحديد أيضاً منذ فترة وصول الصفويين إلى السلطة فصاعداً، والتي لها خصوصيات زمانية ومكانية وظرفية معينة. السبب الآخر (الثاني) لخلود الكويريات هو نثرها الشجي. هذا النثر الشجي يتجلى بالطبع في آثار الدكتور شريعتي الأخرى أيضاً. الدكتور شريعتي هو أديب في الأساس، ودائماً ما يكون لمحاضراته وكتاباته جانب أدبي بارز. لكن على أية حال، فإن أعظم تجليات الجمال الفني لآثار الدكتور شريعتي تتجلى في الكويريات، وهذا يوفر جاذبية هائلة من الناحية الفنية والجمالية. أما النقطة الثالثة، فالكويريات تُظهر أيضاً تجليات من شخصية الدكتور شريعتي وطبعه. بمعنى أنني قد أتحدث أنا أيضاً عن الوحدة، وقد أتحدث أنا أيضاً عن العشق، لكن ما يتجلى من شخصيتي وطبعي في طريقة تناولي وتصوري للعشق والوحدة قد يكون بعيداً جداً عما يتجلى في كتابة الدكتور شريعتي. أعتقد حقاً أن بعض تجليات شخصية الدكتور شريعتي تجذب كل إنسان فاضل أخلاقياً وكل إنسان سليم من الناحية النفسية. بتعبير آخر، يشعر الإنسان بالغبطة ويقول: يا ليتني كنتُ على هذه الصورة، يا ليتني كنتُ أستطيع في تقرير صادق أن أقدم تقريراً عن نفسي. هذه الجوانب الثلاثة جعلت الكويريات الجزء الأكثر خلوداً من آثار شريعتي.
لا يتفق الجميع مع هذا الاستنتاج والرأي الذي تطرحه، ففي عقدي الأربعينيات والخمسينيات (الستينيات والسبعينيات الميلادية) وفي فترة النضال، كان هذا الجزء من آثار شريعتي يُقرأ، إن جاز التعبير، بوصفه «استسلاماً»، وقبل انتصار الثورة عندما قُرئ «كوير» خارج البلاد، أعرب البعض عن: «لقد انقطع هو أيضاً!». وفي سنوات ما بعد الثورة، خاصة في عقدي الستينيات والسبعينيات (الثمانينيات والتسعينيات الميلادية)، لم يُولَ هذا الجزء من آثاره اهتماماً كبيراً. حتى أنني أعتقد أن أولئك المرتبطين به وبأفكاره والذين يعرّفون أنفسهم في امتداده وفي ذلك التيار الفكري، لا يتفقون كثيراً مع رأيك، وربما يعود ذلك إلى أنه ببروز هذا الوجه (في الكويريات) يحل غروب الوجه الذي يحملونه في أذهانهم.
نعم، أُسلِّم بأنه قد يكون هناك من يعترض. أساساً، في مرحلةٍ من تاريخ بلدنا وبالنسبة لشريحة واسعة من جيل الشباب في بلدنا، على ما أعتقد تبعاً لما كان يجري في الغرب، كان للنضال السياسي أو حتى، بتعبير أعم، للإصلاح الاجتماعي، قيمةٌ عالية جداً، قيمة لا تُقاس بقيمة سائر جوانب شخصية الإنسان وخلقه. أي أنهم لم يكونوا يعيرون الصحة النفسية لمفكر ما القدر نفسه من الأهمية الذي يعيرونه لمدى انخراطه في النضال السياسي ومدى انخراطه في الإصلاح الاجتماعي. لم يكونوا يعيرون الفضائل الأخلاقية لمثقف ما القدر نفسه من الأهمية الذي يعيرونه لمدى مناهضته للظلم ومدى مناصرته للفقراء وجماهير الناس! وهذا لم يكن مقتصراً على إيران. بالنسبة لتلك المرحلة التاريخية وبالنسبة لتلك الفئة من جيل الشباب، لا شك أنه حين يدرس الكويريات، يصطدم بأنه لم يعد هناك في الكويريات حديث عن الإصلاح الاجتماعي، ولا حديث عن النضال السياسي، بل حديث عن الاهتمام بـ«الذات»، والأكثر من ذلك، ليس الاهتمام بالجانب العقائدي-المعرفي من ذاته فحسب، بل الاهتمام بجانبين آخرين من شخصيته وخلقه. أحدهما جانبه الوجداني والعاطفي والانفعالي، والآخر جانب رغباته ومُثُله وأمانيه. حين ترى الدكتور شريعتي في الكويريات وتكون لديك تلك النزعة، فإنك، بتعبيركم، تُصاب بصدمة فجائية! هذا الجزء صادم وأنا أُسلِّم به، لكن مدار النقاش كله هو: هل هذا النوع من التلقي، تلقي يمكن الدفاع عنه أساساً؟ بمعنى، أولاً: هل إصلاح المجتمع مُقدَّم على إصلاح الذات؟ أم أن إصلاح الذات مُقدَّم دائماً على إصلاح المجتمع؟ النقطة الثانية: هل يصح أصلاً أن نجعل الإصلاح الاجتماعي هدفاً لنا؟ أم ينبغي أن يكون الإصلاح الاجتماعي نتيجة لعملنا، لا هدفاً له؟ ينبغي أن يكون هدفنا في الحياة إصلاح الذات، فإن لم نفلح فلا شيء، وإن أفلحنا وبلغنا هذا الهدف، أي إصلاح الذات، فبقدر ما أفلحنا، تكون نتيجة هذا الفلاح أننا سنُحدث أثراً إصلاحياً فيمن حولنا، وفي مخاطبينا، وفي أولئك الذين تربطنا بهم أُلفة ومعرفة، وهذا الأثر الإصلاحي لم يكن هدفاً لعملنا، بل كان نتيجته. فأي هذين هو الصواب في الواقع؟ النقطة الثالثة: إذا كان الهدف إصلاحياً حتى، فهل أول ما ينبغي التوجه إليه في المجتمع هو النظام السياسي الحاكم على المجتمع؟ أم اقتصاد المجتمع؟ أم ثقافة المجتمع؟ وفي هذه الرؤية أيضاً، يبدو أن أكبر مشكلة في المجتمع أو المشكلة الوحيدة فيه هي النظام السياسي الحاكم عليه، ومن هذا المنطلق نُقيِّم قيمة ذلك المُصلِح بمدى مناهضته لذلك النظام. مع أنه قد يقول قائل: أنا أعتبر إصلاح المجتمع هدفاً مقدساً، لكنه يقول في الوقت نفسه إننا حين ننوي الإصلاح الاجتماعي، لا ينبغي أن نتوجه أولاً إلى النظام السياسي الحاكم على ذلك المجتمع، بل ينبغي، مثلاً، مثل المثقفين الماركسيين، أن ينصب اهتمامنا على علاقات القوة الاقتصادية، ثم قد يأتي آخر ويقول كلاماً آخر ويقول إن هذا ليس مهماً أيضاً. لا أكبر مشكلة في المجتمع ومشكلته الوحيدة هي النظام السياسي الحاكم عليه، ولا العلاقات الاقتصادية الحاكمة عليه، بل الثقافة العامة لمواطنيه. مثل هذا الشخص يعتبر الإصلاح الاجتماعي هدفه ويقول: لا ينبغي أن نذهب حيث المعلول، بل ينبغي أن نذهب حيث العلة.
بعبارة أخرى، هنا تتضاءل أهمية النظام السياسي، وبالتالي ربما لا نستطيع الاقتراب من مطالب المثقفين، لا سيما في مجال التربية والتعليم. وقبل سنوات، أتذكر أنكم تدخلتم في نقاش كان قد طُرح (هل التنمية السياسية مُقدَّمة على التنمية الاقتصادية أم العكس؟) وأعلنتم رأيكم. لكن البعض، بالإشارة إلى نماذج مثل كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، يقولون إن هاتين أمتان يفصل بينهما خط. في أحد الجانبين نظام سياسي منغلق قائم، وفي الجانب الآخر ليس الأمر كذلك. حتى إنني أعتقد أننا لو نظرنا إلى ما قبل، لكانت ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية نموذجين جيدين أيضاً. ألا ترون أن هذا الحكم مثير للجدل؟
لا، بالطبع اعتبر كثيرون هذا الكلام مثارًا للنقاش، لكن لنفترض، وفقًا للتعبير الذي تنقله، أن كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية لديهما الآن وضعان ثقافيان مختلفان، وأن سبب هذين الوضعين الثقافيين هو الأنظمة السياسية الحاكمة في هذين المجتمعين. لنفترض أن هذا صحيح، حينها أقول إنه إذا كان أحد هذين الوضعين مرغوبًا، مثلاً إذا كانت الثقافة التي لدى الناس في كوريا الجنوبية مرغوبة وأردنا أن نجعل ثقافة الكوريين الشماليين مثل ثقافة الكوريين الجنوبيين، فما هو السبيل؟ هل السبيل هو أن نأتي بنظام سياسي مثل نظام كوريا الجنوبية في كوريا الشمالية؟ أم أن السبيل هو أن نعمل مع مواطني مجتمع كوريا الشمالية أنفسهم؟ أي أن نعتبر المسألة مسألة ثقافية ومسألة تعليم وتربية وأخلاق. إذا كان أحد يعتقد بتلك النقطة التي أشرتم إليها، فسيقولون حينها: إذا أردتم أن يعيش شعب كوريا الشمالية مثل شعب كوريا الجنوبية، فأسقطوا نظام كوريا الشمالية وأتوا بنظام مثل نظام كوريا الجنوبية. أما أنا فأقول: لا، إذا أتيتم بنظام سياسي مثل النظام السياسي لكوريا الجنوبية في كوريا الشمالية ولم تقوموا بعمل ثقافي، فلن يتغير شيء. هذا هو موضوع نقاشي. أريد أن أقول إن الأنظمة السياسية ليست بتلك القوة التي نتصورها، وفي الوقت نفسه لا أنكر أبدًا أنه في النهاية، عندما يأتي نظام ماركسي إلى السلطة أو نظام موالٍ للغرب والرأسمالية، فإنه بقدر ما لديه من قوة، يمكنه أن يؤثر في التعليم والتربية والأخلاق، ولكن ليس بالقدر الذي يجعلنا نعتقد أن أكبر مشكلة في مجتمع ما، أو المشكلة الوحيدة لذلك المجتمع، أو علة العلل لمشكلاته، هي نظامه السياسي... العمل الثقافي يتحقق عندما تواجه الناس بقوى الإقناع لا بقوى التحفيز أو قوى الإكراه، فكلما واجهت الناس بقوة الإقناع تحقق العمل الثقافي، وحينها يمكنك أن تأمل في ظهور أمة مختلفة. طبعًا ببطء وبتدرج كبير. دعوني أضرب مثلاً جيدًا، ما دام الناس يحبون العمل فقط من أجل دخله (وهذا كان موجودًا في الماضي وما زال موجودًا الآن)، فلو تضاعفت الموارد الاقتصادية لبلدنا عشر مرات، ولو تضاعفت القوة الفكرية والعلمية لاقتصاديي ومخططي اقتصاد بلدنا مئة ضعف عما هي عليه الآن، فإن اقتصادنا لن ينتظم، لماذا؟ الاقتصاد ينتظم عندما يوجد شعب بثقافة ترى أن قيمة العمل ليست فقط في الدخل الذي يدره. لقد قلت مرارًا: افترضوا، في عالم خيالي طبعًا، أن يُعلن اليوم في الراديو والتلفزيون أن الحكومة قررت هذا الشهر أن تودع راتب كل شخص في حسابه آخر الشهر، سواء ذهب إلى العمل أم لم يذهب، كم في المئة من شعبنا، في تصوركم، سيستمرون في الذهاب إلى العمل؟ لننظر بتفاؤل، ربما يذهب واحد في المئة، أما البقية فسيقولون: كنا نذهب إلى العمل من أجل راتب آخر الشهر، فإذا كانوا سيعطوننا هذا المال، فلماذا نعمل أصلاً؟ إذا حكمنا بتفاؤل، فإن هذا الواحد في المئة الذي يذهب إلى العمل كان هو نفسه الواحد في المئة في الماضي، إذن لم يتغير الوضع. لكن افترضوا أننا مثل ذلك العارف الذي كان يقول: إذا لم يُوجد عمل في مجتمع ما، فاذهب وادفع لشخص ما راتبًا شهريًا وقل له: استخدمني. أي أنك تدفع الأجر لصاحب العمل، لماذا؟ لأن العمل يطورك، ولا بأس أن ينفق المرء المال من أجل تطوير نفسه. لو كان هذا التصور موجودًا، حتى لو كانت مواردنا الاقتصادية على نفس هذا المستوى، وحتى لو كان مفكرونا ومخططونا الاقتصاديون على نفس هذا المستوى، لكان بلدنا قد حقق نموًا اقتصاديًا يفوق هذا بمئة ضعف. اعتبار العمل قيمةً، كهدف، أو اعتبار العمل قيمةً، فقط كوسيلة للدخل، هل هذه مسألة اقتصادية؟ كلا وأبدًا، هل هي مسألة سياسية؟ كلا وأبدًا، هذه مسألة ثقافية، وهي أيضًا مسألة اللااستدلالية والتقليدانية في المجتمع، وهي مسألة مهمة، أي أن تقول: إن مَن قال هذا الكلام ليس دليلاً على قبوله. المهم بالنسبة لي هو لماذا قاله قائله. إذا أصلحتم هذا في أي مجتمع، فسيكون لديكم شعب مختلف. من هذا المنطلق، وفي الوقت الذي أقبل فيه تأثير الاقتصاد، بل وربما تأثير السياسة، في كيفية إدارة الأمور الاجتماعية وتدبيرها، إلا أنني أقول إن العاملين هم أفراد، إذا لم تتغير ثقافتهم، فسيتقاعسون ويسيئون العمل ويخادعون ويلجأون إلى العنف في أي مجتمع. في الأنظمة الاشتراكية والليبرالية، في كليهما، يوجد أناس ماكرون وعنيفون، والأنظمة السياسية لا تستطيع إحداث تغيير جوهري في هذا الاتجاه، إلا إذا استخدمت كل قدرتها الإقناعية، لا قدرتها التحفيزية والإكراهية
يستفيدوا منها هم أنفسهم.لنعد إلى الكويريات، سأقرأ لكم مقطعاً من «حوارات العزلة»: «وضع حياتي، تربيتي، أفكاري وعقائدي وخصوصاً روحيتي جعلتني شيخاً منذ طفولتي... والعزلة والوحدة والتخيل والكآبة استقرت في نخاع عظمي ولم تفارقني» ثم يشرح حالته بأنه لم يكن كبقية الأطفال أهلاً للعب والترفيه والنزهة والمرح، وكل من كان يأتيه كان يأتي لشكوى همّ أو طرح سؤال أو حل مشكلة: «كنت قد آمنت بأنني موجود فقط لكي يسألوني وأجيبهم، وكان الجميع يعتبرونني مكلفاً بحل جميع المشكلات، ومعرفة جواب كل الأسئلة...» ويضيف: «لا أعلم، وهذا لا يعنيني، ولم أفكر في هذا، لم تكن مقبولة مني.» هل يمكن الافتراض بأن الكويريات هي جواب ورد فعل وربما اعتراض على هذه الحالة؟ لأنه في الكويريات، ذلك اليقين الذي يُرى في أعماله الأخرى يقل ظهوره، وأحياناً في مواجهة المسائل يُبقي المخاطب في حالة تعليق، مثلاً حين يشير إلى «ما بعد أن نكون معاً...».
بأي معنى تقول إنه اعتراض؟
لأنه ربما كان هناك شعور بعدم الرضا وتذمر من تلك الحالة أيضاً فيما قرأته لكم. فهو نفسه يقول إن الكويريات كانت تُرضيه، وفي رأيي أن عيشه الأصيل يمكن فهمه في هذا النص أيضاً.
ليس من المستبعد أن يكون كلامك صحيحاً. لكنني أظن أن كون الناس يرجعون إليّ في أسئلتهم ولا يقبلون مني «لا أعلم» و«لم أفكر في هذا» و«هذا لا يعنيني»، قد يكون هذا، بدلاً من أن يكون ذنب الناس، ذنبي أنا. أي أن سلوكي هو الذي ينسج شبكة التوقعات الاجتماعية حولي دوماً. إذا جاؤوا أربع مرات وسألوني عن أمر وقلت لا يعنيني، فلن يأتوا في المرة الخامسة ليسألوني. في رأيي في مثل هذه الحالات إذا كنا غير راضين عن وضعنا، فيجب أن نوجه سهام النقد نحو أنفسنا: لماذا أصلاً رضينا بأن نكون مستشارين، وفيصلين في النزاعات، وحكماً، وهذه المشيخة؟ لذلك يمكن القول إن الكويريات اعتراض، لكنه اعتراض يوجهه شريعتي في رأيي إلى نفسه وينبغي أن يوجهه، لا اعتراض يوجهه إلى الناس. قد يكون لديك طلب مني، وأستطيع ألا ألبي هذا الطلب، لكن إذا لبيته وجئتني في المرة الثانية لنفس الطلب، أو أرسلت أخاك لنفس الطلب، فمن الآن فصاعداً يجب أن أتذمر من نفسي أنا. كان بإمكانه ألا يضطلع بهذا الدور الاجتماعي الذي يثير هذه التوقعات في الآخرين. أما الجزء الثاني من كلامك فهو صحيح حتماً، أي أن الكويريات هي وصف لما كان شريعتي يرغب في أن يكونه، سواء أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا. أي شريعتي في عزلته. يقول «ألفرد نورث وايتهد» الفيلسوف والمنطقي الإنجليزي في موضع ما: «دين كل إنسان هو ما يفعله في عزلته.» بهذا المعنى يجب أن نقول إن الكويريات هي دين شريعتي. أي إذا أردنا أن نقول أي مسلك اختاره شريعتي في الحياة، فيجب أن نقول إن مسلكه ومذهبه كان هذا، وما كان يفعله لغير ذلك كان يفعله لسبب آخر. حين يكون الحب بهذه الدرجة من الأهمية بالنسبة له في العزلة، يجب أن نقول إن مسلكه هو هذا. مع أن المرء حين ينظر في الاجتماعيات، يجد العدالة هي دين شريعتي. لكن إذا قبلنا تعريف «وايتهد»، فيجب أن نقول إن لشريعتي شريعة عاشقة. لا شريعة عادلة تسعى لإنصاف الحقوق وإزالة الظلم وإعطاء الحق لصاحبه.
لكن ما يتصوره كثير من الناس هو هذه النقطة التي ترفضها أنت. إذن أنت ترى الكويريات في تضاد أو في مقابل أعمال شريعتي الأخرى؟
نعم، أنا أقول إن ظنّ أحدٌ أن الشريعتي هو ما يتجلّى في الإسلاميات والاجتماعيات، فحينئذٍ أقول له إن ثمّة شريعتيّاً آخر يظهر تماماً في مقابل ذلك في الكويريات. أقول إن الشريعتي هو هذا وذاك وذاك، ولكن، إذا كان ما نفعله في العزلة يعرّفنا أكثر مما نفعله في المجتمع، فينبغي القول حينئذٍ إن الشريعتي هو بالأحرى ما نراه في الكويريات. قد يكون للشخص أبعاد عدّة، فقد تكون لي مثلاً نزعة بحث عن الحقيقة علمياً ونزعة بحث عن العدالة اجتماعياً، لكن قد تغلب نزعة البحث عن الحقيقة العلمية لديّ على نزعة البحث عن العدالة الاجتماعية. برأيي، إذا قبلنا كلام «وايتهد»، فإن نزعة العدالة الاجتماعية الموجودة في آثاره الاجتماعية ليست الجانب الغالب من شخصيته، بل هي الجانب المغلوب من شخصيته. وعليه، فالكلام يدور حول أن جانباً من شخصية الإنسان يمكنه أن يطغى على بقية الجوانب دون أن ينفيها، وإذا كان واقع الفرد يُعرف في «خلوته» أكثر مما يُعرف في «جلوته»، وهو ما يرمي إليه كلام «وايتهد»، فينبغي أن نقول حينئذٍ إن الشريعتي الحقيقي يتجلّى في الكويريات أكثر مما يتجلّى في سائر آثاره. أنتم لا ترون شيئاً كهذا عند المهندس بازركان أو طالقاني، وأنا بالطبع لست مطّلعاً على سرائرهم، لكن الآثار المتبقية منهم تدل على هذا. لا يمكنكم تصوّر شيء مثل الكويريات لبازركان أو طالقاني. بالنسبة لشخص كالمهندس بازركان، إن قضايا الإصلاح الاجتماعي، وقضايا العدالة الاجتماعية، وقضايا الحرية الاجتماعية، قد طغت على القضايا الفردية. أما الدكتور شريعتي فليس كذلك. ثمّة فرق كبير بين إنسان إذا سُئل: ما هي أمنيتك الكبرى؟ فيقول: أن يكون لي مجتمع حر وعادل. وبين آخر يقول: أن أستطيع أن أعمل في عزلتي كما يقتضيه صرافت طبعي. مثل هذا الإنسان ليست لديه روح جمعية، بل لديه روح فردانية. الدكتور شريعتي برأيي كان فردانياً يؤدّي دور الجمعيين. ولهذا لو تُرك وشأنه لذهب صوب شؤونه الفردية، أما عند المهندس بازركان فلا يُرى هذا النوع من الفردانية. الدكتور شريعتي في إسلامياته واجتماعياته يؤدّي دوراً لا ينسجم مع صرافت طبعه، ويُرى فيه نوع من التكلّف والتصنّع.
أين يُرى شيء كهذا؟
حيث يقوم الدكتور شريعتي مثلاً بصناعة الأساطير، ثم يستخدم أساطيره المصنوعة ذاتياً. هذا أشبه ببئر لا ماء فيه، ثم أصبّ أنا عشرين دلواً من الماء في البئر، ثم أستخرج هذه الدلاء العشرين بدولاب البئر ودلوها، وأقول: أيها الناس، لقد استقيت ماءً من البئر. الدكتور شريعتي يحيد عن تاريخنا وعن واقع تاريخنا، فيصنع الأسطورة أولاً، ثم يستخرج هو بنفسه أسطورته التي صنعها. هو بنفسه صبّ هذا الماء في بئر التاريخ، فلا ينبغي له أن يبتهج بأنه يستخرجه منها، لأن هذه البئر لم يكن فيها هذا الماء. هو يحتاج إلى الأسطورة، ثم يرى من جهة أن تلك الأساطير التي كانت ناجعة في أماكن أخرى ليست ناجعة في ثقافته ومجتمعه، فيقوم بتحريف الوقائع التاريخية.
هل يقوم هنا بالتحريف أم أن له قراءته الخاصة؟
كلا، يمكن القول إنها قراءة خاصة حين تكون هناك خمس قراءات تتقبل جميعها الوقائع التاريخية لكنها تؤول هذه الوقائع بخمسة أوجه مختلفة. أما حين تُقدَّم بهذه الصورة، فإن التحريف يقع، كما في قراءة ماركس، الذي قدّم أولاً تأويلاً للتاريخ ثم لم تتطابق وقائع معظم المجتمعات مع تأويلاته، فاضطر بعدها إلى بتر أطراف هذه المجتمعات وتطويعها كي يتمكن من طرح تأويله القائل بأننا مررنا أولاً بالشيوعية البدائية، ثم بعصر العبودية، ثم بالإقطاعية، ثم بالرأسمالية، ثم... تماماً كتلك الشخصية التي وردت في الأساطير الإغريقية القديمة، حيث نصب سريراً في الصحراء، وكان يمسك بكل مسافر تائه ووحيد ويمدده على هذا السرير، فإن كان أقصر قامة، مدّد أطرافه حتى يصير بطول السرير، وإن كان أطول، بتر أطرافه حتى يصير بطول السرير. أعتقد أن هذا هو الخطأ الذي ارتكبه ماركس، ولكي لا يكتشف أحد هذا الخطأ، أخذ الماركسيون يشوهون الوقائع التاريخية ويحرفونها. عندئذٍ، يصبح منصور بن حسين الحلاج مادياً اشتراكياً، وكذلك مولوي نفسه، وهكذا دواليك. وتحويل أبي ذر إلى اشتراكي له الدرجة نفسها من المصداقية. ثقافة مجتمعنا لم تكن لتستطيع أداء ما حمّله إياها الدكتور شريعتي. هذا الذي كان شريعتي يضعه على ألسنة الأشخاص لم يكن كلام أولئك الشخصيات التاريخية نفسها. كان يضع شيئاً على ألسنتهم ثم يقول: تعالوا لنرَ ماذا يقولون!
أي أنه كان يوظفهم توظيفاً أداتياً؟
نعم، بالطبع التوظيف الأداتي يحمل دوماً إيحاءً بأن المرء يضع مطامعه الشخصية نصب عينيه، كلا، ربما لم تكن للدكتور شريعتي مطامع شخصية. توظيف أداتي ليس لشخصه هو، بل كان لديه مثلٌ أعلى ولم يجد له مواد خاماً في التاريخ. لذا كان يصنع المواد الخام أولاً ثم يستخرج ما صنعه بنفسه من قلب التاريخ.
إن ما يُسمى بخط النضال (النضال غير السلمي) لا يبدأ مع شريعتي لأنه ببساطة ليس حاضراً وليس في خضم الأحداث. بل يمكن القول إن هذا الخط يتشكل مع بازركان، وأعني بذلك الأفراد المتأثرين به الذين اختاروا أساليب النضال غير السلمي. لكن بعض من انضموا إليهم كانوا من المقربين، وربما يمكن القول من تلامذة شريعتي، ثم آلت بهم الأمور إلى تلك المصائر. الآثار التي تقصدونها ربما تنتمي أكثر إلى الفترة التي نشطت فيها تلك الجماعات ولا تنطوي على رصيد فكري كبير، ويبدو أن القصد كان تزويدهم بالزاد الفكري. هم كانوا يضحون بأرواحهم وهو لم يبخل بتعاطفه. حتى إنه تأثر تحديداً بإعدام عدد من الفدائيين وألقى خطاباً في مديحهم. مقدار تعاطفه ومواساته لأولئك الذين كانوا في خط النضال لافت للنظر. طبعاً ربما كانوا يجرونه أحياناً وراءهم، وهذا بحد ذاته يثير تساؤلاً حول عمله التنويري، لا سيما وأنهم أناس، إن جاز التعبير، تصوروا أنفسهم بقراءة أربعة كتب فحسب في طليعة الفكر العالمي.
في رأيي هذا صحيح أيضًا. لطالما كنتُ في عجب من أنه لماذا على المصلح الاجتماعي، بدلاً من الاتكاء على العقلانية المشتركة بين البشر والاتكاء على الأخلاق المشتركة بين البشر وإدراج البرامج في هذا الإطار، أن يعيد الناس دائمًا إلى شخصياتهم التاريخية؟ ويقول لهم: أنتم الذين تملكون هذه الشخصيات التاريخية، كونوا هكذا. طيب، ليقل: أنتم الذين تملكون هذا العقل، ينبغي أن تكونوا هكذا. أنا لا أفهم لماذا ينبغي علينا في بلدنا، وربما يكون الأمر كذلك في بلدان مشابهة لكنني لم أُجرِ بحثًا، أن نمد أيدينا أولاً إلى كورش، وإلى داريوش الكبير، وإلى أبي ذر و... ونقول: مع أنكم امتلكتم هذه الشخصيات (طبعًا لا أعرف من هو هذا «الأنتم» الذي امتلك أبا ذر، وهذا بالطبع خداع لغوي) لماذا وضعكم على هذه الحال؟ لماذا لا يستطيع مصلح اجتماعي أن يلوذ بالعقلانية والأخلاق ويقيم استدلالات عقلانية وأخلاقية بأن هذا الوضع الذي أنتم فيه سيئ؟ أنا بصراحة لا أفهم هذا، وفي رأيي أن هذا أحد الأجزاء المعقدة في العمل الإصلاحي والتنويري للدكتور شريعتي وأمثاله، وهم كُثُر بالطبع. لماذا لا تستطيع أن تقول لي: لهذا السبب، ولهذا السبب، ولهذا السبب، إن هذا السلوك وهذا النمط من الحياة الذي تعيشه غير عقلاني، ولهذا السبب، ولهذا السبب، ولهذا السبب، إن هذا السلوك ونمط الحياة الذي تعيشه غير أخلاقي؟ لماذا ينبغي أن تقول أولاً: لقد كان لك جدّ كان على نحو كذا، ومن العيب أن يعيش حفيده بهذه الطريقة. وحيث إن جدي لم يكن شخصًا مهمًا جدًا، فليصنعوا لي أولاً جدًا ثم يقولوا: من المستبعد على حفيد ذلك الجد أن يعيش هكذا! إنني لا أفهم أننا نحتاج، من أجل الإصلاح الاجتماعي، إلى صناعة الأساطير أو نحتاج إلى إعادة البشر إلى التاريخ الماضي، ثم ذلك الاستدلال الذي لو سبرنا غوره لكان معناه: لماذا كان فلان يعيش في هذا البيت قبل ألف سنة، والآن بعد هذه الألف سنة أنت الذي جئت إلى هذا البيت لا تعيش مثله. إننا نملك محمد زكريا الرازي، ونملك ابن سينا، ونملك صدرا الشيرازي، ونملك أبا ذر، أي أننا نعيش في أرض كان يعيش فيها قبل قرون، في هذه الأرض وأوسع منها قليلاً، شخص آخر، فلماذا لا تعيش أنت مثله؟ أي استدلال هذا؟ لأن ضمائر الملكية تُستخدم، يمكننا أن ندرك المقصود بأنهم أجدادنا. لكن بأي معنى هؤلاء هم أجدادي أنا؟ عندما نقول: كان لدينا في ثقافتنا سعديون وفردوسيون وحافظون ونظاميون وخيامون وابن سيناوات وشيوخ إشراق...، أتعرفون ما معناه؟ معناه أننا كنا نعيش في أرض كان يعيش فيها شخص آخر على بعد 200 كيلومتر هنا وهناك قبل ألف سنة، فبأي معنى يصبح ذلك الشخص الآخر ملكًا لنا؟ أي أن شيخ الإشراق «الخاص بنا» لأنه كان يعيش في مدينة يعيش فيها الإيرانيون الآن، فليُقال للإيرانيين: عيشوا مثله. هذا خداع لغوي. نقول: سعدي «الخاص بنا»، بأي معنى يمكنني أنا وأنت أن نضيف سعدي إلى أنفسنا؟ أي: أيها الشيرازيون، أيها أهل فارس، بمعنى أوسع، أيها الإيرانيون، أنتم الآن تعيشون في أرض كانت هذه الأرض التي تملكونها أنتم وابن خالتكم، في وقت ما، في ملكية شخص اسمه سعدي، والآن يُتوقع منكم أن تعيشوا بالطريقة التي كان يعيش بها صاحب البيت السابق! أي نوع من الاستدلال هذا؟ خصوصًا عندما لا يكون صاحب البيت السابق شخصًا مهمًا جدًا، فينبغي أولاً أن نُظهره بمظهر المهم، ثم نقول: من القباحة أن الإنسان عندما يعيش في بيت هؤلاء ألا يعيش مثلهم! أنا أقول: من الجيد أن نبرئ مشروعنا التنويري من هذا القيد التاريخي، والأهم من ذلك، من هذا التحريف التاريخي، ونقول: أيها الناس، إن طريقة العيش هذه تخالف العقلانية والأخلاق، غيّروها، لا أن نقول: أيها الناس، إن طريقة العيش هذه لا تليق بحفيد فلان. والدكتور شريعتي أيضًا جعل جدي شخصًا مهمًا بالنسبة لي! لكي لا أستطيع بعد ذلك أن أقول: لماذا لا ينبغي أن يكون جدي تابعًا لي وأنا يجب أن أكون تابعًا له؟ ومن هذا القبيل من الكلام. ثم يأتي أحدهم ليقول: انتبه أنك امتلكت ابن سينا، ويأتي آخر ليقول: الفلاسفة هم صراصير التاريخ! ويقول القوميون: هنا كان مكان فريدون وكيخسرو وسياوش ورستم وسهراب و...، ما علاقتنا بهذا سوى أننا نعيش في نفس الأرض التي كانوا يعيشون فيها. ولا فرق في هذه الإشارات والإحالات (حتى إلى الأساطير).
والآن، عندما تريدون الاستشهاد بتعليمٍ من تعاليم إحدى الشخصيات التاريخية، ينبغي أولاً أن يكون ذلك التعليمُ تعليمَه هو، أي ألا يكون مزوَّراً، وأن يكون هذا التعليمُ قد وُزِنَ قبل كل شيء بميزان العقلانية والأخلاق وخرج من هذا الميزان مرفوع الرأس. حينئذٍ يُشار إلى ذلك التعليم ويُطرح السؤال: لماذا تعيشون على هذا النحو؟ لا أن تقولوا: لأنكم حفيد فلان، وهو كان يعيش في أملاككم، فلماذا تعيشون على هذا النحو؟ كان الدكتور شريعتي، في نظري، المثالَ الأبرز لأولئك الذين يمدّون أيديهم إلى التاريخ لبناء الحاضر والمستقبل، ثم، لأن تاريخهم لا يفي بالغرض، يحوّلون التاريخ بدورهم إلى أسطورة. وأنا أقول إنه قد آن الأوان لأن يقوم تنويرنا مرة أخرى بدفع الناس، بتعبير القرآن، إلى أن «رجعوا إلى أنفسهم»، لا أن يرجعوا إلى آبائهم وفلاسفتهم وحكمائهم. فلنتحدث إلى الناس بطريقة تجعلهم حين يرجعون إلى أنفسهم يقولون: إنه لصادق، فهذه الحياة لا تليق بي لأنها لا تتوافق مع العقلانية والأخلاق.
يذكر شريعتي في أعماله مفكرين وكتّابًا مختلفين ومدارس شتى ويشير إليهم. في «كويريات» حيث يعبّر عن هواجسه الوجودية، يشير إلى الفلسفة الوجودية وخصوصًا وجودية سارتر. هو ليس دارسًا للفلسفة، وبالنظر إلى أفكاره ربما كان من الطبيعي أن يُولي اهتمامًا أكبر للفرع غير الإلحادي من الوجودية وأشخاصًا مثل كيركغور وغيره... لكنه في «كوير» يشير إلى سارتر 15 مرة وإلى كيركغور مرة واحدة، إلى أي مدى برأيك كان على دراية بهذا الفرع من الفلسفة؟ هذا مهم بالنسبة لي لأنني أعتقد أنه أحيانًا يمزج هذه المفاهيم بمفاهيم أخرى مثل العرفان، مما يتطلب معرفة دقيقة. على سبيل المثال، في «بناء الذات الثوري» يجمع بوذا والحلاج ومزدك (مع نظرة إلى ماركس) في شخصية أخرى، كما يعتبر وضع المثقف الشرقي متميزًا من حيث المنابع والمكتسبات مقارنة بنظيره الغربي. ما تقييمكم؟
النقطة الأولى هي أنه إذا كان شخص ما من نقاد الأدب في زماننا، وكان في الوقت نفسه فيلسوفًا، وفي فلسفته نزوع إلى الوجودية، وكان في الوقت نفسه صاحب أسلوب في الرسم، فأنت بحسب أي جزء من أعماله تستخدم، ينبغي أن تسمي ذلك الجزء. أي إذا كنت تستخدم رأيًا له في النقد الأدبي، فلا ينبغي أن تقول إنني أستخدم وجوديته. هو ناقد أدبي، لكنه في مجال الفلسفة وجودي. هذان الأمران لا علاقة لأحدهما بالآخر. والرسم الذي يرسمه له بالضرورة أسلوب في الرسم، فإذا كنت تقلد أسلوبه في الرسم فلا ينبغي أن تقول إنني أقلد الفلان الوجودي أو الفلان الناقد الأدبي، أنت تستخدم هذا الجانب من شخصيته، أو إذا نقلت قولًا عن بعض آراء هذا الشخص، فلا يمكن لأحد حينئذ أن يستنتج أنك من أتباع الأسلوب الفلاني في الرسم لأن هذا الشخص له أسلوب في الرسم أيضًا. بتعبير آخر، إذا تحققت عدة مفاهيم في إنسان واحد، أي كان شخص ما ممثلًا مسرحيًا ومترجمًا وله منصب في وزارة ما، فقد تحققت الآن ثلاثة مفاهيم في شخص واحد، والآن عندما أنقل شيئًا عن ذلك الشخص وأحد جوانبه، يجب أن أقول من أي جانب أنقل. كان سارتر فيلسوفًا وكان يسمي نفسه فيلسوفًا وجوديًا. وكان أيضًا مصلحًا اجتماعيًا ومثقفًا. إذا كنت أنا معجبًا بسارتر في آرائي الإصلاحية، فينبغي أن أقول إنني أعرف وأُعجب بسارتر المصلح، لا بسارتر الوجودي. افترض أنك درست الرياضيات عندي، لكنني بالإضافة إلى كوني رياضياتيًا فأنا رسام أيضًا، فهل ينبغي أن يُقال إنك تتلمذت عندي كرياضياتي أم كرسام؟ صحيح أنني رسام أيضًا، لكنني لم أعلمك الرسم. برأيي أن الدكتور شريعتي لم يأخذ أي مادة وجودية من سارتر في أعماله، ولم تكن له بها دراسة ولا فهم. سارتر الذي يعنيه شريعتي هو سارتر المصلح الاجتماعي. لذلك لا أستطيع أن أقول إنه من جهة تعلقه بسارتر، كان له تعلق بالوجودية أيضًا. سارتر وجودي أيضًا، لكن يجب أن نرى ماذا أخذ ورأى من سارتر، هل هو ثيمة وجودية أم ثيمة في التنوير والإصلاح؟ لكننا لأننا نعرف سارتر فيلسوفًا وجوديًا أيضًا، فكلما تحدث شريعتي عن سارتر نظن أن شريعتي كان له تعلق بالوجودية أيضًا، والأمر ليس كذلك مطلقًا وأبدًا. حتى حيث يتحدث عن «كامو» أيضًا، يجب أن نرى هل يتحدث عن أفكار كامو الوجودية أم عن التزام كامو كأديب؟ هذان شيئان مختلفان. كامو يطرح فكرة التزام أهل القلم، وشريعتي يؤمن بهذا الالتزام، لكن إذا رأى أحدهم هذا الالتزام في أعمال شريعتي يومًا ما، فلا ينبغي أن يستنتج أن شريعتي تلميذ لوجودية كامو، بل ينبغي أن نقول إنه تلميذ لنظرية الالتزام الاجتماعي لأهل القلم عند كامو. لكن لأن كلا من سارتر وكامو، بالإضافة إلى اعتبارهما فيلسوفين وجوديين، كانا مصلحين اجتماعيين أيضًا، فحينئذ كلما استخدم شريعتي شيئًا من هذه الآراء الإصلاحية لهما، نظن أن شريعتي يستخدم الوجودية. لا أقول إن شريعتي ليست له نزعات وجودية، لكن مجرد أنه يذكر اسم سارتر أو كامو، فسارتر وكامو الفيلسوفان ليسا هما المقصودين عند شريعتي، بل هو يقصد سارتر وكامو المصلحين الاجتماعيين.
أي أنه يقصد الوجه النضالي؟
نعم، من هذا المنطلق تجد أنه حينما يرد اسم سارتر أو كامو في أعماله، يأتي فرانتس فانون حتماً في أعقابهما. ويُذكر أيضاً كوامي نكروما. إن هذا الجمع بينهم في سلة واحدة لا يصح إلا إذا كنا ننظر إلى الإصلاح السياسي-الاجتماعي، وإلا فإن فرانتس فانون ليس لديه أي ولع بالوجودية. وباتريس لومومبا وكوامي نكروما لا شأن لهما بالوجودية، لكنك تراهم وكأنهم في قائمة واحدة. يمكن أن يكونوا كذلك، ولكن بشرط أن تكون تلك القائمة هي قائمة المصلحين السياسيين-الاجتماعيين في النصف الثاني من القرن العشرين. أما إذا أردنا أن ننظر إلى قائمة الوجوديين، فلا يمكن لهؤلاء أن يجدوا مكاناً فيها. النقطة الثانية، أن ما أراه لدى الدكتور شريعتي هو كلام عام جداً ومقتضب، وإلى حد كبير مشهور جداً بل ومبتذل لهؤلاء الأشخاص، أما الرأي الفلسفي الدقيق لأي واحد من هؤلاء الأشخاص فلا أراه مطلقاً في أعمال الدكتور شريعتي. كان ينبغي لشخصيات بين الوجوديين أن تحظى باهتمام شريعتي الأكبر من ناحيتين؛ الأولى من حيث أن لديهم رؤية إلهية مثل كيركغور وغابرييل مارسيل وأونامونو وأورتيغا إي غاسيت، والأخرى من حيث إن أهميتهم، من وجهة نظر شارح ومؤرخ للفلسفة، لا تقارن أبداً بسيمون دو بوفوار مثلاً. إذا أراد أحد أن يدرس مذهب الوجودية، فأين يقع كيركغور وأين تقع سيمون دو بوفوار؟ كان ينبغي أن يولي هؤلاء اهتماماً لكنهم لا يحظون باهتمامه، لماذا؟ لأنه حتى تعامله مع سارتر إنما هو بسبب إصلاحيته الاجتماعية، والإصلاحية الاجتماعية غير موجودة لدى كيركغور، ولا لدى ياسبرس، ولا لدى غابرييل مارسيل. وفي الكويريات أيضاً، إذا ما ورد ذكرهم فهو في الحقيقة نوع من جعلهم زينة للمجالس. وإلا لو كان يريد أن يكون وجودياً، فمن الأنسب للكويريات من كيركغور؟ كان ينبغي أن يكون غاطساً ومتخصصاً في كيركغور أصلاً، لكنه في الواقع لا يهتم بهذا الجانب، وإنما ينظر إلى رسالتهم الاجتماعية. أما النقطة الثالثة، وهي في نظري غريبة جداً، فهي كيف يمكن الجمع بين هذه الشخصيات في فكر الدكتور شريعتي؟ أعني كيف يمكن للمرء أن يجمع سارتر مع عين القضاة الهمداني، أو الحلاج مع كامو؟ أنا أقول: إذا رأيتم في تفكيري شخصيتين مفكرتين لا يمكن الجمع بينهما قد جُمع بينهما، فاعلموا أن معرفتي بأحدهما على الأقل ناقصة، حتى استطاعتا أن تجلسا جنباً إلى جنب في مخيلة ذهني. افترضوا أنني قلت في تفكيري إن مولانا والخيام يجلسان جنباً إلى جنب في مخيلة ذهني، فاعلموا على الأقل أنني لا أعرف أحد هذين الاثنين. لأنك إذا كنت تقبل مولانا، فلا يمكنك أن تقبل الخيام أيضاً، أو إذا كنت تقبل الخيام فلا يمكنك أن تقبل مولانا، لماذا؟ ليس لأنه لا توجد نقطة واحدة يكون فيها الحق مع مولانا والخيام ويقولان كلاماً واحداً، توجد مثل هذه النقاط، لكن الأساس والمنبع الفكري مختلف. لا يمكنك أن تضع جملة من كلامي إلى جانب جملة من كلام شخص آخر ثم تقول إن هذين الاثنين يفكران بطريقة واحدة، بل يجب أن نرى من أي المنابع نبعت هاتان الجملتان. أين المنبع المادي لسيمون دو بوفوار وسارتر من منبع عين القضاة والحلاج؟ وإلا ففي كلام المسيح وكلام ماركس أيضاً كلام مشترك، لكن بالاستناد إلى هذا لا يستطيع أحد أن يقول أنا مسيحي ماركسي أو ماركسي مسيحي! الماركسية تنفي المسيحية من الأساس، والمسيحية تنفي الماركسية من الأساس. إذن، توافق جملتين من هذا المفكر مع جملتين من مفكر آخر، يختلف عن أن أستطيع أن أكون مسيحياً ماركسياً. للأسف، هذه النقطة بارزة في أعمال شريعتي، راجعوا كشاف أعمال شريعتي وقارنوه بكشاف كتابات المهندس بازركان أو الدكتور سروش أو المجتهد شبستري، سترون أن كشاف أعمال شريعتي أضخم بكثير، ترد أسماء شخصيات كثيرة، وتفوق بعدة أضعاف ما لدى غيره من المجددين الدينيين، لكن هذا الكم من الإحالات، وهذا الإظهار والإجلاس لكل هؤلاء الأشخاص في منظومته الفكرية، يدل في نظري على أنه لم يستطع أن يرى الفروقات، وخاصة الفروقات الجوهرية، فحتى نيتشه لديه كلام مشترك مع ماركس والمسيح، ولكن أين المسيح، وأين نيتشه.
.
.
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
با آن بخش که می گویند: اگر من در سرزمین بزرگان و اسطوره های پیشین زندگی می کنم نمی شود گفت که به آن اسطوره ها باید بازگشت، مخالفم. بحث بر سر خانه و سرزمین نیست، موضوع؛ متنِ ثابتِ قرآن است که آنچنان که در اختیار سلمان و ابوذر و مولانا و شیخ اشراق بوده در اختیار ما هم هست. آنها بر مبنای همین قرآن چنان تمدنی را پایه گذاری کردند. بنابراین دعوت به شناخت دوباره ی بزرگان، امری درست است.
نکته اولی که متوجه نمیشوم، بازنشر چنین متنی سطحی بعد از چهارسال است که ضرورت آنرا مشخص نمی کند. دوم هم اینکه ایشان در تمام متن مشغول برچسب زنی به دکتر شریعتی بدون ارائه مصداق و نقل قول کلیدی است. مسئله ایشان و امثال ایشان این است که بعد از چهل سال هنوز نتوانسته اند تاثیری که ایشان به عنوان روشنفکر دینی در مخاطبان داشته اند را تکرار کنند و برای از زیرسایه درآمدن راه تحریف و تکذیب را در پیش گرفته اند
دوست عزیز، تاثیرگزاری به تنهایی فاقد ارزش است و باید تاثیر از حقیقتی سرچشمه گرفته باشد نه از عوام فریبی و اوهام و اباطیل. در غیر این صورت امثال هیتلر هم تاثیر فراوانی در جامعه زمان خود داشتند و محبوبیتشان هم بسیار زیاد بود ولی مغز کلامشان بر پایه دروغ بنا شده بود و استاد ملکیان که چهره اصلی افراد را واکاوی می کنند حق بزرگی بر گردن همه مردم دارند و بنده شخصا مدیون ایشان هستم چون دیدگاه جدیدی به روی من گشود.ارادتمند.