اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
اعتبر إحسان شريعتي أن العنف ضد الفن والفكر أخطر من قنابل الانتحاريين، ووصف مصطفى ملكيان اللامبالاة بالعقلانية والحرية بأنها ممارسة للعنف. واستلهم كلاهما من سيمون فاي فكرة أن العنف هو التشيؤ وانحدار الكينونة إلى الماهية.

عُقدت حلقة نقاش «حول العنف» في إطار سلسلة جلسات معهد الدراسات السياسية والاقتصادية «السؤال» يوم الخميس 24 من شهر دي. ألقى مصطفى ملكيان والدكتور احسان شريعتي محاضرات حول موضوعات «العنف لأي غاية؟»، «حول الفكر واستحالة تصور العنف».
وبحسب تقرير وكالة شفقنا، قال الدكتور احسان شريعتي، مشيراً إلى موضوع محاضرته «حول الفكر واستحالة تصور العنف»: العنف بتعبير آخر هو الفكر. لفهم دوافع الآخرين يجب أن نتمكن من الجلوس مكانهم والنظر إلى العالم من منظورهم، لكن هل يستطيع الإنسان المفكر أن يضع نفسه في موضع الفاعل العنيف لفهم الآخر؟ فعل التفكير بالمعنى الأفلاطوني نوع من الحوار مع الذات. وأضاف: ما هو العنف؟ ما أنواعه؟ فيم يختلف القمع والكفاح المسلح والحرب والمقاومة والعدوانية والهجوم عن العنف بمعناه الخاص السلبي؟ هل السلام يعني القضاء على أي شكل من الصراع والتوتر؟ وأوضح هذا الأستاذ بالفلسفة في جامعة طهران، بالاستناد إلى تعريف العنف من وجهة نظر «سيمون فايل»: ما يجعل الشخص مثل شيء يستسلم لآخر، وإن استمر حتى النهاية يحول الإنسان إلى شيء، لأنه يحوله إلى جسد؛ كان شخص موجوداً وليس الآن أحد. بهذا المعنى، مقصد العنف هو التعدي على جدارة وكرامة شخصية الإنسان وامتهان إنسانيته. وطرح شريعتي سؤالاً قال فيه: بهذا الوصف، ألا تعجز كلمة «خشونت» في اللغة الفارسية عن نقل هذا المعنى إلى حد ما؟ فكلمة «خشن» في لغتنا تعني الخشن والمقابل للنعومة. ما نريد قوله ينطبق بشكل أكبر على حركة وفعل وسلوك يتم فيه استخدام القوة (البدنية والفيزيائية) بقصد إلحاق الضرر والأذى بشيء أو بشخص. بالمعنى الذي نجده في اللغة اليونانية، يرتبط العنف بحياة الإنسان ارتباطاً معيناً. العنف يتعلق بحياة الإنسان وليس الطبيعة؛ ما يفصل المجال الإنساني عن المجال الطبيعي هو اللغة. وأضاف هذا الكاتب عند حديثه عن العنف في التعريف المعجمي والحرفي: العنف نوع من الفعل يؤدي إلى انقطاع الحوار، والشروع في التدمير والقتل والإبادة والتحوط من النقاش بقصد الترهيب والتخويف، وجعل الخصم عاجزاً ومحاصراً؛ فكيف يمكن أن يرتبط بشكل وثيق في الباطن بالحياة الإنسانية والكلام.
ترجم هذا المترجم العنوان: ما نعتبره ونسميه عنفاً قد يكون قانون النزاع على البقاء والعلاقة الطبيعية بين الموجودات، وقد لا يحمل أي وزن قيمي وأخلاقي. في هذه الحالة يكون العنف ظاهرة إنسانية ربطت الطريقة المنطقية والأخلاقية للعيش بوجود الإنسان. الماسوشية والسادية والانتقام والتعذيب وما إليها جميعها أحداث إنسانية. أوضح شريعتي: إن نشوء الحكومات المدنية بمثابة منهية للحالة الطبيعية يتسق مع تعريف "ويبر" للعنف المؤسسي أو الشرعي. شرح هذا الأستاذ الجامعي مع مراعاة القوانين السياسية: إن قانون السياسة خاصة في الدولة الحديثة الديمقراطية والعلمانية هو احتكار العنف الموزع ومأسسته لصالح المصلحة العامة للإنسانية. بعبارة أخرى، إن إضفاء الشرعية على احتكار الاستخدام القانوني للعنف بالتعريف المعترف به في مقابل العنف الأعمى والعسف الخاص للأفراد هي السياسة الحديثة. أكد مع إشارة إلى السلام في فكر كانط: إن الوصول إلى السلام الدائم عند "كانط" هو المثال والحلم المنظم للعقل السياسي الذي يتم بناؤه خطوة بخطوة. بالنظام الدستوري الجمهوري لكل دولة، والفيدرالية للدول الحرة بوصفها أساس حقوق الأمم وحقوق المواطنة العالمية للمجتمعات. تابع هذا الأستاذ الجامعي: اليوم ومع بدء الانحطاط والتدهور للإمبراطوريات الأخيرة برزت من ميادين حروب الوكالة والأراضي الإسلامية في الشرق الأوسط التي شملت الجميع ممن صنعوا الوضع القائم. عنف ما بعد حديث بوسائل وأدوات فوق حديثة، تحت ستار الدعوة وفي باطنها محتوى رجعي وتقليدي ألقى تحديات للجنون بمراقبة حقوق الإنسان في العصر الجديد بتقديم عنف أعمى من أي وقت مضى وإرادة وإدارة وحشية صلبة. أوضح شريعتي مع إشارة إلى المجموعات المتطرفة في الشرق الأوسط: الابن غير الشرعي لحروب الحملات الصليبية محافظي الغرب الجدد والمحافظين القدماء في الشرق تحت راية الإسلام السلفي؛ وقلبه معلق بالعودة إلى الجاهلية في عهد الخلافات السابقة للإسلام مثل الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية والصفوية. أعرب هذا المترجم عن رأيه فيما يتعلق بتأثير الفن والفكر في التعبير عن الوجه القبيح للعنف: إن واجب الفكر الفلسفي والفن هو النضال من أجل القضاء العميق على هذا الموقف والظروف الحرب والقمع والإرهاب والعنف بتصوير هذا الموقف نفسه. الفن خيال الفنانين والإبداع الشعراء بالمعنى العام للمفهوم؛ فهم بإعادة الإنشاء والفضح يعرضون الأبعاد الإنسانية للكارثة ويصرخون بعمق السقوط بهذا الإنارة ويحذرون. العنف الذي تمارسه القوى المنظمة على شكل شبكة ضد الفن والفكر أخطر بكثير من قنابل الانتحاريين.
مصطفى ملكيان: إن عدم الاكتراث بعقلانية وحرية الإنسان نوع من أنواع ممارسة العنف
عبر الدكتور مصطفى ملكيان في الندوة "حول العنف" مع مراعاة تعاريف مختلفة للعنف عن رأيه: يجب أن يتضح لنا ولمخاطبينا بشكل محدد ما نقصده من العنف في هذه الجلسة، تماماً كما قال الدكتور احسان شريعتي؛ إن العنف في اصطلاح العلوم الاجتماعية الحديثة لا يستعمل بمعنى واحد. بعض معاني العنف بحيث إذا فهمنا العنف بتلك المعاني فكل عنف سلبي وغير قابل للدفاع؛ لكن بعض المعاني الأخرى للعنف بحيث إذا فهمنا العنف بتلك المعاني فإن العنف ينقسم إلى نوعين: عنف قابل للدفاع وعنف غير قابل للدفاع. وضح هذا المنير الديني مع الإشارة إلى عدم الاكتراث بعقلانية وحرية الإنسان في تعريف العنف: مقصودي من العنف هو نفس تعريف "سيمون فايل" مع تعديل طفيف. فمثلاً إذا لم أحترم عقلانيتك في مرتبة "الرأي" بدون مبرر، وأهملت حريتك في مرتبة "العمل" بدون حق، فقد مارست عليك العنف. ممارسة العنف تعني بالضبط أنني في مرتبة الرأي بدون أي مبرر لا أحترم عقلانيتك وفي مرتبة العمل بدون حق أسلبك حريتك. إذا أقدمت على أحد هذين الفعلين أو كليهما تجاهك فقد مارست عليك العنف.
ثم أكمل قائلاً: إذا كان لشخص ما وجود شخصي فنزل إلى مستوى الماهية، فقد مورست عليه العنف، أي تجاهلت إنسانيتك. فأنا لم أفترضك إنساناً وحكمت عليك بأنك شخص، وبالتالي فإن عدم اعتباري إياك شخصاً هو نفسه اعتباري إياك شيئاً، وإذا لم أعترف بالأفراد كأشخاص فقد اعتبرتهم أشياء. بمعنى آخر، العنف هو عملية تستتبع تحويل شخص إلى شيء. كل عملية ينجم عنها تحويلك من الكون شخصاً وصاحب وجود ذاتي إلى الوجود المجرد والشيئية، ففي هذه الحالة قد مارست عليك العنف. أضاف هذا المنظّر، مبيناً أنه إذا تحول الإنسان إلى شيء فقد مورست عليه العنف: بتعبير آخر ورد في فلسفة الفعل ويُركّز عليه بكثرة، وهو أنه بمجرد أن تتحول إلى شيء، تخرج من حالة كونك إنساناً، وبالتالي تصبح أداة، وبدلاً من أن تُنظر إليك باعتبارك "غاية"، تُنظر إليك باعتبارك "وسيلة"؛ فلا نستطيع أن ننظر إليك باعتبارك هدفاً، وهذا هو تعريفي للعنف. أضاف ملكيان حول أسباب ممارسة العنف: الآن يجب أن نرى ما الذي يحدث وأي أسباب وعوامل تتعاون معاً لكي يمد شخص أو أشخاص يدهم إلى العنف، وبطبيعة الحال يمكن تعميم هذا الأمر على جماعات ومجتمعات. يمكن أيضاً دراسة هذا الموضوع من منظور علم الاجتماع. يجب أن نفهم ما الذي يتولد داخل الشخص ليمد يده إلى العنف، وهذه الدراسة تمكننا من أن نفهم لماذا تمد المجتمعات والجماعات الاجتماعية أيديها إلى العنف ضد مجتمعات وجماعات أخرى. أشار هذا الكاتب إلى نظرية علم النفس القائلة بالاعتقاد والرغبة، قائلاً: تقول هذه النظرية إنه من المستحيل أن يقوم الإنسان بعمل ما إلا إذا تضافرت رغبة أو عدة رغبات، واجتمعت عدة معتقدات داخلي، وهذا الأمر يدفعني إلى القيام بفعل إرادي. إذن العنف هنا هو عملية تعتبر إرادية. قال هذا المترجم: لدى الأشخاص الذين يمارسون العنف نشأت رغبات ومعتقدات تدفعهم، عند تضافرها، إلى الفعل الإرادي للعنف. أوضح هذا المفكر الديني، مبيناً أن قصده من العنف ليس العنف الناجم عن اضطرابات نفسية واضطرابات عقلية: أن موضوع حديثي هم الأشخاص الذين لا يعانون ظاهراً من أمراض نفسية واضطرابات عقلية، بل يمارسون العنف بوعي واختيار. الآن إذا تعاملنا مع العنف بمعنى أنني إذا تجاهلت عقلانيتك النظرية وحريتك العملية دون أن يكون لي حق في ذلك، فإننا نريد أن نرى في أي صور وحالات يحدث هذا.
هذا منظّر تحدث عن الوضوح والعنف على النحو التالي: الصورة الأولى، إذا تحققت فيّ وبادرت أنت بالعنف، فهي وجهة نظر معرفية. إذا كنت أعتقد نفسياً بوضوح الحقيقة وأعتقد أن الحقيقة بيّنة وهذا هو الوقت الذي أبادر فيه بالعنف. واستمر عن إنكار الحقيقة عن وعي: إذا اعتقدت أن الحقيقة في موضوع أو مسألة ما واضحة تماماً، وأن الحقيقة بشأن ذلك الموضوع أو المسألة مكشوفة وبيّنة تماماً، فكيف يجب أن نتصور من لا يعتنق تلك الحقيقة البيّنة؟ نتصورهم كأشخاص يقاومون حقيقة بيّنة. سنكنّ تجاه مثل هؤلاء الأشخاص مشاعر وانفعالات سلبية، لأنهم يعارضون رأياً واضحاً وبرهاني. وبالتالي لا نستطيع أن نشاركهم الشعور والتعاطف في ظروف كهذه، بل نتذكرهم كأعداء، لأنهم يقفون بوعي ضد الحقيقة. وإذا وقف أحدهم ضد حقيقة بيّنة، فإننا مضطرون أن نمارس العنف تجاهه، لأننا لا نعتقد أنه وقف ضد حقيقة بيّنة بسبب الجهل، بل على الرغم من أنه يعلم أننا نقدم حقيقة بيّنة وواضحة، إلا أنه يقف ضد تلك الحقيقة البيّنة. أعلن هذا الفيلسوف بناءً على عدم وضوح الحقيقة: إذا كنت تعتقد بعدم وضوح الحقيقة، أي تعتقد بأنه أمام أي موضوع أو مسألة أو مشكلة، الحقيقة الفعلية بشأن ذلك الموضوع أو المشكلة ليست بيّنة وواضحة، وأن الحقيقة معقدة دائماً ويمكن لكل شخص أن يختلف بشأن ذلك الموضوع؛ إذا سلّمنا بعدم وضوح الحقيقة وتعقيدها، فعندئذ لم نعارض حقيقة واضحة. أكد ملكيان: في الواقع، توصلنا في رأينا إلى شيء نعتبره حقيقة، وفي الجانب الآخر توصل شخص آخر إلى شيء يعتبره هو حقيقة؛ وبالتالي في حالة كهذه لا تنشأ مشاعر عنف وعداء وخصومة. إذا اعتقدنا معرفياً بوضوح الحقيقة، فنحن دائماً أصحاب تسامح عملي وتعددية نظرية وليس عنف. التسامح العملي نتيجة اعتقادنا بعدم وضوح الحقيقة والالتزام بعدم وضوحها. أشار هذا الكاتب بشأن الأيديولوجيا: نظرية الاعتقاد بوضوح الحقيقة لها تعبير أكثر ألفة، وهو التفكير الأيديولوجي. التفكير الأيديولوجي يعني تماماً أننا ننكر الحقيقة. المفكر الأيديولوجي هو من يعتقد أن وضع كل مسألة وموضوع قد اتضح وأن حل كل مسألة واضح، ويعتقد بأن حل المشكلة والموضوع وكيفية رفعه هو ما يملكه هو بنفسه. الدمج بين وضوح الحقيقة ومع افتراض أن الحقيقة التي تبدو واضحة هي التي أملكها أنا، هذا الأمر يجعلنا أيديولوجيين، وحياة أي إنسان أيديولوجي لا يمكن أن تكون خالية من العنف، وبالتالي فأي رأي أيديولوجي يستطيع القيام بهذا، وهو بالضرورة مولّد للعنف ولا يختلف الأمر بناءً على ماهية هذه الأيديولوجيا. الافتقار إلى الاستدلال في الكلام والفكر يسوقنا نحو ردود فعل عنيفة أوضح هذا المترجم: ثمة سبب ثانٍ آخر يمكنه أن يجعلنا أيديولوجيين، وهو أننا نفتقد إلى دليل لأيديولوجيتنا ودعوانا. «الأدلة يجب أن تكون قوية وروحية/ وليس بعروق الرقبة مع حجة قوية» إذا لم يكن لدى أحد دليل منطقي لحديثه، فإنه ينقل كلامه بصرخة، وهذا أيضاً نوع من الميل إلى العنف يظهره بلغة جسده. بمجرد أن تنتفخ عروق الرقبة، فهذا يدل على أننا لا نملك دليلاً منطقياً لكلامنا، وعندما نعجز عن الرد المنطقي، فإننا نصرخ. عدّد هذا المنوّر الديني ثلاث طرق لسوق الأفراد نحو ما نريده وأضاف: أولاً أن نجبر شخصاً ونقنعه باستخدام «أنماط مقنعة» بأن القيام بما نقترحه صحيح، وبالتالي فقط باستخدام قوة الاستدلال والإقناع يمكنني أن أقنعه بأن فعلاً ما صحيح. واعتبر «الخداع» طريقة أخرى لتحقيق ما نريده من الأفراد وصرح: إذا لم أملك مثل هذه القوة، تبقى طريقتان أخريان، وهما الخداع. لأنني لم أتمكن من إقناع الشخص بقوة الإقناع، فأخدعه ليسير في الطريق التي أريدها، في حين أنه ليس كل الجمهور يقبل الخداع ومن الممكن أن يكون جمهوري أكثر علماً ووعياً مما أتخيل.قال ملكيان: إذا لم ينخدع مخاطبي بقوة فكري وتأملي، فيبقى خيار ثالث وهو أنهم لا يملكون دليلاً على مطالبتهم ولا يستطيعون إقناع الآخرين بقوى مقنعة، وإذا لم ينخدعوا أيضاً، فيلجؤون إلى العنف. في هذا الوقت قد ينخدع عامة الشعب لكن الطبقة الواعية من المجتمع لا تنخدع، وبالتالي يلجأ الحاكمون إلى العنف. من هذا المنظور، كل من يفتقر إلى الدليل يلجأ إلى العنف. الشعور بالضعف وعقدة النقص تؤدي إلى الإقدام على العنف قال هذا الفيلسوف عن الشعور بالضعف تجاه المنافسين: إذا شعرت بالضعف تجاه عدوي ومعارضي ولجأت إلى العنف، فهذا دليل على ضعفي وليس على قوتي. من يرى نفسه أقوى من خصمه يلجأ إلى العنف، لكن عندما يكون الشخص أمام خصم واع ومطلع، فهو إذاً قوي. للفرد الواعي ثقة وسكينة، بينما الفرد الضعيف يضطر إلى تهديده ليقنعه. وبالتالي الأنظمة التي تملك الثقة قوية، لكن القوى التي تفتقر إلى التسامح ضعيفة، وفي النهاية تفتقر إلى الثقة بالنفس. شرح هذا المنير الديني: في الأنظمة الاستبدادية، يتصور رجال الدولة أن كل صرخة تُرفع ضدهم، وينجرفون نحو العنف، وبلغة نفسية، معنى هذا الأمر هو أن عقدة النقص تولد العنف دائماً. أضاف ملكيان في نهاية كلماته، مشيراً إلى إجراءات مستحيلة: الحالة الأخرى هي أن يريد شخص ما إحضار العالم المستحيل إلى صيغة الممكن، وبالتالي يلجأ إلى العنف لتنفيذ عمل مستحيل. الحالة الأخيرة هي أن يشعر الفرد أنه فقد مساحة حياته، ويشعر أن ضروريات حياته اختفت ولا يستطيع تلبية احتياجاته الأساسية، ويشعر أن مجال حياته قد اختفى، وبالتالي يلجأ إلى العنف.
تقرير شرق من هذه الحلقة النقاشية:
موضوع الحلقة النقاشية لمؤسسة السؤال التي عقدت يوم الخميس بحضور حشد كبير من المهتمين هو قضية ينخرط العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى فيها، وبالنسبة لمن يعيش في إيران، فإنها - بالنظر إلى موقعه الجغرافي - مسألة ملموسة تماماً: «العنف». في هذه الحلقة النقاشية تناول كريم نصر بعنوان «التصميم والمعنى والعنف» تمثيل العنف في الفن من خلال عرض صور مختلفة، وكان هذا الموضوع محاور معرض أقيم في الوقت ذاته في غاليري ناط في مقر مؤسسة السؤال. ألقى احسان شريعتي محاضرة بعنوان «حول الفكر وعدم تصور العنف» كما ألقى مصطفى ملكيان محاضرة بعنوان «العنف لماذا؟». شرح العوامل المتعددة المولدة للعنف في العالم، وأبرز من بينها عاملين باعتبارهما الأكثر أهمية: أحدهما إيديولوجي الفكر والآخر اختفاء الحيز الحيوي لكثير من الناس بسبب الفقر. ما ستقرأونه فيما يلي عبارة عن مختارات من كلام شريعتي وملكيان:
العنف، بتعبير ما، هو ضد أو «آخر» الفكر. لفهم «نوايا» الآخرين، يجب أن نتمكن من الجلوس في مكانهم والنظر إلى العالم من تلك الزاوية. لكن هل يستطيع المفكر أن يضع نفسه في موضع الفاعل العنيف لفهم الآخر فيه؟ فعل التفكير، في التعريف الأفلاطوني، هو نوع من الحوار مع النفس. حوار مع النفس الأخرى فيه، أو النفس بما هي آخر. ما العنف؟ ما أنواعه؟ كيف يجب أن نميز بين أنواع القهر المختلفة؟ فيم يكمن الفرق بين الحرب والقمع والمقاومة والنضال المسلح والإرهاب والعدوان والتجاوز وغيرها، وبين العنف بمعناه الأخص والسلبي؟ ذلك المعنى الذي نقصده مثلاً في سياسة «اللاعنف». هل اللاعنف يعني إنهاء كل توتر وجميع التنازعات؟ من بين تعريفات العنف تعريف الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل: «ما يحول الشخص إلى شيء يخضع لآخر»؛ «وإن أُعمل تماماً، يحول الإنسان إلى شيء بالمعنى الحرفي للكلمة، لأنه يحيله إلى جسد. كان هناك شخص من قبل، لم يعد هناك أحد!» بهذا المعنى، الهدف من العنف، التعدي على كرامة الشخص أو جدارته الذاتية، موت الذات واستخفافها وتقليصها إلى مستوى شيء ميت، جسد فقط. هل الكلمة العربية «عنف» بهذا الوصف، تفي بنقل هذا المعنى بدقة؟ إن كلمة «خشن» في لغتنا تعني في الأساس الخشونة والقسوة والصلابة والخشارة واللين المفقود والاضطراب، باختصار كل ما يضاد الرقة. ما نريد أن نقوله بهذه الكلمة، هو ما يعادل في العربية عُنف، والتينية vis، والألمانية Gewalt، والفرنسية-الإنجليزية violence، ويُطلق بشكل أساسي على حركة أو فعل أو سلوك يُستخدم فيه القوة (في الأساس جسدية-فيزيائية)، بهدف المنع والإضرار والإيذاء أو تدمير شيء ما أو شخص ما، (بغض النظر عن مسألة الشرعية القانونية أو عدمها وطريقة استخدامها). من جهة أخرى، المعادل اليوناني للعنف هو كلمة متخصصة في الفلسفة: bia، وهي تؤنث bios بمعنى الحياة، وكلا المعنيين - قوة الحياة والعنف - يرتبطان معاً. رغم أن bios تستحضر في الغالب الحياة الإنسانية، خلافاً لـ zôè، الحياة الحيوانية والنباتية. هذان النطاقان - الإنساني والطبيعي - يتمايزان بواسطة الكلام أو اللوغوس logos (باعتباره أساس إدارة المدنية السياسية- polis) عن بعضهما. والفرق بين اليونانيين والبرابرة، في رأيهم، كان يكمن في الفرق بين الكلام المنطقي والمدني وبين اضطراب اللغات الأجنبية غير المفهومة. إذن، العنف الذي، بموجب التعريف اللغوي والظاهري، نوع من الفعل يؤدي إلى قطع الحوار والشروع في التدمير والقتل وغيرها، وإنهاء إمكانية التفاوض بهدف إثارة الرعب وإسكات وتسكين الخصم، كيف يمكن أن يكون له صلة وثيقة باطنة بالحياة الإنسانية والكلام؟ مع هذه الاعتبارات، هل العنف، الذي كان يُعرّف في التقليد الأرسطي بأنه حركة ضد الاتجاه الطبيعي وتمنع الرجوع الطبيعي للأشياء إلى مصدرها المكاني، ينبع من الطبيعة ويكون أمراً عادياً وشائعاً في العلاقات الجارية بين الحيوانات؟ أم بالعكس تماماً، ما نسميه نحن بقانون الغاب وحق الأقوى، هو نوع من الإسقاط لنظرة الإنسان الحاكمة للقيم على العلاقات والنواميس الطبيعية «بلا رحمة» (لا أخلاقية) في عالم الحياة الحيواني؟ وفي هذه الحالة، العنف ظاهرة إنسانية بحتة ترتبط بطريقة العقل والأخلاق في حياة ووجود الإنسان. الانتقام والتعذيب والالتذاذ برنح الآخرين والسادية والماسوشية وغيرها من أشكال السلوكيات النفسية العنيفة والقهرية، كلها مقاربات إنسانية بحتة و«فوق إنسانية". نشوء الحكومات المدنية، كمنهية للحالة الطبيعية أو "حرب الكل ضد الكل" و"الإنسان ذئب للإنسان"، في النظرية الميكانيكية والمجردة لهوبز، يتفق أكثر مع تعريف فيبر للدولة بأنها "عنف مؤسس" أو مشروع. ظهور الحالة الطبيعية في زمن الحرب الأهلية، بالطبع عند هوبز، ليس عودة إلى الطبيعة الفعلية أو مرحلة ما قبل مدنية، بل هو انفجار أزمة طبيعية في وضع منطقي وهرمي مدني وسياسي. قانون السياسة، خاصة في الدولة الحديثة الديمقراطية والعلمانية، هو احتكار العنف المنتشر والمتناثر وتأسيسه لصالح ومصلحة الجميع. بعبارة أخرى، إضفاء الشرعية على احتكار الاستخدام الحكيم أو القانوني للعنف المعترف به في مقابل العنف العمياء والاستبداد الخاص للأفراد والأقليات. الوصول إلى "السلام الدائم"، عند كانط، مثال أو مبدأ منظم وأمر إلزامي من العقل السياسي يتم بناؤه خطوة بخطوة: بنظام وقانون دستوري جمهوري لكل دولة؛ الاتحادية الدول الحرة، كأساس لحقوق الأمم وحقوق المواطن العالمي المستند إلى كرم الضيافة العالمي.
سر ومبرر بقاء الدول الحالي الفعلي (raison d'Etat) وإن كان يحكم العلاقات الدبلوماسية العالمية، هو تقدم مصالح السيادات الوطنية على الاعتبارات الأخلاقية والتنافس على المصالح. الهوة بين الحق الشكلي والواقع الفعال كانت بهذا الاتساع حتى أن المفكرين اللاحقين، من هيغل وماركس إلى فالتر بنيامين و…، من فرانتز فانون إلى أرندت وفوكو، درسوا القوة والعنف في التاريخ الفعلي من الداخل، ونقدوا أنواعه وميزوا بينها. فمن الوجوه المتناقضة الظاهرية والمفارقة في عقلانية والمدنية الحديثة، في استمرار القمع والبربرية والبداوة في عالم التقليد والأسطورة، في إعادة إنتاج وتكاثر العنف في أبعاد كمية مضاعفة ومتطورة بمساعدة التكنولوجيا والآلة، من وقت اختراع المقصلة إلى أسلحة التدمير والقتل الجماعي الذري والهيدروجيني، من وقت الثورات والأيديولوجيات الحديثة إلى الحروب العالمية المعاصرة المشتعلة. وفي يومنا هذا، مع بدء أفول وانحطاط آخر الإمبراطوريات، انبثق شيطان من ساحات الحروب البديلة في الشرق الأوسط والأراضي الإسلامية الذي انقضّ على جميع معاصري الوضع القائم؛ عنف «ما بعد حديث» بوسائل وأدوات «فائقة التطور»، في قناع دعوة وجوهر رجعي، تقليدي وأساسي، يطرح جنون «المراقبة والعقاب» العقل وحقوق الإنسان في العصر الجديد بعرض جنون وعنف أعمى من ذي قبل وإرادة و«إدارة وحشية» بتجهيزات صلبة، للمعارضة: الابن غير الشرعي لحروب الحملات الصليبية للمحافظين الغربيين الجدد والمحافظين الشرقيين القدامى، تحت راية الإسلام «السلفي»، لكن بقلب يطمح إلى العودة إلى «الجاهلية»، في ثوب خلافات «إسلامية» (سواء الأموية والعباسية والعثمانية و…). مهمة الفكر (الفلسفي) والفن هي المجاهدة من أجل استئصال عميق لهذا الوضع والشروط الحربية والقمعية والإرهاب والعنف المنتج، عبر تصور وتصوير هذا الأمر والظاهرة التي لا يمكن تصورها أو التضاد مع الفكر والفن، مع الإبراز القسري والكشف القاسي عن قبح العنف وغلبة القوة والتدمير والقتل «للنيهيليزم الفعّال» ربما «الإنسان الأخير» (بمعنى نيتشوي). جعل الممكن لتصور المستحيل في تصور ما لا يمكن تصوره، أكثر وأقدم من مجهود الفكر، هو فن خيال الفنانين والإبداع والخلق الشاعري، بمعنى عام للمفهوم. هؤلاء، بإعادة خلق كاشفة لقبح، يعرضون الأبعاد الإنسانية للكارثة، وبهذا التنوير، يرفعون صرخة عمق السقوط، ينذرون ويحولون الحقيقة المرة للواقع إلى نداء للوجدان العام. يأتي المفكر حينئذ ليعيد التفكير في نظام آخر من قلب هذه الفوضى كترياق وبلسم. الخطر والأمر المتناقض الظاهري الكامن في انتظار هذا النضال الفلسفي والفني ضد عنف العصر، هو أن يتحول تصوير وتصور ما لا يمكن تصوره نفسه إلى سلعة فاخرة في معارض تجارية وثمن حرافيات مجردة في أوساط شبه مثقفة، يلعب دور الممثل — التصرفات السوقية المتطورة، مشابهة لصور الشيفرة الآمنة على قمصان الشباب الأنيقين في عالمنا هذا. أحد طرق تحييد هذا الخطر هو تعريض الفكر الحر والمستقل للخطر، وإشعال نضال إعادة تعريف المفاهيم المريبة، في مواجهة السفسطة الثقافية ضد الرسالة الحقيقية للفكر، في عصر «عدم الإيمان بالسرديات الكبرى» الأيديولوجية السابقة، عرض حدود ورسوم الأخلاقيات والكشف عن تبعات التجارة بالفن، في عصر الإنتاج الضخم والنهب الآلي للأعمال الفنية. العنف الذي تمارسه القوى المنظمة على شكل شبكة ضد الفن والفكر، أكثر فتكاً بكثير من قنابل الانتحاريين التي تضر الدنيا والآخرة.العنف في اصطلاح العلوم الاجتماعية اليوم لا يُستعمل بمعنى واحد. فبعض معاني العنف يتسم بأن كل عنف سلبي وغير قابل للدفاع عنه، بينما بعض المعاني الأخرى يمكن تقسيمها إلى قسمين: قابل للدفاع عنه وغير قابل للدفاع عنه. مقصدي اليوم تعريف «سيمون فايل» للعنف مع تعديل طفيف. قدمت سيمون فايل، عالمة الأديان والعرفان والعارفة والمناضلة السياسية الاجتماعية الفرنسية في النصف الأول من القرن العشرين، تعريفاً يشكل مع تعديل طفيف أساس نقاشي. إذا لم يعتبر شخص ما عقلانية الآخر في مقام النظر بغير سبب، وأهدر حريته في مقام العمل دون أن يملك هذا الحق، فقد ارتكب تجاهه عنفاً. وبما أن الإنسانية تنبثق عن العقلانية النظرية والحرية العملية بتعبير كانط، فإن من يرتكب العنف بحق الآخر لا يعتبره إنساناً، بل لا يعتبره شخصاً، بل شيئاً. العنف عملية ينتج عنها تشييء شخص ما. في العنف يتحول الشخص إلى شيء. يؤكد بكثرة في فلسفة العمل أنه بمجرد أن يصبح أحد شيئاً، يتحول إلى أداة. لماذا يلجأ إنسان ما أو مجموعة ما إلى العنف؟ أطرح النقاش من منظور علم النفس الاجتماعي بالنسبة لفرد واحد، لكنه ينطبق أيضاً من منظور علم الاجتماع على مجموعة ترتكب العنف. أساس نقاشي نظرية في علم النفس تُسمى نظرية الرغبة والاعتقاد في العمل: من المستحيل أن يقدم الإنسان على عمل إرادي ما لم تجتمع رغبة واعتقادات عديدة داخله معاً. وبما أن العنف عمل إرادي، فإن رغبات واعتقادات قد نشأت لدى من يرتكبون العنف، ومجموع هذه الرغبات والاعتقادات أنتج العمل الإرادي للعنف. أشدد على أنني في هذا النقاش أستثني العنف الناشئ عن اضطرابات دماغية واضطرابات نفسية، لأن هذا النوع من العنف غير إرادي وغير واعٍ. في أي صور يحدث العنف؟ الصورة الأولى هي الوجهة الإبستمولوجية. إذا اعتقد شخص ما بوضوح الحقيقة وعلم أنها واضحة، فإنه حتماً سيلجأ إلى العنف لأنه يعتبر معارضيه أشخاصاً يقاومون حقيقة واضحة. يعبّر عنهم بالمعارضين لأنه يقول إنهم يقفون ضد الحق، ولا يرى سبيلاً سوى العنف، لأنه لا يعتبر عدم معرفتهم جهلاً. لكن من جهة أخرى، إذا اعتقد بنظرية عدم وضوح الحقيقة، أي اعتقد بأنه لا توجد حقيقة مطلقة واضحة في كل مسألة، وأن الحق دائماً متداخل ودائماً يمكن إعادة نقاش الحق من جديد، وله الحق في أن يقول إن هذا الملف أُغلق مبكراً ويجب إعادة فتحه، فحينئذ من خالفه لم يخالف حقيقة واضحة ولا يمكنه أن يغضب عليه. لا يغضب أحد على آخر لأن الحقيقة غير واضحة. إذا كان أحد معتقداً بوضوح الحقيقة، فسيلجأ إلى العنف عاجلاً أم آجلاً. قد يلجأ إليه لاحقاً نتيجة التقدم الثقافي، أو قد يؤخره بسبب آداب التعامل والالتزامات الأخلاقية، لكنه سيفعله حتماً. هذه هي النظرية الإبستمولوجية. إذا كان معتقداً بعدم وضوح الحقيقة، فهو دائماً ميّال للمسامحة وليس للعنف، وهو دائماً ميّال للتعددية النظرية وليس للعنف. التعددية العملية والمسامحة النظرية هي نتيجة عدم الاعتقاد بوضوح الحقيقة. لنظرية الاعتقاد بوضوح الحقيقة تعبير أكثر واقعية وهو الفكر الإيديولوجي. الفكر الإيديولوجي يعني بدقة الاعتقاد بوضوح الحقيقة. الفرد إذا اعتقد بأن الحقيقة واضحة حول أي موضوع، فإنه يتحمل الفكر الإيديولوجي حول ذلك الموضوع، ويعتقد بأن إجابة كل سؤال واضحة وأن الإجابة هي ما يملكه. لا يمكن لحياة أي إنسان أن تكون خارج العنف إذا كانت إيديولوجية. الإيديولوجيا موجودة بالنوع الديني وبالضد منه أيضاً. توجد إيديولوجيا علمانية، إيديولوجيا علمانية، إيديولوجيا اشتراكية، إيديولوجيا ليبرالية، إيديولوجيا فاشية وإيديولوجيا معادية للفاشية. الفكر الإيديولوجي بالضرورة منتج للعنف. يمكن لسبب ثانٍ أيضاً أن يجعلنا إيديولوجيين، وهو عندما نفتقد دليلاً على مدعانا. إذا كان لدى شخص ما لا دليل على مدعاه، فإنه يشد أوتار رقبته بحجة قوية، وهذه هي الخطوة الأولى للعنف التي تظهر في لغة جسده. تدريجياً تظهر في الكلام والعمل أيضاً. من عجز عن الجواب يصرخ. لو كان هناك كلام مدعوم بالحجج، لما كان الصراخ ضرورياً. توجد ثلاث طرق لإقناع شخص. الأولى أن أجبره بقوة المعتقدات وقوة الحجة على أن الفعل الصحيح هو ما قلته. الثانية الخداع. لكن بما أن ليس الجميع ينخدعون وقدرتهم على التفكر والتجارب الذهنية أكبر من أن ينخدعوا، فالطريقة الثالثة هي العنف. عادة ما ينخدع الجماهير، وبخصوص النخب يستخدم أدوات قسرية و…يصبح سلوكاً لأنه لا يوجد استدلال في العمل. النقطة الثالثة، التي تشبه النقطة الثانية لكنها مستقلة عنها، هي أنني إذا شعرت بالضعف في مواجهة العدو فإنني ألجأ إلى العنف. أولئك الذين يمارسون العنف لا يدل عملهم على قوتهم، بل هو دليل على ضعفهم. الإنسان حين يفتقد الثقة بالنفس ويرى نفسه ضعيفاً أمام شخص آخر يلجأ إلى العنف. القوة تحمل معها الطمأنينة والهدوء اللذين يتناقضان مع العنف. أولئك الذين يفتقدون الطمأنينة والتسامح، وينظرون إلى كل كلمة يقولها أحد ضدهم، ويعتبرونها انقلابية، إنما هم في الحقيقة يفتقدون الثقة بالنفس. التيار السياسي الذي يستطيع أن يرى ٥٠٠ ألف معارض له في الميدان يحتجون وينطقون هو تيار قوي، فعلى لسان علم النفس، العقدة النقصية دائماً ما تكون عنيفة. حين تستنتج أنك أقل شأناً مني تمارس العنف. الحالة التالية هي حين يحاول شخص ما تحريك الدائرة المستحيلة للقبول، ويريد إدخال العالم في حالة غير ممكنة، بحيث لا يملك سوى العنف كخيار. إذا أردت أن أحلق ببلبل فلا أحتاج إلى العنف، يكفيني أن أضع كفي مفتوحة، لكن إذا أردت أن أحلق بحماري فلا خيار لي سوى أن أفعل به ما لا يحمد عقباه. أولئك الذين لديهم أحلام مستحيلة للمجتمع والأبناء، أولئك الذين لديهم مثل عليا غير واقعية ويتوقعون من المجتمع البشري ما هو غير واقعي، لا خيار لهم سوى هذا. المثال الواضح على ذلك هو الاتحاد السوفييتي الذي أراد أن ينشئ إنساناً بلا طبقات فأبادَ ٨٠ مليون نسمة من سكانه لأنه كان يريد أن ينشئ منهم شيئاً غير ممكن. في جميع الأحلام الفردية مثل أحلام بعض العرفاء أو أحلام بعض الأخلاقيين، وفي جميع الأحلام الاجتماعية مثل أحلام الإصلاحيين الاجتماعيين والمثقفين، يكون الواقعية والواقعانية دائماً مهمة. الحالة الأخيرة هي حين يشعر الإنسان أنه فقد الضروريات الحيوية، وعندئذٍ يلجأ إلى العنف، وهذا يحدث في حالتين؛ إحداهما حين يستنتج الفرد أو المجتمع أنه في استمرار الوضع الحالي سيبقى محروماً حتى من ضروريات الحياة، وتكون احتياجاته الفيزيولوجية والبيولوجية في خطر. بتعبير إبراهام ماسلو، إذا وجدنا في يوم ما أننا لا نستطيع تلبية الاحتياجات الأساسية في قاعدة هرم احتياجاتنا (الاحتياجات الضرورية مثل الغذاء والملبس والمسكن والنوم والراحة، والحاجة الجنسية والترفيه) فإننا نشعر أننا فقدنا مجالنا الحيوي، ومن شعر بهذا الشعور يلجأ إلى العنف لأنه لن يفقد شيئاً وقد يكسب شيئاً من خلال ممارسة العنف. هذا المجال الحيوي في كثير من الدول المتخلفة هو السبب الرئيسي لممارسة العنف. لكن إذا تحققت الاحتياجات من الرتبة الأولى، ولم أستطع الحصول على الاحتياجات من رتب أخرى (الحاجة للمكانة الاجتماعية والحب والانتماء والعضوية في التجمعات الاجتماعية وما إلى ذلك) بطرق سلمية فإنني أيضاً ألجأ إلى العنف. طالما وجدت هذه العوامل فالعنف موجود في العالم، وأولئك الذين يريدون تقليل العنف في أنفسهم أو في مخاطبيهم أو في المجتمع العالمي عليهم أن يواجهوا هذه العوامل الستة والقضاء عليها، وفي عالمنا المعاصر ما يزيد من العنف أكثر من غيره أمران: أحدهما الفكر الأيديولوجي، والآخر أن المجال الحيوي يختفي لدى كثير من البشر بسبب الفقر.
.
إحسان شريعتي: بشأن الفكر والتصور اللاممكن للعنف مصطفى ملكيان: العنف لماذا؟ كريم نصر: التصميم والمعنى والعنف خميسات السؤال | بشأن العنف | 24 ديسمبر 1394
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
الفن
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.