اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى عبد الكريم سروش أن التشبيهات الشعرية أمور اعتبارية وذهنية لا ينبغي أن تُتخذ أساسًا لاستنتاجات جادة. ويوضح، من خلال مثال الرودكي ونقد توينبي لشبنغلر، كيف أن الاعتماد على تشبيهات لا سند لها يؤدي إلى انهيار النظريات.

نواصل بحثنا حول نقد الأفكار وطريقة توظيف هذا النقد وكيفية الولوج إلى النقد؛ هذا هو البحث الرابع من سلسلة هذه البحوث التي بدأناها ولا نزال في الأمور الاعتبارية والقيمية وفي تبيين المعايير والخصائص التي يمكنها أن تميز هذه الأفكار عن سائر الأفكار.
ما يُقصد في هذه البحوث، وينبغي أن يُؤخذ في الاعتبار طوال هذه الدروس، هو أننا نتحدث عن الأفكار لا عن الأمور الخارجية والمصاديق الواقعية للأشياء في العالم الخارجي، ومن هذا المنطلق، فرغم أن الأفكار تدور حول المصاديق والأمور الخارجية، ورغم أنها شديدة القرب والتلازم مع بعضها البعض، إلا أنه لا ينبغي الخلط بينهما، وهذا بذاته نوع من المغالطة تُسمى مغالطة المفهوم والمصداق. (أي إذا ما استبدلنا أحدهما بالآخر وسرينا حكم المفهوم إلى المصداق أو العكس).
في هذه الجلسة، سنذكر من بين الأفكار الاعتبارية بعض المصاديق والحالات الأخرى ونتأملها وندقق فيها، وبعد ذلك سنصل إلى توضيح مسألة كيف أن إعادة التعرّف على هذه الأفكار في ضوء الخصائص التي أظهرناها حتى الآن بذكر أمثلة عديدة، سينقذنا من الوقوع في بعض مهاوي المغالطات والأخطاء الفكرية.
من أهم المواد التي ينبغي إعادة التعرّف عليها جيداً في الأفكار الوهمية وتمييزها عن سائر الأفكار وعدم الوقوع في شركها، هي أنواع التشبيهات الشعرية التي نواجهها في الأدب وفي القصص والأشعار.
هذا النوع من التشبيهات يُعتبر بالكامل من قبيل الأفكار الوهمية والاعتبارية والأداتية، وهي توجد حصراً وبشكل منحصر في وعاء ذهن الشاعر والأديب والشخص المُشبِّه، ولا يمكن البحث عن واقع لهذه التشبيهات خارج ذلك. نعلم جميعاً أنه في الماضي، حين كان شاعر يمدح ممدوحاً، كان ذلك لغرض ومقصد كان يسعى إليه، وحين لم يبلغ ذلك المقصد، كان يبدأ فوراً بهجاء الممدوح.
في المدح، يُشبَّه الممدوح بدايةً بأشياء شريفة ولطيفة، وعندما يحين دور الهجاء، يحين دور التشبيهات الفاحشة والكريهة، فلم تكن التشبيهات الأولى صحيحة ولا نصيب لها من الحقيقة، ولا التشبيهات الثانية، بل كانت دوافع الشاعر وحاجاته هي التي تخلق مثل هذه المشابهات، ثم لاحقاً، مع تغير الحاجة وتغير الرغبة والاضطراب الداخلي، كان يلغي تلك التشبيهات الأولى ويتجه إلى تشبيه آخر.
إن قابلية هذه المشابهات للإلغاء تُبين بوضوح خاصية وطبيعة هذه الأفكار الاعتبارية. نعلم جميعاً أنه حين أراد الرودكي تشجيع الأمير الساماني على الذهاب إلى بخارى، كان يُشبهه باستمرار بشجرة السرو، وبخارى بالبستان، ثم يُشجعه قائلاً: «السرو نحو البستان آتٍ»، ثم يعود ويُشبهه بالقمر وبخارى بالسماء ويقول: «القمر نحو السماء آتٍ». لم يكن هناك من يسأل الرودكي (ولم يكن هناك مجال للسؤال): لقد قلت قبل لحظة إن الملك سرو، فكيف تقول الآن إن الملك قمر؟ هذه هي الأفكار التي كانت تنشأ وتترعرع حصراً وبشكل منحصر في وعاء ذهن الشاعر. كان لها أن تجول كيفما تشاء، وفي كل لحظة كان يمكنه أن يُشبه شخصاً بشيء، وفي اللحظة التالية يرفع ذلك التشبيه ويصرف النظر عنه ويتجه إلى تشبيه آخر، بل وربما يعكسه. إن كون هذه التشبيهات من خلقنا، ومعلولة لحاجاتنا، وتتغير بتغير أذواقنا، ولا نصيب لها من الحقيقة، ولا يُعثر لها على مصداق ومطابق في العالم الخارجي، وليست كونية، أي يمكن لكل شخص أن يُشبه تشبيهاً ما حسب رغبته، كل ذلك يُبين بوضوح الطبيعة الاعتبارية لهذه الأفكار كما أشرنا.
النقطة الأساسية جداً هنا هي أنه لا ينبغي لنا أن نقع في شرك تشبيهاتنا، أي أن نبدأ بتشبيه، ثم بعد أن نذكر تشبيهاً، نتوهم أن هناك حقاً مثل هذه المشابهة، مشابهة هي من خلقنا، فنظن أنها أمر واقعي وموجود في الخارج، ثم نبني على أساس تلك المشابهة استنتاجات خطيرة.
هنا، حيث يُضحّى بالإنسان بسيفٍ صنعه بنفسه، التشبيهات هي من خلقنا، تمامًا كبطلٍ نبتدعه في قصة، لا نصيب لها من الحقيقة، ولا واقع لها، ومن ثمّ لا تستطيع أن تبديَ أدنى مقاومة أمامنا. وكم ينبغي للمرء أن يكون عاجزًا ذليلًا حتى يقع أسيرًا لما خلقه بنفسه، وألا يميّز الواقعي من غير الواقعي، ويقع في شرك كائنٍ وهميّ هو من صنع يديه.
توينبي، المؤرخ الإنجليزي الشهير الذي نعرفه، له في كتابه الشهير «دراسة للتاريخ» نقدٌ لأفكار شبنجلر المؤرخ الألماني. جميعنا، على الأرجح، مطّلعون، قليلًا أو كثيرًا، على أفكار أوزوالد شبنجلر، ذاك الذي ذاعت أفكاره حول التاريخ وتحليله وتفسيره وانتشرت كثيرًا في الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، ثم ما لبثت أن أخذت في الأفول سريعًا بعد الحرب الثانية، حتى صار اسمه اليوم أقلّ ترددًا على الألسنة.
كان أوزوالد شبنجلر يظن أن التاريخ أشبه بنباتٍ ينمو، وبعد مدة تتحول هذه الشتلة إلى شجرة باسقة تثمر، ويحلّ عليها ربيعها، غير أن فصل الربيع ليس سوى فصلٍ واحد في عمر النبات كله، يأتي بعده دور الخريف، ومتى دخل النبات في الخريف وتساقطت أوراقه وثماره وذهبت، فلا أمل له البتة في عودة ربيع آخر. الثقافات، في ظنه، هي أطوار شباب المجتمعات، والحضارات هي أطوار تحجّرها وشيخوختها، وبعد أن تبلغ ثقافةٌ ما طور الحضارة تكون قد بلغت طور تحجّرها، ولا ينتظرها بعد ذلك إلا المقبرة، والتاريخ مقبرة إلى جوار مقبرة، ولا قيامة فيه.
أفكار شبنجلر، بسبب اليأس الذي خلّفته الحرب العالمية الأولى في المجتمعات الأوروبية، وبسبب انهيار ذلك التصور عن الاستقرار الذي كان سائدًا لدى الجميع، ذلك التصور عن الاستقرار الذي ينقله راسل وفرويد وآخرون في كتاباتهم، ويذكر راسل أن من لم يعش أيام أوروبا قبل الحرب الأولى لا يدري كم كان العالم ينعم بالهدوء، ولن يدرك أبدًا معنى الهدوء. ولكن حين أتت الحرب الأولى، انهار كل شيء، وذهبت كل الآمال أدراج الرياح، وتداعت فجأة كل تلك الاستقرارات الموهومة، الودائع المصرفية، والمدخرات للمستقبل، وكل تلك الأفكار والآمال التي كانوا يحملونها لعطلاتهم المقبلة، تبددت في لحظة. تكدّرت هذه الأحلام كلها، وأيقن الجميع أن العالم ليس واعدًا إلى هذا الحد، وأنه لا يمكن الوثوق بالتاريخ إلى هذه الدرجة. في هذه الأجواء رسخت آراء شبنجلر، وهو أساسًا إنما انطلق من البحث عن جذور وقوع الحرب العالمية الأولى، ثم أخذ رويدًا رويدًا في تحليل التاريخ كله ودراسته، واستخلص من هذه الدراسة لمجمل التاريخ هذه النتيجة، ثم ألّف كتابَيه الكبيرين الحافلين بالمادة، واللذين قاما من الألف إلى الياء على فلسفة التاريخ الخاصة هذه.
النقد الذي يوجهه توينبي لفكر شبنجلر هو نقد بسيط، لكنه نقد مدمّر. يقول إن آراء شبنجلر كلها، على ما فيها من فصاحة وبلاغة، لا تقوم إلا على تشبيه واحد، ولو أننا أزلنا هذا التشبيه، لما تبقى شيء. وهذا كلام حق، بداءةً، إذا جئنا، ودون أن نتصور نحن شيئًا وكائنًا ما (ومن جملة الكائنات التاريخ، إن كان ثمة كائن مستقل كهذا)، إذا شبّهنا هذا الكائن بكائن آخر، كالنبات مثلًا، ثم أردنا بعد هذا التشبيه أن نستنتج أن مصير التاريخ إذن هو مصير نبات، فهنا نكون قد أخطأنا. التشبيه بأيدينا، وما أرغمنا أحد على أن نشبه كائنًا ما بشيء ما.
بوسعنا أن نشبه أميرًا بالسرو، أو بالقمر، أو بالأسد، أو بالشيطان، أو بأي كائن آخر، سيئًا كان أم حسنًا، ومن هذه الناحية فأيدينا ليست مغلولة. ولهذا، لا ينبغي لنا أن نتوهم أننا، بعد أن نسوق تشبيهًا، نكون قد عبّرنا عن حقيقة، فيقودنا تشبيهنا إلى حيث يشاء. عموم الذين يتحدثون في التاريخ، ولا سيما في فلسفة التاريخ بمفهومها الحديث الرائج، غالبًا ما يقعون ضحية خطأ واحد، وهذا الخطأ هو الاستعباد والوقوع في شرك تشبيههم الذي صنعوه بأنفسهم.
ابتدائاً اگر تاریخ را به یک طفل در حال رشد تشبیه کنیم پس از آن نتایج بسیاری میتوان گرفت. اگر تاریخ را به یک مادر حامله تشبیه کنیم که حوادثی که در تاریخ رخ میدهند به منزله فرزندان این مادرند که خواهی و نخواهی روزی زاده خواهند شد، آن گاه ما به جبر تاریخ خواهیم افتاد. اگر تاریخ را به یک قطاری تشبیه کنیم یا به یک کاروانی تشبیه کنیم که به راهی میرود و از این راه بازگشتی نیست خود به خود برای این کاروان مسافرانی خواهیم انگاشت و از راه ماندگانی و کسانی که در راه میمیرند یا زیر دست و پا له میشوند و ناگزیر مسیری کشیده و منحنی هم برای تاریخ مُعَیَّنْ خواهیم کرد.
همه اینها معلول آن تشبیه است اگر تاریخ را به یک جنگل تشبیه کنیم هرگز چنان نتایجی را نمیتوان برداشت کرد و اگر بناست اثبات کنیم که تاریخ شبیه جنگل نیست و شبیه یک کاروان در حال حرکت است در آن صورت، آن چه که معتبر است، آن اثبات است نه آن تشبیه و از این لحاظ هرگز ما به کمک یک تشبیه یک نتیجهگیری عقلی و منطبق بر واقع نمیتوانیم بکنیم. سِرّ امر هم در این جا است که همه این تشبیهها و تمثیلها مخلوق خود ما است نه کشف یک واقعیت خارجی و بدین لحاظ نمیتواند مبین یک واقعیت خارجی باشد. تشبیههای شاعرانی انواع و اقسام دارد در بسیار از موارد و خصوصاً در نوشتهای سیاسی شما کمتر خواهید یافت که کسی به صراحت ابراز کرده باشد که چه چیزی را با چه چیز دیگری تشبیه میکند بلکه اغلب بدون ذکر این شباهت که در نظر گرفته میشود موضوع بیان میشود و این بر خواننده است که به خوبی دریابد که آیا این استدلال بر پايه تشبیهای بنا شده است و یا اینکه بدون تشبیه و صرفاً بر مبنای واقعیات، ذکر دلایل میشود.
در مورد سایر انواع اعتباریاتی که ما ذکر میکردیم من مایلم توضیح بدهم که همه آن چیزی که تحت نام تصویب کردن، تعیین کردن، مجازات، احترام، توهین، حق، تعهد، وجوب، استحباب، کراهت، تمام اینها وقتی که بیان میشود همه مبین نوعی مفهوم اعتباری هستند. به عنوان مثال وقتی که ما به کسی احترام میکنیم و کار شایسته، خوب و مقبولی از نظر اجتماع انجام میدهیم آنچه که واقعاً در خارج رخ میدهد یک رشته رفتار خاص بیشتر نیست اما این که این رفتار خاص توهین محسوب میشود و بد شمرده میشود یا حرمت گذاشتن محسوب میشود و مستحسن شمرده میشود صرفاً یک امر اعتباری است و متکی به قراردادها و ارزشهای ما است و کاملاً تعویض پذیر و لغو پذیر است و بهرهای از واقعیت خارجی ندارد. غرض از این که بهرهای از واقعیت خارجی ندارد این است که هیچ موجودی در خارج یافت نمیشود که مفهوم خوب بودن احترام و بر او صادق باشد. بلکه آنچه که در خارج یافت میشود یک رشته رفتار کاملاً مشخص است که به لحاظ فیزیکی و از نظر صرف مقداری انرژی و انجام دادن بعضی انواع حرکتهای بدنی و ناظر آن در خارج با هم هیچ فرقی ندارد. کاندیداتوری عیناً یک مفهوم اعتباری است وقتی که ما کسی را کاندیدا میکنیم برای مجلس و برای ریاست برای هر امر دیگر همه ما میدانیم که شخص کاندیدا صفتی به نام کاندیدایی ندارد، ماایم که به او میبخشیم و ما هم از او میگیریم و از این لحاظ لغوپذیر است و برای همگان یکسان نیست صفت واقعی هیچ موجودی نیست هم چنان که ریاست نیست، پول رایج یک مملكت صد در صد یک امر اعتباری است ما همه میدانیم که پول یک مملکت احتمال زیاد دارد که در جای دیگر اگر قراردادهای دیگری حاکم باشد مطلقاً برای او ارزشی نشمرند، خصوصاً پولهای کاغذی که صرفاً قرارداد است که اینها را بار ارزشی بشماریم سعدی میگفت از قدیم که «شریفزاده نادان به شهروا مانند/ که در دیار غریبش به هیچ نشمارند» شهروا یعنی شهر روان یعنی پول رایج یک شهر یک کشور در دیار غریب آن پول را به هیچ نمیشمارند یعنی آن بهاي که در جامعه نخستین دارد در جوامع دیگر نخواهد داشت و این به خوبی لغوپذیر بودن آن را نشان میدهد. از آن طرف نیاز ما انسانهاست که پول را به وجود آورده اگر این نیازها نبود و ما به نحو دیگری میتوانستیم مبادله کنیم هرگز خلق پول نمیکردیم و از این نظر به هیچ وجوه نمیتوان سوال کرد که آیا این اسکناس واقعاً ده تومان ارزش دارد یا ندارد. هیچ واقعیتی در این جا وجود ندارد. صرفاً نزد ماست که این بها را به او بخشیدهایم هم چنان که قبلاً هم ذکر میکردیم مانند اسمهایی است که بر موجودات میگذاریم هیچگاه نمیتوان پرسید که اسم ماه واقعاً ماه است یا چیزی دیگری است. واقعیت در این جا مطلقاً غایب است و آن چه که حاضر است اعتبار ماست. به خوبی ابزاری بودن این اندیشهها مشهود است.
نحن نستخدم هذه الأمور محضاً كأداة، وذلك من أجل بلوغ حاجاتنا، فإذا لم تمتلك هذه الأداة القدرة والكفاية على تلبية الغرض الذي خلقناها من أجله، فإننا سنلقي بها جانباً ونأخذ أداة أخرى، وبسُلّم آخر نصعد إلى سطح مقصودنا. هذه نقطة سنتناولها بمزيد من التفصيل لاحقاً.
العقوبات – وقد تحدثنا عنها سابقاً – هي أمر اعتباري محض. جميع إشارات المرور أمور اعتبارية. عَلم بلدٍ ما الذي يمثّل بلداً هو أمر اعتباري؛ مبدأ التاريخ هو من الأمور الاعتبارية. سن التقاعد هو من الأمور الاعتبارية. جميع أنواع الألعاب التي نعرفها مثل كرة القدم، والكرة الطائرة، وكرة السلة، كل هذه وجميع القواعد المستخدمة في هذه الألعاب هي من صميم القواعد الاعتبارية، إنها محض تواضعات، ولا يمكن بأي وجه إثبات أن لعبة كرة القدم يجب أن تكون لها هذه القواعد دون قواعد أخرى، هي كما هي، وإذا اخترنا قواعد أخرى فستكون لدينا بالطبع لعبة أخرى. منح الدرجات هو أمر اعتباري، أعني كيف نقوم بالتصنيف وكيف وبأي علامات يريد المعلم أن يُظهر مقدار معلومات تلاميذه. في جميع هذه الحالات التي ذكرناها لمزيد من التفكر، نرى كم نحن غارقون في الأفكار الاعتبارية، وإذا لم نمتلك هذه الأداة، فكيف يمكن أن يكون لدينا أمل في أي نوع من العمل في المجتمع، ومن هنا فإن فاعلية الأفكار بالغة الأهمية بالنسبة لنا.
في البداية عندما كنا نقول إن هذه الأفكار قابلة للإلغاء وإنها لا تخضع للصدق والكذب، ربما كان يخطر ببال البعض أنها أفكار عديمة الفائدة وعديمة الكفاية، لكنها في الحقيقة من أكثر الأفكار البشرية فائدة، ولا يمكننا أن نحيا بدونها، حياتنا على نحو يجعلنا بحاجة إلى هذه الأفكار، ولهذا السبب خلقناها. في خضم الأفكار الاعتبارية، كنا قد قلنا إن هناك فئة حددناها باسم الأفكار القيمية. الأفكار القيمية على نحو واسع ليست أكثر من نوعين: إما أنها تعبّر عن حُسن الأشياء أو عن قُبح الأشياء والأفعال. نُسمي بعض الموجودات حسنة وبعضها قبيحة، وبعض السلوكيات نُسميها حسنة وبعضها قبيحة. نريد أن نرى هل أن الحُسن والقُبح، بقطع النظر عن تواضعنا وبقطع النظر عن صُنعنا للفكرة، هما موجودان حقيقيان وصفتان خارجيتان في الأشياء، أم أن تصنيفنا وتقييمنا هو الذي يكسب الموجودات صفاتها. في البداية، يبدو أحياناً أن بعض الموجودات حسنة وهي حسنة حقاً. أي أن حُسنها في الخارج له واقعية وهو صفة فيها، وبعض الأشياء قبيحة وهي قبيحة حقاً. إذا كانت أفكار الحُسن والقُبح، الخير والشر، أفكاراً اعتبارية، وبتعبير آخر إذا كانت المعايير التي ذكرناها لتمييز الأفكار الاعتبارية صادقة عليها، ففي هذه الحالة نكون مضطرين للقبول بأن الخير والشر لا يوجدان في الخارج، ورغم أنهما فكرتان بالغتا الأهمية، إلا أنهما ليستا صفة لأي موجود.
سيقودنا هذا إلى سلسلة من الأمور البالغة الأهمية، وسيكون فاتحة باب لاكتشاف العديد من النقاط المهمة التي قد نمر بها دون تدبر واختبار. وقد أشرنا سابقاً في هذه المناقشات إلى أنك إذا حللت ميكروب الكوليرا الذي تعتبره سيئاً تحليلاً دقيقاً، فلن ترى فيه شيئاً يكون في ذاته سيئاً. سنرى فيه صفات كثيرة، قد نحلل التركيب الكيميائي لغشاء خلايا جسم هذا الميكروب تحليلاً دقيقاً، وقد نفككه، وندرس جميع الإنزيمات الموجودة في جسمه، ونلاحظ تأثير هذه الإنزيمات على الكائن المضيف عندما يدخل هذا الميكروب إلى جسم شخص ما، ونستجلي جميع عواقبها اللاحقة بدقة. ولكن أين يكمن السوء؟ كل ما ذكرناه هو سلسلة من الحوادث الخارجية التي وقعت، وقد نقول عن كل واحد من هذه الحوادث أو مجموعها إنه سيئ، ولكن هذه ليست هي السوء ذاته، بل نحن من نصنفها ونقيمها بأنها سيئة. وبتعبير آخر، إذا قلنا عن أحد هذه الأمور التي تقع في الخارج إنه السوء ذاته، فحينئذٍ عندما نقول إن حادثة ما سيئة، سيكون ذلك مساوياً لأن نقول إن السيئ سيئ، لأننا اعتبرنا تلك الحادثة ذاتها سيئة، أي أننا اعتبرناها عين السوء. ومن هذا المنطلق، سيبقى السوء دوماً صفة للموجودات، صفة نمنحها إياها، لا صفة نكتشفها في الخارج للموجودات. والأمر نفسه ينطبق تماماً على الحُسن، فهناك أيضاً يجب أن نعلم أننا كلما وصفنا شيئاً بالحُسن، فإن الحُسن ليس صفة فيه كما يكون اللون أو الحجم أو الوزن صفة في الأشياء.
عندما أقول إن العدل حسن، والعدالة حسنة؛ وعندما نقول إن الظلم والجور سيئان، ونعدد جميع أنواع السلوكيات الأخرى وما يوجد في تلك الأعمال والسلوكيات، فليس في العالم الخارجي سوى سلسلة من التحولات الطاقية، ولكن هذه التحولات الطاقية سيئة، وهذا السوء ليس شيئاً ملتصقاً في الخارج بفعل ما، وكذلك الحُسن، بل نحن من نمنح القيمة لهذه المجموعة من السلوكيات. وهذه نقطة ينبغي أن نذكرها هنا.
ومرة أخرى يجب أن نؤكد أنه على الرغم من أن الحُسن والسوء من الأمور الاعتبارية، إلا أن معنى هذا ليس أن الأمور سيئة، وليس معناه أنها عديمة الفن، وليس معناه أنها عديمة الكفاءة، فنحن لا نستطيع أن نحيا بدون تقييم.
كل ما نرمي إليه هو أنه لا ينبغي أن يُظن أن الحُسن والسوء هما كما يكون الوزن صفة في الأشياء، أو كما تكون الأبعاد الهندسية جزءاً من صفات الأشياء وكيفياتها، أو كما تكون الحرارة كيفية في الأشياء، فشيء ما حار أو بارد، فالحُسن والسوء ليسا كذلك. فهذه الصفات والكيفيات ليست موجودة في الأشياء؛ فالحُسن والسوء ليسا بكيفية، ولا كمية، ولا هما جزء من أعراض الأشياء ولا من جواهرها؛ وليسا أي نوع من الموجودات من هذا القبيل. هذه نقطة قيّمة جداً، فقد ظن البعض أن الإنسان ينطوي في ذاته على تضاد، وأرجعوا هذا التضاد الذاتي إلى نوعين من الأشياء: الخير والشر في داخل الإنسان. ولأنهم تصوروا أن الخير متضاد مع الشر، فقد ظنوا خطأً أن في داخل النفس البشرية موجودين متضادين. وقد أشار بعض الفلاسفة المعاصرين إلى هذه النقطة بدقة، وهي أن الخير والشر أمران اعتباريان، وليسا موجودين حقيقيين متضادين مع بعضهما البعض. وعندما يتضح ذلك، تُقتلع جذور هذه المسألة، ونرى بوضوح كيف أن الخلط بين مفهومين (أحدهما مفهوم اعتباري والآخر مفهوم غير اعتباري وغير وهمي) مع بعضهما البعض، وعدم التمييز بينهما، قد أفضى وسيفضي إلى أي نزاع واسع النطاق.
بمجرد أن يتم هذا التمييز، سيزول كل ذلك النزاع. إنه حلم شديد الاضطراب، ولكن بمجرد إدراك هذا الفصل، سيستيقظ الشخص فوراً من نومه، وسينتهي كل ذلك الحلم المضطرب والمضلل والمزعج واللاذع. شيئان، قوتان، خاصيتان موجودتان في الإنسان، أو أكثر من ذلك، إذا ما أطلقنا على إحدى هاتين الخاصيتين اسم الشر، وعلى الأخرى اسم الخير، وسمينا إحداهما وضيعة والأخرى سامية وعليا، ثم توهمنا، لظننا أن الخير والشر متضادان، ولظننا أن الوضيع والعالي متضادان، أن هناك موجودين اثنين موجودين حقاً في الخارج يتنازعان ويتجادلان، فإن هذا النزاع اعتباري محض ولا وجود حقيقي له. إنه تماماً كاسم القمر الذي في الخارج{افتادگی در نوار} هكذا فعلنا، فإن لم نكن منتبهين سنقع في شرك اعتبارنا هذا، وهذه هي المغالطة التي كنا نضعها نصب أعيننا منذ بداية هذا البحث لنقدمها كنتيجة لهذه المباحث.
ذكرنا مثالاً واحداً عليها في التاريخ، وأشرنا الآن إلى مثال في بحث ماهية الإنسان والكشف عن غرائز وقوى الإنسان والميكانيزم النفسي للإنسان. ويمكننا أن نذكر أمثلة أخرى كثيرة لاحقاً.
بمجرد أن يمنح أحدهم هذه الأمور أصالة في الخارج، فعليه أن يعلم أنه يقف متعبداً ضارعاً أمام مخلوق وهمي ضعيف هو من خلقه بنفسه. وهنا ينبغي أن تُتلى هذه الآية القرآنية: «إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى» (النجم/23). هذه أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، لا نصيب لها من الحقيقة، ولم يجعل الله لها من سلطان؛ وعبادة الأسماء هي ما نرفضه بشدة.
كل ما هو من قبيل الاسم، أي ما هو اعتباري، وما هو اصطلاحي، فإن منحه هوية وجعله صنماً واعتبار وجوده وشخصيته في الخارج والسجود له وعبادته، كل ذلك سيُسمى تحت مسمى عبادة الأسماء. وستكون جميعها، بشكل أو بآخر، أمثلة على المغالطة التي نسميها مغالطة الاعتبار والحقيقة، أو مغالطة الخلط بين الاعتبار والحقيقة. هذه هي أهم مغالطة تقع في الأمور الاعتبارية، وسيساعد تمييز هذه الأفكار في إزالة هذه المغالطات. إذا ظن أحدهم أن للنقود قيمة حقيقية في الخارج، فهذا خلط بين الاعتبارات والحقيقة. إذا ظن أحدهم أنه يمكن إثبات متى يبدأ سن التقاعد أو متى ينبغي أن يبدأ بالدليل، إذا ظن أحدهم أنه يمكن إثبات مقدار وكيفية عقوبة السارق بالأدلة العقلية والمنطقية؛ فإن كل تصور ووهم من هذا القبيل، بلا استثناء، يقوم على خطأ، وهو اعتبار الأفكار الاعتبارية أفكاراً غير اعتبارية.
نحن نقترب من استنتاجنا، وهذا الاستنتاج هو أنه بمساعدة الأفكار الاعتبارية لا يمكن إثبات أي فكرة غير اعتبارية، والعكس بالعكس، بمساعدة الأفكار غير الاعتبارية لا يمكن إثبات أي فكرة اعتبارية، فالطريق مسدود من كلا الجانبين.
لا يمكن بتشبيه واحد استخلاص نتيجة للعالم الخارجي، فهذا الاستخدام لنظرية اعتبارية لإثبات حكم واقعي غير اعتباري، ولا يمكن العكس، أي الاستنتاج من أمور غير اعتبارية وأفكار غير أداتية. على سبيل المثال، ما هو اللون الذي ينبغي أن يكون عليه علم بلد ما، أو كم ينبغي أن يكون مقدار الضريبة، أو ما هي القيمة التي ينبغي أن تكون للنقود، لا يمكن إثبات أي من هذه الأمور بالأفكار غير الاعتبارية. في حالات كثيرة جدًا، هذا هو عينه الخلط بين هذين النوعين من الفكر، وأنا أدعوكم جميعًا إلى أن تنظروا من الآن فصاعدًا في مثل هذه الكتابات بدقة أكبر وتتأملوا جيدًا فيما إذا كان الاستدلال يجري بهذه الطريقة، أي بالعبور من نظرية غير اعتبارية نحو نظرية اعتبارية أو العكس. حيثما حدث مثل هذا الأمر، فاعلموا أن خطأً قد وقع، وأن ذلك الاستدلال غير مقبول. لقد ذكرنا هنا حالة بالغة الأهمية منه تتعلق بالملكية ولن نكررها، وأظهرنا مدى التعقيد الكامن في هذا الأمر، وكيف أن أناسًا ظنوا أنهم بذكر كم يعمل العامل أو كم يستثمر الرأسمالي، وهما أمران واقعيان، يمكنهم أن يثبتوا لمن تعود ملكية الربح ومن سيكون له، أللعامل أم للرأسمالي. كنا نقول إن عائدية الربح للعامل أو للرأسمالي أو لأي شخص آخر، للدولة، هي بأسرها أمر اعتباري.
ذلك لأن الملكية فكرة اعتبارية، بينما الاستثمار فكرة غير اعتبارية، والعمل فكرة غير اعتبارية، هذه الأمور لها مطابق خارجي، وهي كشف عن الواقع، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمكن الوصول من الأولى إلى الثانية، أي لا يمكن ذكر مقدمات تشتمل على أفكار غير اعتبارية واستخلاص أمر اعتباري كنتيجة. ونحن نعتقد أن أولئك الذين ظنوا أنه بمجرد معرفة ما هي غرائز الإنسان؟ وبمجرد معرفة ما هو البناء الجسدي للإنسان؟ يمكنهم أن يثبتوا كيف أن ممارسة الغريزة الجنسية جائزة من طريق وغير جائزة من طريق آخر، قد ساروا في طريق غير سوي.
نحن نعتقد بالطبع أن بعض أنواع إشباع وممارسة الغريزة الجنسية لا توافق طبع البشر، وبعض أنواعها الأخرى توافق طبع البشر، لكن في كون الموافقة للطبع دليلاً على أن شيئًا ما حسن، أو عدم الموافقة للطبع دليلاً على أن شيئًا ما قبيح، فالأولى أمر غير اعتباري والثانية اعتبارية، وهاتان لا ترتبطان ببعضهما.
نظن أننا نفكر هكذا: إذا قام أناس، بمساعدة الاكتشافات العلمية أو الاكتشافات الفلسفية على سبيل المثال، بإظهار أي طريق هو طريق الطبيعة وإلى أي جهة يمضي عالمنا، وأرادوا انطلاقًا من ذلك أن يثبتوا إلى أي جهة ينبغي لنا أن نمضي، فإنهم يكررون عين هذا الخطأ. إلى أي جهة ينبغي لنا أن نمضي هي فكرة اعتبارية، هي أمر ليس له مطابق خارجي وقابل للإلغاء، منشؤه الحاجة، وكل ما كنا نقوله سابقًا بمنزلة معايير خصائص الأفكار الاعتبارية ينطبق عليه. لكن إلى أي جهة يمضي العالم هو أمر واقعي {انقطاع في الشريط} واتباعه ممكن تمامًا. من الممكن أن يكون الشيء الذي نجده مرغوبًا ونعلمه متناسبًا تمامًا مع نسيجنا الروحي أيضًا، وهذا هو الحال عادة، أي أننا عمومًا نجد الأشياء التي تتوافق معنا، مع فطرتنا، مع بنائنا الروحي، حسنة. هذه كلها ممكنة ومعقولة وموجودة، وعليه، فبسبب أن البشر لديهم بناء روحي متشابه، فقد تكون الأشياء الحسنة دائمًا متشابهة بالنسبة لهم جميعًا؛ هذه النقاط ليست محل إنكار منا. ما نريد قوله هو أن {انقطاع من الشريط} الثانية لا يمكن استخلاصها من الأولى. نظن أن ما طُرح تحت عنوان وهم التطور في التاريخ والبيولوجيا قائم برمته على مثل هذا الخطأ.
ما يحدث في العالم الخارجي هو أحداث واقعية في العالم الطبيعي، في الغابات، في عالم النباتات، وفي أجساد الكائنات الحية، سواء اتجهت هذه الكائنات الحية نحو مزيد من التعقيد في البنية الكيميائية الخلوية، أم نحو مزيد من التبسيط، أو أي تحول آخر يطرأ على أجسادها. لكن استخلاص نتيجة من هذه التحولات بأنها إذن تسير نحو الأفضل هو ارتكاب لهذا الخطأ نفسه. فالتعقيد ليس هو عين التحسن، وكون الشيء أفضل أو أكمل هو فكرة أداتية اعتبارية تنطبق عليها كل تلك الخصائص التي ذكرناها، أما التعقيد في جزيء كيميائي وكثرة الأجهزة والأعضاء في كائن حي فهو أمر واقعي. الأول لا يفضي تلقائياً إلى الثاني، ولا يمكن التفكير بأننا كلما اتجهنا نحو الازدياد والتعقيد من هذه الناحية، اتجهنا نحو ازدياد الكمال والخير من الناحية الأخرى. كان داروين نفسه واعياً بهذا الأمر جيداً، وقد دبّس في أحد كتبه قطعة صغيرة، قطعة ورق صغيرة، كتب عليها: لا تتحدث أبداً عن الأعلى والأدنى. كان يعلم جيداً أنه في عالم البيولوجيا ليس هناك مجال للخير والشر، ولا يمكن استخلاص مثل هذه النتائج من العلم. ونحن الآن نكرر الأمر نفسه بلغة المنطق، وهو أن الأول ليس منتجاً للثاني ولا العكس. من أفكار مثل التطور وما شابهها لا يمكن استنتاج بنية العالم. هذا هو الانتقال من الاعتباري إلى غير الاعتباري، وفي كلتا الحالتين نرتكب نوعاً واحداً من الخطأ.
ينبغي لنا هنا أن نشير إلى نقطة أخرى، وهي أننا تحدثنا حتى الآن عن قابلية بعض الأفكار للإلغاء، وهذه القابلية للإلغاء كامنة في صميم وطبيعة الأفكار الاعتبارية. غير أن هذا الإلغاء يقع في بعض الحالات على عاتق واضع تلك النظرية ومقررها، فإذا قبل شخص ما قرارات واضعٍ ما، أمكنه أن يظل تابعًا لقرار ذلك الشخص الواضع إلى الأبد من حيث الإلغاء أو عدم الإلغاء. نحن جميعًا مسلمون ونلتزم بقرارات وجعليات وتشريعات مدرسة الإسلام، ومن هذه الناحية، عندما نقول إن أمرًا ما قابل للإلغاء، فليس معنى ذلك أننا نستطيع إلغاءه مسبقًا، بلى، يمكننا أن نلغيه، ويمكن لأي شخص أن يعصي أوامر الشرع ولا يعمل بها. هذا ليس شبيهًا بقانون الجاذبية الذي لا يمكننا عصيانه ما دمنا في مجال جاذبية الأرض. يمكن لأي شخص أن يدير ظهره لمدرسة ما وألا يصغي لأقوالها وأن يدوس تعاليمها تحت قدميه، ولكن عندما يلتزم شخص بمدرسة ما ويتعهد بها ويقبلها، فإن تلك التعاليم لن تكون قابلة للإلغاء بالنسبة له، وإن كانت صفة قابلية الإلغاء لتلك التعاليم باقية على حالها بالنسبة لواضع تلك الأوامر. ومن هذا المنطلق نؤكد ونكرر أن قابلية الإلغاء هذه لا تعني أن كل شخص مخوّل بأن يلغيها وفقًا لهواه. في الحقيقة، إن كون المرء مخوّلًا أو غير مخوّل هو بحد ذاته أمر اعتباري، وعندما يتعهد شخص بالالتزام بمدرسة ما، يكون قد سلب هذا التخويل من نفسه، وأوكل أمر إلغاء تلك التعاليم وعدم إلغائها إلى واضع المدرسة ومبدع الأيديولوجيا. نعلم جميعًا أن لله نوعين من القوانين في هذا العالم: القوانين التكوينية، وهي ما يُصطلح عليه بما هو في صميم الخلقة وغير قابل للتغيير، والعالم كما هو كائن، والمادة في هذا العالم لها سلوك خاص، وهذه القوانين غير قابلة للإلغاء، بمعنى أنه إذا كانت المادة هي ما هي عليه، فإن لها بالضرورة والإلزام خواصًا معينة لا يمكن سلبها عنها، إلا إذا لم تعد المادة مادةً وصارت شيئًا آخر. النور، إذا كان هو ما هو عليه، فستكون له هذه القوانين نفسها إلى الأبد في ظروف معينة، ومن التناقض أن نتصور أن النور نور ولكنه لا يمتلك ذلك السلوك الخاص الذي له الآن. هذه قوانين إلهية تكوينية، وهي في صميم الخلق، ولن تكون قابلة للتغيير بمشيئة أحد، وستبقى كما هي عليه. لكن لله سلسلة أخرى من القوانين تُعرف بالقوانين التشريعية، وهذه هي القوانين الإلهية القابلة للإلغاء، وهي لا تشبه القوانين التكوينية على الإطلاق. نعلم جميعًا أن الله أنزل شرائع شتى، وأرسل كتبًا متنوعة، وبعث أنبياء متعددين ومتنوعين، وكان كثير منهم أصحاب شريعة وأصحاب دين، وهناك أنواع من العبادات والسلوكيات والسنن في شرعنا لم تكن موجودة في الشرائع الأخرى. هذه القوانين ألغاها الله بيده ووضع مكانها قوانين أخرى، لكننا نرى بوضوح أن القوانين التشريعية قابلة للإلغاء، وقد أجرى الله إلغاءها طبعًا وفق ما رآه من صلاح. لا شك في ذلك، ولكننا نريد أن نذكر أن النور منذ بدء الخليقة وحتى الآن، وفي تلك الظروف الخاصة، كانت له دائمًا هذه القوانين نفسها. وكذلك الإلكترونات والبروتونات، وكذلك العناصر، وكذلك المركبات الكيميائية. لا ريب أن كل موجود هو ما هو عليه، وما دام موجودًا، فله الخواص ذاتها التي يقتضيها طبعه، وهي غير قابلة للإلغاء بالنسبة له، ولا يستطيع أحد سلب تلك الصفات عنه. أما القوانين التشريعية فهي قابلة للسلب والإلغاء تمامًا. هذا الأمر نفسه يجري في مجتمعنا أيضًا. نعلم جميعًا أن للمجتمع مجموعة من القوانين، وهي القوانين غير الاعتبارية، أي كيف يكون جريان الثروة في المجتمع مثلًا، فهذا ليس أمرًا قابلًا للتعريف وفقًا لمشيئة أحد. هذه واحدة من النقاط البالغة الأهمية، فحتى قرن أو قرنين مضيا، لم يكن معروفًا جيدًا ما إذا كانت هناك قوانين تحكم المجتمعات يمكن أن تنشئ علمًا يُدعى علم الاجتماع، بحيث لا تكون هذه القوانين تابعة لأهواء أحد، بل تكون فاعلة بذاتها في الواقع. وكما أن هناك قانونية في الجبل وفي القمر وفي دوران الأرض، فهل هناك قانونية في حركات المجتمعات أيضًا؟ إذا كانت هذه القوانين موجودة، فهي فاعلة بذاتها وبالطبع، وغير قابلة للإلغاء، وغير قابلة للتغيير، وليس علينا إلا أن نقف منها موقف الكاشف ونكتشفها. فعلى سبيل المثال، الأسعار في مجتمع ما تخضع لتقلبات خاصة لا تتوقف أبدًا على مشيئة أحد، بل هي حصيلة سلسلة من الأمور الجارية في المجتمع، ولهذا السبب لا يمكن أبدًا التحكم بالأسعار بمجرد إصدار الأوامر أو التشريع المحض.
هذه بداية معرفة جديدة، فإذا أمكن تغيير شيء ما بتغيير الرغبة وتغيير الذوق، فذلك الأمر اعتباري، وإن تعذّر فليس باعتباري. فإذا ظننّا أننا نستطيع بالوعظ أو بالأوامر أو بالتشريع البسيط أن نؤثر في أمر ونغيّره، فسيكون ذلك الأمر حينئذٍ اعتباريًا. ولكن ما إن ندرك أن الأمر ليس كذلك، حتى ينبغي لنا أن نعلم أننا أمام أمر غير اعتباري، وهذا يُظهر مرة أخرى خطورة ذلك الخلط المُضلّل. كيف ينبغي لنا أن نواجه أمرًا ما؟ يعتمد ذلك تمامًا على معرفتنا به. وستبدأ هذه المعرفة في المقام الأول من هنا: هل نعتبر هذا الأمر اعتباريًا أم لا؟ نعلم جميعًا أننا لكي نغيّر اسم القمر، لا نحتاج إلى تغيير أي شيء في كرة القمر، بل نحتاج فقط إلى القبول بأن نتّفق في لغتنا على ألا نستعمل هذا الاسم بعد الآن، وأن نستعمل اسمًا آخر. نعلم جميعًا أنه في حالة عقوبة معينة، أو لون العلم مثلًا، وأشياء من هذا القبيل، يمكننا بالتشريع وبسنّ قانون في المجلس أن نغيّر المسألة، ومن الغد نطبّق اسمًا آخر وعلمًا آخر وعقوبة أخرى. لكننا نعلم جميعًا أيضًا أنه بمثل هذه التشريعات لا يمكن تثبيت الأسعار والمعدّلات مثلًا. لا يمكنها أن تعمل كما نرغب نحن، فهي تخضع لسلسلة من التّيارات التي لا يمكن تغييرها بسهولة وفق رغباتنا. وبهذا نكون هنا أمام مسألة واقعية لا وهمية. وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمكن التصدّي لها ومحاربتها بأساليب اعتبارية واتفاقية، بل ينبغي اختيار أساليب تتناسب معها هي نفسها. ما يُكتب أحيانًا في بعض الكتابات من أن لدينا معرفة عميقة ومعرفة سطحية، إذا كانت مثل هذه الأمور موجودة، فإنه بالمعايير التي تُذكر عادةً هناك لا يمكن أبدًا إجراء تفريق دقيق بين هذه الحدود. وهذه المراحل، على فرض وجودها، ستأتي بعد مراحل التفريق الأولي بين الاعتباري وغير الاعتباري بزمن طويل. وما لم تُعرف شأن هذه الأفكار جيدًا، يبقى خطر الوقوع في شرك كثير من الضلالات قائمًا. كانت هذه نقطة مهمة استدعى الأمر ذكرها هنا. وهناك نقطة أخرى ينبغي أن نذكرها هنا لكي نتجنّب خطأ آخر، ألا وهي أن بعض الاعتباريات دائمة وإن كانت اعتبارية. فعندما نقول أمور وهمية واعتبارية، فليس معنى ذلك بالضرورة أنها في تغيّر دائم. فهناك حالات يكون من مقتضى إنسانية الإنسان أن تكون حياته مصحوبة بالاعتباريات، وبهذا يكون اعتناق بعض الأفكار الوهمية أمرًا لا مفرّ منه. ففكرة الحُسن والقُبح من جملة الأفكار الاعتبارية الدائمة، وقد وُلدت هذه الأفكار وبدأت مع بدء الإنسانية.
لقد اعتبرنا دائمًا أشياء حسنة وأشياء قبيحة، ونفس الحُسن والقُبح هو ما أعنيه، وإن كانت مصاديقهما قد تغيّرت كثيرًا، ويمكن أن نُظهر حالات كثيرة كانت تُعتبر حسنة ثم صارت تُعتبر قبيحة والعكس بالعكس. لكن نفس اعتبار الأشياء والأفعال الخارجية حسنة أو قبيحة هو من الاعتباريات التي لازمت البشر إلى الأبد. ومن هذه الناحية، فإن كونها اعتبارية أو قابلة للإلغاء لا يعني مرة أخرى أن بعض الاعتباريات -أي كلها- تكون دائمة التقلّب. لقد قلنا إن الأمور الاعتبارية هي أدوات الإنسان، وبعض هذه الأدوات بدأ فورًا منذ بدء ولادة الإنسان والإنسانية، ومن هذه الجهة يمكن أن نجد أفكارًا اعتبارية دائمة أيضًا. النقطة المهمة هي: أيّ من الأفكار الاعتبارية دائم وأبدي وكان ولا يزال وسيظل ملازمًا للإنسان؟ هذه نقطة قابلة للبحث الكثير بالطبع، ولسنا الآن بصدد تحديد مصاديقها. يبدو أن الحُسن والقُبح فكرة من هذا القبيل، ويبدو أن الاستخدام فكرة من هذا القبيل. وغرضنا من الاستخدام هو نفس اتخاذ الشيء أداة، وأن نستعمل شيئًا ما للوصول إلى غرض. منذ أن بدأت الحياة الاجتماعية، كانت اللغة أمرًا اعتباريًا لازم البشر دائمًا وانتفعوا به، وتنوّع اللغات وتجذّرها والخطّ، كل ذلك يُظهر أن البشر كانوا مضطرين إلى مثل هذا الاعتبار، وغير ذلك من الاعتباريات الكثيرة التي يمكن اكتشافها والتوصّل إليها.
إلى هنا ينتهي بحثنا في القسم الأول من مباحثنا المتعلقة بالأمور الاعتبارية، ولكي نقدم خلاصة لما قلناه في هذه المرات الأربع، وليعلم الذين تابعوا هذه المباحث بدقة كافية ما هي خلاصة الكلام وما الذي كنا نرمي إليه من كل تلك التدقيقات المنطقية، نكرر أن الأفكار تنقسم في أول تقسيم لها إلى خمسة أنواع، سمينا أحدها بالاعتباري، وهو بدوره قسمان: قسم الأفكار الوهمية القيمية وغير القيمية. وبناءً على الخصائص التي ذكرناها لهذه الأفكار، فإن الأفكار الاعتبارية أولاً لا تخضع للصدق والكذب، لا سبيل فيها للصواب والخطأ، وليس لها مطابق وما بإزاء خارجي، أي أنها ليست صفة من صفات الموجودات، ولا هي جزء من موجودات مستقلة. وفي المرتبة الثانية، هي أفكار تابعة للوضع والجعل والاتفاق بين البشر، وهي قابلة للإلغاء، وليست كونية؛ فلم تكن النظرة إليها واحدة في جميع المجتمعات وعبر التاريخ، بل هي في تموج. وإذا كان الأمر كذلك، فإن طريق هذه الأفكار سينفصل كلياً عن طريق الأفكار غير الوهمية. الأفكار الوهمية فعالة جداً، إنها أدوات للحياة الفردية والاجتماعية للبشر، وبدونها لا يمكن الحياة فرداً ومجتمعاً. نحن نعتبرها ونستخدمها وننتفع بها في مبادلاتنا، وفي علاقاتنا، وفي عملنا على المادة الخارجية الجامدة، وفي تماساتنا الإنسانية في المجتمعات، هذه الأفكار فاعلة باستمرار، وهي حاملة لمقاصدنا ومثمرة لنشاطاتنا للوصول إلى أهدافنا الإنسانية. قلنا إنه لا يمكن تقديم استدلال منطقي لقبول أي فكرة اعتبارية، لا لأسماء الأشياء، ولا لقواعد اللعب، ولا لثمن النقود، ولا لحسن الشيء وقبحه، ولا لأي شكل آخر من أشكال الأفكار الاعتبارية، فهي غير قابلة للإثبات أو النفي المنطقي. والمقصود بكونها غير قابلة للإثبات والنفي المنطقي هو أنه لا يمكن استنتاج فكرة وهمية بمساعدة الأفكار غير الوهمية، وعكس القضية صحيح أيضاً، لا يمكن استنتاج فكرة غير وهمية بمساعدة الأفكار الوهمية. وهذا سارٍ وجارٍ في التصورات وفي التصديقات والقضايا على حد سواء. ومن هذا المنظور، سيتم التعرف على هذا الخطأ، الذي هو أهم الأخطاء، بمساعدة تمييز الأفكار الوهمية من غير الوهمية. قلنا إن بعض الأفكار الوهمية كانت ملازمة للإنسان والبشرية دائماً، وهذه الملازمة الدائمة لا تنافي كونها اعتبارية البتة. في اعتقادنا، من المصاديق المهمة للأفكار الاعتبارية: الرئاسة، والملكية، واعتبار الحسن والقبح للسلوكيات، وأيضاً التشبيهات التي نستخدمها وفقاً لميولنا، والتي قد نخطئ فيها إن لم نكن يقظين. إلى هنا ينتهي القسم الأول من بحثنا حول الأفكار الوهمية، وسنرى القسم التالي في المرة القادمة.
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام خواهش میکنم قسمت های بعدی را هم بگذارید هنوز بحث ادامه دارد و اندیشه های مهم متافیزیکی مانده اند و اگر لطف کنید و در فرمت pdf مهیا بفرمایید واقعا عالی خواهد بود.باز هم ممنونم...خسته نباشید