اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى فيتغنشتاين، في محاضرته عام 1929، أن الأخلاق بحثٌ في معنى الحياة والأمور الجوهرية. يوضح هذا النص التمييز بين المعنى النسبي والمطلق، ويُصحّح الفهم الوضعي لرسالته المنطقية الفلسفية.

مقدمة المترجم عاد لودفيغ فتغنشتاين إلى كامبريدج في السابع عشر من نوفمبر عام 1929، وهي السنة الأولى لعودته واستئنافه للفلسفة بعد انقطاع دام عشر سنين، وبدعوة من أوغدن، أول مترجم لرسالته المنطقية-الفلسفية إلى الإنجليزية، ألقى في جمعية الهراطقة محاضرة عن «الأخلاق» نُشرت لأول مرة بعد أربعة عشر عاماً من وفاته، ولقيت اهتماماً بالغاً، ولا تزال تحظى بأهمية خاصة لدى دارسي فتغنشتاين. لم يكن أعضاء جمعية الهراطقة من أهل الفلسفة عموماً، بل من أهل العلوم الطبيعية، وقد تحدث في جمعهم قبل فتغنشتاين مشاهير أمثال ويلز، وبرتراند راسل، وفرجينيا وولف. ومحاضرة فتغنشتاين هذه، من جهة، غير متخصصة تماماً ولا تخوض في نقاش «تقني» في فلسفة الأخلاق؛ وليست هذه المحاضرة عصية على الفهم.
تعود «محاضرة في الأخلاق» إلى بداية مرحلة انتقال فتغنشتاين من فكره المبكر إلى فكره المتأخر، ومن الطبيعي أن تشتمل على عناصر «تراكتاتوسية». تتضح في هذه المحاضرة بعض نقاط التراكتاتوس ويوميات المرحلة المبكرة من حياة فتغنشتاين، ويتبسط فيها بشكل خاص رأيه في «ما لا يُقال»، ويُظهر جلياً أن التلقي الوضعي للتراكتاتوس كان سوء فهم كبيراً. الملفت للنظر والهام في أسلوب ومنهج «محاضرة في الأخلاق» هو أن فتغنشتاين صاغ استنتاجاته بصيغة المتكلم، وأجرى نوعاً من حديث النفس (وكما سيرى القارئ في نهاية قسم «القيمة» من الجزء الثاني من هذه المجموعة، فإن هذا الفعل من فتغنشتاين كان واعياً)؛ هذه المحاضرة هي بمعنى ما تجسيد لطبع فتغنشتاين. ولن يخفى على القارئ الأجواء الوجودية الغالبة على هذا النص.
قبل أن أبدأ الحديث عن موضوعي، اسمحوا لي أن أقدّم بعض الملاحظات التمهيدية. أشعر بأنني سأواجه صعوبات كبيرة في نقل أفكاري إليكم، وأعتقد أن بعضها يمكن التخفيف منه بذكره لكم مسبقًا. الصعوبة الأولى، التي لا تكاد تذكر، هي أن الإنجليزية ليست لغتي الأم، وبالتالي يفتقر تعبيري إلى الدقة والتمحيص المرغوبين عند الحديث في موضوع شائك. كل ما يمكنني فعله هو أن أطلب منكم أن تسهّلوا عليّ الأمر بمحاولة فهم مرادي، رغم الأخطاء التي سأرتكبها تباعًا في قواعد اللغة الإنجليزية. الصعوبة الثانية التي أود ذكرها هي أن العديد منكم قد حضر محاضرتي بتوقعات غير صائبة تمامًا. ولإزالة هذا الأمر، سأقول بضع كلمات عن سبب اختياري للموضوع الذي وقع عليه اختياري: عندما شرّفني سكرتيركم السابق بطلب إلقاء مقالة في جمعيتكم، كان أول ما خطر ببالي أنني سأفعل ذلك بالتأكيد، وكان ثاني ما فكرت فيه أنه إذا كان لي أن أنال فرصة الحديث إليكم، فعليّ أن أتحدث عن شيء أتحمس لمشاركته معكم، ولا ينبغي أن أسيء استغلال هذه الفرصة بإلقاء محاضرة عن المنطق مثلاً. أقول إساءة الاستغلال، لأن شرح موضوع علمي لكم يتطلب دورة محاضرات، لا محاضرة من ساعة واحدة. كان الخيار الآخر أن ألقي عليكم محاضرة مما يسمى بالعلمية الشعبية، أي محاضرة تقنعكم بأنكم تفهمون شيئًا لم تفهموه في الواقع، وتُشبع ما أعتقد أنه أحد أدنى رغبات الإنسان الحديث، ألا وهو الفضول السطحي حول أحدث اكتشافات العلم. لقد استبعدت هذه الخيارات وقررت أن أتحدث إليكم عن موضوع يبدو أنه ذو أهمية عامة، على أمل أن تساعد هذه المحاضرة في توضيح أفكاركم حول هذا الموضوع (حتى لو كنتم على خلاف تام مع ما سأقوله فيه). الصعوبة الثالثة والأخيرة هي صعوبة تصاحب في الحقيقة معظم المحاضرات الفلسفية المطولة، وهي أن المستمع لا يقدر أن يرى كلاً من الطريق الذي يُشار إليه، والوجهة التي يؤدي إليها الطريق. بعبارة أخرى، إما أن يفكر: «أفهم كل كلامه، ولكن إلى أين يريد أن يصل في النهاية» أو يفكر: «أرى وجهته، ولكن كيف يريد أن يصل إليها في النهاية». ومرة أخرى، كل ما يمكنني فعله هو أن أطلب منكم الصبر، وأن آمل أن تتمكنوا في النهاية من رؤية الطريق والوجهة التي يؤدي إليها معًا.
والآن أبدأ. موضوعي، كما تعلمون، هو علم الأخلاق، وسأتبنى تعريفًا لهذا المصطلح أورده الأستاذ مور في كتابه مبادئ علم الأخلاق (Principia Ethica). يقول: «علم الأخلاق هو البحث العام في الأمور الخيّرة.» والآن أريد أن أستخدم مصطلح «الأخلاق» بمعنى أوسع قليلاً. في الواقع، بمعنى يشمل ما أعتقد أنه الجزء الأكثر جوهرية مما يُسمى عادةً بعلم الجمال. ولكي أوصلكم إلى تصور واضح قدر الإمكان لمضامين علم الأخلاق من وجهة نظري، سأطرح لكم عبارات شبه مترادفة، يمكن لكل منها أن تحل محل التعريف أعلاه، وبتعدادها أريد أن أحقق نتيجة من النوع نفسه الذي حققه غالتون عندما أسقط عددًا من الصور لوجوه مختلفة على لوحة تصوير واحدة ليحصل على صورة السمات النوعية المشتركة بينها جميعًا. وكما يمكنني بإظهار مثل هذه الصورة التركيبية أن أريكم كيف تبدو ملامح الوجه الصيني النموذجي مثلاً؛ فكذلك إذا استعرضتم سلسلة المترادفات التي سأطرحها عليكم، آمل أن تتمكنوا من إدراك السمات البارزة المشتركة بينها جميعًا، وهذه هي السمات البارزة للأخلاق. حسنًا، بدلاً من قول «علم الأخلاق هو البحث في الأمور الخيّرة» كان يمكنني أن أقول إن علم الأخلاق هو البحث في الأمور القيّمة، أو في الأمور المهمة حقًا، أو كان يمكنني أن أقول إن علم الأخلاق هو البحث في معنى الحياة، أو في ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش، أو في طريقة العيش الصحيحة. أعتقد أنكم إذا تأملتم كل هذه العبارات، فستحصلون على تصور إجمالي لما يتعامل معه علم الأخلاق. وأول ما يتبادر إلى الذهن بخصوص كل هذه العبارات هو أن كلًا منها يُستخدم عمليًا بمعنيين مختلفين تمامًا. سأسميهما المعنى العادي أو النسبي من جهة، والمعنى الأخلاقي أو المطلق من جهة أخرى.
إذا قلت مثلا إن هذا الكرسي جيد، فهذا يعني: أن هذا الكرسي يحقق غرضا محددا سلفا، وهنا لا تكون لكلمة «جيد» دلالة إلا بقدر ما يكون هذا الغرض مقررا سلفا. في الحقيقة، إن كلمة جيد بالمعنى النسبي لا تشير إلا إلى الاقتراب من معيار محدد سلفا. لذا عندما نقول إن هذا الرجل عازف بيانو جيد، فإن ما نعنيه هو أنه يستطيع أداء مقطوعات بدرجة معينة من الصعوبة وبقدر معين من المهارة. وبالمثل، إذا قلت إنه من المهم بالنسبة لي ألا أصاب بالزكام، فإن ما أعنيه هو أن الإصابة بالزكام تسبب لي مضايقات قابلة للوصف في حياتي، وإذا قلت إن هذا هو الطريق الصحيح، فإن ما أعنيه هو أنه بالنسبة لهدف معين، فإن هذا هو الطريق الصحيح. إذا استُخدمت هذه العبارات بهذه الطريقة، فإنها لا تثير مسائل صعبة أو حادة. لكن استخدامها في علم الأخلاق ليس على هذا النحو. لنفترض أنني أستطيع لعب التنس، ورآني أحدكم ألعب فقال «أجل! أنت تلعب بشكل سيئ نسبيا»، ولنفترض أنني أجبت «أعرف، أنا ألعب بشكل سيئ، لكنني لا أريد أن ألعب أفضل من هذا». الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقوله الشخص الآخر هو «حسنا! إذن لا مشكلة». لكن لنفترض أنني كذبت على أحدكم كذبة صريحة، فجاءني وقال «سلوكك قبيح»، وحينها أقول «أعرف أن سلوكي سيئ، لكنني لا أريد أن أتصرف أفضل من هذا». فهل يمكنه في هذه الحالة أن يقول «حسنا! إذن لا مشكلة»؟ قطعا لا؛ سيقول «حسنا، إذن يجب أن تريد أن تتصرف بشكل أفضل». نحن هنا نتعامل مع حكم قيمة مطلق، بينما كان الأول مثالا على حكم نسبي. يبدو جليا أن الفارق الأساسي هو: كل حكم قيمة نسبي هو مجرد تقرير عن واقعة، ولذا يمكن التعبير عنه بطريقة يفقد معها شكل حكم القيمة: فبدلا من قول «هذا هو الطريق الصحيح إلى غرانتشستر»، يمكنني أن أقول بالضبط «إذا أردت الوصول إلى غرانتشستر في أقصر وقت ممكن، فهذا هو الطريق الصحيح الذي يجب أن تسلكه»؛ و«هذا الرجل عداء جيد» تعني ببساطة أنه يركض مسافة كذا ميلا في كذا دقيقة، وما شابه ذلك. والآن أريد أن أطرح هذا الادعاء: رغم أنه يمكن إثبات أن جميع أحكام القيمة النسبية هي مجرد تقارير عن وقائع، فإنه لا يمكن لأي تقرير عن واقعة أن يكون، أو يستلزم، حكم قيمة مطلقا. دعوني أوضح: لنفترض أن أحدكم عليم بكل شيء، وبالتالي فهو على علم بكل حركات كل الأجسام الميتة أو الحية في العالم، ويعرف أيضا كل الحالات الذهنية لكل البشر الذين عاشوا حتى الآن، ولنفترض أن هذا الشخص كتب كل ما يعرفه في كتاب كبير، حينها سيحتوي هذا الكتاب على وصف كامل للعالم؛ وما أريد قوله هو أن هذا الكتاب لن يحتوي على أي شيء نسميه حكما أخلاقيا، أو على أي شيء يستلزم منطقيا حكما كهذا. بالطبع، سيحتوي على كل أحكام القيمة النسبية وكل القضايا العلمية الصادقة، بل وكل القضايا الصادقة التي يمكن صياغتها. لكن كل الوقائع الموصوفة ستكون، كما لو كانت، في مرتبة واحدة، وبالمثل ستكون كل القضايا في مرتبة واحدة. لا توجد قضايا تكون، بمعنى مطلق، أسمى أو أهم أو أتفه. لعل بعضكم يوافق على هذا، ويتذكر كلام هاملت: «لا شيء في ذاته يكون سيئا أو جيدا؛ إنما التفكير هو الذي يجعله سيئا أو جيدا». لكن هذا أيضا قد يؤدي إلى سوء فهم. كلام هاملت يتضمن ظاهريا أن الخير والشر، وإن لم يكونا صفات لعالم خارجنا، فهما صفات لحالاتنا الذهنية. لكن ما أعنيه هو أن الحالة الذهنية، بقدر ما نقصد بها واقعا قابلا للوصف، ليست جيدة أو سيئة بأي معنى أخلاقي. فإذا قرأنا مثلا في كتاب-العالم وصفا لجريمة قتل بكل تفاصيلها الجسدية والنفسية، فإن الوصف المجرد لهذه الوقائع لن يتضمن شيئا يمكن أن نسميه قضية أخلاقية. ستكون جريمة القتل في نفس مرتبة أي حادثة أخرى، كسقوط حجر مثلا. بالتأكيد، قد تسبب لنا قراءة هذا الوصف ألما أو غضبا أو أي شعور آخر، أو ربما نقرأ شيئا عن الألم أو الغضب الذي أثاره خبر هذه الجريمة لدى أناس آخرين. لكن هذه مجرد وقائع، وقائع ثم وقائع، وليست أخلاقا. والآن يجب أن أقول، حين أتأمل فيما ينبغي أن يكون عليه علم الأخلاق حقا، إذا كان ثمة علم كهذا أصلا، فإن هذه النتيجة تبدو لي واضحة تماما.يبدو لي واضحًا أن لا شيء مما استطعنا التفكير فيه أو قوله حتى الآن ينبغي أن يكون هذا الموضوع؛ ولا يمكننا أن نؤلف كتابًا علميًا يكون موضوعه في ذاته أسمى وأرفع من جميع الموضوعات الأخرى. لا أستطيع وصف شعوري إلا بهذا الاستعارة: لو استطاع أحد أن يكتب كتابًا عن الأخلاق يكون حقًا كتابًا عن الأخلاق، فإن هذا الكتاب سيدمر جميع كتب العالم الأخرى، بانفجار. كلماتنا كما تُستخدم في العلم، هي أوعية لا تقبل إلا أن تحتوي وتنقل المدلول والمعنى، المدلول والمعنى الطبيعي. الأخلاق، إن كانت شيئًا، فهي فوق طبيعية، وكلماتنا ليست إلا تعبيرًا عن الوقائع؛ تمامًا كما أن الفنجان لا يتسع إلا بقدر فنجان، حتى لو صببنا عليه غالونًا من الماء. وكما قلت، فبقدر ما يتعلق الأمر بالواقعة والقضية، لا يوجد إلا قيمة نسبية، وخير نسبي، وصواب نسبي، وما إلى ذلك. قبل أن أمضي قدمًا، أود أن أوضح هذا بمثال شديد الوضوح. الطريق الصحيح هو الطريق الذي يؤدي إلى وجهة محددة سلفًا وبمحض الاختيار، ومن الجلي تمامًا لنا جميعًا أنه بمعزل عن مثل هذا الهدف المحدد سلفًا، لا معنى للحديث عن الطريق الصحيح. ولكن لنرَ ما عسانا نعنيه بتعبير «الطريق الصحيح مطلقًا». أعتقد أنه سيكون طريقًا يرى كل شخص، بضرورة منطقية، أنه ينبغي عليه أن يسلكه أو يخجل من عدم سلوكه. والأمر نفسه ينطبق على الخير المطلق؛ إذا كان الخير المطلق وضعًا قابلًا للوصف، فهو وضع ينبغي على كل شخص، بصرف النظر عن أذواقه وميوله، أن يحققه بالضرورة أو يشعر بالذنب لعدم تحقيقه. وأريد أن أقول إن وضعًا كهذا هو وهم خيالي. لا وضع، في حد ذاته، يمتلك ذلك الذي أود أن أسميه القوة الإلزامية لحَكَمٍ مطلق. إذن، ما الذي يدور في أذهاننا جميعًا، وأنا منهم مثلًا، ممن لا يزالون واقعين في إغراء استخدام تعابير مثل «الخير المطلق»، و«القيمة المطلقة» وأشباهها، وما الذي نحاول التعبير عنه؟ حسنًا، كلما حاولت أن أوضح هذا لنفسي، أسترجع بطبيعة الحال حالات سأستخدم فيها هذه التعابير قطعًا، وعندها أكون في الموقف نفسه الذي ستكونون فيه أنتم لو ألقيت عليكم، على سبيل المثال، محاضرة عن سيكولوجيا اللذة. ما ستفعلونه في ذلك الموقف هو أنكم ستحاولون تذكر موقف خاص شعرتم فيه دائمًا باللذة. لأنه بوجود هذا الموقف في الذهن، يصبح كل ما سأقوله لكم ملموسًا وقابلًا للتحقق، إن جاز التعبير. قد يختار شخص ما الشعور الذي ينتابه أثناء التنزه في يوم صيفي لطيف كمثال بارز له. وأنا في وضع مماثل عندما أريد أن أركز ذهني على ما أعنيه بالقيمة المطلقة أو الأخلاقية. وفي حالتي، يصادف أن تصور تجربة معينة هو ما يظهر لي دائمًا، وبالتالي، هي بشكل ما، المثال الأعلى لتجربتي، ولهذا السبب سأذكر هذه التجربة الآن، في حديثي معكم، كمثالي الأول والأهم. (وكما قلت سابقًا، هذا أمر شخصي تمامًا، وسيجد آخرون أمثلة أخرى أكثر لفتًا للنظر.) أريد أن أصف هذه التجربة لكي أستثير في أذهانكم، قدر الإمكان، تجارب مماثلة أو مشابهة، وبهذا تكون لدينا أرضية مشتركة لبحثنا. أعتقد أن أفضل طريقة لوصفها هي أن أقول إنني عندما أمر بهذه التجربة، أندهش من وجود العالم. وعندها أميل إلى استخدام عبارات من قبيل: «كم هو عجيب أن يكون هناك أي شيء على الإطلاق» أو «كم هو عجيب أن العالم موجود.» سأذكر فورًا تجربة أخرى أعرفها أنا أيضًا، وربما يكون بعضكم على دراية بها؛ يمكن تسميتها تجربة الأمان المطلق. أعني بذلك وضعًا ذهنيًا يميل المرء فيه إلى القول «أنا في أمان، لا شيء يمكن أن يؤذيني، ليحدث ما يحدث». أريد الآن أن أفحص هذه التجارب، لأنها، في اعتقادي، تُظهر بدقة تلك السمات التي نحاول أن نصل فيها إلى وضوح. وأول ما يجب أن أقوله هو أن التعبير اللغوي عن هذه التجارب هو هراء! عندما أقول «أنا مندهش من وجود شيء ما» فأنا أستخدم اللغة استخدامًا خاطئًا. دعوني أوضح هذا: إن لقولنا إنني مندهش من أن الأمر على نحو كذا معنى صحيحًا وواضحًا تمامًا: نحن جميعًا نفهم مفهوم القول إنني مندهش من حجم كلب أكبر من أي كلب رأيته من قبل، أو من أي شيء، بالمعنى الشائع للكلمة، غير عادي. في جميع هذه الحالات، أنا مندهش من كون شيء واقعًا يمكن تصور عدم وقوعه.من از اندازه این سگ در حیرتم زیرا می توانم سگی را با اندازه دیگر، یعنی اندازه عادی، تصور کنم که از آن در حیرت نخواهم بود. گفته «در حیرتم از این که فلان چیز واقعیت دارد» فقط وقتی معنا دارد که بتوانم واقعیت نداشتن آن را مجسم کنم. به این معنا آدمی می تواند با دیدن مثلا خانه ای از وجود آن حیرت کند چون مدتی مدید آن را ندیده بوده و خیال می کرده در این فاصله ویران شده است. اما مهمل است که بگویم من از وجود عالم در حیرتم، زیرا نمی توانم وجود نداشتنش را مجسم کنم. البته می توانم از نحوه بودن جهان اطرافم در حیرت باشم. اگر فی المثل در حال تماشای آسمان آبی این تجربه را داشته باشم، می توانم از آبی بودن آسمان، در مقابل حالت ابری آن، در حیرت باشم. ولی مراد من این نیست؛ من در حیرتم از هستی آسمان، هر طور که می خواهد باشد. شاید وسوسه شویم که بگوییم آنچه من از آن در حیرتم یک همان گویی است، یعنی آبی بودن یا آبی نبودن آسمان. ولی این همه کاملا مهمل است که بگوییم کسی از یک همان گویی در حیرت است. و اما همین امر درباره تجربه دیگری که ذکر کردم صادق است؛ تجربه ایمنی مطلق. همه ما می دانیم که در امان بودن در زندگی عادی یعنی چه. من در اتاقم در امانم، چون اتوبوس نمی تواند زیرم بگیرد. من در امانم اگر یک بار سیاه سرفه گرفته باشم و از این رو ممکن نباشد دوباره بگیرم. در امان بودن اساسا یعنی در عالم واقع غیرممکن است که برخی چیزها برای من پیش بیاید و از این رو مهمل است که بگویم من در امانم، هرچه می خواد پیش بیاید. این هم کاربردی نادرست از واژهليست المعجزة، بوضوح، سوى حدث لم نرَ مثله قط. فلنفترض أن حدثاً كهذا قد وقع. تأملوا هذه الحالة: أن ينبت لأحدكم فجأة رأس أسد ويبدأ في الزئير. يصعب عليّ أن أتخيل شيئاً أغرب من هذا. وحالما نفيق من دهشتنا، فإن اقتراحي هو أن نحضر طبيباً ونُخضع هذه العينة للبحث العلمي، شريطة ألا يصيبه أذى. أريد أن يتم تشريحه. وعندئذ، ماذا حلّ بالمعجزة؟ من الواضح أن النظر إليها بهذه الطريقة هو عين محو كل ما هو معجز، ما لم نكن نعني بالمعجزة مجرد واقعة لم تُفسَّر علمياً بعد، مما يعني أننا لم ننجح حتى الآن في وضع هذه الواقعة مع الوقائع الأخرى في نسق علمي. وهذا يبين أنه من العبث أن نقول: "لقد أثبت العلم أنه لا وجود للمعجزة". الحقيقة هي أن طريقة النظر العلمية إلى واقعة ما تختلف عن طريقة النظر إليها بوصفها معجزة. فأي واقعة شئتم أن تتصوروها ليست في حد ذاتها معجزة بالمعنى المطلق لهذا الاصطلاح. أي أننا نرى الآن أننا استخدمنا كلمة "معجزة" بالمعنى النسبي وبالمعنى المطلق على السواء. والآن أريد أن أصف تجربة الدهشة من وجود العالم بهذه العبارة: هذه التجربة هي تجربة رؤية العالم كمعجزة. وهنا يراودني إغراء القول بأن التعبير اللغوي الصحيح عن معجزة وجود العالم ليس أية قضية في اللغة، بل هو وجود اللغة ذاته. لكن، ما معنى أن نكون واعين بهذه المعجزة تارة وغير واعين بها تارة أخرى؟ لأنني، بتحويلي التعبير عن الأمر المعجز من التعبير بواسطة اللغة إلى التعبير بوجود اللغة ذاته، لم أقل شيئاً سوى أننا لا نستطيع التعبير عما نريد، وأن كل ما نقوله عن الأمر المعجز مطلقاً يبقى هراءً. يبدو الرد على كل هذا واضحاً تماماً لكثير منكم. ستقولون: حسناً، إذا كانت بعض التجارب تغرينا باستمرار بأن ننسب إليها خاصية نسميها القيمة أو الأهمية المطلقة أو الأخلاقية، فهذا بذاته يبين أن ما نعنيه بهذه الكلمات ليس هراءً. إن ما نعنيه بقولنا إن لتجربة ما قيمة مطلقة هو مجرد واقعة كسائر الوقائع، وهذا لا يعني في نهاية المطاف سوى أننا لم ننجح بعد في إيجاد التحليل المنطقي الصحيح لما نعنيه بتعبيراتنا الأخلاقية والدينية. وحالما يُوجَّه إليّ هذا الاعتراض، أرى فوراً، وبوضوح كما في وميض نور، أنه ليس فقط لا يوجد وصف يمكن تصوره قادر على وصف ما أعنيه بالقيمة المطلقة، بل إني سأرفض منذ البداية، وعلى أساس كونه ذا معنى تحديداً، أي وصف ذي معنى يمكن لأحد أن يقترحه. بعبارة أخرى: نرى الآن أن هذه العبارات الهرائية لم تكن هراءً لأنني لم أجد بعد العبارات المحكمة، بل إن هراءها هو جوهرها ذاته. لأن كل ما كنت أريد أن أفعله بها هو الذهاب إلى ما وراء العالم، وهذا يعني: الذهاب إلى ما وراء اللغة ذات المعنى. إن كل ميلي، وأظنه ميل كل من حاولوا حتى الآن أن يكتبوا أو يتحدثوا عن الأخلاق أو الدين، كان هو الاصطدام بحدود اللغة. هذا الاصطدام بجدران قفصنا هو أمر باعث على اليأس بشكل كامل ومطلق. الأخلاق، بقدر ما تنبثق من الرغبة في قول شيء عن المعنى النهائي للحياة، عن الخير المطلق، عن الأمر ذي القيمة المطلقة، لا يمكن أن تكون علماً. ما تقوله الأخلاق لا يضيف، بأي معنى من المعاني، إلى معرفتنا شيئاً، لكنه وثيقة على ميل في العقل البشري لا أستطيع شخصياً إلا أن أكنّ له احتراماً عميقاً، ولن أسخر منه بأي ثمن في حياتي كلها.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.