اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يؤكد الدين على التحول الداخلي ويعتبره منبعًا للتحول الخارجي؛ وسوء الفهم، كاعتبار التدين امتلاكًا للحقيقة، هو منشأ السلوكيات الاجتماعية الخاطئة. ويعدّ مصطفى ملكيان التسييس ونظرية المؤامرة من نتائج هذا الإهمال.

ملخص: يرى مصطفى ملكيان أن الدين يؤكد على التحول الداخلي ويعتبره منبع التحول الخارجي. وسوء الفهم الذي يقع تجاه الدين يتمثل في: 1- اعتبار التدين بمعنى امتلاك الحقيقة؛ 2- التعبد؛ 3- التلقي المنطقي المحض لمسألة التوحيد؛ 4- تجزئة الدين واختصاره في حجرة واحدة أو عدة حجرات؛ 5- القول بالمطلوبية الذاتية للعبادة؛ 6- انعدام الصدق. وسوء الفهم هذا هو منبع السلوكيات الاجتماعية الخاطئة.
من النقاط التي أكدت عليها جميع الأديان والمذاهب هي أن: «العالم الخارجي لن يتغير، ما لم يكن العالم الداخلي قد تغير من قبل». فأي تغيير في العالم الخارجي متوقف على التغيير في العالم الداخلي. وهذه النقطة موضع إجماع جميع الأديان والمذاهب العالمية.
وبلسان أكثر تجسيدًا وإحساسًا، في وعاء الحياة الفردية، وهو ليس موضع نقاشي اليوم، وكذلك في وعاء الحياة الجمعية، التي يدور حولها نقاشي اليوم، لا يمكن أن يحدث تغيير في حياتكم الخارجية، ما لم يكن قد حدث تغيير في وعائكم الداخلي.
وإذا أردنا التعبير عن هذه النقطة بلسان أكثر فنية - أي بلسان الذين يتحدثون عن التغيرات الاجتماعية - فينبغي أن نقول إنه من حيث التغيرات الاجتماعية، فإن علم النفس متقدم على علم الاجتماع.
وإذا لم نفهم هذين الأمرين على الوجه الصحيح، فستنشأ في وعاء الحياة الاجتماعية مغالطتان على الأقل. أول أثر لذلك هو أننا نصبح مسيّسين في حياتنا. واسمحوا لي أن أوضح مرادي من السياسة بدقة. لا شك أن الواجب الأخلاقي لكل إنسان هو التدخل في الشؤون السياسية. فقولنا إن واجبنا الأخلاقي هو أن ندخل في السياسة نقطة، والتسيّس نقطة أخرى. التسيّس هو نتيجة لعدم فهمنا أن التغيير الخارجي متوقف على التغيير الداخلي. ما معنى التسيّس تحديدًا؟ المسيّس هو من يعتقد أن المشكلة الوحيدة للمجتمع، أو أكبر مشكلة فيه، أو علة العلل لمشكلاته، هي النظام السياسي الحاكم على المجتمع. فإذا كنت تعتقد بأي من هذه الدعاوى الثلاث، وبأي من هذه الأقسام الثلاثة، فإني أعتبرك في هذه الحالة مسيّسًا.
برأيي إن الثوريين جميعًا مسيّسون. فهم لا يعلمون أنه لأي تغيير آفاقي، ينبغي أولاً أن يكون قد نشأ تغيير أنفسي مناظر له، ومتناسب معه بالطبع، وإذا لم ينشأ، فلن يحدث أي تغيير آفاقي. وعدم الالتفات إلى هذه النقطة، إضافة إلى التسيّس، يفسح المجال لشيء آخر هو نظرية المؤامرة. دعوى نظرية المؤامرة تحديدًا هي أن هناك دائمًا آخرين يقصدون تدميري. فإذا كنت فردًا، فسيكون الآخرون أفرادًا، وإذا كنت نظامًا سياسيًا أو مجتمعًا، فسيكون الآخرون أنظمة أو مجتمعات أخرى.
هذه النظرية، في الواقع، مدينة لعدم الالتفات إلى هذه النقطة وهي أنه على الرغم من وجود المؤامرة في العالم، فأولاً ليس العالم كله مشغولاً بالمؤامرة ضدك، وثانيًا بافتراض أن الجميع في حال مؤامرة ضدك، فإن نجاح مؤامرة الآخرين متوقف على أرضية داخلية موجودة فيك.
نظرية المؤامرة ناشئة عن عدم انتباهنا إلى أنه ما لم يتغير شيء في داخل الإنسان، لا يستطيع أحد أن يغير شيئًا في خارجه. وإذا عبرت عن هذه النقطة نفسها بلسان أكثر تداولاً، فهي تعني أصالة التغيير الثقافي. وهذا يظهر تقدم الثقافة على السياسة وتقدمها على الاقتصاد. ودعواي كانت هذه أيضًا، وليست دعواي وحدها، بل إن أحد تعاليم جميع الأديان والمذاهب هي هذه النقطة أيضًا. لذلك فكل من يقدم في مجتمعنا التنمية السياسية على التنمية الاقتصادية، أو التنمية الاقتصادية على التنمية السياسية، فإنهم جميعًا على حد سواء لم يفهموا هذه الرسالة الدينية.
ولكن ما معنى التغيير الثقافي؟ التغيير الثقافي يعني التغيير في ناحية الثقافات. فكلما حدث تغيير داخلي في ناحية معتقداتي، سنشهد في أثره التغيير الخارجي، وهذا التغيير الثقافي يمكن أن يوفر التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
جزء مهم من معتقدات مجتمع كمجمتعنا هي المعتقدات الدينية، وإذا كان الأمر كذلك، فيمكن الادعاء حينئذ أن سوء فهم الدين يمكن أن يؤثر في المناسبات الاجتماعية. وهنا أشير إلى حالات سوء الفهم التي تبدو أكبر وأكثر جوهرية:
أ) أول سوء فهم للدين هو أننا نعتبر التدين بمعنى امتلاك الحقيقة، لا السعي إليها. كل من يرى التدين امتلاكاً لحقيقة ما، أولاً لديه سوء فهم للدين، وثانياً سيكون لسوء الفهم هذا تأثير عميق على علاقاته الاجتماعية. لتوضيح هذه النقطة، يمكن استخدام تشبيه؛ تشبيه استخدمه بعض العرفاء وورد أيضاً في بعض الأديان والمذاهب الشرقية: إلقاء الإنسان في محيط أو بحر الوجود. هناك من يظن أنه لكي نتمكن من بلوغ الشاطئ في هذا المحيط، ينبغي أن نركب سفينة، وهناك من يظن أن علينا أن نسبح.
المتدينون عبر التاريخ، للأسف، يظنون أن التدين هو ركوب السفينة، ولا يعلمون أنه في الواقع نوع من السباحة. عندما تفترض أن التدين هو ركوب السفينة، فإن هذا التصور ستترتب عليه نتائج فرعية كثيرة، وإذا كان تصورك أن التدين كالسباحة، فستصل إلى نتائج أخرى كثيرة. أشير هنا إلى بعض هذه النتائج:
1 _ الإنسان الذي يرى نفسه راكباً في السفينة يتصور أن ركاب السفينة كلهم أهل نجاة، إلا بمحض الصدفة. علاوة على ذلك، يتصور في الوقت نفسه أن كل من ليسوا على متن السفينة والذين يسبحون على الأمواج سيغرقون، إلا بمحض الصدفة.
من هذه الناحية، الذين يتصورون التدين ركوب سفينة يعتقدون أن المسلمين أهل نجاة، إلا إذا حدثت صدفة، وأن غير المسلمين كلهم أهل غرق، إلا إذا حدثت صدفة أيضاً.
2 _ عندما تكون سباحاً، فإن أملك في النجاة يكون بالسباحة فقط، لا بأي عمل آخر. بعبارة أخرى، كل السباحين لديهم همّ واحد وهو السباحة ذاتها. لكن كل من يركبون السفينة يقولون إننا داخل السفينة وناجون.
3 _ في السفينة، تبقى جميع التعينات في مواضعها. في السفينة، لا يزال المهندس مهندساً؛ والأستاذ الجامعي لا يزال أستاذاً جامعياً والطباخ لا يزال طباخاً... أما عندما تصبح سباحاً، فيجب أن تُطرح جميع التعينات جانباً؛ وعليك فقط أن تنتبه إلى مقدار سباحتك.
تعليم الدين هو أنه ينبغي السباحة، «لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى. وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى»[1]؛ «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»[2]. هذه الآية، في الواقع، لا تعني أننا نمتلك الحقيقة.
السباحة الحقيقية في هذا البحر لا تعني التخبط؛ بل تعني السكون التام. أمهر السباحين هو من يستطيع أن يبقى ساكناً على الماء أكثر من أي شخص آخر. كلما كان المرء أكثر سكوناً، بقي على سطح الماء أكثر، وكلما تخبط أكثر، غاص تحت الماء أكثر. هذه النقطة تعني أن التدين هو التسليم للحقيقة، لا التدخل والتصرف فيها.
إن اعتبار أنفسنا مالكين للحقيقة، يجعلنا نتبنى خمسة توجهات تجاه الآخرين في علاقاتنا الاجتماعية. هذه التوجهات الخمسة هي معضلاتنا الاجتماعية الخمس:
1 _ النرجسية: النرجسية تعني أن الفرد أو الجماعة الاجتماعية، بناءً على تقدير للذات غير مطابق للواقع، يقدرون أنفسهم بأكثر مما هي عليه. بعبارة أخرى، أن أرى كل ما فيّ، سواء كان حسناً أم عيباً، حسناً. كلنا نرجسيون! بقدر ما نعتبر أنفسنا مالكين لحقيقة اسمها الدين، نكون نرجسيين.
2 _ الحكم المسبق: الحكم المسبق يعني إصدار الحكم قبل المعرفة والتجربة. نحن نُصدر أحكامًا مسبقة تجاه جميع الأديان والمذاهب الأخرى. لا شك أن في جميع الأديان، يُروَّج لنوع من المحبة العامة. المحبة العامة تعني محبة جميع البشر؛ سواء كانوا على ديننا أم على غير ديننا؛ سواء كانوا داخل دائرتنا العقائدية أم خارجها. لكن عمليًا، يقوم الذين يلقنوننا الدين بهذا العمل، حيث تضيق هذه المحبة العامة، وهذه الرحمة العامة، شيئًا فشيئًا حتى تنحصر في بضعة أشخاص فقط.
أنا أعتقد بهذا التعبير لغاندي (كان غاندي بالطبع يتحدث من منظور دينه؛ لكن جميع الأديان تعتقد بهذه النقطة) وهو: «أنا أكره الخطيئة ولكنني أعشق الخاطئ». هذه هي نظرية المحبة العامة ذاتها. ولكن أين تحققت هذه النظرية في التاريخ، على صعيد الممارسة؟ لم تتحقق أبدًا؛ لأننا نعتبر أنفسنا مالكين للحقيقة، ومن يعتبر نفسه مالكًا للحقيقة، فإنه يحكم مسبقًا على الآخرين ويعتبرهم معاندين للحقيقة.
3 _ التعصب: التعصب يختلف عن الحكم المسبق؛ رغم أننا عادة ما نستخدمهما بمعنى واحد وكمرادفين ومتقاربين. التعصب يعني نوعًا خاصًا من الولاء. ولاء يعتقد فيه الفرد الوفي أن الولاء نفسه هو ما له قيمة، لا ما يتعلق به الولاء.
4 _ الجمود (الدوغماتية): الجمود يعني أن درجة اليقين التي تكنها لمعتقداتك لا تتناسب مع الشواهد التي تؤيد تلك المعتقدات.
5 _ انعدام التسامح وعدم السماحة: انعدام التسامح يعني الاعتقاد بأن ما يعتقده الآخرون، في الأمور النظرية، باطل، وفي الأمور العملية، مخالف للأخلاق.
جميع الخصائص الخمس المذكورة أعلاه، أي العجب بالنفس، والحكم المسبق، والتعصب، والجمود، وانعدام التسامح، تنشأ بسبب سوء الفهم الأولي نفسه للدين: وهو أن نعتبر الدين ركوبًا في سفينة، لا سباحة. إذا اعتبرنا التدين سباحة، فلن تظهر أي من هذه الحالات الخمس. لأن الذين يسبحون، لا يفهمون أصلًا من هو سبّاح ومن ليس كذلك. لأن كل همهم منصب على أنفسهم؛ أما الذين يركبون السفينة فيمكنهم النظر إلى الآخرين.
ب) في جميع الأديان الإبراهيمية توجد ظاهرة تسمى الإيمان؛ أما في الأديان غير الإبراهيمية فلا يوجد الإيمان. في الأديان غير الإبراهيمية، مثل الهندوسية، والبوذية، والطاوية، والشنتوية وغيرها...، لا يوجد شيء اسمه الإيمان، ويوجد بدلًا منه ظاهرة تسمى الرجاء وهي غير الإيمان. يوجد شيء اسمه التسليم والتوكل وهو أيضًا غير الإيمان. الإيمان ليس مرادفًا تمامًا للتعبد. على الأقل، الإيمان، في معظم معانيه، غير التعبد. في الأديان الإبراهيمية، أضفى المتدينون على التعبد نفس القداسة التي وجدوها للإيمان. التعبد هو في الواقع سوء فهم للدين. التعبد هو تلك الصورة الاستدلالية القائلة: «أ هو ب لأن س يقول إن أ هو ب». التعبد إذا كان بهذه الصورة، فلا مسوغ عقلاني له البتة. هناك صورة أخرى للتعبد نادرة الوجود جدًا ولا يليق بها لفظ التعبد أصلًا؛ لكنها إذا تحققت، تكون عقلانية. تلك الصورة هي أن يقول شخص: «أ هو ب لأن س يقول إن أ هو ب؛ وقد أقيم برهان قاطع على أن كل ما يقوله س صحيح، أو أن الأقوال التي هي من سنخ ’أ هو ب‘، إذا صدرت عن س، تكون صحيحة». مثل هذا الشيء قليل الوجود. ومع ذلك، لست بصدد التعبد نفسه. المشكلة الكبرى التي نشأت عن سوء فهم الدين هي إسراء التعبد إلى أمور لا يصح إسراؤه إليها.
على سبيل المثال، يجب على الشيعي الاثني عشري أن يكون متعبدًا تجاه المعصومين الأربعة عشر. لكن هل يحق له أن يسري هذا التعبد إلى الشخص الخامس عشر والسادس عشر والمئة والألف؟ هذه النزعة التعبدية المتطرفة هي أكبر سوء فهم للدين بعد سوء الفهم الأول. الدين لا يهيئ البشر للتعبد فحسب، بل يهيئهم أيضًا لأن يسروا التعبد إلى عدد كبير جدًا من الأشخاص.
لقد قال القرآن تاريخياً: «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله»؛ أي إن اليهود والنصارى كانوا يعبدون رجال دينهم بالإضافة إلى الله. يسأل أحد أصحاب الإمام الباقر عليه السلام أو الإمام الصادق عليه السلام – والشك مني – الإمامَ: هل كان علماء اليهود يطلبون منهم حقاً أن يعبدوهم؟ فيجيب الإمام: إنهم كانوا يعاملون علماء دينهم المعاملة التي ينبغي للإنسان أن يعامل بها الله. الله وحده هو الذي يجب أن تُقبل كلماته بلا دليل، ومتى قبلت كلام أي أحد بلا دليل فقد عبدته. فإذا قبلنا كلام رجال الدين بلا دليل، صرنا في الواقع عابدي رجال دين.
إذا كنت أعتبر نفسي وإياك مزيجاً من الحق والباطل، ومزيجاً من الصواب والخطأ، فلن نجد عداوة بعد ذلك. بل سنجد حواراً نقدياً.
ج) إذا بحثنا في جميع أديان العالم الحية، فسنجد أنها كلها توحيدية؛ ولكن توحيدية لا بمعنى أنها تقول بإله مشخص ذي صفات بشرية. نحن عندما نقول إن ديننا توحيدي، ماذا نفهم من هذه القضية؟ معناها أنك متى أظهرت افتتاناً غير مشروط بأي شيء آخر، فأنت عابد وثن.
يبدو أن سوء الفهم الثالث الذي نحمله عن الدين هو أننا اعتبرنا عبادة الأوثان والتوحيد مجرد نقاش منطقي. قلنا إن التوحيد يعني وجود إله واحد في العالم؛ كما نقول إن الكرة الأرضية لها قمر واحد فقط.
لم يأت التوحيد للتعبير عن حقيقة منطقية. بل جاء للتعبير عن أن العبادة يجب أن تتجه إلى الله وحده. يجب أن نكون عابدي حق فقط. وهل نعبد غير الحق؟ ذكرت مثالاً على ذلك سابقاً. نحن عباد رجال دين (العبادة ليس لها قرون وذنب). إذا قلت إن كلاماً ما صحيح لأنه قاله رجل دين ما، فأنت عابد لرجل الدين.
وهناك صفة ثانية هي أكبر من عبادة رجال الدين، وهي عبادة الذات. نحن نعبد أنفسنا أيضاً. لعبادة الذات وجوه مختلفة، أشير إلى واحد منها فقط: نحن نعبد آراءنا. كل من عبد رأيه فهو عابد لذاته، وكل من عبد ذاته فليس بعابد لله. علامة أنني لست عابداً لذاتي هي أنني مستعد لمواجهة رأيي بأي رأي آخر أو أي واقع آخر؛ فإذا ثبتت حقيقة رأيي في هذا الصراع، التزمت بهذه الآراء من بعدها. ودليل التزامي هو أن الآراء المذكورة كانت حقاً؛ وإذا انهزم رأيي في هذا الصراع، تخليت عنه. علامة الإنسان الذي ليس عابداً لذاته ليست عدم امتلاكه لرأي، بل هي الذهاب إلى مواجهة الآراء والحقائق الأخرى. هذه النقطة هي ما يسميه علماء نفس الدين «الدين البالغ».
في الواقع، إن المتدينين، بسبب التصور الذي يحملونه عن الدين، وبسبب القداسة التي يضفونها على آرائهم، لم يعودوا قادرين على الحوار، وفي مجتمع لا يكون فيه الحوار ممكناً، سيحصل أمران: الخداع والعنف.
د) أحد أوجه سوء الفهم هو أن تجعل من الدين، وهو ساحة واحدة واسعة، حجرات ثم تضع كله في حجرة واحدة. ما معنى جعل الدين حجرات؟ الدين فلسفة حياة يجب أن تتخلل حياتنا كلها؛ كالزيت الذي يتخلل الخشب. يجب أن يجعل الدين حياتنا كلها دينية. فإذا جئت وصنعت للدين حجرات ثم اختصرت كله في حجرة واحدة، يقال هنا إنك حصرت الدين في حجرة خاصة.
عادة ما يبني كل دين ومذهب التزامه به على شيئين أو ثلاثة؛ مثلاً، في المسيحية، يرون هويتهم في أنهم لا يشربون المشروبات الكحولية؛ أو أن الكاثوليك صبوا كل همهم على عدم إقامة علاقات جنسية خارج إطار الزواج. بماذا يتمثل تشيعنا في إيران؟ بأن يكون للرجل لحية وللمرأة حجاب. وأن تُراعى الأخلاق الجنسية في حد معين. طبعاً إذا أقام الشخص الصلاة في المسجد وجماعة، تكون المسألة قد حُلت. في الديانة الهندوسية – على الأقل الفرقة التي لها أتباع أكثر الآن – الشخص الذي 1) لا يأكل لحم البقر حتى لو أُجبر، 2) ويذهب إلى المعبد مرة في الأسبوع على الأقل، و3) إذا كانت امرأة وتوفي زوجها، تكون مستعدة للاحتراق مع زوجها، سينال الخلاص.
كانوا يقولون إنك إن أحببت عليًا فقد نلت حسنةً لا تضرك بعدها أي سيئة، وإن أبغضت عليًا فقد تلبست بسيئة لا تنفعك معها أي حسنة. هذا هو تجزئة الدين وحجره في زنازين ضيقة. عادةً حين يُقال إن فلانًا سني المذهب، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو أنه يصلي في أول الوقت. وهذا لا إشكال فيه بحد ذاته؛ لكن المشكلة أن المسلم السني ينبغي ألا يقول: نحن لأننا نصلي في أول الوقت إذن ليست لدينا مشكلة. ينبغي أن يكون الدين فلسفة شاملة للحياة، وألا ينحصر في أمرين أو ثلاثة.
هذا النمط من فهم الدين يخلق لنا خطرًا كبيرًا جدًا؛ بمعنى أن العلاقات الاجتماعية الناشئة عن هذا الاعتقاد ستكون علاقات اجتماعية غير مرغوبة.
هـ) من التصورات الخاطئة أن نعتقد أنه ينبغي أن نكون خدامًا لله لا خدامًا للناس. نشأ هذا التصور أولاً بين المسيحيين، ثم ظهر لاحقًا في الأديان الأخرى، ومفاده أنه ينبغي إيلاء الأهمية للعبادات فقط دون الأخلاقيات، وأن نكون خدامًا لله لا خدامًا للناس. يقول كانط في كتابه «الدين في حدود مجرد العقل»، وهو الكتاب الوحيد الذي ألفه في فلسفة الدين: «العبادات في الأديان هي بمثابة التملق عند المستبدين الشرقيين».
إذا لم تكن عبادات كالصلاة والصوم والحج...، الموجودة أيضًا في أديان ومذاهب أخرى، مقدمةً لنمونا الأخلاقي والروحي، فإن كلام كانط هذا ينطبق عليها. العبادات لا تكون قيّمة إلا حين تكون في خدمة الأخلاق، وعندها يكتسب الأخلاق بعدًا اجتماعيًا يُعبّر عنه بالأخلاق الاجتماعية، وبعدًا آخر فرديًا نسميه الأخلاق الروحية. الكثير منا يظن أن العبادات مطلوبة لذاتها، لا أنها مطلوبة لغيرها.
و) من الأمراض الاجتماعية الشائعة الأخرى مرض انعدام الصدق. مرض عدم تطابق الظاهر مع الباطن، وهو ناشئ تحديدًا عن سوء فهم التعاليم الدينية. في ديننا مفهومان أو ثلاثة مفاهيم لديها استعداد تام لأن تُفهم خطأً: الكذب المصلحي والتقية.
طبعًا التقية تختص بالشيعة. هذان المفهومان، ولست بصدد الحكم عليهما من حيث المبدأ، هيّأ أرضية خصبة جدًا لانعدام الصدق، لا سيما في العالم الإسلامي، وبالأخص في العالم الشيعي. لقد برروا كل ضروب انعدام الصدق بالتمسك بهاتين المسألتين. هذه، بإنصاف، أكبر مشكلة أخلاقية لدينا. في الواقع، ظاهرنا وباطننا لا ينطبقان على بعضهما؛ أي أن كياننا بأكمله ليس موحدًا. وكأن مقولة «التقية ديني ودين آبائي» تروج لانعدام الصدق.
الكذب ليس سوى أحد مصاديق انعدام الصدق. الكذب يحدث حين لا يتطابق الاعتقاد مع القول. لكن ثمة ساحات أخرى كثيرة ينبغي أن تتطابق فيما بينها أيضًا. هذه الأكاذيب والرياء والتملقات ناشئة أيضًا من انعدام الصدق والفهم الخاطئ للدين.
وردت في هذه المقالة مطالب مهمة، جميعها من المسائل المبتلى بها ومن ضرورات حياتنا اليوم. إن عناية الأستاذ ملكيان المباركة بهذه المسائل، مع مراعاة جملة من الشروط، يمكن أن تكون بناءة للغاية. طبعًا، لا ينبغي أن ننسى أن الخوض في المسائل الجادة والمؤثرة لا يخلو دائمًا من المخاطر والهفوات، ولا ينبغي أن نتوقع من شخص (غير معصوم) أن يتناولها كلها دون خطأ. ثمة نقاط كثيرة جديرة بالذكر في هذه المقالة، لكننا نقتصر، مراعاة للاختصار، على الإشارة إلى أهمها.
1 _ يُلاحظ في مقالة السيد ملكيان نوع من «الاختزالية» يتجلى في عدة مواضع: أحدها في مناقشة علاقة باطن الإنسان بخارجه. فهو يرى أنه لا يمكن أن يحدث أي تحول خارجي ما لم يحدث أولاً تحول في عالم الإنسان الداخلي. معنى هذا القول هو اختزال علم الاجتماع إلى علم النفس وإرجاعه إليه. لا شك في أهمية التحول الداخلي وتأثيره الفائق في التحول الاجتماعي، والأديان تؤكد أيضاً على هذه النقطة. لكن ما يغيب عن المقالة هو أن البنى الخارجية القائمة مسبقاً تمارس أيضاً تأثيراً بالغ الرسوخ وطويل الأمد على نفس الإنسان وباطنه. إن أهمية تأثير البنى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية في تشكيل الإنسان تبلغ حداً يجعل البعض يعيدون كل شيء إليها، وعلى هذا الأساس ظهرت المدارس البنيوية في مختلف المجالات. وقد تحدث بعض المفكرين عن سجون الإنسان وعرفوا أحدها بأنه سجن المجتمع. إذا ما انتبهنا إلى آلية تشكل باطن الإنسان، فسنلاحظ مدى تأثير البنى فيه. وهذا بالطبع ليس قطعياً مئة بالمئة، فالإنسان حر دائماً في أن يفكك البنى ويؤسس بنية جديدة مكان البنية السابقة. على كل حال، يعاني الإفراط والتفريط من كلا الجانبين من مشكلة النظرة الأحادية والاختزالية. العلاقة بين هذين هي علاقة مستمرة، يؤثر كل منهما في الآخر في درجة، ويتأثر به في درجة أخرى.
2 _ في مناقشة تقدم الثقافة على السياسة والاقتصاد، تجدر الإشارة إلى أنه إذا كان المقصود بالتقدم هو الأولوية، فالكلام صحيح تماماً وفي محله. على كل حال، من منظور الإنسان المتدين، فإن جميع أنشطة الإنسان هي في خدمة معتقداته، وكما قال الإمام الحسين عليه السلام: «إنما الحياة عقيدة وجهاد». لكن إذا أردنا أن نقول بشكل مطلق إن الثقافة، من جميع الجهات، متقدمة على الاقتصاد والسياسة، فقد لا نستطيع الدفاع عن هذا القول. فعلى سبيل المثال، يمكن للبنى السياسية الحاكمة على المجتمع أن تكون هي نفسها صانعة للثقافة. كما يمكن للبنى الاقتصادية أن تكون صانعة للثقافة؛ حتى لو كانت على خلاف معتقدات الإنسان الأولية. فمثلاً، إذا كانت البنية الاقتصادية للمجتمع تروج للرشوة، فإن المؤمنين الذين يعملون في هذه البنية، وعلى الرغم من اعتقادهم بأن الرشوة ظاهرة غير لائقة أخلاقياً ومحرمة فقهياً، يتلوثون بها تدريجياً. وبالطبع، يتفاوت الناس في هذا التلوث. فبعضهم يتلوث متأخراً وبعضهم مبكراً، وبعضهم لا يتلوث أبداً، وهذا مرهون بقوة إيمانهم وإرادتهم. لكن تتشكل ثقافة تدريجياً، ويتساقط قبح الفعل شيئاً فشيئاً، ويتلاشى الشعور بالخجل والذنب تدريجياً؛ وإن ظل أولئك الأفراد القلائل ذوو الإيمان الذين لم تزل أقدامهم ثابتين على معتقدهم الأول. وهذا يدل على تقدم الاقتصاد على الثقافة، في بعض الحالات طبعاً.
3 _ يعتبر السيد ملكيان التدين مجرد «طلب للحقيقة»، ويضعه في مقابل «امتلاك الحقيقة». إن تأكيده على «طلب الحقيقة» جيد وصحيح جداً؛ لكن حصر التدين فيه هو أحد حالات الاختزالية تلك التي لا تشكل مقاربة صحيحة. التدين ليس أمراً بسيطاً يمكننا أن نعيد جميع وجوهه إليه. في التدين، يجب أن نعتبر جميع وجوه وأبعاد الحياة الإنسانية متدخلة ومنخرطة. امتلاك الحقيقة يعني أنني، كإنسان، بقبولي المعتقدات الدينية، قمت بعمل يندرج هو نفسه في سياق طلب الحقيقة. إن طلب الحقيقة يبلغ منتهاه في موضع ما، وكما يشير السيد ملكيان نفسه، فنحن البشر خليط من الحق والباطل. معنى هذا القول هو أن طلب الحقيقة فينا قد بلغ منتهاه في بعض الحالات، وصرنا مالكين للحقيقة. لذلك يمكننا، بل يجب علينا، أن نثبت على ما نعرفه حقاً ونتمسك به ونصون الحقيقة. لا يوجد أي تنافٍ بين الاعتقاد بامتلاك الحقيقة وطلب الحقيقة. قد يُظن أن المرء إذا صار مالكاً للحقيقة، كف عن الطلب؛ لكن هذا لا يحدث إلا حيث يعتبر المرء نفسه، بشكل مطلق، مالكاً للحقيقة كلها، ومثل هذا الأمر لا يحدث بيننا نحن البشر، على الأقل بين البشر العاديين.
4 _ إن تشبيه التدين بالسباحة (باعتبارها طلبًا للحقيقة) أو بركوب السفينة (باعتباره امتلاكًا للحقيقة) يمكن أن يجد قراءة أخرى. لقد صوّر السيد ملكيان ركوب السفينة بطريقة تبدو وكأنه يكفي أن تركب السفينة فحسب، ولا شيء بعد ذلك؛ فالسفينة ستوصلك إلى المقصد ولا حاجة لبذل أي جهد منك. في حين أن 1) ركوب سفينة النجاة هذه بحد ذاته يتطلب جهدًا، و2) بعد الركوب في السفينة ينبغي بذل الجهد أيضًا. إن ما ينظم حركة السفينة هو مجموعة الأنشطة التي يقوم بها ركاب السفينة وربانها. هذه السفينة ليست سفينة نزهة، بل هي سفينة جادة ينبغي على الجميع أن يسعوا لتسييرها، وجهود الربان لن تكون مثمرة إلا إذا تولى كل راكب جزءًا من العمل، وسعى كل واحد، بحسب حاله وطاقته وتخصصه، في إنجاز أعمال السفينة. إذن، في ركوب السفينة أيضًا «لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعىٰ».
4 _ كما ينبغي الانتباه إلى أن ركاب السفينة، بناءً على الصورة ذاتها التي ذُكرت، ليسوا متساوين: أولاً، هم يمتلكون تعيّنات؛ ولكن ليست تلك التعيّنات التي أشار إليها السيد ملكيان. في السفينة، لا تنفع تلك التعيّنات. ما ينفع هو العناوين والمهارات التي تفيد في تسيير السفينة نحو ساحل النجاة والمقصد النهائي. إذا كان شخص ما رئيسًا لإدارة خارج السفينة، فإن رئاسته تلك تُعدّ لا شيء داخل السفينة. هناك يُعطى لقبًا ويعمل بقدر كفاءته في إدارة السفينة. بناءً على ذلك، فإن جميع ركاب السفينة لهم همّ واحد وغمّ واحد، وهو إيصال السفينة إلى ساحل النجاة بتوجيه من الربان وبالنشاط الجماعي والفردي. كما يقول القرآن الكريم أيضًا: «قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ»[3] أما السبّاحون الذين يفكر كل منهم في نفسه، فحتى لو كان همّهم الوحيد هو السباحة، فلن يكون لديهم عمل جماعي. الدين، في هذه الصورة، ليس سوى حركة شخصية وفردية محضة؛ أما في صورة السفينة، فهو حركة جماعية تعتمد على الجهود الفردية؛ وبالطبع، بفضل وجود الربان البصير، ستصل هذه السفينة آجلاً أم عاجلاً إلى الساحل، وسينال كل واحد نصيبه.
5 _ ومما تجدر الإشارة إليه أيضًا أن الوصول إلى اليابسة لا يقتصر على مرسى واحد. فالسفينة ترسو على سواحل متعددة، وتُنزل الركاب في سواحل مختلفة بناءً على كفاءة كل منهم وقدرته على متابعة المسير والمزيد من التقدم. الجميع ينالون النجاة؛ لكن نجاة كل فرد تتناسب مع كفاءاته الذاتية ومقدار الجهد الذي بذله في السفينة. بعضهم ينزل في أول ساحل، وآخرون يمضون مع الربان إلى سواحل بعيدة وينزلون في أجمل المنازل. إذن «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ».
6 _ السباحة، كما قال السيد ملكيان، ليست مجرد سكون واسترخاء؛ لأن السباحة ليست هدفًا بحد ذاتها. البقاء على سطح الماء ليس هدفًا، بل هو طريق كي نحافظ على طاقتنا لنصل إلى ساحل النجاة. السبّاح الأكفأ هو من يستطيع بهدوء وبصرف أقل قدر من الطاقة أن يحقق أكبر حركة نحو المقصد. وإلا، إذا أراد السبّاح أن يبقى ساكنًا على الماء فحسب، فسيُنهكه العطش والجوع في النهاية. لذلك لا يمكن القول إن التدين هو مجرد تسليم للحقيقة؛ بل إنه يتطلب أيضًا تدخلاً وتصرفًا. طبعًا، المقصود هو تدخل وتصرف يتناسب وينسجم مع الحقيقة؛ لا أن يكون في مواجهتها.
7 _ تلك المعضلات الاجتماعية الخمس التي يرى السيد ملكيان أنها تترتب على تلقي امتلاك الحقيقة، إنما تنطبق على قراءة واحدة لامتلاك الحقيقة، وهي أن يعتبر الشخص نفسه مالكًا مطلقًا لكل الحقيقة. وكما ذُكر سابقًا، توجد قراءات أخرى لامتلاك الحقيقة لا تستلزم مثل تلك اللوازم. فالشخص الذي يعتبر نفسه مالكًا لجزء من الحقيقة وطالبًا للأجزاء المجهولة والتي لم تُنل بعد، ويعتبر الآخرين أيضًا مالكين لأجزاء من الحقيقة: أ) لن يصاب بالنرجسية بعد ذلك؛ ب) لن يحكم على الآخرين مسبقًا، وسيكون مستعدًا لأن يعرفهم كما هم، بل وأن يحبهم؛ ج) لن يمارس التعصب الجاهلي، وولاؤه سيكون للحقيقة فحسب، لا لشيء آخر؛ د) لا وجود للجزمية، بل يسعى وراء الدليل والبرهان؛ هـ) يتحلى بالمداراة والتسامح؛ لأنه يعتبر للآخرين أيضًا نصيبًا من الحقيقة، ويسعى لأن يتعلم منهم أيضًا.
8 _ ذلك النوع من التعبّد الذي وصفه السيد ملكيان بأنه «نادر الوجود جداً» وقال إن «لفظ التعبّد لا يليق به؛ ولكن إذا تحققت تلك الصورة، فهي عقلانية» هو عين ما يشكّل أساس كل تعبّد في الدين، وليس ثمة صورة للتعبّد غير هذه تحظى بتأييد علماء المسلمين. ولسنا هنا بصدد سائر الأديان؛ فما يُعرف في الإسلام بالتعبّد هو من هذا السنخ كله. وإن كان قد يُعثر على حالات يكون ظاهرها هكذا، لكنها في الواقع تعبّد لا أساس له وغير عقلاني. تعبّدنا نحن المسلمين للقرآن الكريم نابع من أننا نعده كلام الله الذي لم يُمسَّه تحريف، وأن كل ما يقوله هو عين الحقيقة وفي مصلحة الإنسان. وكذلك تعبّدنا لكلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم نابع من أننا نعده أمين الوحي وصادقاً ومعصوماً من الخطأ؛ كما يؤكد القرآن الكريم هذا المعنى: «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى»[4]؛ فهو لا ينطق عن الهوى، وما هو إلا وحي يوحى. وبالطبع، فنحن لا نستند إلى القرآن لإثبات صحة كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بل الأدلة التاريخية والعقلية هي التي تسند التعبّد لكلام الرسول. وكذلك الحال بالنسبة لسائر المعصومين عليهم السلام، فنحن لا نستند إلى مجرد كلامهم، بل نبحث عن دليل آخر؛ مثل ما ورد بشكل قاطع عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بشأنهم. أما فيما يخص الآخرين، فالحق مع السيد ملكيان في أن كلام أي شخص غير معصوم لا ينبغي قبوله بلا سند ولا دليل. لكن هذا لا يعني أن يُغلق باب الرجوع إلى المتخصص. فرجوع من لا يملكون تخصص فهم الدين واستنباطه إلى رجال الدين المتخصصين، هو كالرجوع إلى أي متخصص آخر، يتم فقط لأننا نعلم أن كلامهم قائم على الدليل والمستند. فلو مرض السيد ملكيان نفسه (أبعده الله عن المرض إن شاء الله) لراجع طبيباً متخصصاً وقبل كلامه، فقط لأنه يعلم أنه يعمل بناءً على مستندات وأن ممارسته للطب ليست بلا أساس. لكن السيد ملكيان لا يعرف الدليل التفصيلي لكلام الطبيب، ولا يسأل عنه، ولو سأل وأجابه الطبيب لما استطاع تشخيص صحته. وهذا تماماً مثل ما يجري في باب الرجوع إلى الفقيه والمتخصص في الدين. ينبغي أن يكون هؤلاء على استعداد للدفاع عن رأيهم مدللاً في محفل تخصصي، وسند قبول كلامهم سيكون أدلتهم؛ لا مجرد شخصياتهم. فإذا كان سند كلام شخص ما هو شخصيته فقط، فحينئذٍ يكون قبول كلامه تعبّداً بلا أساس. لقد دعا علماء المسلمین (أقصد العلماء الحقيقيين، لا المهرجين الأجوفين) دوماً إلى الرجوع إلى المتخصص بناءً على الدليل؛ لا على أساس شخصيات الأفراد. وعليه، فعبادة رجال الدين لم توجد في العالم الإسلامي، ولم يُدعَ إليها قط.
9 _ إن مسألة نشوء ظاهرة تجزئة الدين إلى حجرات منفصلة في المجتمعات المتدينة، هي حقيقة سوسيولوجية لا يمكن ختمها بصحة. ومن واجبات علماء الدين أن يحولوا دون هذا النوع من الاختزالية أيضاً. وتنبيه السيد ملكيان هو تنبيه في محله، وجدير بالاهتمام والمتابعة. لكن يبقى هنا سؤال: أليس اختزال الدين في المسائل الفردية والسيكولوجية هو بذاته نوع من تجزئة الدين إلى حجرات؟
10 _ التصور الخاطئ الخامس للدين، في نظر السيد ملكيان، هو «أن نتوهم أن علينا أن نكون خدّاماً لله لا خدّاماً للناس». لكن من الخاطئ أيضاً القول بأن «العبادات لا تكون قيّمة إلا عندما تكون في خدمة الأخلاق»؛ إذ لا ينبغي أن نرى تعارضاً بين القيمة الذاتية للعبادة والقيمة الذاتية للأخلاق. فكما أن الأخلاق الفردية والاجتماعية مطلوبة لذاتها، فإن العبادة والارتباط بالله مطلوبان لذاتهما أيضاً. ولن نستطيع أن نكون خدّاماً حقيقيين للناس إلا إذا كنا خدّاماً لله. وبالصدفة، ففي عبودية الله ندعى إلى خدمة الخلق.
بالطبع، إذا كان مقصود السيد ملكيان أن غاية العبادة هي الوصول إلى الله وكسب المعنوية، وبالتالي فهي ليست مطلوبة لذاتها، فخدمة الخلق بهذا المعنى هي كذلك أيضاً. أي أن العبادة وخدمة الخلق متساويان من هذه الجهة: فإما أن يُعتبر كلاهما مطلوبين لذاتهما، أو كلاهما مطلوبين لغيرهما، وهذا يتوقف على المدى الذي نرى فيه الغاية نهائية.
11 _ بخصوص داء انعدام الصدق، يجب أن يُقال بالحق والإنصاف إنه داء مهلك، وللأسف متفشٍ جداً في مجتمعنا، ولا بد من القيام بدراسة مرضية جادة وعاجلة في هذا المجال.
من رجال الدولة إلى المثقفين، يعاني مجتمعنا من هذا الداء. كثير من برامجنا الثقافية مشوبة بتعليم خاطئ في هذا المجال. في العديد من الأفلام التي تُنتج بهدف النمو والارتقاء الثقافي، في الإذاعة والتلفزيون والسينما، يتم الترويج للكذب بشكل لا واعٍ. لكن لا ينبغي البحث عن جذور هذا الداء في ثقافة التقية. لأن التقية أمر لم يُناقش بيننا إلا قليلاً ولا يُروَّج لها كثيراً. وهنا ينبغي القول إن ثقافة التقية ليست حكراً على الشيعة ولا حتى على الإسلام، بل هي حكم عقلي بديهي يخص الإنسان العاقل. التقية، ولا سيما تقية المداراة القائمة على تحمل المخالف ومسايرته بغية تجنب الخلاف والانقسام في المسائل الصغيرة، وبمعنى التضحية بالمسائل الصغيرة للحفاظ على المسائل الأساسية، هي أمر تؤكد عليه علوم التربية وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا؛ وإن لم يُسمَّ تقية.
أما الكذب المصلحي، الذي أُسيء فهمه بين أبناء شعبنا، فهو أحد جذور داء انعدام الصدق، وينبغي بذل جهد كبير لتصحيح فهم الناس لـ«منطقة الجواز» في الكذب المصلحي.
.
.
[1] النجم: 39 - 40
[2] الزلزلة: 7 - 8
[3] سبأ: 46
[4] النجم: 3 - 4
.
.
.
.
علم الاجتماع
الفلسفة
الدين
الدين
الفن
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
سلام به همه ممنونم از دوستان صدانت. دست مریزاد! متاسفانه فایل صوتی ایراد داره.اواخر دقیقه ی ۳۴ میپره چند دقیقه جلوتر و بخش مهمی از سخنرانی از دست میره. گرچه در متن پیاده شده ی سخنرانی این اشکال نیست.
سلام و درود زنده باشید، لینک فیلم کامل آن در انتهای مطلب موجود است.
دوستان صدا نت، با تشکر از زحمتی که کشیده اید برای انتشار این سخنرانی، میخواستم بپرسم که آیا شما مطمئن هستید که این آخرین نظرِ آقای ملکیان، بعد از ۱۸ سال گذشتِ زمان از این سخنرانی است؟ اگر مطمئن هستید لطفا مشخصا در همین جا بنویسید. و اگر هم مطمئن نیستید، باز هم بنویسید تا خواننده به دنبال نظریات متفاوت و تحول یافتهی ایشان هم بگردد. هر کس، و بهخصوص کسی مثل آقای ملکیان (به گفتهی خود ایشان) در معرض تحول دیدگاه میتواند باشد. با احترام و تشکر.
سلام و درود مطمئن هستیم که تغییر کرده و برای همین تاریخ جلسه را قید کردیم.