اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تشكل مفردات المرأة والحياة والحرية مدخلاً لمراجعة الفهم الديني؛ فالتقابل بين المقاربة الساكنة والمقاربة الديناميكية لأحكام الشريعة، لا سيما في باب حقوق المرأة، يوضح للباحثين أرضية توظيف هذه الكلمات المفاتيح.

حين سمعت شعار "امرأة، حياة، حرية" لأول مرة، ومع أنني كنت أعلم أن منشأ هذا الشعار أوسع بكثير من النقاشات الدينية، فقد وجدت صلة وثيقة بين هذه الكلمات الثلاث والنقاشات المعاصرة في مراجعة الفهم الديني. وكما أرى، فإن كل واحدة من هذه الكلمات الثلاث، إلى جانب ما تحمله من رسائل وهواجس جديرة بالاهتمام، ترتبط بأحد الجوانب القيّمة للفهم الديني. في الواقع، أرى هذه الكلمات الثلاث ممثلة لبعض أهم مباحث علم الدين في هذا العصر.
في كثير من المباحث العلمية، يكتسب عدد من الكلمات المفتاحية دورًا بارزًا في عملية التحليل بحيث تتحول تدريجيًا إلى مداخل لتلك المباحث. الكلمة التي تشق طريقها رويدًا رويدًا كمدخل لمبحث ما تؤدي دورًا مؤثرًا في تماسك ذلك المبحث وتبيان أهميته، وكذلك في إيجاد مسارات تحليلية مناسبة لتناوله. في هذه المقالة، أسعى إلى أن أبيّن باقتضاب صلة هذه الكلمات الثلاث بالمباحث الراهنة في ساحة الفهم الديني. وبهذا أحاول أن أدعو مفكري وعلماء حقل الدين إلى استخدام هذه الكلمات ومعانيها ومفاهيمها كمداخل لإعادة التفكير في الفهم الديني. لا أنوي هنا أن أعبر عن رأيي في الموضوعات المطروحة. هذه المقالة هي بمنزلة طرح للمسألة فحسب وليس من بناها تقديم الأجوبة. ومن هنا، فإني أكتفي في هذه المقالة ببيان عام للعناوين المقصودة ولن أخوض في المباحث التفصيلية والتقنية لهذه العناوين. ثمة نقطة أخرى وهي أننا في هذه المباحث لا نواجه ثنائية بل نواجه طيفًا من وجهات النظر. ومع ذلك، ومن أجل مزيد من الإيضاح لدعوى هذه المقالة، سأتناول في شرح كل عنوان من هذه العناوين وجهتي نظر متقابلتين تمامًا فحسب، ولن أدخل في النقاش وجهات النظر الوسطى التي تتفق نسبيًا مع أي من وجهتي النظر هاتين. لذا فإن تبيين المباحث في صورة مقاربات ثنائية لا يعني إنكار المقاربات الواقعة بين هاتين الثنائيتين.
فيما يلي، آتي بكل واحدة من هذه الكلمات الثلاث تباعًا وأشرح صلتها بواحد من المباحث البارزة والمشحونة بالتوتر في الفهم الديني. تأتي مباحث كل كلمة في ستة أجزاء: التعريف بالمقاربات المتقابلة، تقديم مثال، إشارة إلى نموذج الاستدلال في كل مقاربة، بعض التحديات النظرية، بعض التحديات العملية، وأخيرًا التأكيد على صلة الكلمة المفتاحية. لتوضيح بنية النقاش، يأتي كل جزء من هذه الأجزاء الستة في قالب فقرة مستقلة.
**********
- امرأة: نزلت قوانين الشريعة الإسلامية قبل 15 قرنًا على عرب شبه الجزيرة، ولا سيما سكان مكة والمدينة والنواحي المحيطة. كان قسم كبير من هذه القوانين قائمًا على أساس البنية الثقافية والاجتماعية لعصر الوحي ومكانه. تنظر الرؤية التقليدية إلى هذه القوانين على أنها مستقلة عن الزمان والمكان، ولا تجيز في أكثر صورها تساهلًا سوى تعديل بعض التفاصيل. تقسيم الأحكام إلى تأسيسية وإمضائية والدخول في المباحثات الفقهية في تعريف هذا التصنيف، أو تأييده أو رفضه، وفي حال التأييد، تبيين مصاديقه، هي من المباحث التي تستهوي هذه النظرة. في هذه النظرة، حتى الأحكام الإمضائية ليست قابلة للمرونة والمراجعة كثيرًا. يمكن تسمية هذه المقاربة "بالمقاربة الجامدة" لقوانين الشريعة. في مقابل هذه المقاربة الجامدة لقانون الشريعة، تعلقت مجموعة أخرى من المفكرين الدينيين "بمقاربة ديناميكية" لقوانين الشريعة. في هذه المقاربة، قوانين الشريعة، ولا سيما القوانين الاجتماعية، مرتبطة بالكامل بظروف الزمان والمكان. يرى المؤمنون بالمقاربة الديناميكية لقوانين الشريعة أن عدم الالتفات إلى ظروف الزمان والمكان يمكن أن يجعل قوانين الشريعة الاجتماعية غير مثمرة ويؤدي إلى زوال الحكمة من هذه القوانين. في هذه المقاربة، يوفر تقسيم الأحكام إلى إمضائية وتأسيسية أرضية جيدة لبدء الدفاع عن وجهة النظر هذه، لكن هذا التقسيم الفقهي ليس الأساس الرئيسي لدعوى هذه المقاربة. الأساس الرئيسي هو ارتباط الأحكام أو عدم ارتباطها بظروف الزمان والمكان، ويمكن لهذا النقاش أن يمتد حتى إلى الأحكام التأسيسية.
فئتان من أبرز قوانين الشريعة التي تشكّل موضوع هذه المناظرة هما القوانين الجزائية والقوانين المتعلقة بالنساء. القوانين الجزائية مثل أحكام سالبة للحياة أو الأحكام التي تؤدي إلى الجرح هي الموضوع الرئيس لهذا الخلاف. ومن جملة القوانين المتعلقة بالنساء يمكن ذكر قانون الإرث، ومكانة المرأة إزاء الزوج أو "القيّم"، وحق الطلاق، ونسبة المرأة إلى الرجل في الشهادة على الأمور المالية. وأبعد من هذا، تؤثر قوانين من هذا القبيل إجمالاً على الحقوق الاجتماعية ومكانة النساء في المجتمع. واستناداً إلى رؤية الشريعة الديناميكية، فإن جميع هذه الأحكام كانت متلائمة مع الظروف الثقافية والاجتماعية لزمان الوحي ومكانه، وفي زمان ومكان لا يتحقق فيهما هذا التلاؤم، فإن هذه الأحكام لا يمكنها ولا ينبغي لها أن تُطبَّق، وإلا كان ذلك جوراً على الحقوق الاجتماعية ومكانة النساء.
لا يقبل المنهج الستاتيكي هذا التلقي الديناميكي لقوانين الشريعة، ويتهمه بتخفيف الشريعة وجعل الدين حداً أدنى. يمكن تلخيص السؤال النقدي الذي يوجهه المنهج الستاتيكي إلى المنهج الديناميكي في عبارة "من أين لكم هذا؟". يؤكد المنهج الستاتيكي على أن واضع هذه الأحكام الأصلي هو الله الحكيم العليم، وكذلك على اللوازم الكلامية لخاتمية النبي، وبناءً على هذا الأساس يرى قوانين الشريعة، ومنها القوانين المتعلقة بالنساء، في صالح المجتمع دوماً، وفي صالح حقوق النساء ومكانتهن. في المقابل، يشير المنهج الديناميكي إلى دور العقل والعقلاء في الدين وفي قوانين الشريعة، ويلجأ أحياناً إلى مصطلحات مثل "منطقة الفراغ العقلي" ليحد من دائرة احتفاظ الشرع استناداً إلى العقل. يؤدي هذا المنهج عادةً إلى حصر قوانين الشريعة الستاتيكية في الأحكام التعبدية وإعادة النظر في الأحكام غير التعبدية.
في ساحة النظر والاستدلال، يتمثل أحد التحديات الرئيسة للمنهج الستاتيكي في تبرير مناسبة قوانين الشريعة الاجتماعية في العصر المعاصر، مع الإقرار بكونها متلائمة مع ظروف زمان الوحي ومكانه. في المقابل، يحتاج المنهج الديناميكي إلى تبرير سكوت المصادر النصية للدين عن انشغاله هو. ولتحقيق هذه الغاية، يضطر أتباع هذا المنهج أحياناً إلى اللجوء إلى المباحث الكلامية والمباحث المتعلقة بفلسفة الدين.
من أهم التحديات العملية للمنهج الستاتيكي في التعامل مع قوانين الشريعة، الاستجابة لكون تطبيق بعض الأحكام الاجتماعية غير عملي أو غير صالح. في الواقع، وفي الممارسة العملية، يُسدل ستار التعطيل على كثير من هذه الأحكام في البلدان الإسلامية بمساعدة أدوات فقهية وقانونية. في المقابل، يتمثل تحدي المنهج الديناميكي في تبيين كيفية تشخيص المصلحة استناداً إلى فهم العقلاء، وكيفية تشخيص العقلاء، وتدوين عملية للسير في مسار الشريعة الديناميكية.
بما أن المباحث المتعلقة بحقوق النساء هي من أشهر المباحث وأكثرها تداولاً في نزاع المنهج الستاتيكي والديناميكي حول قانون الشريعة، فإن لفظة «المرأة» يمكن أن تكون كلمة مفتاحية ومدخلاً لتناول هذا النزاع ودفع استدلالات طرفي الدعوى إلى الأمام.
- الحياة: لطالما تردد هذا السؤال بين المتدينين وعلماء الدين: ما هدف الدين وأين تقع حدوده وتخومه؟ يبدو أن هناك رؤيتين مختلفتين حول هدف الدين ومدى الأمور الدينية. ففي مقاربة "مدرسة-محور" (إيديولوجية)، يكون الدين نظاماً واسعاً يحكم جميع شؤون الحياة. من هذا المنظور، يرى الإنسان المتدين نفسه دوماً في مهمة من قِبل الدين لتصحيح شؤون الحياة أينما أتيحت له الفرصة. إنه كفاح لا ينتهي لبسط ما يعتبره أوامر الدين على حياته وحياة الآخرين، ونضال (ليس بالضرورة بمعنى الحرب) ضد كل من يعتبره مخالفاً لدينه. بهذا الشكل، يهيمن الدين على جميع أجزاء حياة الفرد، فلا يرى أينما نظر سوى ساحة صراع بين الحق والباطل. إن مدى المهمة الدينية التي يضطلع بها هذا الفرد عالمي وغير محدود، لأنه يرى الجميع في أحد المعسكرين: معسكر الحق أو معسكر الباطل. في المقابل، هناك مقاربة "مسلك-محور" للدين. في هذه المقاربة، الدين هو منهج لتزكية النفس، وبالطبع لتزكية النفس لا بد من تنظيم وضبط بعض شؤون الحياة. لكن الفارق الأساسي يكمن في أن التدخل في جميع شؤون الحياة وتلك المهمة العالمية هما من صميم الدين في النظرة المدرسة-محور، بينما في النظرة المسلك-محور لا ضرورة ذاتية للتدخل في شؤون الحياة. حصيلة هذه الرؤية هي أن المتدين يرى نفسه سالكاً في طريق الدين أكثر مما يرى نفسه مكلفاً بالتبليغ له وتأسيسه. في هذا الطريق وفي هذا السلوك، حيثما استطاع أن يأخذ بيد آخر فعل، لكنه لا يرى نفسه مكلفاً ببسط الدين في حياة الجميع. إنه يرى أهم ساحات الصراع بين الحق والباطل في نفسه هو، ولا يقسم العالم والعالمين إلى صفوف حق وباطل.
تميل الرؤية الأولى إلى نظرة تأديبية للحياة. في هذا التصور، يخيم هاجس تأسيس الدين وترسيخه على سائر هواجس الحياة اليومية. المشاركة في المناسك والبرامج والمراسم (ليست العبادية فحسب، بل وكذلك) العقائدية، والميل إلى الوعظ واللوم في سبيل جعل المجتمع متديناً، والسعي لإبقاء راية الدين مرفوعة، هي عادةً، وبدرجة أو بأخرى، من سمات هذه المقاربة. أما أولئك الذين يميلون إلى الرؤية الثانية، فرغم أنهم قد يكون لديهم هاجس تأسيس الدين وترسيخه، إلا أنهم لا يرونه في صدارة هواجس الحياة الأخرى ومقدمتها. ومن بينهم، يميل الأكثر اجتهاداً في الدين إلى جوانب التربية الفردية للدين لأنفسهم والمقربين منهم، أكثر من ميلهم إلى الجوانب التبليغية المتعلقة بتأسيس الدين وترسيخه. ليس الكلام هنا عن أي الفئتين أشد تديناً أو أكثر تحرراً من التعلقات. ففي كلتا الفئتين، تكثر النماذج الرفيعة من التدين والتحرر. ما يفصل هاتين الفئتين في الظاهر وفي السلوك والفكر عن بعضهما البعض، ليس درجة التدين والتحرر، بل تصور كل منهما لمرتكز الثقل في الدين.
لا تطيق المقاربة المدرسة-محور المقاربة المسلك-محور وتعتبرها "تهميشاً للدين". تسعى المقاربة المدرسة-محور، عبر إبراز جوانب مناهضة الظلم والجوانب التبليغية الكامنة في النصوص الدينية وتاريخ التدين، إلى إبقاء رؤيتها قائمة. من جهة أخرى، تتهم المقاربة المسلك-محور المقاربة المدرسة-محور بالابتعاد عن أصل الدين وهدفه، وتسعى، عبر توظيف جوانب النزوع إلى الباطن والتركيز على الآخرة الكامنة في النصوص الدينية وتاريخ التدين، إلى ترسيخ رؤيتها.
في التنقيبات والحوارات النظرية، يتمثل أحد التحديات التي تواجه كلا المقاربتين في إظهار مواكبة النص المقدس والمفاهيم الدينية لرؤيتها. يبدو أن كلمات ومفاهيم مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاستكبار والمستضعفين، والجهاد، والتبليغ، تحمل معاني واستعمالات مختلفة جداً لدى كل فئة.
من التحديات العملية التي تواجهها المقاربة المدرسة-محور هي الاستقلال عن سياسة الحكم، وخصوصاً سياسة الحكم الديني. إن ارتباطهم بسياسة الحكم، أو تصور المراقبين أن ثمة ارتباطاً كهذا قائماً، يزعزع الأسس النظرية لهذه المقاربة. ومن جهة أخرى، يتمثل أحد التحديات العملية للمقاربة المسلك-محور في مواجهة اتهام عدم كونها على حق وعدم اكتراثها بإنقاذ الآخرين.
لا شك أن كلاً من المقاربتين المتمحورتين حول المدرسة الفقهية وحول المسلك الفردي تؤثران في تصور الإنسان المتدين لما ينبغي أن تكون عليه حياته وحياة الآخرين. فأي نوع من الهموم يخيم على حياة الأفراد ويتصدرها يضفي بلا ريب لوناً خاصاً على حياة الفرد وعلى أصل مفهوم الحياة ذاته. ومن هذا المنظور، يمكن لكلمة «الحياة» أن تكون مدخلاً مناسباً لطرح هاتين المقاربتين وتبادل الأدلة بين أصحاب كل منهما.
الحرية: إن المجتمع الذي عاش تجربة مباشرة لحضور النبي وتلقي الوحي يختلف اختلافاً جوهرياً عن المجتمعات المسلمة اليوم. كان القرآن يتوقع من مخاطبيه المباشرين أن يلبوا دعوة النبي وينصروه، وكان النبي مكلفاً بأن يوطد دعائم الإسلام في أرض الوحي وفي ذلك المجتمع. إن أول مجتمع مسلم تشكل قبل حوالي خمسة عشر قرناً في جزء من شبه الجزيرة العربية كان حامل لواء حفظ دين الإسلام وترسيخ الأمة الإسلامية وتقويتها. إن درجة إجبار أفراد ذلك المجتمع على التدين هي نفسها موضع نقاش. ومع ذلك، ليس بعيداً عن الصواب لو ذهبنا إلى أنه كان يُنتظر من الأفراد المسلمين في ذلك المجتمع أن يحيوا أنفسهم بالالتزام بالدين الجديد، وأن يكون لهم دور في الذود عن الدين. والسؤال الأساسي هو: إلى أي حد يمتلك مواطنو مجتمع مسلم، في هذا الزمان، حق الحرية الفردية في اختيار نمط حياتهم؟ استناداً إلى مقاربة «تابعة»، لا تؤثر أي من النقاط المذكورة أعلاه في هذا الأمر، فأفراد المجتمع الديني في اختيارهم للمنهج والسلوك يتبعون الأوامر الدينية، شأنهم شأن أفراد مجتمع النبي في عصر الوحي، ودرجة حريتهم تقع ضمن إطار تلك الأوامر الدينية نفسها. وفي هذه النظرة، قد يتسامح المتدينون، حسب ما يرونه من مصلحة، مع بعض الحريات التي يعتبرونها مخالفة للشرع، لكنهم لا يشكون في أن حدود الحرية يحددها في نهاية المطاف الفهم الديني. وقد يذهب المعتقدون بهذه النظرة إلى أبعد من ذلك فيرون أن المصلحة تقتضي أن تكون حرية المواطنين في اختيار نمط حياتهم أضيق حتى من حرية أفراد المجتمع المسلم الأول. وفي المقابل، واستناداً إلى مقاربة «مستقلة»، هناك فرق جوهري بين ظروف وواجبات المجتمع المسلم في عصر النبي والمجتمعات المسلمة اليوم. ففي هذه النظرة، إن مقدار الحرية في نمط الحياة لا يحدده الفهم الديني، بل ما يستقيه المجتمع أو العقلاء من الأخلاق العامة. وبناءً على هذه الرؤية، يحق لأفراد المجتمع الديني، في اختيارهم للمنهج والسلوك، أن يعتبروا أنفسهم مستقلين عن الأوامر الدينية، حتى لو رأى بعض المتدينين أن ذلك ليس في صالح دين هؤلاء الأفراد وآخرتهم. ويرى بعض المعتقدين بهذه الرؤية أنه حتى في عصر النبي كان الناس يتمتعون بقدر من الحرية في المنهج والسلوك أكبر مما يظنه أصحاب النظرة الأخرى.
لعل أبرز مثال لبيان الفرق بين هاتين المقاربتين في الزمن الذي نعيش فيه هو قضية قانون الحجاب. بافتراض أن الحجاب واجب شرعي، فالسؤال هو: هل ينبغي إلزام أفراد المجتمع بهذا الواجب أم لا؟ استناداً إلى المقاربة التابعة، فإن الإجابة على هذا السؤال هي نعم بشكل بديهي. كما أن موضوع الحجاب مثال جيد على الحالات التي يُلزَم فيها المجتمع ويُقيَد، بناءً على ما تراه هذه المقاربة من مصلحة، أكثر حتى من المجتمع المسلم الأول. فاستناداً إلى الفقه الإسلامي المؤسس على آيات القرآن، يمكن للنساء المتقدمات في السن أن يخلعن الحجاب، كما أن النساء غير المسلمات غير مكلفات بالحجاب. ومع ذلك، واستناداً إلى المقاربة التابعة، وحسب ما يراه المعتقدون بهذه المقاربة من مصلحة، فإن كلا الفئتين من النساء ملزمات بالحجاب في مجتمع إيران اليوم. وهذا الإلزام يشمل حتى النساء غير المسلمات وغير الإيرانيات اللواتي يزرن البلاد. وفي المقابل، قد توصي المقاربة المستقلة بالحجاب لكنها لا تصل بهذه التوصية إلى حدود الإجبار، لأنها ترى أنه لا يوجد أساس متين يجعلنا نتوقع من مسلم اليوم ما كنا نتوقعه من مسلم مجتمع النبي. وأؤكد أن هذا المثال مبني على افتراض وجوب الحجاب، ولو اختل هذا الافتراض فلن يكون لهذا المثال صلة كبيرة بالموضوع المطروح للنقاش.
يُنزِّه أتباعُ النهج الأوّل أنفسَهم عن هذا الفكر ويعدّونه مدعاةً لزعزعة أركان الدين. ويمكنهم أن يُظهِروا أنّ النصّ المقدّس لم يرد فيه استثناءٌ للآتين من بعد، وهم يرون أنّ الخطابات المُكلِّفة في القرآن والأوامر الواردة في سائر النصوص الدينية هي عامّة في لفظها. وفي المقابل، يستخدم أتباع النهج المستقلّ استدلالاتٍ قائمةً على أساس الدور الخاصّ للنبيّ ورسالته بين قومه، وعلى توافق الدين والإسلام مع حقّ الحرية في إطار العُرف الأخلاقي للمجتمع، ليفرّقوا بين مسلمي اليوم ومسلمي عصر النبيّ من حيث ما يمكن توقّعه منهم.
ومن أهمّ التحدّيات النظرية للنهج التابع مواجهتُه للنقاشات المنافسة حول دور النبيّ الخاصّ ورسالته لمجتمعه، ونطاق رسالته. أمّا بالنسبة للنهج المستقلّ، فالدفاع عن حقّ الحرية (في إطار العُرف الأخلاقي) في مواجهة الاستدلالات النصّية يُشكّل تحدّياً في بعض الأحيان.
أمّا التحدّي العملي للنهج التابع فهو ما نشهده في جزء من المجتمع الإيراني، أي عدم الالتزام بما يعتبره المتمسّكون بالنهج المستقلّ من ضرورات الدين، بل والتمرّد عليه أحياناً. كما واجه أتباع النهج المستقلّ دوماً هذا السؤال: إذا كان الأساس هو العُرف الأخلاقي للمجتمع، فأين الحدّ والنهاية؟ وإلى أيّ مدى يمكن لمجتمع ديني أن يبقى متوافقاً مع العُرف الأخلاقي؟
تُشكّل كلمة «الحرية» نقطةَ ارتكاز مناسبة لدعوة أصحاب كلّ من هذين النهجين إلى عرض استدلالاتهم وأسبابهم في مواجهة بعضهم بعضاً، والسعي لترسيخ رأيهم في مقابل الرأي المخالف.
**********
أودّ أن أؤكّد مرّة أخرى أنّني في هذا المختصر، وفي شرح كلّ عنوان من العناوين، تناولتُ فقط وجهتي نظر متقابلتين تماماً، ولم أُدخل في النقاش وجهات النظر الوسطى التي تتفق نسبياً مع إحدى وجهتي النظر هاتين. وأُضيف أيضاً أنّ الموضوعات الثلاثة المطروحة في هذه الكتابة مترابطة، وأنّ كلّ نهج في موضوع منها يرتبط ارتباطاً عميقاً بالنهج الوارد في الموضوع الآخر.
إنّ المجتمع الحيّ النامي يسعى دوماً إلى مراجعة النُّهُج الماضية. «امرأة، حياة، حرية» تملك القدرة على أن تكون مدخلاً مناسباً لبعض أهمّ مباحث مراجعة الفهم الديني وأكثرها راهنية. «المرأة» ستُستخدم مدخلاً للشريعة الجامدة أو الديناميكية، و«الحياة» مدخلاً للدين المذهبي أو المسلكي، و«الحرية» مدخلاً للنهج التابع أو المستقلّ (للأوامر الدينية). لقد توصّل جيل الوطن الشابّ إلى شعار يمتلك، إلى جانب سائر منابعه الأخرى، هذه الطاقة الكامنة كمدخل لمراجعة الفهم الديني. لطالما شهد تاريخ الأديان، وخصوصاً تاريخ الإسلام، إثراءَ الفهم الديني عبر الحوار والمباحثة. وإثراء الفهم الديني يُبهج المتديّنين ويُنعشهم، ويُريح بال غير المتديّنين أيضاً. فلتكن الرياح هكذا.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
رویکرد قرآن محور میتواند رویکردی با سندیت امروزی وخالص باشد...پویایی و خالص بودن این رویکرد یعنی میزان قرار دادن پیام الهی با رعایت همواره اتصل قول درآن...اتصال اجزاء هر ایه و اتصال آیات هر سوره و کلین قرآن یعنی فراموش نشدن هیچ آیه یا عبارتی از آن...رعایت اتصال آیات در آن به پیوستگی انسانها و نه فراموش شدن کسی ، منجر میشود... با این رویکرد همزیستی با گروههای غیر دینی با شروطی امکان پذیر میشود : لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿۸﴾ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿۹﴾ ممتحنه از انجا که در این رویکرد بین خود مومنین رعایت رضایت اجتماعی و بهره مندی هر نیازمندی با شورای اجتماعی پیگیری میشود ، با گروههای سوسیال یعنی طالبین رضایت اجتماعی همزیستی امکان دارد...ملزم بودن به اقتصاد اجتماع محور و پایبندی به اخلاق و آداب عرفی ...نه بی قید و بند بودن در اقتصاد و رفتار در جامعه.... بطور خلاصه و در لسان امروز ، موازین سوسیال دموکراسی در حاکمیت میتواند حداقلی از شروط همزیستی باشد ، همزیستی احزاب و دارندگان رویکرد قرآنی و اجتماع گرایان... این همه ریشه در آن دارد که لزوم پاک شدن اموال در جهت رضایت الهی و رفع فقر و محرومیت در جامعه ، موجب پاک شدن رفتار میشود...رقابت های اقتصادی بی قید و بند به اخلاق و رفتارهای رها و بدون کنترل نیز منتهی میشود... quranmizan[.]com