اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
لا يقوم إسلام فرهاد شفتي على استدلالات قياسية، بل على تجربة شخصية للروحانية والارتقاء الأخلاقي من خلال الالتزام بالتكاليف الدينية؛ وهو يرى الاستمرار في هذا المسار رغم ما يكتنفه من غموض تاريخي وعقلاني وأخلاقي.

في عنوان هذه المقالة، وفي متنها أيضاً، تعمّدت اختيار ضمير المتكلم المفرد لأنفي منذ البداية أي ادعاء بتقرير مصير الآخرين أو طرح نظرية علمية في مجال علم الكلام أو الدين أو الإبستمولوجيا الدينية، ولأعبّر بتواضع أن ما أكتبه رداً على الأسئلة أعلاه هو وجهة نظري بناءً على فهمي للدين والقرآن، فهمٌ شخصي اطمأنت إليه نفسي وقلبي. كما آمل أن يوضح هذا العنوان أن أساس هذه المقالة ليس نقداً أو دفاعاً أو رداً على أي من أقوال أو كتابات المفكرين في مجال الدين والإبستمولوجيا الدينية حول هذا الموضوع بالذات، وإنما القصد هو مجرد طرح وجهة نظري للمهتمين، لعلهم يضعونها، إلى جانب وجهات النظر المختلفة والمتنوعة الأخرى، في زاوية من رواق الفكر.
أمر آخر، وهو أنه على الرغم من أنه يبدو أكثر منطقية أن أتناول أولاً "ما أراه جوهرياً في الإسلام" ثم "لماذا أنا مسلم"، إلا أنني لأنني كتبت هذه السطور كمسلم وللقارئ المسلم، يبدو لي أن الترتيب الحالي أكثر مناسبة.
رداً على هذا السؤال، يُتوقع عادةً أن نثبت أن محمداً نبي الله[1] وأن القرآن الذي بين أيدينا هو الكتاب السماوي لهذا النبي. لكن إسلامي لا يقوم على الاستدلالات القياسية. أنا على يقين من أن الاستدلالات القياسية لا تكاد تستطيع إثبات أو نفي القضية المذكورة أعلاه وقضايا من هذا القبيل على نحو يبعث على الاطمئنان. وهذا بالطبع ليس خاصاً بالإسلام ونبي الإسلام، بل أقول الشيء نفسه عن الأديان الأخرى والأنبياء والقادة الروحيين الآخرين في التاريخ غير المعاصر. فمقدمات هذا النوع من الاستدلالات، سواء كانت له أو عليه، عادة ما تكون مشروطة جداً ومعتمدة على مقدمات أخرى. وغالباً ما يحدث أن ما يجعل هذه المقدمات مقبولة هو اعتقاد مسبق وليس الاستدلال نفسه.
لعل إسلامي في الماضي البعيد، وبصرف النظر عن حقيقة أنني مسلم لأنني وُلدت مسلماً، كان قائماً على استدلالات قياسية غير راسخة. أما في هذا الوقت، فمن منظور شخصي بحت، أجيب على هذا السؤال كالتالي:
بالنسبة لي، دعوى نبوة محمد صادقة لأنني أعلم ورأيت أن الإيمان والعمل بمخرجات هذه الدعوى أدى لكثيرين إلى روحانية[2] في أعلى درجاتها، ولجموع غفيرة، وأنا منهم، إلى توجه فعّال نحو الروحانية. بعبارة أخرى، مجرد رؤيتي أن هذا المسلك الديني، الإسلام، كان مؤثراً في التحسن الروحي لكثيرين بمن فيهم أنا، هو حجتي في كوني مسلماً. و"الروحانية" التي أشير إليها هنا ليست الشعور بالسماوية أو الإحساس بأن المرء يطير، بل هي الارتقاء الأخلاقي بشكل تآزري في العلاقات الثلاث: مع الذات، ومع الآخر، ومع الأمر المتعالي.[3] ومن هذا المنظور، فهي أمر قابل للقياس إلى حد كبير، وليست ظاهرة غامضة قد تكون نتاج وهم. أُقر بأن هذه الملاحظة وهذه التجربة ليست على هذا النحو لجميع أتباع هذا الدين، ولهذا السبب أكدت منذ بداية هذه المقالة على شخصية المنظور في هذه السطور.
السؤال الذي يمكن طرحه هنا هو: "أليس من الممكن أن تكون دعوى ما خاطئة، لكن العمل بها يظل يؤدي إلى بلوغ الروحانية في أعلى درجاتها؟" سيكون جوابي كالتالي: "بلى، ولكن إذا كنا نرى أن وظيفة الدين هي السمو الروحي، فأي فرق يبقى؟ إلا إذا كان خطأ تلك الدعوى قد ثبت للفرد، ففي هذه الحالة لن يكون اتباعه كنبي منسجماً مع الصدق وإقامة الصدق، وبالتالي سيكون منافياً للأخلاق والروحانية." بالنسبة لي، سؤال صحة دعوى النبوة ينبع من منطلق تواق للروحانية، وليس من منطلق نظري لمعرفة التاريخ. فإذا كان هذا المنطلق الثاني هو منظور مثل هذا السؤال، فلا أجد في نفسي دافعاً أو اهتماماً للإجابة عليه.
لقد ادعى محمد النبوة ونُسب إليه كتاب بوصفه ثمرة وحي. وأنا في هذا الكتاب، أي القرآن، وبناءً على فهمي لمفهوم الإله والدين وظاهرة الوحي، لا أجد شيئاً يتعارض أو لا ينسجم مع نبوة محمد.[4] لقد قرأتُ وأرى أن الإيمان بهذا القرآن نفسه وبالرؤية التي جاء فيها والعمل بالتكاليف التعبدية لهذا الدين قد دفع كثيرين في مسار الروحانية، بذلك المعنى الذي أشرتُ إليه. وأرى أنني، في حدود قدراتي المتناهية في القصور، أنتفع أنا أيضاً بهذه التكاليف، وأن قراءتي للقرآن، إن هممتُ، تقودني إلى الروحانية.
هذه المشاهدة والتجربة تكفيانني لأعتبر، في العمل والسلوك الروحي، محمداً نبي الله والقرآن حصيلة وحي، رغم أنني، في النظر والسلوك العقلي، لا أزال متابعاً للمباحث التاريخية حول محمد وكيفية تشكل القرآن، وهي مباحث لا تنتهي بالضرورة، خصوصاً في العقود الأخيرة وفي الأبحاث الأكاديمية الغربية، إلى تلك المعتقدات التقليدية ذاتها. وأعلم أيضاً أن ذلك السلوك الروحي باعث على الطمأنينة في طبيعته، ولكن هذا السلوك العقلي بعيد أن يفضي إلى نتائج قطعية، وسيبلغ في أحسن الأحوال احتمالات. والطبيعة الباعثة على الطمأنينة التي مر ذكرها ليست في سياق الخيال، ولا هي محصورة في طمأنينة القلب فحسب، بل هي في ميدان الأخلاق، وهي قابلة للقياس كما كتبتُ. ومع إقراري بعجز الأدلة ذات المنحى التاريخي عن إثبات دعوى مذهب ما أو دحضها، فإنني أعتبر الاستمرار في المسير في ذلك المذهب، الذي كان مثمراً لكثيرين ومنهم أنا، أمراً أخلاقياً وعقلانياً في آن، ولا أراه في تضاد مع العقلانية. وأرى أن أهل الأخلاق والعقلاء لديهم هذا المنهج نفسه حيال أمور أخرى يغلب عليها الجانب العملي. وأجد في نفسي أيضاً هذه الشجاعة لأن أكون منفتح الذهن إزاء الاستدلالات القياسية في دحض ما أؤمن به، وأن أراجع موقفي إن ثبتت لدي حجية مجموعة من هذه الاستدلالات.
أشرح ثلاث نقاط مهمة وأؤكد عليها:
الأولى أنني مدرك تماماً أن أتباع الأديان الأخرى يمكنهم أن يقولوا الشيء نفسه عن تعلقهم بتلك الأديان. وبالنظرة التعددية التي أحملها والتي استدللتُ عليها،[5] لا أرى ضرورة لأن يكون لدي هاجس الاستدلال لإبطال الأديان الأخرى أو نسخها. لا أعتبر تبرير دين غير الإسلام لأتباعه تهديداً لتبرير الإسلام لي، رغم أنني كمسلم أسمح لنفسي بألا أتفق مع بعض معتقدات الأديان الأخرى. وفي هذه الجمل، أعني بالدين المعنى العام لهذه الكلمة الذي يشمل الأديان الرسمية وكذلك المذاهب الروحية التي لا تعتبر نفسها ضمن الأديان الرسمية.
النقطة الثانية هي تأكيد على ما أشرتُ إليه أعلاه لأهميته: آمل أن يكون ما كتبتُه قد أوضح أن منهجي ليس هو أنني، بصرف النظر عن أي دليل قد يثبت كذب دعوى النبوة، سأعتبر مدعي النبوة صادقاً فقط إن كان العمل بشريعته يعود عليّ بنفع روحي. حاشا أن يكون كذلك! "النفع الروحي" هو معيار للبقاء في مذهب لم تقنعني أدلة دحضه. فإذا ثبت لي من منظور نظري كذب دعوى مدعي النبوة، فإنني عندئذ لا أعتبر اتباعه جائزاً أخلاقياً وأراه خلاف مسار الروحانية.
الثالثة أن ما كتبتُه عن استحالة حصول الطمأنينة بواسطة الاستدلالات القياسية في إثبات دعوى النبوة أو دحضها، ينطبق من وجهة نظري فقط على دعوى النبوة في التاريخ، لا على دعوى النبوة في العصر المعاصر، وهي فترة تكون فيها الشواهد الحية والتقارير الموثقة المتاحة قابلة للاستخدام عادةً لإثبات مثل هذه الدعوى أو دحضها نظرياً.
قبل طرح هذا السؤال، أرى من الضروري أن أوضّح أنني لا أعني بالإسلام هنا معناه القرآني، بل معناه الاصطلاحي. أعتقد أن "الإسلام" في القرآن ينبثق من المعنى اللغوي للكلمة، ويعني التسليم لله، وبتعبير أدق، التسليم الصادق لما نراه حقاً. لكنني أعني هنا بالإسلام ذلك الدين والتقليد الذي تلقّاه محمد المصطفى عن طريق الوحي وأبلغه لأتباعه. ومع ذلك، سأشير لاحقاً إلى أن الالتفات إلى المعنى القرآني للإسلام مؤثر في التعمق بمعناه الاصطلاحي.
على الرغم من أنني أظن الأمر واضحاً، إلا أنني، لأهمية الموضوع، أؤكد أن الحديث ليس عن "من هو المسلم؟". أنا، مثل الكثيرين، أرى أن المسلم هو من يعتبر نفسه مسلماً. كما ينبغي أن أوضح أنني لا أعني بضروري الإسلام التكليف الضروري للمسلمين، بل أعني ضروري الإسلام من حيث ماهيته. أي أي فهم للإسلام، بغض النظر عن اتفاقي معه أو اختلافي، أعتبره لا يزال فهماً ضمن نطاق المفاهيم الممكنة للإسلام.
للإجابة عن سؤال "ماذا أعتبر ضروري الإسلام؟"، أحتاج إلى توضيح آخر:
لا أستطيع الإجابة عن سؤال ضروري الإسلام إلا عندما أحوّله إلى سؤالين منفصلين: ما هي "صورة الإسلام"؟ وما هو "هدف الإسلام"؟
أعتبر هذا الفصل مهماً بالنسبة لي، لأن للإسلام صورة يؤمن بها كل المسلمين أو معظمهم، لكنهم يختلفون فيما بينهم في قراءة تلك الصورة ذاتها. لدي رأي محدد بشأن مكونات صورة الإسلام، وسيأتي لاحقاً، لكنني لا أستطيع، فقط باستخدام فهمي لصورة الإسلام، أن أحكم على أي قراءة لمكونات صورة الإسلام يمكن أن تُعرف بعدُ على أنها إسلام. بالنسبة لي، ما يضبط هذا السيولة في قراءة صورة الإسلام ويمنحها سكينة نسبية لكن مطمئنة هو "هدف الإسلام". هنا سأعبر أولاً عما أعتبره صورة الإسلام، ثم أتطرق إلى هدف الإسلام.
- ما هي "صورة الإسلام"؟
صورة الإسلام، بناءً على ما أستنبطه من القرآن، هي الإيمان والعمل الصالح. وبناءً على القرآن أيضاً، موضوع هذا الإيمان هو الله، والملائكة، والكتب السماوية ومنها القرآن، والأنبياء ومنهم محمد المصطفى، وكذلك المعاد. وكذلك، ينبثق عن هذا الإيمان وفي اتجاهه العمل الصالح وأحكام الشريعة وقوانينها مما ورد في القرآن وفي السنة العملية المتفق عليها.[6]
من الصعب جداً عليّ أن أعتبر وصفاً دينياً داخلياً للإسلام وصفاً تاماً إذا لم يرد فيه أحد الأمور المذكورة أعلاه. مثلاً، إذا قال أحدهم إنه لا يوجد في الإسلام إيمان بالمعاد، أو لا يوجد إيمان بكتب الأنبياء، أو أنا أقبل إسلاماً بلا معاد أو إسلاماً بلا إيمان بالملائكة، فمن وجهة نظري، ما يشير إليه ليس الإسلام كاملاً. كذلك، إذا قال أحدهم إنه لا توجد صلاة في الإسلام، أو إن الربا ليس حراماً، فلا أستطيع مجدداً أن أعتبر هذا وصفاً تاماً للإسلام.
هذا التعبير المستقيم نسبياً، لكن له بالنسبة لي عقبة لا مفر منها، وهي إمكانية التفسير والتأويل المختلف لهذه الصورة المذكورة عينها. بل الأدق أن أقول، كما هو الحال في أي دين ومذهب آخر، يمكن النظر إلى صورة الإسلام، لكن لا يمكن رؤيتها إلا بعد تفسير وتأويل مكوناتها. أتأمل أن ابن سينا، والشيخ المفيد، والملّا صدرا، كلهم كانوا يؤمنون بالمعاد، لكن هل كان فهمهم للمعاد واحداً؟ هل الفهم الذي لدى ابن عربي عن الله هو نفسه لدى الكليني، وهل فهم أي منهم مطابق لفهم الطباطبائي؟ هل في الاعتقاد بماهية القرآن، كل مفكري تاريخ الإسلام من الطبري إلى الفخر الرازي إلى فضل الرحمن، على رأي واحد؟ هل كل الفقهاء متفقون على ما هو الربا الذي حرّمه القرآن؟ أجيب نفسي: قطعاً لا.
الإيمان بالله هو صورة الإسلام، أما كيف يكون الله، أهو مشخص أم غير مشخص أم لا هذا ولا ذاك، فهو رهن بالفهم التأويلي والتفسيري للأفراد. الإيمان بالملائكة والمعاد يمكن أن يقوم على اعتبار وصف الملائكة والمعاد في القرآن مطابقاً للواقع عيناً، أو قد يقوم على أساس لغة التمثيل أو لغة السرّ، وبالجملة على اعتبار هذه الألفاظ متجاوزةً لمعناها الحرفي. في موضوع الإيمان بالكتاب، يختلف تلقي الكتاب باختلاف التصورات لماهية الوحي، ففي هذا النطاق الواسع يعتبر البعض الوحي تجربة أحادية الاتجاه من الأعلى إلى الأسفل، ويعتبره آخرون تجربة أحادية الاتجاه من الأسفل إلى الأعلى. ويراه آخرون حصيلة تجربة ثنائية الاتجاه أو تجربة يتحد فيها المرسِل والمستقبِل. يمكن أن تتأثر قراءة أجزاء صورة الإسلام بالأبحاث التاريخية أيضاً، مثلاً ما إذا كان القرآن الحالي هو عين قرآن زمن النبي أم أنه قد طرأت عليه تغييرات. في مجال الأحكام والقوانين، يرى البعض أنها أبدية وللجميع، ويراها آخرون خاصة بزمان الوحي ومكانه، ويفرق آخرون بين الأحكام والقوانين الدائمة وتلك المرتبطة بالظروف الاجتماعية. كما أن البعض لا يعتبر هذه الأحكام والقوانين تكاليف، بل يرونها في الزمن الحاضر مجرد توصيات. وبنظرة أعمّ لصورة الإسلام، يعرّف البعض هذا الدين بأنه عالمي وطريق النجاة الوحيد، ويراه آخرون محلياً وأحد طرق النجاة.
وعلى هذا الأساس، إذا قدم لي أحدهم قراءة لصورة الإسلام تختلف عن قراءتي، فسأخالفه في الرأي، وطالما كنت أعتقد أن قراءتي صحيحة فسأعتبر قراءته غير صحيحة، لكنني لن أرى قراءته، لمجرد اختلافها عن قراءتي، أو اختلافها عن القراءة المشهورة، خارج نطاق الإسلام.[7]
هذا التصور السيال لصورة الإسلام، وإن كان يستخدم أجزاء الإسلام التي لا يمكن إنكارها، إلا أنه بسبب طبيعته السيالة الناشئة عن الحاجة إلى التأويل والتفسير وقابليته للتأويل والتفسير، لا يمكن أن يُستخدم وحده في تدوين ضروري الإسلام. وبتأسيس ما أسميه هدف الإسلام، أحاول أن أوصل هذه الصورة السيالة إلى قرار وسكينة نسبية.
- ما هدف الإسلام؟
أنا أرى الدين، ومنه الإسلام، ليس هدفاً في حد ذاته، بل هو نهج نحو الهدف. ولهذا السبب، أبحث عن جذر ضروري الإسلام لا في صورة الإسلام، بل في هدف الإسلام. إنني أعتبر الهدف النهائي لدين الإسلام، استناداً إلى القرآن، هو تزكية النفس (أو المعنوية)[8]، ولذلك أرى بين ضروري الإسلام وتزكية النفس رابطاً لا ينفصم. يعود هذا إلى مفهوم "الإله البراغماتي" الذي أعتبره مفهوماً قرآنياً، بمعنى أن إله القرآن يهتم بالعمل الصادق في اتجاه تزكية النفس أكثر من اهتمامه بالاعتقاد الصادق.[9] وهنا أيضاً يتضح ذلك الرابط الذي أشرت إليه بين معنى الإسلام في القرآن والمعنى الاصطلاحي للإسلام. الأصل هو التسليم الصادق أمام ما نعتبره حقاً، وهذا الصدق نفسه هو في اتجاه هدف الدين والشرط المسبق للوصول إلى هذا الهدف.
وباستخدام الأساس الذي شرحته، أدوّن ضروري الإسلام على النحو التالي:
ضروري الإسلام هو استخدام قراءة من صورة الإسلام تكون في مسار هدف الإسلام، أي تزكية النفس (أو المعنوية). بعبارة أخرى، لا أعتبر الموضوعات النظرية بمفردها ضروري الإسلام. هذه الموضوعات النظرية ناتجة عن قراءة بشرية لصورة الإسلام، وهذه الصورة نفسها هي حصيلة مواجهة بشرية مع الأمر المتعالي. إنني أعتبر فاعلية قراءة هذه الموضوعات في الوصول إلى هدف الدين هي ضروري الإسلام.
لذلك، فإن أي قراءة صادقة لصورة الإسلام، تؤدي بالقوة أو بالفعل إلى استخدام الإسلام كنهج للسير نحو هدف الإسلام، أي تزكية النفس، هي من وجهة نظري محترمة وتقع في نطاق دين الإسلام، حتى لو كانت تلك القراءة تختلف عن الإسلام الذي أتبعه أنا أو تتبعه الأغلبية الساحقة من المسلمين اختلافاً شاسعاً.
فضروري الإسلام من وجهة نظري هو تركيب هذين الأمرين:
1- جميع أجزاء صورة الإسلام بالتفصيل الذي ورد، بغض النظر عن كيفية قراءة هذه الأجزاء
2- قراءة لهذه الأجزاء تُستخدم في مسار الوصول إلى الهدف النهائي للإسلام، أي تزكية النفس
المعيار الأول، كما أوضحت، هو معيار مباشر. إذا كان ثمة حاجة إلى أي تدقيق أو تعمق حول ضروري الإسلام، فذلك ليس في المجال النظري، بل في مجال العمل، ومن أجل فحص مدى كفاءة قراءة صادقة لصورة الإسلام في بلوغ هدف الإسلام.
أُنهي هذه الكتابة بثلاث ملاحظات:
الأولى أن هذا النقاش يدور حول معيار تشخيص ضروري الإسلام، أي أي قراءة للإسلام لا تزال تُحسب ضمن نطاق الإسلام. هذا النقاش ليس حول معيار اعتبار قراءة ما للإسلام صحيحة أو أرجح. من المؤكد أنه للوصول إلى القراءة الصحيحة والأرجح لصورة الإسلام، إلى جانب الالتفات إلى هدف الإسلام، ستكون هناك حاجة إلى مباحث فلسفية وكلامية واستدلالات تفسيرية وتأويلية. أضرب مثلاً لتوضيح هذه النقطة. هناك تلقيان وقراءتان تقليديتان للمعاد: المعاد الجسماني والمعاد الروحاني. كلتا القراءتين تصبان في اتجاه هدف دين الإسلام. فالإيمان بالمعاد، سواء أكان جسمانياً أم روحانياً، يمكن أن يكون مؤثراً جداً في توجيه الاهتمام والعناية نحو تزكية النفس. لذلك أرى كلتا القراءتين ضمن نطاق الإسلام. لكن هذا المعيار لا يصلح لتشخيص القراءة الصحيحة أو الأصح. فلو افترضنا مثلاً أن الإيمان بالمعاد الجسماني يعمل على تزكية النفس بشكل أفضل من الإيمان بالمعاد الروحاني، فلا يمكننا أن نستنتج أن المعاد الجسماني إذن هو القراءة الصحيحة أو الأصح. فقط باستخدام تفسير النصوص وتأويلها والاستدلالات الكلامية والفلسفية يمكن الوصول إلى نتائج يُعتد بها حول كيفية المعاد.
الثانية أن استخدام القضية الثانية لقياس ما إذا كانت قراءة ما لصورة الإسلام تقع ضمن نطاق الإسلام أم لا، هو أمر شخصي عادةً. فقط عبر تجربة قراءة من قراءات الإسلام يمكن التوصل إلى نتيجة ما إذا كانت هذه القراءة في مسار هدف الإسلام أم لا.
الملاحظة الأخيرة أني أعلم وأُقر بأن الالتفات إلى هدف الإسلام وإن كان يقلل من درجة سيولة ضروري الإسلام، إلا أنه لا يُسكّن هذه السيولة بالكامل. في اعتقادي، هذه الدرجة من سيولة ضروري الإسلام هي خاصية لا تنفصل عن مفهوم الدين، وهي التي تمنح الدين قوامه وتمنح المتدينين حيويتهم. هذه الدرجة من السيولة تتسق وتتوازى بشكل خاص مع التعددية الدينية التي هي من منظوري مفهوم قرآني.
.
.
[1] تجنباً للإطالة، أفترض أننا قبلنا وجود الله كمُسلَّمة. لي في هذا الشأن أيضاً وجهة نظر ومقاربة مشابهة، كتبتها وعبّرت عنها باختصار هنا.
[2] في مقالة "ما وراء الميم والواو والميم والنون: سؤال سهل وصعب حول الدين والروحانية" (فصلية نگاه آفتاب، ع. 4، ص. 244 – 250) حاولت صياغة مفهوم الروحانية.
[3] ورد الشرح والبيان في المقالة أعلاه.
[4] في هذا الحديث، من الدقيقة 8:50، شرحت باختصار أربع وجهات نظر كلية مختلفة حول ماهية الوحي وبيّنت وجهة نظري المختارة.
[5] كتابتان حول موضوع التعددية الدينية: "تعددية أم حصرية محققة؟"، "القرآن حصري أم تعددي؟"
[6] المقصود ليس الحديث، بل السنّة العملية للنبي التي وصلت إلينا بشكل متواصل وبإجماع المسلمين، جيلاً بعد جيل، وبالممارسة العملية إلى العصر الحاضر. وقد ورد تعبير شبيه بهذا بعنوان "سُنَّتِهِ الْجامِعَةِ غَیرِ الْمُفَرِّقَةِ" في الرسالة 53 من نهج البلاغة عن الإمام علي.
[7] ما أشرت إليه في هذا الجزء أطلقت عليه مصطلح "صورة الإسلام"، لكني أرى أنه هو نفسه (أو قريب من) "شرعة ومنهاج" الوارد في الآية 48 من سورة المائدة.
[8] "أو" في هذه الجملة ليست للتردد أو الإبهام، بل وردت بناءً على الصياغة التي أتبناها لمفهومي التزكية والروحانية. والحق أن الجملة الأدق من وجهة نظري كانت: "أرى أن الهدف النهائي لدين الإسلام، استناداً إلى القرآن، هو تزكية النفس، وفي صورتها العليا، الروحانية". في مقالة "ما وراء الميم والواو والميم والنون: سؤال سهل وصعب حول الدين والروحانية" (فصلية نكه آفتاب، ع. 4، ص. 244 – 250) حاولت صياغة مفهوم التزكية أيضاً وتبيين الفرق بينها وبين الروحانية. انظر أيضاً إلى القسم "3-1. ما الهدف النهائي للقرآن؟" في تقرير عن وجهة نظر فرهاد شفتي قُدّم في سلسلة جلسات «القرآن والأسئلة الجوهرية الثلاثة» بقلم مهدي إيرانمنش.
[9] انظر إلى عنوان "إله القرآن البراغماتي" في مقالة "القرآن: إقصائي أم تعددي؟"
.
.
علم الاجتماع
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
با تشکر از آقای مرادی عزیز با توجه به اینکه نویسنده در مقاله توضیح داده اند که کاری به مباحث نظری ندارند(سلوک عقلی که همان تفسیر و تاویلات فلسفی و کلامی است) بلکه مراد ایشان؛ مباحث عملی یا کاربردی (سلوک معنوی در اینجا) می باشد، پس خیلی وارد مباحثی از قیبل اینکه انفاق و زکات و ... چیست نشده اند. ایشان توضیح داده اند که صورت اسلام عبارتست از:1- "ایمان" و 2- "عمل صالح" که ایمان منظور باور به خدا و رسول و معاد است با هر تفسیری(بحث نظری) و عمل صالح هم عبارتست از: "عمل به احکام و قوانین و دستورات اسلامی یا قرآنی" با هر تفسیری
جناب محمد جواد بحث بر سر تزکیه بعنوان هدف است نه صورت (البته به تعبیر ایشان)... عرض شد که رسیدن به "تزکیه" با رسیدن به "سکینه" فرق دارد ثانیا بحث پرداخت زکات سیالیت چندانی ندارد مانند سیالیت اعتقاد به معاد نیست... دیگر اینکه دادن زکات نشانه صدق ایمان مومن است ...
بنظر میرسد یادداشت قبلی موجب سوء تفاهم شده است.... سیالیت بحث معاد نمیتواند ملاک سیالیت زکات و یا سیالیت بحث های دیگر باشد...و رسیدن به "سکینه" همان رسیدن به "تزکیه" نیست....اصلا تزکیه در اجتماع باید منعکس شود تا زیست پاک برای همه مقدور گردد تا در قیامت نیز رخ نشان دهد... وقتی قرآن انفاق و بخشش مالی و اقتصادی را دخیل در تزکیه نفوس و رستگاری در معاد میداند ، آیا ما می توانیم بگوییم ایمان به معاد جسمانی یا روحانی کسی را تزکیه میکند؟ اتفاقا دادن زکات نشانه این است که به خدا و قیامت ایمان آورده شده و دلیلی برای صدق ادعای رسیدن به باور و "سکینه" درونی است... البته داریم که درود پیامبر بر زکات دهندگان سکینه ای برای آنهاست : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿۱۰۳﴾ توبه اما بوضوح نشنان میدهد این بخشش و انفاق است که در زمان پیامبر یا بعد از رحلت ایشان ضرورت اولیه دارد....در ابتدای ظهور اسلام ، پیامبر مهربان میخواهد افراد تازه مسلمان شده را تشویق کند.... باز هم البته مقدار زکات در زمانهای مختلف متفاوت خواهد شد اما اصل دادن زکات ضروری است....حتی کم دادن تقبیح شده است: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ﴿۳۳﴾ وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى ﴿۳۴﴾ أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ﴿۳۵﴾ نجم
با انجام چه عمل اساسی و ضروری نفوس انسانها پاک میشوند؟ بنظر میرسد از جمله این اعمال اساسی یکی نماز است و دیگری انفاق باشد : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴿۹۲﴾ آل عمران وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿۱۸۰﴾ آل عمران خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿۱۰۳﴾ توبه هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴿۳۸﴾ محمد الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿۲۴﴾ حدید فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿۱۶﴾ تغابن و جای تعجب است که نویسنده محترم به ضرورت انفاق و اقتصاد بطور کلی ، برای پاک شدن نفوس و فلاح در آخرت بر اساس آن ، اشاره نمی فرمایند...شاید جانب احتیاط رعایت میشود تا برچسب چپ گرایی به ایشان نچسبد...البته بسیاری این احتیاط را دارند...در حالیکه بنظر میرسد قرآن مانیفست اصیل و کامل و دقیق برای چپ گرایی است...چپ گرایی با آداب و شرایط قرآنی....