اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يشرح مصطفى ملكيان العلاقة بين الترجمة والتفكير من خمس زوايا، تمتد من التعرف على المنجزات البشرية وصولاً إلى السلام العالمي، ويبين ثلاثة شروط لتحقق العلاقة المنشودة بينهما.

محاضرة مصطفى ملكيان بعنوان «العلاقة بين الترجمة والتفكير» تتألف من قسمين رئيسيين. يشرح في القسم الأول علاقة الترجمة بالتفكير من خمسة أوجه، ويتحدث في القسم الثاني عن ثلاثة شروط لتحقيق العلاقة المنشودة بين الترجمة والتفكير.
يقول ملكيان إن الترجمة والتفكير يرتبطان من خمسة أوجه:
١. الترجمة تتيح مجال الاطلاع على أحدث منجزات العلوم والمعارف البشرية.
٢. عبر ترجمة آثار وأفكار الباحثين والمفكرين في العالم، يُحال دون تكرار البحوث في المجتمعات الأخرى.
٣. الترجمة تؤمّن المواد الخام للتفكير والممارسة الفكرية.
٤. الترجمة تنقذ المجتمع من الأُحادية الصوتية الفكرية والثقافية.
٥. عبر الترجمة، تتشكل في المجتمع نظريةُ عدم انكشاف الحقيقة وتتوفر أرضية السلام العالمي الدائم.
ثم يعدد ثلاثة شروط لتحقيق العلاقة المنشودة بين الترجمة والتفكير:
الشرط الأول: خصائص الآثار المترجَمة:
١. تجنب الترجمة الكاريكاتورية؛ أي ينبغي أن تشمل الترجمات جميع مجالات العلوم والمعارف البشرية، لا مجالات خاصة فحسب.
٢. إضافة إلى الكتب الرئيسية للمفكرين، ينبغي أن تُترجَم شروح أفكارهم وتفسيراتها ونقدها.
٣. ترجمة الكتب الميسِّرة لأفكار المفكرين.
٤. ترجمة دوائر المعارف والمعاجم الوصفية.
الشرط الثاني: خصائص المترجمين:
١. الإتقان التام للغة المصدر ولغة الهدف؛ أي الإحاطة بإمكانات اللغتين وطاقاتهما الكامنة.
٢. التحلي بالضمير المهني؛ أي على المترجم أن ينجز أفضل ترجمة يستطيعها.
٣. تدوين مجموعة المصطلحات المستقرة في العلوم الإنسانية، بهدف توحيد المفردات والمصطلحات في شتى المجالات.
الشرط الثالث: خصائص مجتمع المترجمين:
يؤجل ملكيان هذا القسم إلى فرصة أخرى بسبب انتهاء وقت المحاضرة.
مقدمة
أنوي الحديث عن الترجمة من أربعة أوجه. لكن إن لم يسمح وقتي فقد أغضّ النظر عن جانب أو جانبين منها. غير أني أعتقد أنني إن وُفقتُ وطرحت الأوجه الأربعة جميعها، فسيكون حديثي في مجموعه أقل إشكالاً.
موضوع البحث هو العلاقة بين عمليتي الترجمة والتفكير في مجتمع ما، وما هي الصلة والنسبة بين هاتين العمليتين. هل هما متوافقتان أم متعارضتان، أم بينهما توافق جزئي أو تعارض جزئي؟ على أية حال، يمكن تصور ثلاث وجهات نظر حول العلاقة بين عمليتي الترجمة والتفكير في مجتمع ما. الأولى أن هاتين العمليتين متوافقتان توافقاً كلياً؛ والثانية أنهما متعارضتان تعارضاً كلياً؛ والثالثة أن بينهما توافقاً جزئياً وتعارضاً جزئياً. أي أنهما متوافقتان إلى حد ومتعارضتان إلى حد. وأنا شخصياً بالطبع من أنصار الرأي القائل بوجود توافق كلي بين الترجمة والتفكير؛ لا تعارض كلي ولا توافق وتعارض جزئيان. ولكن على كل حال، محاضرتي لا صلة لها بذلك الموقف، وبمعزل عن الموقف الذي أتبناه شخصياً يمكن للأصدقاء أن يتأملوا النقاط التي سأوردها وربما ينقدوها.
لبيان العلاقة بين الترجمة والتفكير، ينبغي الفصل بين أربعة مباحث. الأول: ما العلاقة القائمة بين الترجمة والتفكير؟ والثاني والثالث والرابع: إذا أُريد لهذه العلاقة أن تكون علاقة منشودة، فما هي الخصائص التي ينبغي أن تتصف بها؟ وكوني قلتُ إن محاضرتي تتألف من أربعة أجزاء، فالجزء الأول في الواقع هو علاقة التفكير بالترجمة، والأجزاء الثاني والثالث والرابع هي الشروط الثلاثة الرئيسية لتحقيق الكمال المنشود والمثالي لهذه العلاقة.
علاقة الترجمة والتفكير من خمسة أوجه
برأيي، ترتبط الترجمة بالتفكير من خمسة أوجه، وينبغي الانتباه إلى هذه الأوجه الخمسة جميعاً. قد يولّي شخصٌ أحد هذه الأوجه الخمسة أهمية أكبر، ويولّي شخص آخر وجهاً آخر أهمية أكبر. وأنا، حسب ظني، سأبدأ بالأقل أهمية وأتجه نحو الجوانب الأكثر أهمية. وهكذا، كلما انتقلت من الوجه الأول إلى الوجه الخامس، ستزداد الأهمية، حسب اعتقادي الشخصي. لكن قد لا تتفقون معي في هذا التقديم والتأخير.
١. الاطلاع على أحدث منجزات العلوم والمعارف البشرية
النقطة الأولى في الترجمة هي أن الترجمة عملية تُطلع مجتمعنا، وأي مجتمع بالأساس، على أحدث منجزات العلوم والمعارف البشرية في جميع أنحاء العالم. نحن عبر الترجمة نطّلع على موقع أحدث منجزات العلوم والمعارف البشرية في العالم أجمع، وعلى ماهية هذه المنجزات الأخيرة وصورتها وسيرتها. إذا توقفت عملية الترجمة لأي سبب كان، فإن أول خسارة يتكبدها المجتمع هي أنه لا يبقى على علم إلى أين وصل البشر حتى الآن، في جميع أنحاء العالم، بشأن موضوع ما، أو مسألة ما، أو مشكلة ما، بشأن واحد من هذه الثلاثة. نحن عبر الترجمة نطّلع على ما آل إليه حصاد عمل سبعة مليارات إنسان على وجه الأرض في معالجة موضوع، أو في حل مسألة، أو في رفع مشكلة. هذا أمر واضح جداً. إذا أوقفنا هذه العملية، نكون في الواقع قد حرمنا أنفسنا من هذا الامتياز. سواء كان تعاملنا مع موضوع، أو مع مسألة، أو مع مشكلة. على أية حال، في أي باب، سيكون تعاملنا مع واحد من هذه الثلاثة، أو اثنين منها، أو معها جميعاً. هذا هو الأثر الأول لعملية الترجمة في بلد ما. إن سيولة الترجمة في بلد ما تعني سيولة أحدث منجزات العلوم والمعارف البشرية بشأن كل موضوع، وكل مسألة، وكل مشكلة إلى ذلك البلد. هذا واضح جداً.
٢. منع البحوث المكررة
الارتباط الثاني هو أننا عندما نطلع على أحدث منجزات العلوم والمعارف البشرية، يحقق مجتمعنا توفيراً هائلاً في عدم تكرار الأعمال المنجزة. وهذا الاستثمار الذي نقوم به لمعالجة الموضوعات، ولحل المسائل، ولرفع المشكلات، هو استثمار يجب أن يتم فعلاً، ويجب أن يتم بطريقة مقتصدة تماماً. من غير المنطقي بتاتاً، كما يقول الأوروبيون، أن نعيد اختراع العجلة، وأن نقول عن عمل قام به آخرون في بلدان أخرى، وفي مجتمعات أخرى، إننا نريد أن نبدأ من الصفر بأنفسنا. لا يعيد أي عاقل اختراع العجلة. الإنسان يستخدم العجلة المخترعة، وبقدر ما لديه من قدرة يجعل هذه العجلة أكثر تقدماً، وأكثر تعقيداً، ويجعلها على أية حال أكثر ملاءمة لغرضه. أما أن أخاصم العجلة التي اخترعها الآخرون وأرغب في أن أخترع العجلة من جديد بنفسي، فهذا ليس من فعل أي عاقل. أي أنه ليس مقتصداً و economic [أو اقتصادياً] على الإطلاق. لا أعني بالتوفير التوفير المالي فحسب. فعدم التوفير البشري أشد خسارة بكثير من عدم التوفير المالي والمادي. لكن إذا كنت أعلم إلى أين وصل البشر الآن بشأن هذا الموضوع، وهذه المسألة، وهذه المشكلة، فحينئذٍ، بقدر طاقتي، أدفع هذه المعالجة، وهذا الحل، وهذا الرفع، خطوة، وخطوتين، وثلاث خطوات إلى الأمام. هذا هو الفن الذي ينبغي أن نتحلى به؛ لا أن نقول: لا، ما فعله الآخرون، نحن لا نقبله لوجه من الوجوه. بالطبع، سأتحدث لاحقاً عما ينبغي أن نفعله بما تُرجم. لكن حالياً، لا شك ولا ريب في أننا عندما نبقى على اطلاع بهذه المنجزات الأخيرة، نحقق نوعاً من التوفير الهائل في قوانا المالية وقوانا البشرية.
لو أتيحت الفرصة للأصدقاء، لسردت لكم حالات عديدة من تجربتي الشخصية في التدريس بالجامعات منذ عام 1365، لأبين لكم كم تُنجز في بلدنا من رسائل ماجستير وأطروحات دكتوراه وأبحاث في مراكز الأبحاث المختلفة، والتي لو كنا فقط ترجمنا كتاباً أو كتباً في هذا الشأن، لوفرنا بذلك توفيراً هائلاً في القوى البشرية لبلدنا، وكذلك في مواردنا المالية والمادية. إذن، إن تجنبنا لتكرار الأعمال المنجزة، واكتفينا بإصلاحها وتطويرها وترميمها وتعزيزها، هو الأمر الثاني الذي تحققه الترجمة لعملية التفكير في بلد ما.
٣. توفير المواد الخام للتفكير
الأمر الثالث الذي تنجزه الترجمة هو أنها تقدم لنا المادة الخام للتفكير. علينا أن ندرك أن التفكير لا بد أن ينصب على مادة خام. ما كان يقول به أسلافنا من أن "ما لا أصل له فاسد" ينطبق تماماً على التفكير. لا بد أن تتوفر لديك معلومات لتفكر فيها. لقد قلت مراراً وتكراراً إن الأمر أشبه بوجوب دخول شيء إلى معدتي ومعدتك، حتى يُفرز العصير المعدي ويهضم ذلك الشيء. فإذا كانت معدتك خاوية تماماً من الطعام، فمهما أُفرز هذا العصير، فلن يجدي شيئاً سوى الإضرار ببنية المعدة ووظيفتها. لا بد أن يكون لدينا شيء في معدة تفكيرنا الفكرية، ثم نُعمل فيه عصيراً، ثم نتفكر فيه ونفكر، لنصل إلى مكان جديد، إلى موقف جديد، إلى محل جديد.
نحن نحتاج دوماً إلى مواد خام لكي نفكر. لا يمكننا أن نفكر في الفراغ. علينا أن نعرف ما قيل في هذا الموضوع، أو المسألة، أو المشكلة؛ حينها أتفكر، أفكر. أولئك الذين يفكرون بدون مادة خام، هم، على حد تعبير الروائية الإنجليزية الشهيرة، مجانين. الفرق بين المجنون وبيننا هو أننا، نحن العقلاء، نفكر بناءً على مواد خام، أما المجنون فيفكر بناءً على فضاء فارغ. تقول أغاثا كريستي، الروائية الإنجليزية الشهيرة، في نهاية إحدى رواياتها المعروفة: أدركت الآن أن الفرق بين المجنون والعاقل هو أن المجنون يفكر في فضاء فارغ، بينما يفكر الإنسان العاقل في فضاء ممتلئ. في الواقع، كثيراً ما يشبه تفكيرنا تفكير دون كيخوته. يشبه معركة دون كيخوته. حيث إنه بدلاً من أن يخوض نزالاً مع مقاتل حقيقي، فإنه يحارب الغيوم ويظن أن هذه الغيوم هي جيوش الأعداء وأنه يحقق انتصارات. علينا أن نعرف ما الذي نريد أن نفكر فيه، وهذا العلم يتحقق عبر الترجمة. لأن الكثير مما ينبغي أن أفكر فيه، وأن أُفرز عليه عصير معدتي الفكرية والتأملية، وأن أتمكن من هضمه، وامتصاصه، وربما طرح بعض مواده، لا بد لي أولاً من أن أحصل على ذلك الغذاء؛ وهذا الغذاء هو ما تقدمه لنا الترجمة. هذه هي الوظيفة الثالثة للترجمة. وكلما تقدمنا، يبدو لي أن أهمية المسألة تزداد.
٤. تحرير المجتمع من الأُحادية الصوتية الثقافية
الوظيفة الرابعة للترجمة هي أنها تنقذ المجتمع من الأُحادية الصوتية. أكبر مصيبة تصيب مجتمعاً هي أن يصبح أُحادي الصوت. لا يهم ماهية ذلك الصوت. المهم أنه صوت واحد. إذا ما جعلتم، بتعبيركم أنتم، وبتشخيصكم أنتم، أفضل أيديولوجيا، وأفضل نسق فكري، وأفضل الآراء والأنظار حصراً متفرداً، ولم تسمحوا للمجتمع بأن يتعرض لهبوب أفكار أخرى، وآراء وأنظار أخرى، وأيديولوجيات أخرى، فإن هذه الأُحادية الصوتية تضر بمجتمعكم. لقد قلت مراراً وتكراراً إنه كما أن إيكولوجيا البيئات الحيوية، أي البيئات النباتية والحيوانية، لا تعتمد فقط على كثرة النباتات والحيوانات، بل على تنوع النباتات والحيوانات الموجودة، فإن إيكولوجيتنا الفكرية أيضاً لا تعتمد فقط على كثرة الآراء والأنظار. حياتها متوقفة على أن تكون الآراء متنوعة. إذا ما قلعتُ ألف نوع من النباتات المختلفة، يوجد من كل نوع منها ألف فرد، وقلت بدلاً عن هذا المليون شجرة وغرسة ونبتة التي قلعتها، سأغرس مليون شجرة وغرسة ونبتة من نوع واحد، فكثرتها هي نفسها مليون، لكن بما أن تنوعها قد انحدر من ألف إلى واحد، فإن الإيكولوجيا الحيوية تقول لي: إنك بعد ثلاث سنوات لن تملك هذا النبات، ولن تملك هذا الحيوان. المهم في إيكولوجيا الحيوان وإيكولوجيا النبات هو أنه لا ينبغي أن توجد الكثرة فحسب، بل يجب أن يوجد التنوع أيضاً، وهذا أصدق بمراتب في عالم الإنسان منه في عالم النباتات والحيوانات. في عالم الإنسان، وفي عالم الثقافة الإنسانية، التعامل مع التنوع أهم منه في سائر عوالم وساحات الحياة الإنسانية. هذه النقطة بالغة الأهمية. إذا قلنا: «مني ينبت ومني آكل/ كأن فمي قصب سكر»، فإن أكبر مشكلة نواجهها هي أننا بعد مدة لن نملك شيئاً ينبت منا، ولن نملك شيئاً نستهلكه مما نبت منا.
عالم الإنسان ليس هذا العالم؛ عالم الإنسان هو عالم الحاجات المتبادلة. أنا لا أتطرق الآن إلى آراء الحكماء والعرفاء وبعض مؤسسي الأديان والمذاهب والإلهيين في هذا الباب، وكم قدموا من نقاشات عميقة، بأن عالم الإنسان هو عالم الحاجات المتبادلة. إذا شعر إنسان، فرداً، أو مجموعة من البشر جماعةً واجتماعاً، بالاستغناء عن الغير، فإن هذا الشعور بالاستغناء هو بداية نهايتهم. أي أنهم قد قرعوا جرس موتهم بأنفسهم. أنا ما دام استنباطي الواقعي هو أنني محتاج إليك في عالم الفكر والثقافة، فحتى ذلك الحين جذري في الماء، والأمل في أن أبقى حياً موجود. من اليوم الذي أظن فيه أنني، كفرد أو كعضو في مجتمع، مستغنٍ عن الأفراد الآخرين والمجتمعات الأخرى في عالم الفكر والثقافة، يجب أن أعرف أن هذه بداية نهايتي. أي أنني من الآن فصاعداً في منحدر، وسيأتي هذا المنحدر عاجلاً أم آجلاً. في شأن حركة الترجمة، يؤكد كثير من علماء الإسلام والمستشرقين على هذه النقطة، وهي أن حركة الترجمة، بأي دافع بدأت، ولسنا بصدد الدوافع ولا يهمنا بأي دافع بدأت، لكن نتيجتها كانت ازدهار الثقافة والحضارة الإسلامية. وأريد أن أقول إن أهمية هذا في زماننا تفوق بمراتب أهميته في ذلك الزمان. لأسباب ذكرتها في مواضع أخرى، فإن أهمية حركة الترجمة اليوم تفوق بمراتب أهميتها للعالم الإسلامي في القرن الثاني الهجري، بل هي أهم أساساً لكل المجتمعات والثقافات والحضارات. لماذا؟ لأن هذه الأُحادية الصوتية تُقعد المجتمع على الرماد. لا ينبغي للمجتمع أن يكون أُحادي الصوت. يجب أن تُطرح جميع الآراء والأنظار في هذا المجتمع، ثم في المصاف الثقافي والاستدلالي الذي تجريه فيما بينها، يتضح أيها أقوى، وأيها أضعف، وأيها يحل مسائل أكثر، وأيها يرفع مشكلات أكثر، وأيها أفضل طريقة لمعالجة موضوع ما.
ما لم تقم حرب، يستطيع الجميع ادعاء البطولة، فقط حينما تقوم الحرب وتنقلب إلى معركة، وتصبح المعركة بالغة الجدية، حينها يتضح من هو البطل ومن هو البطل المزيف. يجب أن نكون مستعدين، وأن نخلق في أنفسنا كأفراد الاستعداد لسماع جميع الآراء والأنظار، وفي هذا المصاف الذي تجريه هذه الآراء والأنظار مع بعضها البعض، نستطيع أن نجعل موقفنا موقفاً أكثر قوة في الواقع، وموقفاً أكثر قابلية للدفاع. هذه الأُحادية الصوتية لا يزيلها إلا الترجمة.
هذا ما كنت قد عرضته في مكان آخر منذ زمن طويل، وهو أن أعظم خدمة ثقافية تُقدَّم لمجتمع ما هي الترجمة، وأنا أقول هذا بكل كياني. وقد قلت مراراً، إن أعظم خدمة ثقافية لمجتمع هي الترجمة. الترجمة تمنح المجتمع حيوية ونشاطاً. بمجرد أن تغلق طريق الترجمة، يفقد المجتمع حيويته، ويفقد نشاطه، لأنه يتغذى من نفسه باستمرار. تماماً كالديدان التي تقع على جثة ميتة، تتغذى من بعضها البعض حتى لا يبقى لديها شيء، ثم تبدأ بعض الديدان بالتغذي على الديدان الأخرى، وهكذا ترى في النهاية أنه لم يعد يبقى شيء. لا ينبغي لنا أن نرضى بهذه المصيبة. علينا أن نقبل بأن الترجمة يجب أن تتم لكي تزول هذه الأُحادية الصوتية، ففي الأصوات الثقافية المتعددة، تنجو العدالة والحقيقة معاً. العدالة، بمعنى أن ننصف الآراء والنظريات؛ والحقيقة، لأن الحقيقة هي التي يُكشف عنها النقاب في هذه اللقاءات والتضاربات.
٥. تشكُّل نظرية عدم انجلاء الحقيقة
النقطة الخامسة، وهي الأهم برأيي، هي أنه بعد زوال الأُحادية الصوتية الثقافية في مجتمع ما، تستقر نظرية في أذهان ونفوس جميع أفراد ذلك المجتمع. واستقرار هذه النظرية في أذهاننا ونفوسنا هو عينه ظهور سلام عالمي دائم بتعبير كانط. وتلك النظرية هي أننا عندما نرى أنه بخصوص كل قضية، ومن خلال رفع هذه الأُحادية الصوتية الثقافية، طُرحت حلول مختلفة، وعندما نفهم أنه لحل كل مشكلة اقتُرحت آلاف الطرق، وعندما نفهم أنه لتناول كل موضوع اقتُرحت آلاف الأساليب في التناول، تتشكل في أذهاننا نظرية، وهي نظرية عدم انجلاء الحقيقة. أي أن الحقيقة غير منجلية.
الحقيقة ليست جلية بالدرجة التي تظنها العقول الإيديولوجية. أنت عندما ترى بخصوص قضية ما، عشرات الطرق، مئات الطرق المقترحة، فتنظر إلى كل منها فترى للوهلة الأولى وجهاً من المعقولية في هذا الطريق، ثم تنظر إلى الحل الثاني فترى أن فيه أيضاً وجهاً من المعقولية، والحل الثالث وهكذا، تصل شيئاً فشيئاً إلى نتيجة مفادها أن الحقيقة إذن ليست جلية. الحقيقة شيء يجب الاقتراب منه ذرة ذرة، وخطوة خطوة، وببطء. وهذا يعني زوال التفكير الإيديولوجي. التفكير الإيديولوجي ليس سوى تركيب دعويين معاً. الأولى هي أنه بخصوص الموضوعات، والقضايا، والمشكلات، يوجد أسلوب تناول وطريق حل وسبيل رفع واحد واضح جداً. وهو أنه يجب تناول هذا الموضوع هكذا، وهذه القضية يجب حلها هكذا، وهذه المشكلة يجب رفعها هكذا؛ لكل منها حل واحد. وسبيل رفع واحد. وأسلوب تناول واحد. وأسلوب التناول هذا، وطريق الحل هذا، وسبيل الرفع هذا هو ما لدينا. تصور لو أنني إيديولوجي واستقر في ذهني شيء كهذا، بأنني آمنت حقاً بأن كل موضوع لا يمكن تناوله إلا بأسلوب واحد، وهو الأسلوب الذي أعرفه أنا، وكل قضية لا يمكن حلها إلا بطريق واحد، وهو الطريق الذي أحل به أنا، وكل مشكلة لا يمكن رفعها إلا بسبيل واحد، وهو السبيل الذي أقول به أنا لرفع تلك المشكلة، إذا استقر هذا في ذهني، فبأي عين أنظر إلى جميع البشر الذين يخالفونني؟ بعين أناس عارضوا الحق العاري. عارضوا الحق الصريح. بتعبير أسلافنا، عارضوا الحق الصُراح، أي الحق الشفاف كالبلور.
إذا كنت أعتقد أنك تعارض الحق الصريح، فهل يمكنني بعد ذلك أن أكن لك عاطفة إيجابية؟ هل يمكن للإنسان أن يقيم علاقة عاطفية إيجابية مع من يعتقد أنهم يعارضون الحق الصريح والواضح والجلي؟ هل يمكنه أن يحبهم؟ هل يمكنه أن يعشقهم؟ هل يمكنه أن يشفق عليهم؟ السلام الدائم الذي كان كانط يحلم به ويكتب الرسالة في شأنه، لا يتحقق إلا بنظرية عدم انجلاء الحقيقة.
لنظرية عدم بداهة الحقيقة أثران إيجابيان للغاية في ذهن ولسان كل فرد، وفي عقل وضمير كل مجتمع. الأول هو أن الذين يخالفونني لا يخالفون حقًا صريحًا. كما أنني حين أخالفهم لا أخالف حقًا صريحًا. هم يخالفون ما أظنه أنا حقًا، لا الحق الصريح الواضح الجلي الذي لا يمكن إنكاره، كالشمس في رائعة النهار؛ كلا، إنهم لا يخالفون حقًا كهذا؛ بل يخالفون ما أعده أنا حقًا. وكذلك تصبح نظرتكم إليّ أنني، حين أخالفكم، لا أخالف حقًا هو، كما يقول العرب، «كالشمس في رائعة النهار»؛ أي لا أخالف «الشمس في كبد السماء»، بل أخالف شيئًا هو، بحسب ظنكم، حق. إذن، أولاً، أنا لا أنظر إليكم على أنكم معاندون للحق. لأن الحق لم يعد يُفترض فيه تلك البداهة. أنتم تخالفون شيئًا هو باطل في ظنكم، بينما هو حق في ظني. وأنا أيضًا أخالف فيكم شيئًا هو باطل في ظني، وإن كان حقًا في ظنكم. هنا يمكننا أن نحب بعضنا بعضًا. لأني أقول إن ما يبدو لي حقًا هو باطل في ظنه، وما يبدو لي باطلاً هو حق في ظنه. وليس الأمر أن الآخر يخالف الحق الصريح. إذن، أثره الأول هو أني أستطيع أن أستوعب مخالفاتكم تمامًا وأتقبلها. لأني أقول إنه لم يخالف «اثنين ضرب اثنين يساوي أربعة». لو أن أحدًا خالف «اثنين ضرب اثنين يساوي أربعة» وقال بدلاً منها «يساوي خمسة أو ثلاثة»، لكان قد خالف حقًا صريحًا. لكن حين يكون لكل مسألة هذا العدد من الحلول، ولكل موضوع هذا العدد من طرق المعالجة، ولكل موضوع هذا العدد من أساليب التناول، ولكل منها نقطة قوة، ولكل منها نقطة ضعف. إذن، نستطيع جميعًا أن نتوافق عاطفيًا.
لكن لنظرية عدم بداهة الحقيقة أثر ثانٍ أيضًا. وهو أني أفهم أني وإياكم، ما لم نتعاون معًا، لن نجد لهذا الموضوع حلاً نهائيًا. لماذا؟ لأن في قولي نقطة قوة ليست في قولك. ولكن، في قولك أيضًا نقطة قوة ليست في قولي. في قولك نقطة ضعف ليست في قولي، ولكن في قولي أيضًا نقطة ضعف ليست في قولك. إذن، حصيلة نظرية عدم بداهة الحقيقة لن تكون سوى تضافر الجهود. أفهم إذن أن علينا جميعًا أن نتعاون معًا. تمامًا كما حين تجتمع لجنة من الأطباء في مجلس طبي حول مريض عضال، فيفهمون أن هذا مقام تعاون. هذا ليس مقام تنافس. ولا مقام عداوة. لقد انتبهت إلى نكتة في هذا المريض لم ينتبه إليها زميلي الآخر، وفي المقابل هو انتبه إلى نكتة لم أنتبه إليها أنا. هنا نفهم أن علينا أن نتعاون معًا لنتمكن من علاج هذا المريض العضال.
السلام العالمي الدائم، في رأيي، لا يمكن أن ينشأ إلا بنظرية عدم بداهة الحقيقة. لا ينشأ بأي شعار، ولا بأي نظام، ولا بأي توجيه، ولا بأي شيء. إذا قبلت فحسب أن الحقيقة ليست بديهية، فأنا أحمل تصورًا عن الحقيقة، وصديقي الآخر يحمل تصورًا آخر عن الحقيقة. وليس أي منا بصدد مخالفة حق واضح عارٍ حتى يُقال إنه معاند للحق، أو معارض للحق، أو، كما يقول قدماؤنا، إنه يمارس المكابرة مع الحق. إذا اعتبرتك مكابرًا أمام الحق، فلن أستطيع أن أحبك. كما أنك لو قلت لي إن اثنين زائد اثنين يساوي خمسة، وأصررت على ذلك حقًا، فإما أن أحكم بجنونك، وإما أن أحكم أنك حقًا إنسان لا يُحب. لأنك أدرت ظهرك بهذا الشكل لأمر واضح إلى هذه الدرجة. عندما تزول الأُحادية الثقافية، التي ذكرتها في النقطة الرابعة، أريد أن أقول في النقطة الخامسة إن نظرية عدم بداهة الحقيقة تصبح جلية.
نظرية عدم بداهة الحقيقة تقربنا من بعضنا عاطفيًا وشعوريًا، وتجعلنا بحاجة إلى بعضنا معرفيًا. نحن، من الناحية المعرفية، في أمسّ الحاجة إلى بعضنا البعض؛ أي إننا نحتاج إلى بعضنا للوصول إلى حل لا يحمل نقاط ضعف أي من هذه الحلول، ويحمل نقاط قوة جميع هذه الحلول. وكذلك الأمر بالنسبة للمشكلات، وكذلك الأمر بالنسبة للموضوعات.
هذه هي الوظائف الخمس للترجمة بالنسبة للتفكير. لقد قلت في موضع آخر، ولستم ملزمين بقبول ذلك الشيء الآخر، قلت في موضع آخر أيضًا إن أعظم خدمة يمكن أن تُقدَّم لمجتمع ما هي الخدمة الثقافية، لا الخدمة السياسية ولا حتى الخدمة الاقتصادية. ثم ضُمُّوا هذا إلى النقطة التي ذكرتها للتو، والتي أكدتها في موضع آخر، وهي أن أعظم خدمة ثقافية إنما تكون من خلال الترجمة. ما أقوله هنا ليس ناتجًا عن أي تحيز حقًا. وبقدر ما أعي نفسي، لا يوجد أي تحيز. لقد أدركت هذه النقطة بالتجربة، شيئًا فشيئًا، وهي أننا إذا أردنا لمجتمعنا أن ينجو، فعلينا أولًا أن نقوم بعمل ثقافي، وفي العمل الثقافي يجب أن ننقذ المجتمع من الأُحادية الصوتية. في الفقرة الأخيرة من كتاب فصوص الحكم لابن عربي، ثمة تعبير حين يوجّه ابن عربي رسالته الأخيرة، فيقول في الفقرة الأخيرة بالضبط: «يا أخي، دعني أقل لك شيئًا واحدًا فقط، وهو أن جميع البشر الذين يعبدون الله أيضًا، إنما يعبدون إلههم المتَصوَّر. لم يعبد أحدٌ الإلهَ الحقيقي. لماذا؟ لأنه لا يستطيع أصلًا أن يتصور الإله الحقيقي. كلُّ واحدٍ يعبد إلهه المتَصوَّر.» هذا يقوله عارف مثل ابن عربي. يجب أن نبلغ بالمجتمع إلى حيث يقر كل فرد بمثل هذا التعبير.
ما يمكن قوله في شأن الله، يمكن تكراره في شأن جميع الحقائق النظرية. لا يستطيع أحد أن يقول: أنا أعبد الإله الحقيقي، وأنت تعبد إلهًا تملك تصورًا عنه. ولا ضير في ذلك. وسعنا لا يتجاوز هذا. خطؤنا الوحيد هو أن نعتقد أحيانًا أنني أنا أعبد الإله الحقيقي، بينما يعبد الآخرون آلهة موهومة متخيلة. لكن إن فهمت أن «ما عرفناك حق معرفتك»، أي لم نعرفك كما ينبغي لأحد منا، وإذا كان النبي قد قال: «ما عرفناك حق معرفتك»، فمعنى ذلك: إذن أي إله نعبد؟ الله، بقدر ما لنا به من معرفة. إذن، كل واحد منا يعبد إلهه المتَصوَّر. وحين تصدق هذه النقطة في شأن الله، فهي أصدق في شأن الحقائق النظرية؛ أي أنها تصدق بالأولوية أنني ملتزم بما أراه حقًا، لكن ليس بالحق الصريح الذي إن خالفته قلت لك: لقد خالفت الحق الصريح.
هذا هو الحل الوحيد في نظري. أنا أعتقد حقًا وجدًّا أن الحلم الذي راود كانط في رسالته عن السلام الدائم، السلام العالمي المستدام والحلول التي اقترحها له، أعتقد أن الحل الوحيد هو أن نصل إلى نظرية خفاء الحقيقة. أن نصل إلى أن كل أمر له جوانب، ولكل ناظر منظور. اجتماع جوانب ظاهرة ما ومنظورات الناظر إليها يخلقان التنوع في عالم المعرفة. أولًا، لا توجد ظاهرة لها جانب واحد فقط، وجه واحد فقط. هذا القلم يمكنكم أن تنظروا إليه من جوانب مختلفة. له جوانب مختلفة. موضوع المعرفة، وكذلك الناظر إلى هذا الموضوع الذي يريد أن يحصل معرفة عنه، له منظورات مختلفة. حاصل ضرب تعدد المنظورات التي يمتلكها البشر في مقاربة ظاهرة ما، في الجوانب التي تمتلكها تلك الظاهرة نفسها، ينتج تعددًا لا نهائيًا.
نحن في الواقع نظن أن كل موضوع له اتجاه واحد فقط، وجانب واحد فقط، ووجه واحد فقط، ولا يمكن النظر إليه إلا من منظور واحد. يمكن النظر إليه من منظور واحد، وهو منظوري أنا. لكننا حين نتعلم في الميتافيزيقا الفلسفية، في علم الوجود، ومن الجهة الأخرى في نظرية المعرفة والإبستمولوجيا، أن كل ناظر ينظر إلى شيء من منظور ما، حينئذٍ يكون معنى ذلك أن كل ناظر ينظر من منظور ما إلى جانب من جوانب معلومه ومتعلَّق معرفته. من المعلوم أننا نجد تعددًا لا نهائيًا. لكي ننمو، كل ما علينا فعله هو ألا ننفي تلك المنظورات الأخرى، ولكن في الوقت نفسه أن نستطيع جمع نقاط قوة كل هذه المنظورات معًا قدر الإمكان، وإزالة نقاطها السلبية ونقاط ضعفها.
الآن، إذا أخذتم هذه النقاط الخمس في شأن الترجمة بعين الاعتبار، يتضح لكم كم هو عمل عظيم الترجمة، وكم هي خدمة جليلة تقدمها لفكر مجتمع ما. ومن خلال تغيير فكر المجتمع وإصلاحه، يتحقق تغيير المجتمع وإصلاحه في اتجاه سعادته أو رفاهيته.
ثلاثة شروط لتحقيق العلاقة المنشودة بين الترجمة والتفكير
لكي تتحقق العلاقة المنشودة بين الترجمة والتفكير، ولكي تستطيع الترجمة أن تحدث هذه الآثار، ثمة ثلاثة شروط كبرى. وأود أن أعرض لهذه الشروط الثلاثة الكبرى في الأجزاء الثاني والثالث والرابع من حديثي.
الشرط الأول: خصائص الأعمال المترجمة
١. تجنب الترجمة الكاريكاتورية
النقطة الأولى هي أن ما يُترجم ينبغي ألا يقدم صورة كاريكاتورية عن ثقافة العالم. انظروا، الكاريكاتور، كونُه كاريكاتوراً يعود إلى أن أجزاءه غير متناسبة. في الكاريكاتور الواحد، عينان كبيرتان وأربعة أطراف صغيرة جداً، وأذنان كبيرتان جداً وعينان صغيرتان جداً. عدم التناسب هو ما يحول رسم الوجه إلى كاريكاتور. الترجمة، إذا أرادت أن تستطيع مساعدة تفكير مجتمع ما، يجب ألا تكون كاريكاتورية. ما معنى ذلك؟ معناه ألا يكون الأمر على هذا النحو: أن يبالغ مترجمونا في التأكيد على أجزاء من منجزات البشر ويترجموا منها باستمرار، بينما تُهمل أجزاء عديدة وواسعة من الفكر البشري في سياق الترجمة. يجب أن تكون الترجمة صورة مطابقة للواقع تماماً. بمعنى أنه إذا كانت هذه هي منجزات البشر، فعلينا أن نقدم عبر الترجمات صورة تشمل جميع الأجزاء، ولو بأبعاد أصغر. لا ينبغي لنا أن نبتر الثقافة البشرية. يمكننا عبر الترجمة أن نلخص الثقافة البشرية، لكن لا ينبغي لنا أن نبترها. في التلخيص، نحافظ على الجشطالت كله، على الهيئة التأليفية كلها، ونصغر أبعادها في الواقع. أما في البتر، فإننا نقص أجزاء من تلك الهيئة التأليفية ونرميها خارجاً، وبدلاً من ذلك نبالغ في الأجزاء المتبقية بشكل مفرط، نغلو فيها، ونهول. وكما تقولون أنتم أيها الشباب: نضخمها (آغراندیسمان). هذا يقدم صورة كاريكاتورية عن منجزات البشر.
إذا رأيتم في مجتمع ما، في حقل واحد أو حقلين أو ثلاثة، أن الترجمة تجري بكثرة، وفي حقول أخرى لا تجري الترجمة أصلاً أو تجري ترجمات قليلة، فحينئذ ستكون الصورة التي تكونونها عن وضع الثقافة البشرية، بشكل عام، صورة كاريكاتورية.
عندما نقول الوضع الثقافي البشري، بشكل عام، نعني وضع البشر في هذه الحقول السبعة التي سأعرضها الآن: أي في حقل المنطق والرياضيات، وحقل الفلسفة (بكل فروع الفلسفة)، وحقل العلوم التجريبية (سواء العلوم التجريبية الطبيعية أو العلوم التجريبية الإنسانية)، وحقل التاريخ، وحقل العرفان، وحقل الدين، وحقل الفن والأدب. هذه الحقول السبعة التي هي مجموع الحقول الثقافية للبشر، أي أن مكونات الثقافة البشرية السبعة هي هذه السبعة. لا ينبغي لنا أن نضخم أجزاء منها على حساب أجزاء أخرى، وأن نحذف أجزاء بالكلية لكي تحافظ هذه الأجزاء المضخمة على ضخامتها. من أجل أن يتحقق هذا الأمر، فإن الاقتراحات التي تخطر على بالي القاصر، والتي سيبدي فيها أصحاب الرأي بالتأكيد تنقيحاتهم وتصحيحاتهم، هي أن الكتب التي نترجمها يجب، بالإضافة إلى أنها تشمل جميع الحقول، أن تتوفر في كل حقل منها الكتب التي سأذكرها لاحقاً.
النقطة الأولى هي أنه في كل حقل من الحقول، يجب أن تكون لدينا كتب تنظر من الأعلى. تنظر بعين الطائر إلى ذلك الحقل. أي كتب تقدم، دون أن تخوض في الفروع والجزئيات، تصوراً كلياً عن ذلك الحقل. هذا يشبه أن يكون لديكم تصور جيد عن طهران عندما تركبون طائرة مروحية وتنظرون إلى طهران من ارتفاع كيلومترين. ثم تنخفضون ٢٠٠ متر، ثم ٣٠٠ متر. كل مرة تخفضون فيها ارتفاعكم قليلاً، تخرج بعض الأشياء التي كانت في مرمى بصركم من قبل، لكن مقابل ذلك، ما يبقى في مرمى بصركم يبدو أوضح وأكثر تميزاً. يجب أن تكون لدينا أولاً تلك النظرة من الأعلى تجاه طهران كلها، حتى نستطيع بعد ذلك أن نتعرف على بيت معين، أو زقاق معين، أو حي وضاحية معينة في طهران.
في كثير من الأحيان، لا يتعلم طلابنا في الجامعات موضوعًا ما لأن الأستاذ، بدل أن يقول أولًا: يا جماعة، سنتناول في هذا الفصل موضوعًا هو أحد موضوعات موضوع أوسع منه، وذلك الموضوع الأوسع هو أحد موضوعات موضوع أوسع منه أيضًا، وهكذا دواليك. يقول: افتحوا الكتاب، بسم الله الرحمن الرحيم، سنبدأ الدرس. لا يمتلك الشخص نظرة من الأعلى. افترض أنك تريد دراسة الفلسفة الإسلامية. تبدأ بقراءة مبحث «الوجود والماهية». أصلًا لماذا طُرح مبحث الوجود والماهية؟ لماذا عليّ أصلًا أن أبحث في الوجود والماهية؟ لو كانت لديك نظرة من الأعلى على الفلسفة البشرية كلها، ومنها الفلسفة الغربية أي فلسفة اليونان وروما القديمة التي تندرج الفلسفة الإسلامية تحتها، ثم عدت ونظرت في الفلسفة الإسلامية إلى الحكمة المشّائية، ونظرت إلى الحكمة المتعالية، ونظرت إلى الفلسفة الصدرائية؛ ثم جئت ونظرت إلى فلسفة ما بعد الصدرائية بنظرة أضيق. فلسفة ما بعد الصدرائية منذ زمن بديع الملك، منذ أواخر العهد القاجاري فصاعدًا؛ حينها ستفهم لماذا طرح المرحوم الطباطبائي مبحث الوجود والماهية أولًا. لكن لو قلنا في البداية: افتحوا كتاب بداية الحكمة، دون أن يكون للمرحوم الطباطبائي أي قصور أو تقصير في هذا الشأن، فإن هذا القصور والتقصير هو مني أنا معلم الفلسفة الذي لا أقدم أبدًا نظرة من الأعلى، ثم يستغرب الطالب: يا أستاذ، ما الذي جال في أذهانهم حتى كان سؤالهم الأول هو هل الوجود اعتباري أم الماهية اعتبارية أم أيهما أصيل؟ يعود ذلك إلى غياب هذه النظرة من الأعلى. وبالمثل، لو فتحت كتابًا في علم النفس وقلت: سنبدأ بمبحث العادة. يقول الطالب: لماذا عليّ أن أبدأ بمبحث العادة؟ أما إذا قلنا: ما التطورات التي مر بها علم النفس، وكيف أصبح وضعه في هذه التطورات في المئة عام الأخيرة، خصوصًا منذ زمن جيمس فصاعدًا، ثم كيف تم انشعاب علم النفس الفردي عن علم النفس الاجتماعي، حينها نفهم تدريجيًا إذن يمكن القول إن أول مبحث في علم النفس هو المبحث الفلاني.
إذن، أول ما ينبغي الالتفات إليه في الترجمة هو الكتب التي تمثل جغرافيا تلك المعرفة؛ أي أنها تقدم نظرة من الأعلى على تلك المعرفة كلها، ولو بشكل موجز ومختصر جدًا، لكنها تعطي على الأقل تصورًا عن سبب تناول هذه المسائل في هذا الحقل، ولماذا ينبغي أن تكون موضع بحث. أي أن مثل هذه الجغرافيا ضرورية لا مناص منها لكي نكوّن تصورًا صحيحًا عن الموضوع برمته.
٢. ترجمة كتب شرح وتفسير ونقد أفكار المفكرين
النقطة الثانية التي توجد هي أن علينا في شأن المفكرين أن ننتبه إلى أن آثار المفكر يجب أن تُترجم. هذا لا شك فيه. بعد كتب الجغرافيا تلك، هذا هو القسم الثاني من الكتب التي ينبغي أن تُترجم في كل باب؛ آثار المفكر يجب أن تُترجم بالطبع. مثلًا آثار كانط، آثار ديكارت، آثار أي مفكر، فيلسوف، عارف، أي حكيم آخر، أي إلهي آخر، عالم نفس، عالم اجتماع، وإلخ. هذه هي في الواقع آثار المفكرين أنفسهم التي عادة ما نعبر عنها بالأدلة الإرشادية أي handbooks. هذه يجب أن تُترجم. الأدلة الإرشادية هي آثار أصيلة؛ يقدم المفكر فيها آخر ما توصل إليه من نتائج حول موضوع أو مسألة أو مشكلة.
لكن آثار المفكر وحدها لا تكفي لفهم ذلك المفكر. لذلك يجب أن ننتقل إلى آثار الفئة الثالثة؛ وهي الآثار التي تُكتب حول مفكر ما. أنت لا تستطيع فهم كتاب نقد العقل المحض لكانط، إلا في حالات استثنائية جدًا وبشرط أن تتمتع بنبوغ ما، دون شروح الشارحين. نعم، وجدت حالات استثنائية عبر التاريخ تعلم فيها شخص آثار مفكر بنفسه دون أي معلم، وبصورة ذاتية وتلقائية، لكننا نحن لا نتعلم دون الآثار التي تشرح ذلك المفكر وتفسره. إذن، هذه النقطة مهمة أيضًا، وهي أنه حول كل مفكر، بالإضافة إلى أدلته الإرشادية، أي الكتب التي ألفها بنفسه، يجب علينا حتمًا أن نترجم الشروح والتفاسير التي كُتبت لكتبه. سأتحدث لاحقًا عن المقصود بالشرح والتفسير.
الصنف الرابع من الكتب هو تلك المؤلَّفة في نقد هذا المفكر. إذا لم تُترجم هذه الكتب التي كُتبت في نقد مفكر ما، فسنظن أن هذا المفكر بطل لا يُجارى في الثقافة البشرية، وأن أحدًا لم يستطع أن يقول كلامًا يفوق كلامه. وكأنه خاتم المفكرين. خاتم الفلاسفة. إننا حين ننشر كتب النقد حول أي مفكر، سواء كانت كتبًا يركز نقدها على نقاط قوته أم كتبًا يركز نقدها على نقاط ضعفه، فإننا ندرك في النهاية وزن هذا الشخص بين أقرانه، وبين من هم في مصافِّه. لذا ينبغي أن تُترجم كتب نقد المفكر أيضًا، وليس فقط الكتب التي تشرح وتفسر آثاره وأفكاره.
٣. ترجمة الكتب التي تبسّط أفكار المفكرين
ثمة صنف آخر من الكتب ينبغي نشره، وهو الكتب التي تبسّط المفكر، وهو ما يُعرف اليوم بـ "التبسيط" (Simplification). ومعناه أنني إن كنتَ، لأي سبب كان – والأسباب عديدة – لا تستطيع أن تفهم كل ما قاله مفكر ما بمصطلحاته نفسها، وبترمينولوجيته نفسها، وبلغته الاصطلاحية (jargon) الخاصة به، فإني آتي بلغة خالية من تلك الاصطلاحية، ومن تلك الترمينولوجيا، لأوضحه لك.
التبسيط يحول دون أن يقع المجتمع ضحية لما يُسمى بالتأخر الثقافي. لا أريد أن أسهب الآن في الحديث عن التأخر الثقافي؛ إذ إن مجتمعنا يعاني أحيانًا من تأخر ثقافي. التأخر الثقافي يعني أن نسبة ضئيلة جدًا جدًا من بلد ما تعرف مفكرًا معينًا، بينما لا يعرفه بقية الناس على الإطلاق. في حين أن المجتمع الذي لا يعاني من تأخر ثقافي، يكون بالنسبة لكل مفكر أشبه بمربى متماسكة، كلما صعدت من الأسفل إلى الأعلى قل تركيزها تدريجيًا، وكلما نزلت من الأعلى إلى الأسفل زاد تركيزها. أما المجتمعات التي تعاني من التأخر الثقافي، فهي مجتمعات أشبه بمربى طبخها شخص غير ماهر. حين يطبخ شخص غير ماهر المربى، يكون أسفل وعاء المربى شديد الصلابة، وباقيه رقيقًا سائلًا. فلا يوجد تدرج من الرقة إلى الغلظ من الأعلى إلى الأسفل، ولا تدرج من الغلظ إلى الرقة من الأسفل إلى الأعلى. التأخر الثقافي يلحق الضرر بالمجتمع. في المجتمع، إذا كان ثمة أمر ينبغي معرفته، فيجب أن يعرفه الجميع، ولكن بالقدر الذي تتيحه لهم إمكاناتهم. وهكذا لا يمكن أن يقال في الغرب: يا سيدي، بما أنك لا تفهم لغة شكسبير، فلا شأن لك بشكسبير على الإطلاق. لهذا يلجؤون إلى تبسيط (Simplification) أعمال شكسبير، ويقولون: من المؤسف ألا يعرف أحدهم شكسبير، ومن الخسارة ألا يعرفه.
لذلك يقدمون تبسيطات مختلفة لمستويات متعددة، سواء من حيث الفئات العمرية، أو المستويات المعرفية، أو من حيث القدرة على التفكير. أما نحن فلسنا كذلك. لاحظ أنك لو قلت لأي صبي في إيران: اذكر اسم أحد مفاخر بلدك، فسيقول حتمًا: ابن سينا، أو أبو الريحان البيروني، أو الفارابي. لكن هل يعرف حقًا واحد من كل ألف منا، واحد من كل ألف في هذا المجتمع البالغ تعداده ثمانين مليونًا، شيئًا ولو يسيرًا عن ابن سينا؟ كل ما نعرفه هو اسم ابن سينا فحسب. إذا كان لابن سينا ما يقوله، فمن المؤسف أن يبقى المجتمع جاهلًا بما قاله ابن سينا لمجتمعه. لذا، فإن من الأعمال الأخرى التي ينبغي أن نقوم بها في ما نترجمه من الغرب – أو من أي مكان في العالم، لا فرق، غير أن اهتمامنا الأكبر ينصب على الغرب – هو أن نراعي هذا التبسيط في الترجمات أيضًا. فالآثار الموجهة لمستويات مختلفة من حيث العمر، أو المعرفة، أو القدرة على التفكير، ينبغي أن تُترجم هي الأخرى.
٤. ترجمة الموسوعات والمعاجم الوصفية من أجل عملية الترجمة
ثمة قسم آخر من الكتب ينبغي أن يدخل في الترجمة، وهو الموسوعات والمعاجم الوصفية. في العلوم الإنسانية، وعلى الرغم من أننا ننجز ترجمات كثيرة نسبيًا، إلا أن ما لدينا من معاجم وموسوعات العلوم الإنسانية لا يتجاوز عدد أصابع اليدين. وهذا يسبب خسائر سأتناولها بمزيد من التفصيل في الجزء التالي من حديثي.
الفرق بين الشرح والتفسير والنقد
قلتُ إنه ينبغي أن تكون لدينا كتبٌ في شرح وتفسير ونقد كل مفكر. إن مصطلحات الشرح والتفسير والنقد، في ثقافتنا، مصطلحاتٌ غامضةٌ نسبيًا. أود أن أشير، ولو بإيجاز، إلى كتب الشرح والتفسير والنقد.
يمكننا أن نقوم حيال كل مفكر بثلاثة أنواع من العمل. الأول أن نُقرِّر آراءه، والثاني أن نحللها، والثالث أن ننقدها. لا يتسع المجال الآن لشرح الفرق بين هذه الأعمال الثلاثة وما تنطوي عليه من تعقيدات، لكن الكتب التي نسميها اليوم «شرحًا وتفسيرًا» هي مزيجٌ من التقرير والتحليل، والكتب التي نسميها اليوم «نقدًا» هي مزيجٌ من التحليل والنقد. ينبغي الانتباه إلى هذه النقطة. يمكننا أن نقوم بثلاثة أعمال إزاء رأي المفكر. الأول أن نُقرِّر آراءه بصورة منهجية تامة، والثاني أن نحلل آراءه، والثالث أن ننقدها. وفي العادة اليوم، يدمجون العملين الأول والثاني معًا؛ أي التقرير والتحليل، ويسمون ذلك شرحًا وتفسيرًا. ويدمجون الثاني والثالث معًا، أي التحليل والنقد، ويسمون ذلك نقدًا. لكنها ثلاثة أعمال. إنها ثلاثة مجالات، وينبغي أن يُوفَّى كلٌّ منها حقه كاملًا على حدة.
الشرط الثاني: خصائص المترجمين
عدا عن أن الكتب ينبغي أن تتسم بالتنوع الذي ذكرتُه، فإن الشرط الثاني لنجاح الترجمة هو أن يتحلى مترجمونا بعدة خصائص. ثمة كتب ومقالات كثيرة حول خصائص المترجمين، ولا شك أنكم قد قرأتموها. كتب ومقالات حول ما ينبغي أن يتحلى به المترجم من خصائص. لذا سأكتفي بإشارة مقتضبة.
١. الإتقان التام للغة المصدر واللغة الهدف
أول خاصية يذكرها الجميع هي أن على المترجم أن يُتقن لغة المصدر إتقانًا جيدًا، ولغة الهدف إتقانًا جيدًا كذلك. لقد صار هذا الأمر شديد الابتذال. من البديهي أن يُتقن لغة المصدر ولغة الهدف. لكن النقاش يدور حول أن إتقان لغة المصدر والهدف لا يعني، إن كنتُ مترجمًا عن الإنجليزية مثلًا، أن أعرف الإنجليزية وأعرف الفارسية. ليس هذا معناه. من المسلَّم به أن كل مترجم يُتقن لغة الهدف، لأنها لغته الأم. لكن لماذا نكرر القول بأن بعض المترجمين يبدو وكأنهم لا يُتقنون حتى لغة الهدف؟ ستقولون إنها لغتهم الأم. لأن تعلُّم لغة الهدف يختلف عن القدرة على الذهاب لشراء كيلو من الجبن باللغة الفارسية. تعلُّم لغة الهدف يعني أن أعرف ما هي إمكانات هذه اللغة الكامنة؟ هذا هو المهم. وإلا، لو كان الأمر كذلك، لكان حالنا كحال ذلك الرجل الذي قال إن أمر زواجي قد تم ترتيبه، لأن خطبتي قد تمت بنسبة خمسين بالمئة، وبقيت الخمسون بالمئة الأخرى تنتظر رد أهل العروس بالإيجاب. لو كان الأمر كذلك لوجب أن نقول إن خمسين بالمئة من عمل كل مترجم قد حُسم أمره، لأن خمسين بالمئة منه هي لغته الأم؛ كلا، فالقول بأن كثيرًا من المترجمين لا يعرفون لغتهم الأم لا يعني أنهم لا يتحدثون بها. بل يعني أنهم لا يعرفون إمكانات هذه اللغة الكامنة. لا يعرفون ما الذي يمكن فعله بهذه اللغة. خارج نطاق التحادث وعيش الحياة العادية. والأمر نفسه ينطبق على لغة المصدر، أي أن على المترجم أن يعرف الإمكانات الكامنة للغة الإنجليزية باعتبارها لغة المصدر. عادةً ما يذكر الجميع هذه النقاط، ولا أريد أن أركز عليها.
٢. الضمير المهني
النقطة الثانية هي أن المترجم يجب أن يتمتع بضمير مهني عالٍ. الكثير من الترجمات الموجودة اليوم في بلدنا، يعرف المرء بمعرفته بالمترجم أن المترجم كان بإمكانه أن يقدم ترجمة أفضل من هذه. لم تكن المشكلة في عدم المعرفة، المشكلة هي أنه يفتقر إلى الضمير المهني. لأنكم، ليس فقط في الترجمة، بل في أي عمل إذا أردتم أن تؤدوه جيدًا، يجب أن تتوفر هذه الشروط الثلاثة. إما أن تؤمنوا بإله ناظر وشاهد، ناقد، بصير، منصف، عادل، يدقق في كل صغيرة وكبيرة، فتقولوا: بما أن الله يراقب عملي ولا يمكن خداعه، وبتعبير علي بن أبي طالب هو ناقد بصير يدقق في كل صغيرة وكبيرة، وهو في الوقت نفسه منصف وعادل؛ وبالتالي فهو صارم، ويجب علي أن أؤدي عملي جيدًا لأتمكن من عرضه في محضر ذلك الإله. أو إذا كان المرء لا يؤمن بالله، فيجب أن يكون لديه ضمير أخلاقي حي ويقظ، فيقول: أنا لا أؤمن بالله، لكنني لا أستطيع أن أتصالح مع ضميري. ضميري لا يغط في النوم. لم ينم بعد. لا يزال حيًا ويقظًا، وإذا قمت بعمل متسرع وغير دقيق، فإنه يعذبني لدرجة تجعلني أكره الحياة. ولكي لا يعذبني هذا الضمير الحي واليقظ، يجب أن أؤدي العمل جيدًا. وإذا كان ضميركم نائمًا، وضميرنا نائم، وضميري أنا أيضًا نائم، فعندئذ يجب على الأقل أن أخاف من الفضيحة أمام الناس.
في بلدنا، حتى لو لم نكترث بالأول والثاني، فيجب على الأقل أن يكون لهذا الثالث دور. لكن متى تكون الفضيحة أمام الناس مؤثرة؟ عندما تكون لدينا ممارسة نقدية. مجلات تنقد الأعمال المترجمة حقًا، لا أن تقرض بعضها بعضًا الخبز. مثلًا، أعلم أن صديقي ترجم كتابًا، ودون أن أقرأ ترجمته أبدًا، أكتب عنه تقريرًا بأن ترجمة هذا المترجم لا سابقة لها. ومن الجهة الأخرى، عندما أعلم أن منافسًا أو خصمًا لي قد ترجم كتابًا، ودون أن أرى ترجمته أصلًا، أقول: نعم يا سيدي، ظهرت مؤخرًا في السوق ترجمة تضحك حتى الميت. في الواقع، هناك مافيا للنقد في بلدنا. النقد غائب. شخص ينصف، دون أن يعرف المترجم، ودون حب أو بغض، يضع الترجمة والنص الأصلي أمامه، ويرى بإنصاف كم في ترجمة المترجم من قوة وكم فيها من ضعف. إذا لم يكن سوق نقد الترجمة بهذه الصورة حيًا ونشطًا، فحينئذٍ، ولأن بعض مترجمينا لا يؤمنون بالله، ومن بين أولئك الذين لا يؤمنون بالله، البعض منهم ليس لديهم ضمير حي، والعار أمام الناس فقط قد يردعهم قليلًا، فإنهم يصبحون مرتاحي البال. يقولون: هذا الناظر الثالث ليس كالناظرين الآخرين، وبالتالي يحدث ما يراه المرء في هذه الترجمات ويدهش منه حقًا. يقول المرء: حتى الناسخ نفسه كان بإمكانه أن يقول للمترجم إنه لا يمكن أن يوجد شيء كهذا. أحيانًا أرى ترجمات فأقول: أنا لا شأن لي بالناشر، ولا شأن لي بالمترجم، ولا شأن لي بمحرره، الناسخ حين كان يطبع كان يجب أن يتوقف ويقول: ما هذه الجملة التي أكتبها؟ هذه الجملة لا معنى لها أصلًا. أعتقد أن هذا الشرط مهم، أن يكون الضمير المهني للمترجم حيًا، يقظًا، سواء آمن بالله أم لم يؤمن، وهذا الضمير مهم.
٣. تدوين مجموعة المصطلحات المثبتة في العلوم الإنسانية
نکتهٔ دیگر در باب مترجمان این است که ما تا در عالم ترجمهٔ علوم انسانی، مثل علوم پایه نشویم راه به جایی نمیبریم. در علوم پایه یعنی در ریاضیات، فیزیک، شیمی و زیستشناسی و تا حدی در اقتصاد و در حد کمتری در روانشناسی، هر لفظی یک معادل بیشتر ندارد. مثلا Forceرا در فیزیک، یک مترجمی ترجمه نمیکند نیرو، یک مترجم دیگر ترجمه کند قوه و یک مترجم دیگر ترجمه کند کارمایه و یک مترجم دیگر ترجمه کند چیز دیگری. Force در هر کتاب فیزیک، ترجمه میشود به نیرو. به سطح شیبدار یکجا نمیگویند سطح سرازیر، یکجا بگویند سطح رو به پایین، اینها را نمیگویند، همهجا میگویند سطح شیبدار. ما در ریاضیات و منطق و در علوم تجربیِ طبیعی، در فیزیک و شیمی و زیستشناسی، و در علوم تجربیِ انسانی هم فقط در اقتصاد و تا حد کمتری در روانشناسی، یک مجموعه اصطلاحات تثبیتشده داریم. ولی در سایر علوم انسانی ما اصطلاحات تثبیتشده نداریم و خوانندهٔ اثر من نمیفهمد که این «آشفتگی» که من میگویم همان است که یک مترجم دیگر به آن گفته «هاویه» و همان است که یک مترجم دیگر به آن گفته «کِیاس (Chaos)» و همان است که یک مترجم دیگر به آن گفته «آشوبناکی اولیه» و همان است که مترجم دیگری به آن گفته «عالم آبگوشتی». اینها یک چیزند یا دو چیزند یا سه چیز. به دلیل این که ما هنوز کیاس فلسفی را در زبان یونانی در آثارمان ترجمه واحد نمیکنیم.
ترجمهها باید آهستهآهسته برسند به یک زبان تثبیتشده. یعنی اصطلاحات فلسفی هم باید تثبیت بشوند، شکی نیست که وقتی که مثلا subjective و objective را کانت به کار میبرد با وقتی که هگل به کار میبرد دو معنا دارند و بنابراین نمیشود یک جور ترجمهشان کرد ولی لااقل سابجکتیو و آبجکتیو در همهٔ آثار هگل باید یک چیز ترجمه بشوند و سابجکتیو و آبجکتیو در همهٔ آثار کانت باید یک جور ترجمه بشود. تا ما بفهمیم که داریم دربارهٔ موضوعی مطلب میخوانیم که در کتاب دیگر هم میخواندیم. این واقعا در کشور ما وجود ندارد و انگار بر خلاف اینکه استفاده کردن از مجموعهٔ اصطلاحات، در آن علومی که اسم بردم، ارزش است، در علوم انسانی مترجمان ارزش را به این میدانند که بگویند نهخیر، من آن معادل را قبول ندارم، من برای خودم معادلگذاری میکنم. این چیزی جز آشفتگی زبانی پدید نمیآورد. ما باید یک نوع تسلیم علمی بشویم و بپذیریم که این اصطلاح واقعا اصطلاح جاافتادهای است برای این مفهوم و همیشه از آن استفاده کنیم. من هیچوقت ندیدم یک ریاضیدانی یک فیزیکدانی بگوید من به جای بُردار یک کلمه دیگر به کار میبرم. همه میگویند ما اگر بخواهیم حرفمان درست باشد باید بگوییم بُردار. ولی در علوم انسانی فراوان دیدهام که مترجم میگوید آقا من خوشم نمیآید از این، من غلط میدانم، به چه دلیلی غلط میدانی؟ اصلا این حرفها نیست. من معتقدم این هم در باب ترجمه مهم است
۴. آموختن از دیگرمترجمان
آخرین نکته در باب مترجمان این است که مترجمان از اینکه از هم چیز بیاموزند باید استقبال کنند. ما نباید فکر بکنیم زیر دِیْن دیگران رفتن، بد است. وقتی نمیخواهی زیر دین دیگران بروی آن وقت حاصل کارتان ضعیف در میآید. شما یادتان میآید آن جمله معروف نیوتن را که گفت من کار مهمی نکردم، من روی دوش غولان نشستم. اگر یک غولی سه متر طول دارد یک موش پنج سانتیمتری هم که رویش بنشیند از آن غول بیشتر میبیند. چرا؟ چون آن غول، ارتفاع سه متر را میبیند و این موشی که روی دوش آن نشسته ارتفاع سه متر و پنج سانتیمتر را میبیند. چه اشکالی دارد که من از دیگران استفاده کنم. چه برسد به اینکه خودم غول هم نیستم؛ تازه اگر غول بودم خوب بود که یک موشی روی دوشم بود. ولی غول هم اتفاقا نیستم. ما این را نمیبینیم. در علوم انسانی، مترجمان میخواهند زیر بار هم نروند. «هرکه گریزد ز خراجات شاه/ بارکش غول بیابان شود». نمیخواهی خراج بدهی به همکاران مترجمت که بگویی من این را از او یاد گرفتم، این را از او یاد گرفتم، و این را از اواو یاد گرفتم، ترجمهات همین در میآید که در آمده است.
شرط سوم: جامعهٔ مترجمان
نکته سوم را میخواستم در باب جامعه مترجمان بگویم. تا اینجا ویژگیهای فردی مترجمان را گفتم. در باب جامعهٔ مترجمان، پنج نکته میخواستم بگویم که وقت تمام است و در فرصتی دیگر باید سخن گفت.
.
.
.
.
معهد العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية
ندوة «الترجمة والتفكير» | الأربعاء 4 بهمن 1396
مصدر النص: قناة روح الله سليماني بور على التلغرام https://t.me/soleimanipur
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الأدب
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.