اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يميّز مصطفى ملكيان بين «عنف الحب» و«عنف الكراهية»، ويؤكد أن عنف الكراهية لا يتوافق مع الحرية والعدالة. إن تحقيق مجتمع مثالي رهينٌ بتنمية حبٍّ غير أناني وفعّال يستلزم التضحية.

ألقى مصطفى ملكيان في بهمن عام 84 (فبراير 2006) بمناسبة أيام استشهاد الإمام الحسين (ع) محاضرة بعنوان «عنف الحب» في حسينية الإرشاد، ثم عاد في إسفند من العام نفسه خلال ندوة «إيران، العدالة والحرية» ليكمل ذلك الحديث تحت عنوان «العنف، الكراهية، الحرية والعدالة»؛ ونص هذه المحاضرة مذكور أدناه:
إن النقاط التي سترد في هذه الكتابة، تعبّر في الواقع عن ثلاثة مطالب كلية. المطلب الأول هو أنه من الناحية النفسية ومن الناحية الأخلاقية، يوجد عنف في «الحب» كما يوجد في «الكراهية». لذلك، ليس لدينا فقط «عنف الكراهية»، أي العنف الناشئ عن الكراهية، بل يُتصوّر أيضاً نوع من «عنف الحب»، أي العنف الناشئ عن الحب. وإن بدا هذا الأمر متناقضاً (paradoxical) أن يكون الحب مولداً للعنف. والمقصود بعنف الحب هنا، هو عنف ذو جانبين: الأول، هو العنف الذي يمارسه المحب، من حيث كونه محباً، مع نفسه، والآخر هو العنف الذي يمارسه مع معشوقه ومحبوبه.
المطلب الثاني هو أن عنف الكراهية نوعان. بعبارة أخرى، نحن نشهد نوعين من عنف الكراهية في ساحة التاريخ وفي ساحتنا الداخلية: الأول، عنف الكراهية بمعنى العنف الذي كان منشؤه الكراهية منذ البداية. عنف أشخاص مثل ستالين، وبول بوت، وهتلر، وصدام، هو عنف نشأ منذ البداية من قلب الكراهية. النوع الثاني من العنف، هو عنف لم يكن منذ البداية عنف كراهية، بل كان عنف حب. لكن عنف الحب هذا قد اقترن بعدم الإطلاع على حقائق العالم الإنساني، ونتيجة لذلك، تحول إلى عنف كراهية. أي أنني كنت في البداية محباً لمعشوقي، لكن لأنني كنت غير مطلع على الحقائق الإنسانية، تحول عنف حبي تجاه معشوقي تدريجياً إلى عنف كراهية. وبالطبع يجب التنويه إلى أن هذين النوعين من عنف الكراهية لا يختلفان أبداً من حيث آثارهما ونتائجهما. أي أن كلا هذين النوعين من عنف الكراهية مدمران؛ سواء للمحب أو للمحبوب. وإن كانا أكثر تدميراً للمحبوب.
المطلب الثالث هو أن عنف الكراهية يتنافى مع «الحرية» ومع «العدالة» معاً. يجب أن أؤكد على هذه النقطة وهي أنه حتى لو قبلنا قول من أمثال إزايا برلين الذي كان يقول «إن القيم الإنسانية لا تتصالح في نهاية المطاف»، فإنه يجب القول أيضاً إن عنف الكراهية يتنافى مع الحرية ومع العدالة معاً. إذا قبلنا قول إزايا برلين، فستكون النتيجة أن الافتراض المسبق لبحثنا هو أنه بين الحرية والعدالة، في نهاية المطاف، يحدث أحياناً عدم توافق. بعبارة أخرى، هذا الافتراض المسبق يعني أننا أحياناً «كفاعل» وأحياناً «كحكم»، لا خيار لنا سوى أن نضحي إما بالحرية من أجل العدالة، وإما بالعدالة من أجل الحرية.
الآن، إذا قبلنا هذا الافتراض المسبق، والذي يمكن بالطبع ألا نقبله. أي، لنفترض أن قول إزايا برلين صحيح وأن هناك نوعاً من عدم التوافق بين القيم الإنسانية النهائية في نهاية المطاف، ونتيجة لذلك، يوجد عدم توافق بين العدالة والحرية، حينها يدور النقاش حول أيهما ينبغي اختياره في نهاية المطاف: العدالة أم الحرية. بتعبير آخر، إما أن نواجه أشخاصاً نسميهم بالتسامح «اشتراكيين» ويعتقدون أنه عند عدم التوافق بين الحرية والعدالة، يجب الانحياز إلى جانب العدالة والتضحية بالحرية في سبيل العدالة، وإما أن نواجه أشخاصاً نسميهم بالتسامح «ليبراليين» ويعتقدون أنه في هذا التنازع يجب التضحية بالعدالة من أجل الحرية.
كلامي هو أننا سواء كنا ذوي نزعة اشتراكية أم ذوي نزعة ليبرالية، وبتعبير أدق، سواء كنا نعتقد بأفضلية العدالة على الحرية أم بأفضلية الحرية على العدالة، في كلتا الحالتين يجب أن نقبل بأن عنف الكراهية لا يتوافق مع الحرية والعدالة. لذلك لا يمكننا أن نمارس عنف الكراهية باسم الأفكار الاشتراكية، ولا باسم الأفكار الليبرالية. لأن عنف الكراهية يضرب هذين الخصمين على حد سواء. أي أنه مضر بالحرية ومضر بالعدالة معاً.
طُرحت على مرّ تاريخ الفكر والثقافة البشرية آراء متباينة حول متى وفي أيّ وضع سينعم البشر بظروف أفضل ومجتمع أكثر سعادة، وكان القاسم المشترك بين جميع هذه الآراء هو خلق إنسان أفضل ومجتمع أكثر بهجة. ظنّ البعض أنّه يمكن عبر «الدين» إيجاد مجتمع إنساني. وفي عصر «الحداثة»، ظنّ البعض الآخر أنّه لا يتحقق هذا التوفيق إلا عبر نشر «الديمقراطية». وقال آخرون إنّ تحقيق «منظمة اقتصادية عالمية» تنظر إلى جميع البشر بعين واحدة في توزيع الإمكانات المادية والمعيشية والرفاهية، سيخلق وضعاً مثالياً. وتصوّر آخرون أنّه فقط عبر التثقّف والتحصيل العلمي والأكاديمي الأكبر ونشر المعرفة والقراءة والكتابة على أوسع نطاق، سيتحقق الوضع المنشود.
أودّ هنا أن أطرح الدعوى القائلة إنّ السبيل الوحيد لتشكيل مجتمع إنساني مثالي هو بلوغ نوع من «الحب غير الأناني والفاعل في آنٍ معاً»، وهذا السبيل، وإن كان أصعب السبل للوصول إلى المجتمع الإنساني المنشود، إلا أنّه في الوقت ذاته، السبيل الوحيد الممكن لبلوغ ذلك المنشود. السبل الأخرى التي اقتُرحت لتحقيق المجتمع الإنساني المثالي، وإن كان بإمكانها أن تكون شروطاً ضرورية لهذا المقصد، إلا أنّها ليست شرطاً كافياً للوصول إلى هدفنا المنشود. للوصول إلى مجتمع منشود، ينبغي لنا، رويداً رويداً، أن ننمّي في دواخلنا نوعاً من الحب غير الأناني والفاعل تجاه أبناء جنسنا.
ما أعنيه هو بلوغ حبّ لا يسعى وراء مصلحته الذاتية وإشباع رغباته الشخصية، ويكون مركز اهتمامه موجّهاً إلى الخارج وإلى الآخرين. هذا الحب، بالإضافة إلى كونه غير أناني، هو فاعل أيضاً. إنّه ليس حبّاً منفعلاً ويحتاج لإشباعه إلى إجراءات خارجية. بعبارة أخرى، إنّه حبّ مقرون بالإحسان والإغاثة للبشر الآخرين.
لقد أكّد كثير من الأفراد الذين يبحثون في مجال علم النفس الاجتماعي والأخلاق وعلم الاجتماع والفكر السياسي على هذه النقطة، وهي أنّه للوصول إلى مجتمع منشود، فإنّ تنمية مثل هذا الحب في الإنسان أمر لازم وضروري. إذا أردنا أن ننظر إلى البشر الآخرين كغايات وأهداف، لا كوسائل وأدوات؛ وإذا أردنا ألاّ نتصوّر أنّ البشر الآخرين هم سلالم لترقّينا وصعودنا، فإنّنا بحاجة إلى فكر يقوم على أساس الإحسان الخارجي. واقتضاءً لحبّنا الداخلي للبشر الآخرين ولبلوغ هذا الهدف المنشود، لا سبيل سوى أن نساعدهم، وهذه المساعدة الخارجية تحتاج بالتأكيد إلى التضحية والصرف النظر عن السلطة والثروة والمكانة الاجتماعية والجاه والمنصب والشهرة والمحبوبية وأمثالها. والصرف النظر عن هذه الرغبات ليس بالأمر المحبوب لدى أي إنسان عادي، ولا يقبل أي إنسان بسهولة أن يصرف النظر، في سبيل رفاه الآخرين، عن الثروة والسلطة والمكانة والجاه والمنصب والشهرة والمحبوبية وسبل العيش، بل وحتى عن علمه في بعض الحالات.
إنّني أسمّي عدم المحبوبية هذه لـ «الإحسان الناشئ عن الحب» بـ «عنف الحب». عندما نحب البشر الآخرين، ستكون الحياة بطبيعة الحال قاسية علينا، والحب الذي يجرّنا إلى حياة صعبة، مليئة بالمحن والمشقة، سيكون بطبيعة الحال حبّاً عنيفاً. أولئك الذين هم أهل للمعنوية، سواء أولئك الذين يعرفون المعنوية نظرياً أم أولئك الذين هم أهل للممارسة المعنوية عملياً، يؤمنون بسلسلة من الأمور يسمّونها «مفارقات المعنوية». مفارقات المعنوية هي متناقضات ظاهرية يواجهها كل إنسان معنوي، عاجلاً أم آجلاً، في حياته المعنوية. هذه المتناقضات الظاهرية تبدو متناقضة في الظاهر للإنسان غير المعنوي وغير العاشق، وإن لم تكن متناقضة في الباطن. لقد أحصى علماء الأخلاق والعارفون وأولئك الذين يشتغلون بـ «علم نفس المعنوية» هذه المفارقات المعنوية.
من أهم هذه المفارقات، مفارقة تُعرف بـ«السلام بالسيف». يشعر الإنسان الروحي في مرحلة من حياته أنه لا يستطيع بلوغ السلام إلا بالسيف. وقد تحدث السيد المسيح أيضاً عن هذا السلام بالسيف. ومفارقة أخرى هي «الحياة في الموت»، ومقتضاها أنك لا تنال الحياة حتى تفقدها، وأن الحياة دون موت غير ممكنة. ومن المفارقات الشهيرة أيضاً مفارقة «حكمة الحمقى»، التي بمقتضاها يمتلك الحمقى نوعاً من الحكمة يستفيد منها الحكماء أحياناً. و«قوة نقاط الضعف» هي إحدى هذه المفارقات الأخرى. يُقال إن كثيراً من نقاط ضعف الإنسان هي نقطة قوته، ولو لم تكن نقاط الضعف هذه موجودة في الإنسان، لما نشأت فيه نقاط قوة أيضاً. نقاط الضعف هذه هي ضعفٌ يُعدّ غيابُه ضعفاً. ومن بين هذه المفارقات أيضاً مفارقة «عنف الحب».
لا يبدو للحب ظاهرياً علاقة بالعنف، ولكن كما شُرح، فإن تحمّل هذا العنف ضروري ولا مفر منه للإحسان إلى البشر الآخرين. وفي مقابل عنف الحب، يقف عنف الكراهية، وإذا كان العنف في «عنف الحب» موجهاً نحو «ذات» الإنسان، فإنه في «عنف الكراهية» يتجه نحو «الآخر». فالإنسان العاشق يريد المكاره لنفسه. هذا العنف الموجّه نحو الذات والناشئ عن مودة عظيمة للبشر الآخرين هو «عنف الحب».
وعنف الحب، بهذا المعنى، ليس سوى أن أضحي بكل ما يسرّني في مذبح محبتي للبشر الآخرين، وهذا العنف بالذات هو ما يبلغ بالإمام علي إلى أن يقول: لو أحبني جبل وأراد أن يشاركني في نمط الحياة هذا الذي اخترته لنفسي، لتهاوى حتماً مثلي. أو مثلاً هذا التعبير الذي ورد مراراً في الأوبانيشاد: «اللطف العنيف ولكن الشافي للحب». وكذلك في التعابير التي يستخدمها مولانا جلال الدين الرومي نرى عنف الحب:
عشق از اول سر و كش خونی بود
تا گریزد هر كه بیرونی بود
وفي تعابير حافظ أيضاً:
ناز پرورد تنعم نبرد راه به دوست
عاشقی شیوه رندان بلاكش باشد
إن «عنف الحب» بهذا المعنى شرط لازم لا مفر منه لحياة إنسانية، وبالطبع سيكون لهذا العنف نتيجته. فنتيجة لهذا العنف، يتحول الإنسان، رويداً رويداً، في داخله إلى إنسان آخر، وسيصبح المجتمع أيضاً، شيئاً فشيئاً، مجتمعاً مفعماً بالبهجة. إن عنف الحب، الذي يعني التخلي عن الملذات، يشمل دائرة واسعة، لأن ملذاتنا تتسم بالتنوع والكثرة. لدينا ملذات جسدية لأن لنا جسداً؛ ولدينا ملذات ذهنية لأن لنا ذهناً؛ ولدينا ملذات معرفية لأن لنا معرفة؛ ولدينا ملذات وجدانية وعاطفية لأن لنا وجداناً وعاطفة؛ ولدينا ملذات نابعة من الحاجات والرغبات لأن لنا حاجات ورغبات؛ وأخيراً لدينا ملذات اجتماعية لأننا نعيش في ظل المجتمع. والآن، إذا تأملنا في سعة ملذات الإنسان وعمقها معاً، أدركنا إلى أي حد يكون هذا النوع من التضحية، أي التخلي عن الملذات، صعباً وشاقاً.
يستخدم الأوروبيون كلمة sacrifice للتضحية، ويطلقون على الحياة الطاهرة المقدسة كلمة sacreed. ويستفيد عرفاء المسيحية من هذه الملاحظة اللغوية ويقولون إن الحياة المقدسة تُدعى sacreed لأنها لا تُنال دون sacrifice أو التضحية. وكأننا، من أجل حياة مقدسة، يجب أن نضحي باستمرار بشيء من أجل شيء آخر.
أن نضحي بما نستلذه في سبيل استلذاذ الآخر، حتى نبلغ الاستلذاذ النهائي المتمثل في حب الإنسان وتهيئة حياة مفعمة بالحقيقة وغنية بالمعنى له. وحين يُذكر التضحية بهذا الاتساع والعمق، فلا شك أنه يمكن الحديث عن «الشهادة» أيضاً واعتبارها ذروة عنف الحب وغايته. ذلك أنني حين أتخلى عن كامل جسدي من أجل رفاه البشر الآخرين وأتقبل الشهادة، أكون قد تقبلت أقصى درجات عنف الحب. وثمرة هذا الإيثار، كما قيل، لا تؤدي فقط إلى رفاه الآخرين ومنفعتهم، بل تجعل إنساناً آخر يولد في أعماقي؛ إنسان هو، بمعنى ما، ذلك الإنسان الطفولي الكامن في دواخلنا، وهو مرادف للعودة إلى زمن الطفولة وبراءتها.
وهكذا تكون الشهادة، في حين أنها غاية العنف، أرقى ما يقوم به إنسان من أجل البشر الآخرين، ومن المؤسف أن البعض يخلط بين الشهادة التي هي عنف الحب وعنف الكراهية. لقد فسّر كثيرون عنفَ الحب لدى مؤسسي الأديان والمذاهب كما لو كان عنف الكراهية نفسه. لقد كان مؤسسو الأديان والمذاهب يحمّلون أنفسهم حياة شاقة وعسيرة كي يتحقق رفاه الآخرين، ويا للأسف أن جهود هؤلاء العظماء تُحلل من قبل البعض كما لو أنهم أرادوا الناس خدماً لهم، لا أن يكونوا هم في خدمة الناس. ولا شك أن عنف الحب، في هذه الرواية، يتحول إلى عنف كراهية.
الشهادة، بوصفها غاية عنف الحب وذروته، ليست أمنية من يرى لسفك دمه قيمة ذاتية وفي حد ذاته، بل هي ضرورة يشعر بها البشر المعنويون في أوج حبهم للإنسان.
لعنف الحب قسمان. القسم الأول، هو العنف الذي أمارسه على نفسي، عندما أعشق البشر، من حيث كوني قد عشقتهم. حين أكون عاشقاً للبشر، سواء أكنت عاشقاً لإنسان واحد أم لعدد من البشر، فإن أول عنف لهذا الحب يتوجه إلى العاشق نفسه. أي أنني حين أكون عاشقاً، فلا شك أنني أمارس العنف على نفسي من وجوه شتى. فعلى سبيل المثال، حين أعشق فرداً، فبطبيعة الحال، سيكون ألم ذلك الفرد ومعاناته هو ألمي ومعاناتي، وبقدر ما يشتد حبي له، يزداد ألمي ومعاناتي، وقد يبلغ حبي له حداً يصير معه ألمه ومعاناته بالنسبة لي أشد مما يعتريه هو نفسه.
ومثلاً، قوله تعالى في القرآن لنبيه: «عزيز عليه ما عنتم» هو بهذا المعنى تماماً. أي أن ما يسبب لكم ألماً يسيراً، يسبب له ألماً عظيماً. أي أن النبي أشد حساسية تجاهكم منكم أنفسكم. بمعنى أن الحساسية (sensitivity) لدى أشخاص مثل بوذا ومحمد بن عبد الله (ص) عالية جداً، وبالتالي فإن الألم والمعاناة اللذين يعتريانهم يفوقان الألم والمعاناة اللذين يعتريان الناس.
ومن ناحية أخرى، لا أستطيع أن أخفف من ألم معشوقي ومعاناته بمجرد تمني زوال آلامه ومعاناته، بل ينبغي أن أشرع في عمل. وهذا «الشروع في العمل» هو ألم ومعاناة ثانية تعود عليّ أنا أيضاً. لأنني حين أريد أن أشرع في العمل للتخفيف من ألم المعشوق ومعاناته، أواجه سلسلة من المشكلات.
والنقطة الثالثة هي أن ما أملكه، أو بتعبير اليوم إمكانياتي، للتخفيف من آلام الآخرين ومعاناتهم، هي دوماً أقل بكثير من الإمكانيات التي يقتضيها التخفيف من آلام جميع البشر ومعاناتهم. لذا فأنا أعلم دوماً أنني حتى آخر عمري، لن أستطيع أن أرى بشراً بلا ألم ومعاناة. وهذا التصور نفسه بأن «الألم والمعاناة هما المصير التراجيدي لمعشوقي»، أي كون هذا الألم والمعاناة غير قابلين للزوال، يزيد من ألمي ومعاناتي. وهكذا، فلا شك أنه من هذه الوجوه الثلاثة، حين أكون عاشقاً للبشر وأحبهم، يعتريني الألم والمعاناة. هذا هو الألم والمعاناة اللذان يوقعهما الحب بي أنا، وبهذا المعنى يمارس الحب العنف عليّ أنا العاشق. وبتعبير آخر، الحب جلاد لطبع العاشق نفسه. أي أن العاشق يظل دوماً تحت سياط حبه.
قسم آخر من عنف العشق، يتجه نحو المعشوق. أي أن العاشق، بالإضافة إلى كونه يتألم ويعاني، قد يُلحق الألم والمعاناة بمعشوقه أيضاً. إذا أصبح إنسان ما «الإنسان المثالي»، حينئذٍ يُسمى «ما يروقه» بـ«المصلحة». طبعاً، ليس المقصود بالإنسان المثالي الإنسان الكامل الذي يُذكر في العرفان أو الأدب، بل من وجهة نظر فلاسفة الأخلاق، «الإنسان المثالي» هو إنسان يمتلك جميع المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار. لماذا لا يستمتع طفل بتنظيف أسنانه؟ لأنه لا يمتلك جميع المعلومات اللازمة حول الآثار والنتائج الإيجابية لتنظيف الأسنان، والآثار والنتائج السلبية لعدم تنظيفها. لكن الافتراض هو أن الأب والأم اللذين يصران على تنظيفه لأسنانه يمتلكان جميع المعلومات اللازمة.
الإنسان المثالي في الأخلاق، أي إنسان يمتلك المعلومات اللازمة لكل فعل من أفعاله، سواء كان من مقولة الفعل والعمل أم من مقولة ترك الفعل وعدم العمل. من يمتلك هذه المعلومات اللازمة، فإن كل ما يروقه سيكون في مصلحته. أي أن ما يروقه ومصلحته ينطبقان، وما يسوؤه ومفسدته ينطبقان أيضاً. لكن أغلبيتنا نحن البشر لسنا مثاليين، ونتيجة لذلك، يسير ما يروقنا ومصلحتنا في اتجاهين مختلفين.
مثال آخر هو أنه عندما أنهض ابني ليلة الامتحان من أمام التلفزيون وأرسله إلى غرفته ليذاكر، فأحرمه نتيجة لذلك من مشاهدة الفيلم السينمائي الذي يحبه، فمن المسلّم أن ابني سينزعج. لأن هذا ليس مما يروقه، حتى أنه عندما يذهب إلى غرفته قد يكون في قلبه ألف أنّة ولعنة عليّ.
في هذا المثال، بأي مبرر جررت ابني، على عكس ما يروقه، إلى عمل آخر؟ لسبب أن افتراضي هو أن هناك معلومات أمتلكها أنا، ولكن ابني لا يمتلكها، ولأن الأمر كذلك، فلا مناص من أن أفترض أنه لو كان ابني يمتلك هذه المعلومات في الحالة المثالية، لاتخذ نفس القرار الذي أفرضه عليه. لكنه، في الوقت الحالي، لا يمتلك مثل هذه المعلومات. أول تأويل يمكن تقديمه للفصل بين «ما يروق» و«المصلحة» هو أن ما يروق ليس دائماً مصلحة، وفقط في الإنسان المثالي ينطبق ما يروقه والمصلحة، والإنسان المثالي هو إنسان لديه علم ووعي بجميع آثار ونتائج فعله. ويمكن استخدام تأويل ثانٍ، وهو أن «ما يروق» يعني «ما يروق زائلاً»، و«المصلحة» تعني «ما يروق دائماً».
طبعاً، أنا شخصياً أفضل التأويل الأول لأسباب لا أريد الخوض في بحثها الآن، رغم أنني أعتبر التأويل الثاني تأويلاً جيداً أيضاً.
أي أننا، في الواقع، لدينا بعض ما يروقنا على المدى القصير، وبعض ما يروقنا على المدى الطويل. مثلاً، عندما يريدون بتر عضو من جسدي بسبب مرض ما، فرغم أن ألم بتر ذلك العضو يسوؤني ولا يروقني، إلا أن بتر ذلك العضو في مصلحتي على المدى الطويل. لذلك، يبدو أنني أفصل بين ما يروقني ومصلحتي من خلال «طول الأمد» أو «قصر الأمد» لما يروقني.
حال وقتی كه انسان، عاشق انسان دیگری است «خوشایند و بدآیند» او را رعایت نمیكند بلكه «مصلحت و مفسده» او را رعایت میكند. چرا پدر و مادر از دیدن اینكه فرزندشان در شب امتحان، پای تلویزیون بنشیند بسیار ناراحت میشوند و او را به اجبار به اتاقش میكشانند؛ حتی به قیمت اینكه ناراحت شود. اما در مورد فرزند همسایه با اینكه در مورد او هم اطلاع دارند كه در حال تماشای تلویزیون است حساسیت و ناراحتی نشان نمیدهند؟ زیرا فرض بر این است كه عشق پدر و مادر به فرزندشان بیش از عشق آنها به فرزند همسایه است و در نتیجه خشونتی كه با فرزندشان میورزند، بیش از خشونتی است كه با فرزند همسایه میورزند. یعنی، اگر فرزند آنها بگوید كه چرا شما وقتی فرزند همسایه، كارنامه مردودی به منزل میآورد، اخم نمیكنید، یا به او سیلی نمیزنید، یا بر سرش فریاد نمیكشید، در حالی كه در مورد فرزند خودتان این كارها را انجام میدهید، آن گاه آنها در پاسخ خواهند گفت: زیرا كه ما تو را بیشتر از فرزند همسایه دوست داریم. این حرف به این معناست كه وقتی من فرزندم را دوست دارم. با او خشونتی میورزم كه این خشونت را با كسی كه او را دوست ندارم نمیورزم. همچنین با كسی هم كه او را كمتر دوست دارم چنین خشونتی نمیورزم. بنابراین، خشونت عشق ناشی از این است كه عاشق مصلحت معشوق خودش را میخواهد و چون مصلحت او را میخواهد، در نتیجه، با او خشونت میورزد.
خشونت نفرت دو نوع است: نخست، خشونتی كه از ابتدا خاستگاه آن نفرت است و دیگر خشونتی كه خاستگاه آن از ابتدا نفرت نبوده است، بلكه ناشی از عشق بوده، اما به دلیل بیخبری از واقعیتهای انسانی تبدیل به خشونت نفرت شده است. خشونت نفرت نوع اول كه كار استالینهای روزگار است، محل بحث من نیست. در اینجا میخواهم به این امر بپردازم كه چگونه یك انسان كه در ابتدا عاشق انسانهاست و دارای خشونت عشق است، آرام آرام، خشونت عشق او تبدیل به خشونت نفرت میشود. نوع دوم خشونت نفرت بیشتر مبتلا به روزگار ماست.
فرض كنید كه من عاشق شما هستم، در نتیجه باید مصالح شما را در نظر بگیرم؛ نه خوشایندتان را. آنگاه زمانی كه من با شما خشونت میورزم، شما در مقابل من مقاومت میكنید. مثلا فرزند من، وقتی كه میخواهم او را به اتاق مطالعهاش بفرستم، اگر توانایی داشته باشد در مقابل من مقاومت میورزد. اگر مقاومتی نمیكند به این دلیل است كه تواناییاش را ندارد، اما باز هم در درون خود مرا نفرین میكند و از من می نالد. یعنی، طرف مقابل نسبت به به من نوعی مقاومت جسمی ، ذهنی و یا روانی خواهد داشت؛ هر چند كه من عاشق او هستم و مصلحت او را می خواهم. حال اگر بخواهم مقاومت طرف مقابل از بین برود دو كار میتوانم انجام دهم. البته هر دو كار بسیار مشكل است و هر دو برای خود من عاشق، درد، رنج، مرارت، تكلف و زحمت فراوان دارد. كار اول این است كه با «نیروی استدلالگر» و یا به تعبیر راسل با «نیروی باوراننده»ی خودم استدلالهایی بیاورم و بتوانم مخاطب خودم یعنی معشوقم را قانع كنم كه حق با من است. بنابراین باید به نیروهای باوراننده توسل پیدا كنم. اگر توسل به نیروهای باوراننده موفق باشد، آن گاه خوشایند و مصلحت معشوق من بر هم انطباق پیدا میكند. زیرا معشوق من توانسته است باور پیدا كند. اما استدلال كردن كار بسیار دشواری است.
أصعب ما يمكن أن يقوم به الإنسان في حياته هو أن يدفع شخصًا غير مؤمن إلى الإيمان بقوة الاستدلال وحده، أو أن يسلب مؤمنًا إيمانه. هذا هو أصعب ما يمكن أن يقوم به الإنسان في علاقاته الاجتماعية. وبالطبع، غالبًا ما تُستخدم قوى أخرى في هذه العملية. لكن إن استطعت أن تقوم بهذا الفعل بقوة الاستدلال وحده، فأنت حقًا قد أنجزت أمرًا عسيرًا. أعني، إن استطعنا بقوة الاستدلال أن نجعل شخصًا لا يعتقد أن «أ هو ب» يعتقد أن «أ هو ب»، أو أن ننزع بقوة الاستدلال هذا الاعتقاد من شخص يعتقد أن «أ هو ب»، نكون حينئذٍ قد أنجزنا أمرًا عسيرًا. إذن، إذا أردنا أن تتطابق مصلحة المعشوق مع ما يهواه، فأول ما ينبغي علينا فعله هو أن نستدل له، غير أن هذا الاستدلال عسير جدًا. وللقيام بهذا الفعل، يحتاج العاشق، بالإضافة إلى فيضان الحب الذي ينبغي أن يكنه للمعشوق، إلى أمرين آخرين: أحدهما معلومات واسعة جدًا، والآخر قدرة عالية جدًا على التفكير. لكن قد لا يتوفر هذان الأمران في العاشق رغم شدة حبه للمعشوق. وفقدان هذين الأمرين يجعلني عاجزًا عن إقناع المعشوق عن طريق الاستدلال، وبالتالي سيبقى معشوقي على موقفه.
الأمر الثاني الذي يمكن القيام به، وهو لا يقل صعوبة عن الأمر الأول، هو أن أغير «العتبة الوجودية» لمعشوقي. أي أن أوصله إلى حالة يفهم فيها ما أقول دون استخدام الاستدلال. هذا الفعل يعني تغيير العتبة الوجودية للطرف المقابل. لا استدلال هنا:
سأل أحدهم: «ما العشق؟» / قالوا: «إذا صرت مثلنا ستعلم»
هذا الكلام يعني أنك إن لم تكن قد عشقت مثلي، فمهما استدللت لك على ماهية العشق، فلن تستطيع أن تفهم، وإن كنت قد عشقت مثلي، فلست بحاجة إلى استدلال. إذن، ما لم تَعشق، لا يؤثر فيك الاستدلال، ومتى ما عشقت، تستغني عن الاستدلال. إذا لم أستطع، أنا العاشق، القيام بأي من هذين الأمرين (الاستدلال وتغيير العتبة الوجودية)، ولكن عنفي كان لا يزال في مرحلة عنف الحب، أي أنني أريد أن أعمل لمصلحتك، لكنني لم أستطع أن أثبت لك هذه المصلحة عبر أي من هذين الطريقين، ومع بقائي عاشقًا لك، فهذا يدفعني إلى جرّك باستمرار، على خلاف ما تهواه، يمينًا ويسارًا، وهذا الفعل على خلاف هواك، لكن إن كانت لديك القدرة فستقاوم فعلي. قد لا يستطيع الأطفال مقاومة آبائهم وأمهاتهم، لكن هذا الكلام لا ينطبق على أمة أخرى. أمة تستطيع أن تقاوم شخصًا واحدًا. الشخص الذي يريد تغيير أمة، بافتراض أن عنف الحب هو ما دفعه إلى هذا الفعل في البداية، يتحول عنف الحب لديه شيئًا فشيئًا إلى عنف الكراهية. من وجهة نظره، هذه الأمة لا تمتلك خاصية الطروقية وقابلية التورق وتقبل التشكل. مثل هذا الشخص لا ينسب العيب إلى نفسه ولا يتصور أن العيب فيه هو. حاله كحال من لا ينتبه إلى حماقته، وهو أنه لا يمكن تعليم القط الرقص. ولهذا السبب أشرت في بداية الحديث إلى أن عنف الحب إذا اقترن بالجهل بالحقائق الإنسانية، فإنه يتحول إلى عنف الكراهية. في هذا المثال، الشخص جاهل بحقيقة أن تركيب جسد القطة لا يسمح لها بالرقص. أي أن الشخص جاهل بحقيقة من حقائق عالم القطط، فيكره قطته نتيجة لذلك، ولا يفكر أبدًا في أن الذنب ذنبه هو، أي أنه لا يعلم أن القطة لا تستطيع الرقص.
كثيرون في التاريخ بدأوا عملهم بحب البشر، ومن أجل حبهم للبشر لم يراعوا ما يرضيهم بل راعوا مصلحتهم. لكنهم حين أرادوا القيام بذلك، أي مراعاة مصلحة البشر، لم يستطيعوا بقوة الاستدلال أن يجعلوا البشر يقتنعون بمصلحتهم، ولا استطاعوا تغيير عتبة وجود البشر، فمارسوا العنف. كان هذا العنف حتى هذه المرحلة عنف حب، ولكن منذ اللحظة التي أبدى فيها البشر مقاومة لهم، خاطبوهم قائلين: ما أخبث هؤلاء البشر الذين نريد تحقيق مصلحتهم وهم يقاوموننا! ثم يستمرون في القول إن هؤلاء يعانون من مشكلة في «النطفة»، أو مشكلة في «اللقمة»، أو خبث في الطينة، أو أن فطرتهم مدسوسة ومُتلاعَب بها، أو... إلخ. هكذا أشخاص، حين يواجهون حقيقة أن البشر ليسوا كما أرادوهم، يتولد في قلوبهم الكره. أي أن الحب الذي دفعهم إلى العنف في اليوم الأول، يتحول بسبب مقاومة البشر لهم إلى كراهية، فيمارسون العنف بدافع الكراهية. أي أنهم يسعون إلى جر البشر بالقوة نحو ما يريدونه هم، وهذا أمر ينبغي لنا جميعاً أن ننتبه إليه. طبعاً، ليس لأن أحدنا قد يصبح يوماً قائداً سياسياً لبلد ما، بل حتى في علاقاتنا مع أبنائنا، وأزواجنا، وزملائنا، وأصدقائنا، وتلاميذنا، وأساتذتنا، وكل من نتعامل معهم في الحياة، يجب أن ننتبه إلى هذه النقطة: إذا كنت بدافع الحب أريد جرّك إلى الطريق الذي أسير فيه، فعليّ أن أتسلح بتينك القوتين؛ أي إما قوة الاستدلال أو تغيير العتبة الوجودية. وإلا فستكون تابعاً لي ما دمت لا تستطيع مقاومتي، ولكن ما إن تجد القدرة على المقاومة حتى تقف في وجهي. هذه المقاومة في داخلي، رويداً رويداً، تُنقِص من حبي لك وتزيد من كراهيتي تجاهك. ونتيجة لذلك، بعد مدة سأصبح كارهاً للبشر.
هذا الأمر حقيقة تكررت مراراً في التاريخ. «المصلحون الخيّرون» يتحولون رويداً رويداً، بسبب جهلهم بالحقائق الإنسانية، إلى «مستبدين خيّرين»، ثم يتحول «المستبد الخيّر» رويداً رويداً إلى «مستبد سيئ النية». لأن كل شخص، عندما يقف البشر الآخرون في وجهه، يضمر الكراهية لهم شيئاً فشيئاً. هذه النقطة، كما ذكرت في موضع آخر، قد بُحثت في علم النفس التجريبي، في فرع علم النفس الاجتماعي، وأظهرها التاريخ أيضاً. أي أنه يمكن إثبات هذه النقطة بمنهجية التاريخ، وبمنهجية العلوم الإنسانية التجريبية؛ أي بعلم النفس الاجتماعي. لذلك لا مناص من أنه إذا أراد إنسان ألا يقاومه البشر وأن يسيروا نحو مصالحهم، فعليه أن يتسلح بهاتين القوتين أو بواحدة منهما على الأقل. بعبارة أخرى، إما أن يكون له تأثير في الآخرين بحيث يغير عتبة وجودهم ـ ولهذا طرق شتى ـ وإما أن يستخدم قوة الاستدلال. ولكن هل ينجح عنف الكراهية هذا أم لا؟ أعود إلى مثال ابني/ابنتي وأحاول أن أنظر إلى كل شيء من نافذة ذلك المثال.
إذا كنتُ حقاً أحب ابني، فلا شك أن عليَّ أن أراعي مصلحته، لا ما يروق له. لكن ثمة أمران في الوقت نفسه. إذا كنتُ صادقاً في حبي لابني، فعندما أريد أن أمارس العنف معه وأجذبه نحو مصلحته، ينبغي أن أكون قد تحققت من افتراضين مسبقين: الأول، أن أكون على يقين من أن ما أعتبره مصلحة لابني هو حقاً في مصلحته. لكن من أين لي بهذا الافتراض المسبق؟ تأملوا مثال تنظيف الأسنان. لماذا أمارس العنف مع ابني؟ لأن ابني، مثلاً، حتى سن العاشرة لا يفهم هذه المصلحة، وبالتالي عليَّ أن أجبره على تنظيف أسنانه. لماذا أُجيز لنفسي هذا العنف وأُسوغه على ابني؟ لأن معرفة موضوعية (objective)، أي معرفة تحققت في أحد فروع الطب، تمنحني يقيناً موضوعياً بأن تنظيف الأسنان، في المحصلة، في صالح هذا الطفل. ينبغي أن يكون لدي مثل هذا اليقين؛ لا اليقين الذاتي (subjective)، أي اليقين الذي أملكه أنا شخصياً. فكل من يعتقد بخرافة ما لديه يقين ذاتي بها.
إذن، اليقين الموضوعي ضروري، أي اليقين الذي أظهرته البحوث الموضوعية، أو بتعبير أدق، البحوث المنهجية، بأن المصلحة تكمن في هذا الشيء. لذا، فإن أول افتراض مسبق يجب أن أتبناه هو أنني إذا كنتُ أعتقد أن مصلحة ابني في تنظيف أسنانه، فلا يمكنني الاكتفاء بمجرد اعتقادي، بل يجب أن تعترف البحوث الموضوعية أيضاً بهذا الحق. وإلا، فقد أرغم ابني لسنوات بالعنف على تنظيف أسنانه، بينما يكون تنظيف الأسنان مضراً بها، وأكون أنا مخطئاً. إذن، الافتراض المسبق الأول هو أنه يمكن ممارسة العنف تجاه المعشوق في أمر تؤيدني فيه معرفة موضوعية. الافتراض المسبق الثاني المهم هو أنني يجب أن أمارس العنف في أمر لا يؤثر فيه أداء الفعل برغبة أو بدون رغبة على نتيجة الفعل. كما في مثال تنظيف الأسنان، سواء كان الابن يثني على أبيه أو يلعنه، أي سواء كان شاكراً له أو يلومه، في أي حالة نفسية كان وأدى فعل تنظيف الأسنان، فسيكون لتنظيف الأسنان أثره الإيجابي. أي أن الأثر الإيجابي لتنظيف الأسنان ليس حكراً على من يؤدون فعل تنظيف الأسنان برضا ورغبة، بل حتى كل من ينظف أسنانه بالإكراه يتلقى الأثر الإيجابي لتنظيف الأسنان. لكن ليست كل الأعمال هكذا.
مثلاً، هل للصلاة بالإكراه الأثر نفسه؟ أي سواء صلى الشخص برغبة أم بدون رغبة، هل سيكون للصلاة الأثر نفسه؟ هنا ندرك أن الظواهر على ما يبدو صنفان: ظواهر سواء أُدّيت طوعاً (عن رغبة) أم كرهاً (عن عزوف) توصلنا إلى النتيجة في كلتا الحالتين، وهناك ظواهر لا توصلنا إلى النتيجة إلا عندما تُؤدى عن رغبة. لذا، يجب أن أنتبه إلى أنني أملك الحق في ممارسة العنف في الأعمال التي يحصل فيها الطرف المقابل على الأثر الإيجابي للعمل، سواء برغبة أم بعزوف، سواء بحب أم بكراهية، سواء أراد أم لم يرد. لكن ليست كل الأعمال هكذا. أولئك الذين يتحول عنف حبهم تدريجياً إلى عنف كراهية لا ينتبهون إلى هذين الافتراضين المسبقين. أي أنهم، أولاً، يُرغمون الناس على أعمال يعتقدون أنها مصلحة لكن لا يوجد دليل موضوعي على أنها مصلحة حقاً. وثانياً، يُرغمون الناس على أعمال، حتى لو ترتب عليها أثر إيجابي، فإنما يترتب فقط إذا كان العمل غير إجباري. أي أن ذلك الأثر الإيجابي يترتب على عمل يُؤدى عن رضا ورغبة، لا على عمل يُؤدى عن عزوف وعدم رغبة. لذا، على الذين يريدون أن يظل عنفهم عنف حب أن ينتبهوا إلى أنهم إذا أرادوا ممارسة العنف تجاه معشوقهم، فعليهم أن يتأكدوا من هذين الافتراضين المسبقين. أي أن يتأكدوا، أولاً، من أن ما يعتبرونه مصلحة لمعشوقهم هو حقاً في مصلحته، وأن يطمئنوا إلى أنهم ليسوا مخطئين. وثانياً، أن يكون العمل الذي يُرغمون الطرف المقابل عليه بالإجبار والإكراه عملاً يصل إلى نتيجته حتى مع الإجبار والإكراه.
نعود إلى مثال الابن الذي يُحرم من مشاهدة التلفاز ليلة الامتحان. إذا دققنا النظر، نجد أن هذا المثال يبتعد قليلاً عن حدود مثال تنظيف الأسنان. لأن تنظيف الأسنان، حتى حين لا يكون عن رغبة، كان يؤدي إلى النتيجة المطلوبة، أما حين نحرم الابن من مشاهدة التلفاز ونرسله إلى غرفة الدراسة، فلن نحصل على النتيجة المرجوة بعد ذلك. لأن الابن إن أخذ يصارع نفسه في داخله، فلن يكون لديه تركيز بعد ذلك ولن يستطيع فهم الدرس جيداً. يقربنا هذا المثال من ظواهر النوع الثاني، التي وإن تم الفعل فيها عن إكراه، إلا أن النتيجة المرجوة لن تترتب عليه بعد ذلك. افترضوا أنني أجبرتكم بالضرب والقوة على أداء الصلاة أو الصيام. وافترضوا أيضاً أن مقدمتي الأولى صادقة، أي أنه قد ثبت فعلاً بدليل موضوعي أن الصلاة والصيام في مصلحتكم. لكن هذين الفعلين من قبيل الظواهر التي إن لم تؤدَّ عن رضا ورغبة، فلن يتحقق الأثر الإيجابي المتوقع. إذن، لا ينبغي إجبار الآخرين على مثل هذه الأفعال. لأننا إن مارسنا العنف، نكون قد أرغمنا الشخص على فعل لا يرضاه، وفي الوقت نفسه لم يجنِ من ذلك الفعل أية نتيجة. في الواقع، لم يتحقق لا ما يهواه ولا ما فيه مصلحته. أولئك الذين يتحول عنف حبهم إلى عنف كراهية لا يضعون هاتين المقدمتين في الاعتبار. إذا أردت أن أجمع بين هذين الأمرين، فسيكون على هذا النحو: من جهة قيل إنه يجب أن نبين كون الشيء في المصلحة بدليل موضوعي، ومن جهة أخرى قيل إن المراد بالدليل الموضوعي هو الدليل «المنهجي». بالنظر إلى هاتين النقطتين، يجب القول إنه في عنف الكراهية، حلت الأدلة «الإيديولوجية» محل الأدلة «المنهجية». بعبارة أخرى، لا يوجد في عنف الكراهية دليل يمكن إثباته بمنهج البحث (method). أي أنني قبلتُ هذه النظرة إلى العالم، وعليك أنت أيضاً أن تقبلها.
في هذا الجزء من حديثي، أنوه إلى أن عنف الكراهية في كلتا الحالتين ـ سواء العنف الذي كان عنف كراهية منذ البداية، أم العنف الذي كان في البداية عنف حب ثم تحول إلى عنف كراهية ـ لا يتوافق مع «الحرية» ولا مع «العدالة». بعبارة أخرى، إن عنف الكراهية، سواء أكان من النوع الأول أم من النوع الثاني، ستكون له آثار ونتائج مدمرة. لكن في الوقت نفسه، لعنف النوع الثاني آثار ونتائج أشد فتكاً. لأنه في عنف الكراهية من النوع الأول، قد نستطيع ردع الطرف المقابل عن العنف بطريقة ما، وذلك حين تكون لدينا القدرة على التغلب عليه. مثلاً، هتلر حين يكون في السجن، لا يزال يحتفظ بخصائصه الهتلرية، لكنه ما دام لا يملك القوة، فلن يستطيع ممارسة العنف بعد ذلك. صدام الذي هو الآن في السجن، هو صدام نفسه، لكنه لم يعد يستطيع ممارسة العنف. إذن، توجد طريقة لردع الطرف المقابل عن العنف.
عدم توافق عنف الكراهية مع الحرية والعدالة
في هذا الجزء من حديثي، أنوه إلى أن عنف الكراهية في كلتا الحالتين ـ سواء العنف الذي كان عنف كراهية منذ البداية، أم العنف الذي كان في البداية عنف حب ثم تحول إلى عنف كراهية ـ لا يتوافق مع «الحرية» ولا مع «العدالة». بعبارة أخرى، إن عنف الكراهية، سواء أكان من النوع الأول أم من النوع الثاني، ستكون له آثار ونتائج مدمرة. لكن في الوقت نفسه، لعنف النوع الثاني آثار ونتائج أشد فتكاً. لأنه في عنف الكراهية من النوع الأول، قد نستطيع ردع الطرف المقابل عن العنف بطريقة ما، وذلك حين تكون لدينا القدرة على التغلب عليه. مثلاً، هتلر حين يكون في السجن، لا يزال يحتفظ بخصائصه الهتلرية، لكنه ما دام لا يملك القوة، فلن يستطيع ممارسة العنف بعد ذلك. صدام الذي هو الآن في السجن، هو صدام نفسه، لكنه لم يعد يستطيع ممارسة العنف. إذن، توجد طريقة لردع الطرف المقابل عن العنف.
أما في عنف الكراهية من القسم الثاني، فإن الشخص الذي يمارس العنف، بما أن كراهيته متولدة من الحب، قد يكون مؤمناً بطريقه، وبالتالي سيصر على مواقفه حتى اللحظة الأخيرة. وبتعبير آخر، فأنت في القسم الثاني تتعامل مع أمر باطني، وفصل هذا الأمر الباطني عن الشخص العنيف أصعب بكثير من الحالة التي نروم فيها انتزاع الإمكانات الخارجية من الشخص العنيف. إن منافاة عنف الكراهية للحرية واضحة جداً. لأن كل إنسان، بحسب بنيته النفسية، يرغب في ألا تُقيَّد حريته بلا موجب. فتقييد الحرية وتهديدها، كلاهما لا ينسجم مع بنيتنا النفسية نحن البشر. وبتعبير أمثال جون ستيوارت ميل، ينبغي القول إننا نمنح الحرية «رضى من الدرجة الأولى»، وإن رضينا في موضع ما بتقييد الحرية، فهو «رضى من الدرجة الثانية». إذن، بنيتنا النفسية هي بنية نفسية تواقة للحرية. وبهذا الفرض، حين يمارس شخص ما العنف ضدي ويجرني يميناً وشمالاً بذريعة المصلحة، فهو في الواقع يقيد حريتي. ومنافاة عنف الكراهية للعدالة واضحة أيضاً. لأنني إن طلبت من ابني أن ينظف أسنانه بالفرشاة، وطلب مني دليلاً موضوعياً ولم يكن لدي دليل، فقد يقول لي ابني حينها إنني أنا أيضاً لا أملك دليلاً موضوعياً على تنظيف الأسنان بالفرشاة، إذن لا تنظفها أنت ولا أمي. أي لا يملك الأب والأم دليلاً موضوعياً على دعواهما، ولا الابن، فبأي دليل إذن يتبع الابن أباه وأمه؟ ولماذا لا يتبع الأب والأم ابنهما؟ أليس كل ترجيح بلا مرجح منافياً للعدالة؟ بعبارة أخرى، إن كان كلامي وكلامك كلاهما بلا دليل، فلماذا أتبعك أنا ولا تتبعني أنت؟
وبتعبير أدق، حينما يكون x و y في وضع معرفي متماثل، أي أن قوة أدلتهما متساوية، أو ضعف أدلتهما متساوٍ، أو انعدام الدليل لديهما متساوٍ؛ ففي هذه الحالات الثلاث، «يجب أن يتبع x لـ y» (حين لا يكون لـ y رجحان معرفي على x) أو «يتبع y لـ x» (حين لا يكون لـ x رجحان معرفي على y)، إن تبعية أي منهما للآخر هي ترجيح بلا مرجح، وفي جميع النظريات المختلفة حول العدالة، تكمن هذه النقطة وهي أن الترجيح بلا مرجح ليس عادلاً. لذلك، إن قال لي شخص: تبعني لأجل مصالح أفهمها أنا، لكن لا أملك دليلاً موضوعياً عليها، فسأقول له أيضاً: افعل أنت عكس هذا بدلاً مني. لأنه إن كان لا يمكن قبول كلام بلا دليل، فلماذا أقبل كلامك أنا؟ وإن كان يمكن قبول كلام أحد بلا دليل، فلماذا لا تقبل أنت كلامي؟ هذه في الواقع «حجة ذو حدين» (dilemma)؛ أي لا يمكن تبرير أي من طرفيها. لذلك، برأيي، لا أصحاب النزعات الاشتراكية ولا أصحاب النزعات الليبرالية يمكنهم ممارسة عنف الكراهية. وبتعبير آخر، إن عنف الكراهية لا ينسجم مع الأسس النظرية لكلا المذهبين. لكن المثير للاهتمام أننا نرى أناساً، إما لأن عنفهم كان منذ البداية عنف كراهية، وإما لأن عنفهم كان في البداية عنف حب ثم تحول إلى عنف كراهية، يتسترون على هذه الحقيقة السيكولوجية. بمعنى أنهم حين يُطلب منهم أن يتكلموا بوضوح ويدللوا على كلامهم بالدليل، يبدون مقاومة. إن رأينا أن المستبدين، على مر التاريخ، لم يتكلموا كلاماً واضحاً قط، فلم يكن ذلك صدفة أو اعتباطاً. الكلام الواضح يعرض قائله فوراً للنقد. ومن هنا، على المرء، لكي لا يقع في معرض نقد الآخرين، أن يتكلم كلاماً غير واضح. وخلاصة القول، إنه لما كان عنف الكراهية ينافي العدالة والحرية معاً، ولما كان عنف الحب يتحول في حالات كثيرة إلى عنف كراهية، فلنكن على حذر من أن نقدس العنف، أو نمارس العنف دفاعاً عن المقدسات. ظاهرة ذات وجهين أصبحت للأسف العملة الرائجة في زماننا هذا: «الدفاع عن المقدس بالتوسل بالعنف» و«الدفاع عن العنف بالتوسل بالمقدس».
.
.
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
با تشکر از زحمات دوستان و به خصوص دوست بزرگوارمان جناب آقای رضا ایرانمنش گرامی, بخاطر نورافشانی شان در فضای فکری ما, همان طور که در نوشته ی بالا می بینیم، در اول نوشته، تاریخ این گفتار آمده است. این کار درستی است, مخصوصا که در همان صفحه ی اول هم انجام بگیرد. از همه ی دوستانی که منتشرکننده ی گفتار نامدارانی هستند که مرتبا در مورد موضوعات مختلف, نظرات شان مورد توجه و اعتنای عمومی است با تاکید می خواهم که در همان عنوان بیرونی, یعنی در همان صفحه ی اول سایت یا در کانال های تلگرامی ناشر این گونه مباحث، از همان اول کار، تاریخ ابراز گفتار یا نشر بار اول نوشتار را درست در کنار عنوان بگذارند تا تکلیف خواننده با سیر فکری گوینده روشن شود. همین الان من فایلی از آقای ملکیان شنیدم با صدای خود خود خودشان: عشق به خدا چیست؟ طبعا این فایل با خیلی از فایل های دیگری که از ایشان, می بینیم , بخصوص فایل های مناسبتی ی خاص، ممکن است زاویه داشته باشد. وجود این زاویه،هبچ ایرادی به هیچ کس وارد نمی کند. حالا اگر من این فایل را با یک فایل دیگر همزمان بخوانم, ممکن است دچار سرگیجه بشوم که این اولی چه کسی است که حرف می زند و آن دومی چه کسی. گذاشتن تاریخ بیان و تاریخ نوشتن هر مقاله, چه در سایت ها و چه در تلگرام, ما را از سرگیجه در می آورد که گوینده, در فلان تاریخ نظرش آن بوده و حالا نظرش در مورد همان موضوع, این شده و کمی یا به کلی تغییر کرده است. ممنون می شوم که این نکته, از سوی همه ی خوانندگان و تولیدکنندگان رعایت شود. با سپاس, کمترین