اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يدافع مرتضى مرديها، في معرض ردّه على سؤال فروغي، عن قومية معتدلة؛ فالوطنية ليست فاشية ولا عائقاً أمام العولمة. ويرى أن القومية تمحو الفروق الهامشية، وأن على المثقفين التشديد على المشتركات.

تناول محمد علي فروغي، السياسي الأديب والدبلوماسي الباحث البارز، في خطاب نُشر في تذكار مدي ببومباي (١٣٠٩ شمسي) سؤال: «لماذا ينبغي أن نحب إيران؟» وكتب: «في نظري إن علاقة القومية لا تتنافى مع المشاعر الدولية والوطنية ومع حب البشرية، بل تجتمع معها بسهولة.» وبناءً على هذا الأساس استنتج: «نحن الإيرانيين من حقنا أن نكون وطنيين ومحبين لأمتنا، كما أن كل أجنبي اطلع على أحوال هذا القوم حق الاطلاع أقر بأن وجوده في عالم الإنسانية كان ولا يزال مفيداً، وأظهر المودة واللطف تجاه أمتنا وبلادنا، ونحن نعرف قدر تلك المودات ونقدرها.» لقد مضى أكثر من ٨٥ عاماً على كتابة هذه السطور، والآن صار نقاش القومية من أكثر المباحث سخونة في يوميات التنوير الفكري الإيراني، فبينما يدافع عنها البعض مثل جواد طباطبائي وتلامذته دفاعاً كاملاً، ويتحدثون، بالرواية التي يقدمونها، عن وجود معنى من معاني الوطنية طوال تاريخ إيران من العهد القديم حتى العصر الحديث، نجد مصطفى ملكيان وأصحاب فكره يوجهون النقد لهذا المفهوم، بل ويقيمون الدفاع عنه في بعض الحالات بأنه غير أخلاقي. ولعل التأكيد على هذا النقاش يعود إلى الظروف التي تعيشها إيران والمنطقة هذه الأيام، والتي طرحت في ذهن المجتمع سؤالاً عن وظائف القومية ونتائجها. مرتضى مرديها، الباحث في الفلسفة والأخلاق، وفي خطاب قُدم في سلسلة جلسات «گفتار انديشه» في حزب اتحاد ملت إيران الإسلامية بمنطقة فارس، جعل سؤال فروغي محط أنظاره مرة أخرى، وسعى للرد على بعض الانتقادات الموجهة للقومية، والدفاع عما يسميه هو قومية معتدلة.
التأكيد على نقاط الاشتراك بدلاً من نقاط الافتراق
مرتضى مرديها باحث وأستاذ الفلسفة
استهل مرتضى مرديها حديثه، في معرض بيان ملاحظتين أوليتين، بالتذمر من صنف المثقفين قائلاً: إن ما يقلقني بشأن المثقفين هو أنهم يبدون متلهفين لتأكيد وجوه الخلاف والافتراق بينهم وبين زملائهم. إن تنوع وتعدد الساحة الفكرية أمر لا يمكن اجتنابه بالطبع، ولكن يمكن على أية حال اعتبار الأفراد في مواضع كثيرة متوافقين ومتآلفين، غير أن مثقفينا، حتى أولئك الذين يتمتعون بأكبر قدر من التشابه فيما بينهم، بدلاً من التأكيد على أوجه الشبه عند المواجهة، يركزون على نقاط التمايز ويسلكون نوعاً من التفرد والاستئثار بالتميز. في حين أن الأفضل برأيي أن نؤكد على نقاط الاشتراك لنحظى بجماعة أكثر عدداً ونستطيع الادعاء بأن ثمة أناساً عديدين متوافقون مع هذا الفكر. وتتفاقم المشكلة حين لا تقتصر الأمور على هذه التخصيصات فحسب، بل يُعامل من لا يوافقون معاملة غير لائقة. وكأن بعض الناس يرون لزاماً عليهم لتثبيت أنفسهم أن ينقضوا على غير متفقيهم معهم وناقديهم بأساليب غير ودية. لذلك آمل أن يسعى أولئك الذين يندرجون إلى حد كبير في أطر فكرية مشتركة إلى إبراز مشتركاتهم، بدلاً من التأكيد على مواضع الخلاف وتقديم رواية راديكالية ومضخمة عنها ونقدها بحدة وعنف. إننا نريد في نهاية المطاف أن نحول العالم إلى مكان تكون الحياة فيه أيسر، وبهذه التصرفات نحول العالم إلى مكان أسوأ.\nفي الدفاع عن الوطنية المنفتحة\nأما الملاحظة الثانية التي أكد عليها مرديها، فهي الإشارة إلى أعماله السابقة حول القومية (مثل مقالة مفارقة القومية): يقول: نقاشي اليوم ليس نقضاً لذلك المقال، لقد عرضت هناك مفارقات من الناحية النظرية في فكر ما. لم تكن طريقة كلامي ومحتواه قط في تعارض مع حب الوطن. لقد أكدت دائماً، في مواجهة المباحث ذات النزعة الإثنية، أن هذه الانتماءات ينبغي أن تكون منفتحة على الانتماءات الوطنية وألا ترى فيها منافساً لها، كما أعتقد أن المقاربات الوطنية ينبغي هي الأخرى أن تكون منفتحة على العولمة. لذا، لم أكن أعتقد أن على الإثنيات أن تنصهر كلياً في الهوية الوطنية وألا تبقي أي أثر لتعلقاتها الإثنية، ولم أكن ولا زلت أعتقد أننا حين نبلغ الوطنية نكون قد بلغنا نهاية المطاف. برأيي ينبغي أن يظل هذا الطريق مفتوحاً. ووجه مرديها نقده إلى النزعة الإثنية الراديكالية والقومية الراديكالية قائلاً: لست متوافقاً ولا متعاطفاً مع أي من هذين، وأقول الآن أيضاً إن نقد شخص ما لحب الوطن المتطرف أو القومية الراديكالية لا يعني أنه قد تراجع عن حب الوطن. فمن يعبرون عن الحد الأدنى من تعلقهم بوطنهم ليسوا فاشيين أو قوميين متطرفين. أي أنه يمكن تعريف حدود من القومية وحب الوطن تلبي احتياجاتنا العاطفية والوظيفية في هذا المجال، دون أن تؤدي إلى القومية المتطرفة والفاشية. كما قال أستاذ الفلسفة هذا: إن البحث الذي أطرحه، وإن كان يمكن اعتباره مستقلاً، إلا أنه يلمح أيضاً إلى بعض كلمات صديقي السيد ملكيان، أي أنني بينما أقبل الكثير من كليات ما قاله في هذا المجال، أطرح بعض الهوامش في ذيل بعض كلماته مما أعتقد أنه بحاجة إلى مزيد من التأمل.\nالقومية ليست دوماً تمييزية\nتطرق مرديها بعد ذلك إلى أحد الانتقادات التي تقال في نقد القومية قائلاً: يقول هذا النقد: هناك كل هذه التقسيمات ورسم الخطوط والتمييزات في عالمنا، تمييزات دينية وعرقية وإثنية وطبقية... فلماذا نضيف إليها تمييزاً آخر؟ إننا بهذه التقسيمات نفرق الخلائق شيعاً وهذا ليس جيداً، لأنهم بهذه الطريقة يقفون في مواجهة بعضهم بعضاً. لست موافقاً على هذا النقد. أولاً، ينبغي الانتباه إلى أن القومية لا تخلق خطوط تمييز فحسب، بل إنها تمحو الكثير من خطوط التمييز أيضاً. بعبارة أخرى، بالقومية، فإن الجماعات الصغيرة التي كانت قد اصطفت يوماً في مواجهة بعضها، كانت قد عرّفت وجودها في منافسة بعضها بعضاً. بعبارة أخرى، إن حب الوطن والقومية تمحو وتخفت في المقام الأول أعداداً غفيرة من خطوط التمييز التي كانت في كل مكان والتي كانت تضع حتى سكان منطقة صغيرة وجهاً لوجه، وتطلب منهم أن يتفاعلوا مع بعضهم في فضاء أرحب، وقد كانت ناجحة في هذا المجال.\n
وقال: عندما قامت الثورة الفرنسية الكبرى، كانت بيانات الحكومة الجديدة تُترجم وتُبلّغ بخمس لغات وثلاث وعشرين لهجة، ولكن بعد فترة قرروا نشر البيانات بلغة واحدة بلهجة باريسية، وهكذا صُنعت الأمة الفرنسية أو، إن كانت موجودة، فقد تم ترميمها وتقويتها. إذن، تأسيس الأمة لا يعني رسم خطوط وتمييزات جديدة بين الناس، وإن وُجد مثل هذا التمييز، فوظيفته حل وهضم الهويات الصغيرة التي لا تزال تُرى في أماكن كثيرة. يمكن للاختلافات أن تكون جذابة وأكد مردميها لاحقاً: مجرد رسم الخط لا يخلق مشكلة، المهم هو كيف يتم تقديم ما وراء الخط بعد رسمه. بعبارة أخرى، إذا اعتبرنا بعد رسم الخط كل من هو على الجانب الآخر خصماً وخطراً، تبدأ المشكلة. يعتقد البعض أن القومية يمكن أن تكون أساساً لهذه النظرة. لكن لا يجب أن تكون كذلك دائماً. ينبغي لنا أن نتأمل أكثر في هذا الادعاء بأن علينا محو التمايزات قدر الإمكان ليزداد البشر توافقاً وتماثلاً. في النهاية، كل الناس مختلفون عن بعضهم البعض، وبالمناسبة، يمكن لهذه الاختلافات أن تكون جذابة وذات وظيفة، وأن تخلق نوعاً من التعاطف بعد الاختلاف. ما يثير القلق هو أن تضع التمايزات الأفراد وجهاً لوجه. مجرد التأكيد على تمييز لا يعني أن على الطرفين أن يكونا في مواجهة بعضهما البعض. بالطبع، عادة ما تكون الجماعات التي تتخذ من التمايز أساساً لمواجهات راديكالية أكثر ضجيجاً. لكن هذا الانعكاس الأكبر لصوت الراديكاليين لا يعني أن ننكر أي نوع من التمايز بشكل عام. وقال: لذلك، لا يمكن رفض القومية برمتها لمجرد وجود نزعات متطرفة تجاهها تعتبر الآخرين أعداءً. إن دفاع البعض عن القومية لا يعني بالضرورة أن هؤلاء الأفراد يريدون وضع أجزاء مختلفة من العالم في مواجهة بعضها البعض. القومية المعتدلة رؤوفة تجاه الإثنيات ثم اعتبر مردميها أن من لوازم القومية المعتدلة الانفتاح والانشراح على ما وراء حدود القومية، وقال: هناك أفكار تقدم قومية تتمتع بهذه الخصائص: أولاً، تنكر بشكل كامل أي مجموعات فرعية توجد لهذه الأمة وتعتقد أن عليها جميعاً أن تنحل في هذه الدائرة الأكبر، ثانياً، هذه الدائرة الأكبر تُعرّف مرة واحدة وإلى الأبد وتُعرّف في منافسة مع منافسيها، وعادة ما تُعرِّف هذه المنافسة بنوع من التحقير والتصغير والتعالي الذاتي الجاد. هذه هي خصائص القومية الراديكالية التي لا أتفق معها. على العكس، أعتقد أن القومية المعتدلة يجب أن تكون رؤوفة وعطوفة تجاه الإثنيات، وأن تتعامل معها بلطف وتساهل. أي ألا تستقبح إن أرادت هذه الإثنيات الحفاظ على درجات من هويتها، ما دامت هذه الهويات الإثنية لا تقف في مواجهة الهوية الوطنية ولا تكون في مستواها بل تحتها. ومن ناحية أخرى، ألا تؤكد هذه القومية المتوازنة بعد تعريف القومية على المنافسة القائمة على التحقير والعداء. وقال مردميها: يمكن لكل واحد منا أن يتوسل بعوامل متعددة ويجد معها شعوراً بالانتماء الجمعي وهوية جمعية. كما يمكننا أن نعرّف لأنفسنا هويات نشعر معها بالفردانية. أي أن الإنسان يحب من جهة أن يعرّف نفسه بأوصاف خاصة مع آخرين في جماعة ما، ويلبي بهذا الشعور بالانتماء والتعلق أحد احتياجاته الروحية، ومن جهة أخرى يحب أن يؤكد على بعض خصائصه الفردية ويعرّفها كأسس لهويته الفردية. لا تناقض بين هذين الأمرين. يمكن للإنسان أن يخلق هرماً هوياتياً لحاجته إلى الشعور بالانتماء والتضامن، أي أن يرتبط بدرجات مختلفة في أماكن وأشكال مختلفة. هذا ما يحدث لكل واحد منا. لذلك، يظهر الكثير منا في مقاطع مختلفة بهوياتنا المختلفة؛ بعبارة أخرى، إذا أراد الفرد أن يرتبط بمن يعتبرون الهوية الوطنية جزءاً من معايير الهوية، فليس عليه أن يكون مثلهم تماماً، بل يكفي أن يكون معيار القومية هذا من بين معاييره للشعور بالتضامن والهوية. قد تختلف درجة هذا الشعور بين الأفراد. القومية كطريق لتعريف الهوية وقال: يبدو أننا ربما لا نستطيع أن نعترض على شخص يضع الهوية الوطنية على رأس المعايير التي يندرج تحتها باقي الهرم. بالطبع، قد يُوجه نقد بأن وضع الهوية على الرأس هذا قد يدفع الفرد نحو القومية المتطرفة.اما إذا تجاوزنا الحالات الاستثنائية، كأن يرغب المرء مثلاً في الانتماء إلى جماعة المجرمين، فإن تقييم سمة كالجنسية ووضعها على رأس معايير الهوية ليس أمراً مستهجناً. أمام هذا الشخص لا يمكن للمرء سوى أن يعبّر عن تفضيلاته الخاصة، لكن لا يمكن استهجانه. صحيح أنني أقرّ بأن أولئك الذين يضعون الجنسية على رأس معايير هويتهم قد يكونون أكثر عرضة للتطرف من غيرهم، لكن ما لم يؤدِّ ذلك إلى خطر التطرف، فإن هندسة هذه الشبكة الهوياتية هي بيد الإنسان نفسه. لذا نحن بحاجة إلى هذا الشعور بالتضامن، لأننا نعمل بشكل أفضل في إطار الانتماءات الجمعية، ولأنه يبدو شعوراً يُخرجنا من العزلة ويمنحنا الأمل. أشار مرديها إلى أنه لم يكن يستخدم عادة تعبير الهوية، وقال: يعود ذلك إلى أن الهوية كانت في كثير من الأحيان أساساً للقتال، أي أن الناس كانوا يريدون هوية من أجل الحرب. لكنني أفضل استخدام تعبير حس الانتماء أو الارتباط. نشعر بالرضا من حس الارتباط، على غرار ما يُطلق عليه في الإنجليزية community. يمنح حس الانتماء هذا شعوراً طيباً للناس. لذلك، إذا ما رسمنا خطوطاً، فإن لذلك منافع كثيرة ولا ينبغي أن ننظر إليه من منظور سلبي فحسب. مصداق الأمة ومفهومها ليسا غامضين إلى هذا الحد ثم تطرق مرديها إلى نقد آخر وُجّه إلى القومية وقال: يقول هؤلاء المنتقدون إن مفهوم nation أو الأمة غير قابل للتدقيق. وأنا أقرّ بهذه النقطة، فالبلاد التي أتحدث عنها باسم إيران شهدت تحولات سياسية وجغرافية مختلفة عبر التاريخ. لكن لديّ ردّان على هذا النقد أو الاعتراض؛ أولهما: أليست الكثير من التعابير الأخرى كالعقل والعشق وما شابهها كذلك؟ من منا يستطيع تعريف مفهوم العقل بدقة؟ المفاهيم تنقبض وتنبسط وتُستعمل بمعانٍ مختلفة في ظروف متباينة. إن إحدى أهم مهماتنا (إن لم تكن أهمها) في أي نقاش علمي وفكري هي أن نحرص على تعريف المفاهيم ضمن حدود، ليفهم المتلقي بأي معنى تُستخدم هذه الكلمة في النقاش المعني، وإلا حصل حوار الطرشان. من هذا المنطلق، فإن السيولة والغموض المفهومي ليسا حكراً على مفهوم nation أو الأمة. أما الرد الثاني فيعود إلى الوجه المصداقي. فمن الناحية المصداقية، ليس من الصعب الإشارة إلى مصداق أمة ما. صحيح أننا نريد الاتكاء على رصيد تاريخي طويل، لكن لا يمكننا القول إن هذا الرصيد التاريخي لم تكن فيه أي نقطة مشتركة. ناهيك عن أنه حتى لو لم تكن هناك نقطة مشتركة، فإن هذا التحول بحد ذاته قد منحها هوية واحدة. والأهم من ذلك أنه يمكن القول إن ما هو معترف به حالياً في عالم اليوم من قبلنا ومن قبل الآخرين للإشارة إلى مصداق أمة ما، كافٍ. حب الوطن ليس أمراً غريزياً في معرض تناوله لإشكال آخر وُجّه إلى القومية، قال مرديها: قال البعض أيضاً إن حب الوطن أمر غريزي، كحب الأم والأب والولد، والأمر الغريزي لا يُوصف بخصائص أخلاقية؛ بعبارة أخرى، يرى هذا النقد أن القومية نوع من الأنانية، وبهذا تقف في النقطة المقابلة للأخلاق، لأننا نعرّف الأخلاق بوجود الميل وفي إطار الإيثار. هذا النقد ليس خاطئاً بالكامل، لكن يمكن النقاش حوله. لدينا غرائز تُعتبر عموماً وبشكل طبيعي غرائزنا، وبهذا الاعتبار لا معنى لتأكيدها أو تكذيبها أو استحسانها أو استهجانها. لكن أحياناً يصبح تقوية هذه الغرائز أو إضعافها أمراً أخلاقياً وموضوعاً للاستحسان أو الاستهجان. والأمر كذلك في حب الوطن. كلنا لدينا إجمالاً حس حب الوطن بشكل غريزي، لكن يمكننا تقويته أو ترقيقه. هذا التكثيف أو الترققيق يمكن أن يكون أمراً أخلاقياً. من هذا المنظور، من المستحسن أخلاقياً أن نشجع على تقوية حس الوطنية، شريطة ألا يؤدي إلى وجهه المتطرف. وقال: كما تجدر الإشارة في سياق هذه النقطة إلى أن حب الوطن الغريزي فينا يتجه غالباً نحو البيت أو الحي أو، في أقصى الأحوال، القرية أو المدينة التي نعيش فيها، ومن المستبعد أن نهتم غريزياً بحدود تمتد ملايين الكيلومترات. لأن متعلق الغريزة عادة ما يكون أمراً محسوساً. لذا، فإن حب الوطن الغريزي على الأرجح لا يشمل الأمة بمعنى nation، بل على العكس، قد ينفر منه الفرد غريزياً.في النتيجة، تعود الوطنية الغريزية في الغالب إلى المجالات الصغيرة من حياة الناس، لكن الوطنية بمفهوم القومية تعود إلى مجالات أكثر شمولاً وهي ليست غريزية بالصدفة، بل ويمكنها في الحالات الحدية والهامشية أن تكون مضادة للغريزة. كما أنني أشعر أن على جميع القوميات، أبعد من وطنيتهم، أن يمتلكوا حس القرابة مع بني البشر ومع الإنسان، وهذا الحس لحسن الحظ ليس قليلاً في مجتمعنا. في المجتمع، لم يجرّنا امتلاكنا لحس قومي إلى حد نشعر فيه بالخطر ونعتقد أن قوميتنا قد احتجزتنا في داخلها وأقمنا علاقة عدائية تجاه الأمم الأخرى. أي أن شعبنا استطاع أن يحافظ على الهوية الوطنية والهوية القومية والهوية العالمية معاً. بالطبع، خلق صلة بين هذه الأمور يحتاج إلى إدارة وهندسة. فضلاً عن أن كيفية هذه الإدارة تختلف من فرد إلى آخر. القومية المعتدلة «تريد» أن تكون الأمة الأفضل قرأ مردمایها إشكالاً آخر طُرح على القومية وهو أن البعض يقولون إن القومية تطلب منا أن تدّعي أمةٌ أنها الأمة الأسمى في العالم. يقول هؤلاء النقاد إن هذا الادعاء مخالف للواقع ومن جهة أخرى هو كبر وغرور، وهو في كلتا الحالتين مذموم. وقال في معرض رده على هذا الانتقاد: من الممكن أن لا يقول المدافعون عن القومية إن أمتنا هي الأمة الأسمى في العالم، بل إننا نريد أن نصبح الأمة الأسمى في العالم. لا إشكال في هذا الادعاء. بالطبع قد يُقال إن هذا الادعاء ليس واقعياً لأن الإمكانات اللازمة له غير متوفرة. لكن ليس من المفترض أن يصل أولئك الذين يدّعون أنهم يريدون أن يصبحوا الدولة الأفضل في العالم إلى تلك النقطة حتماً، بل هي نقطة إشارة تتحرك نحوها هذه الأمة. لذا يمكن استبدال الادعاء غير المعقول بكوننا الأمة الأسمى في العالم بهذا الادعاء المعقول وغير الخطر وهو أننا نريد أن نصبح الأمة الأسمى في العالم. في السباق بين الأمم، تسعى جميع الدول لأن يكون لها مكانة أفضل وهذه المنافسة ليست أمراً سيئاً. وظائف الوطنية أجاب مردمایها في مقام جمع خلاصة بحثه على سؤال لماذا ينبغي أن نحب إيران؟ وقال: ينبغي أن نحب إيران، لأننا نحتاج إلى حس الانتماء فردياً وجمعياً، ونفرح بالانتماء ونستمتع به. الانتماء أعم من التعلق والتضامن والهوية. نحن نشكو من الوحدة ويمكننا التغلب على حس وحدتنا بطرق مختلفة، الوحدة ليست فيزيائية فقط وقد يشعر الفرد بالوحدة في المجتمع. طريق معالجة حس الوحدة هذا هو تقوية حس الانتماء مع جماعات مختلفة. واحدة من أفضل هذه الجماعات هي الجماعة الوطنية التي حظيت باعتراف رسمي في العالم كله أكثر من أي طريقة أخرى وهي قابلة للفهم والإدراك. وقال: السبب الثاني لضرورة حب إيران هو فوائدها الوظيفية. الأشخاص الذين يمتلكون حس الانتماء إلى جماعة، بما أنهم يعتبرون كفاءة تلك الجماعة شيئاً يحسبونه لصالحهم، فإنهم يبذلون جهداً أكبر. حس التضامن والعمل الجماعي يزيد من كفاءة المجموعة أكثر من الجمع الجبري لعمل الأفراد كل على حدة. وبنفس الشكل إذا استطعنا تقوية هذا الشعور الموجود لدى عموم الأفراد وجلبه إلى الوعي، فستحصل كفاءة أكبر. السبب الثالث لضرورة هذا الحب هو أنه رغم النواقص، فإن تاريخ بلدنا أمر يمكننا أن نفخر به. لا نقول إنه كان الأفضل وليس قابلاً للقول أصلاً، ولا نقول إنه لم تكن فيه نقاط ضعف عجيبة وغريبة. لكن إذا أخذنا اللغة والأدب الفارسيين فقط بعين الاعتبار، فلدينا إرث يمكننا أن نفخر به على مستوى العالم. أنا لا أقول إن ثقافتنا الأدبية أسمى من الثقافة الأدبية الإنجليزية، لكنها على كل حال إرث محترم وقد توصلنا نحن وكثيرون خارج هذه الحدود إلى هذا الحكم بأنه يمكن الافتخار بهذا الإرث. أي يمكننا القول إننا قدمنا لمائدة الثقافة العالمية على المدى التاريخي الطويل إضافة جديرة بالاعتبار. الآن أيضاً يمكننا تقوية نفس الأسس، حتى إذا ما تهيأت الظروف، نعوض التأخير. الحل ليس في الإنكار. وقال في الختام: من الجيد بالطبع أن نغمر أنفسنا في الجسد العالمي من حيث المحبة والمواساة والفهم، لكننا إلى جانب حب الآخرين، نحافظ على أنفسنا أيضاً. لدينا بلد يؤكد على اختلافاته وهويّاته وإضافاته وينهض في مقام المنافسة مع البلدان الأخرى، لكنه لا ينهض في مقام العداء أو التحقير الناشئ عن التعالي والتكبر مع البلدان الأخرى. لذلك أعتقد أن طريقاً جيداً وواضحاً أمامنا. بالطبع قد لا تكون ظروفنا جيدة في الوقت الحالي، لكن أحد الأعمال التي يمكننا القيام بها في هذا المجال هو العمل الثقافي. بالطبع، العمل الثقافي ليس بديلاً عن العمل الاجتماعي والسياسي، بل النقاش هو أننا إلى جانب الجهود التي نبذلها في المجالين السياسي والاجتماعي، نعمل على تحسين ذهنيتنا وذهنية الآخرين أيضاً. وإحدى الطرق هي أن نرى من أيّ جهات يمكن لظاهرة تُدعى القومية وحب الوطن أن تكون ذات فوائد لمستقبلنا، وأن نقنع الآخرين أيضاً من هذه الناحية..
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.