اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن الموت هو أكثر الظواهر تسويةً، إذ يمحو الفوارق ويُفقدها لونها. فاستحضاره يولّد إحساساً بالمصير المشترك فيبعث على الرأفة، والتذكّر الدائم بزوال كل شيء يهوّن تحمّل الغمّ ويحدّ من البطر.

مصطفى ملكيان: تذكّر الموت يعلّمنا أننا، مهما كنّا غير متساوين في أيّ وجه من الوجوه، فإننا متساوون في ظاهرة الموت. نحن نختلف عن بعضنا البعض في كلّ بُعدٍ ووجهٍ من أوجه الحياة. من بُعد «المكانة الاجتماعية»، و«الذكاء والغباء»، و«الجمال والقبح»، و«الفقر والغنى»، و«المنصب»، و«الجاه»، و«المحبوبية»، و«الشهرة»... إلخ. لا توجد ظاهرة تُسوّي بين الناس بقدر ما يُسوّي الموت. الموت يجعل كلّ شيءٍ سواءً. يجعل الحياة كصحراء مستوية ملساء كراحة الكفّ. إذا انتبهتم إلى أنّ للتفاوت بيني وبينكم أثرين سلبيين، فإنّ خلق اللامبالاة سينتج عنه أثران إيجابيان. عندما أقارن نفسي بكم في أيّ بُعدٍ من الأبعاد، أجد نفسي في إحدى حالتين: إمّا أن أكون متخلّفاً عنكم أو العكس. إذا شعرتُ بأنني متخلّف أُصاب بـ«الحسد»، وإذا شعرتُ بأنني متقدّم أُصاب بـ«العُجب»، وكِلاهما من مَهالكنا الروحيّة؛ والعُجب بالطبع أكثر. إنّ قول بعض علماء الأخلاق: لا تقارنوا أنفسكم بالآخرين، مردّه إلى هذا السبب. طبعاً لا ينبغي إطلاق حكمٍ كليّ. بعض المفكّرين الغربيّين أيضاً على هذا الرأي.
يوصي برتراند راسل في كتابه «طريق السعادة» توصيةً مؤكّدة بأنّ إحدى طرق السعادة هي ألّا تقارن نفسك بالآخرين في أيّ وجهٍ من الوجوه. لكنّ النصوص المقدّسة لديننا ومذهبنا لم تمنعنا من كلّ أنواع المقارنة. فمثلاً، تُوصي بألسنةٍ مختلفة بأن تقارنوا أنفسكم في الماديّات بمن هو دونكم، وفي المعنويّات بمن هو فوقكم.
الآن، إذا واجهنا ظاهرةً نكون فيها متساوين تماماً مع الآخرين، فإنني في تلك الحال أشعر بالتعاطف معكم، ويصبح قلبي رحيماً بكم. تتحقّق رقّة القلب عندما نرى أنفسنا شركاء مع الآخر في وجهٍ من الوجوه. ما دمنا جالسين في عيادة الطبيب، فإننا نشعر بالعطف على بعضنا البعض وتلين قلوبنا لأننا نشعر بأننا متشابهون. ولكن بمجرّد خروجنا من العيادة أو نسياننا لمرض الآخر، نعود فلا نكون مع بعضنا كذلك. كلّما كان الشعور بهذا «المصير المشترك» أقوى، كانت الرحمة أشدّ. وهذه القاعدة فيما يبدو لا استثناء لها. والموت له هذه الخاصّية، فأنا أشعر بأنني شريككم في هذا الأمر العجيب والمأساويّ. كلّ أمرٍ مشترك يقرّبنا من بعضنا البعض. ولكن ذلك الأمر المشترك إذا كان من مقولة «الأحزان» كان أشدّ تقريباً ممّا لو كان من مقولة «الأفراح». كان جوليان هاكسلي، المفكّر المعروف، يقول: «إذا وجد البشر يوماً دواءً يكون دواءَ حياةٍ أبديّة وعلموا أنهم لم يعودوا فانين، لأفنوا أنفسهم بأيديهم». إنهم يبلغون من الضراوة تجاه بعضهم البعض حدّاً يدفعهم إلى ذلك. إنّ ما يجعلنا نتحلّى بالرأفة تجاه بعضنا البعض أحياناً هو وجود أمرٍ مشترك بيننا. نحن البشر لدينا مشتركات، لكن لا شيء منها يمحو الفوارق كما يمحوها الموت.
من آثار وخصائص تذكّر الموت الأخرى أنّ الموت يُذكّر في الواقع بعدم دوام كلّ ما يحدث في الحياة. أي أنه يُنبّهنا، أفضل من أيّ ظاهرة أخرى، إلى أنّ كلّ ما يحدث زائل وغير دائم. كلّما أقررنا في حياتنا بزوال الأمور الحزينة والأمور المفرحة وعدم استقرارها وسرعة تقضّيها، أصبحت الحياة مرغوبةً لنا أكثر بكثير. إذا سلّمنا بأنّ الأمور الحزينة ليست دائمة وأنها ستزول، صار تحمّلها أسهل علينا بكثير. عندما تفرض على نفسك فكرة أنّ هذا الأمر الحزين سيزول، فرغم أنّ حزن ذلك الأمر لا يقلّ، لكنّ حزناً آخر ناشئاً عن دوام ذلك الحزن لا يتولّد على الأقلّ. عندما تصيبنا مصيبة، ينتابنا حزنان: أحدهما الحزن الذي ينشأ طبيعياً من ناحية تلك المصيبة، وحزنٌ آخر نتصوّر معه أنّ هذه المصيبة (الحزن الأوّل) دائمة. لكن إذا أقررنا في أنفسنا بأنّ هذا الحزن ليس دائماً، فإنّ هذا الإقرار بذاته يخفّف من الحزن. والأمر نفسه ينطبق على الفرح. عندما يحصل لنا أمرٌ مفرح، ينشأ أمران: أحدهما الفرح الناشئ من هذا الأمر نفسه، والآخر الفرح الناشئ من وهم أنّ هذا الأمر المُفرح دائم. هذا الفرح الثاني يُسمّى في اللغة العربية «البَطَر». لقد اعتُبر البَطَر أحد مَهلكات النفس، وقيل: تجنّبوا «البَطَر»، أي تجنّبوا هذا الظنّ بأنّ هذا الأمر المُفرح سيدوم. وتذكّر الموت ينتزع من الإنسان هذا الفرح الثاني في الأمور المُفرحة أيضاً.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.