اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
بلا معرفة الذات، يصبح اختيار أي مذهب فكري ضرباً من التيه. على الإنسان قبل أن يسأل كيف يبلغ الهدف، أن يسأل لماذا يريده؛ لأن السعي وراء الرغبات دون معرفة النفس أشبه بالركض خلف السراب.

تمهيد
في هذا المقال، نتناول بإيجاز العلاقة بين معرفة الذات واختيار الطريق، ونستكشف الصعوبات والتيه الذي لا مفر منه الذي يواجهه الإنسان في اختيار أي مذهب أو نظام فكري وعملي دون معرفة نفسه.
١. الإنسان والحيرة
عندما يخطو الإنسان إلى هذه الدنيا، يجد نفسه في مواجهة عالم شديد الاتساع ومثير للدهشة؛ عالم لا يقتصر اتساعه على المادة فحسب، بل إن مجهولاته لا تُحصى وأسراره المختومة كثيرة. وأمام كل هذه الأسرار والعجائب، فإن عمر الإنسان قصير، وفرصته ضئيلة، وقدرته محدودة. يرى الإنسان نفسه وحيدًا وتائهًا في هذا المحيط اللامتناهي، ولهذا السبب فإن الدهشة والخوف والعجب لا تستحوذ على وجود الفرد فحسب، بل على تاريخ البشرية بأكمله.
نحن من بدء الكون ومن ختامه في جهالة
قد سقطت أول هذا الكتاب العتيق وآخره (كليم كاشاني)
يسعى كل إنسان مفكر، بقدر استطاعته، إلى إزاحة الستار عن أسرار الوجود وإلقاء الضوء على زاوية من هذا المجهول اللامتناهي لنفسه وللآخرين. ومن أعظم هذه الأسرار وجود الإنسان نفسه. فالإنسان لا يجد نفسه في مواجهة بحر من العجائب في العالم الخارجي فحسب، بل وفي مواجهة لامتناهٍ من المجهولات في العالم الداخلي. ولعل عجب العالم الداخلي يفوق عظمة العالم الخارجي. إن أسئلة من قبيل: من هو الإنسان، ومن أين أتى، وإلى أين يذهب، وما هي مكانته في هذا العالم، وماذا ينبغي أن يفعل في فرصة الحضور هذه غير الطويلة، لطالما شكلت تحديًا لفكر الإنسان.
في النهار فكري هذا، وفي الليل كله حديثي
لماذا أنا غافل عن أحوال قلبي
من أين أتيت؟ ولِمَ كان مجيئي؟
إلى أين أمضي آخر الأمر؟ ألا تُريني موطني؟
بقيت في عجب شديد: لأي سبب خلقني؟
أو ماذا كان مراده من خلقي هذا؟
حتى تريني منزلي وطريقي يقينًا
لن أنال الراحة لحظة، ولن أتنفس نَفَسًا... (منسوب إلى مولانا)
ومن هنا تدخل معرفة الذات والعرفان، بمعنى معرفة ماهية الإنسان وكشف أسرار باطنه، إلى ساحة الفكر والتأمل. إن الدافع إلى معرفة الذات هو إلقاء الضوء على مكانة الإنسان في عالم الوجود، ومعرفة ما هو سبب ألمه وما هو منبع سعادته، وما الذي يسبب ازدهاره وما هي الأشياء التي تؤدي إلى فساد عمره وعدم إثماره. ومعرفة الإنسان لا تنفصل بالطبع عن معرفة العالم. وبهذا المعنى، تشمل معرفة الذات نطاقًا واسعًا للغاية من معارف الإنسان. حتى إنه يمكن القول إن قصة حياة الإنسان الواعي ونموه برمتها هي سيرورة متصلة من معرفة الذات وتحقيقها. فعارف ذاته هو من تكون حركته الكلية سعيًا حثيثًا في طريق اكتشاف ذاته وإظهار قابلياته وقدراته.
على مر التاريخ، سعت جميع المذاهب الفلسفية والأديان الإلهية وغير الإلهية إلى تلبية حاجة الإنسان العميقة للاكتشاف والمعرفة. وادعى كل منها أنه أزاح الستار عن أسرار الوجود المهمة وميّز طريق السعادة والهناء عن دروب الألم والضلال. كل مذهب يدّعي أنه الصحيح والحق، ويدعو الناس لاتباعه. ولهذا السبب كان العالم دائمًا مليئًا بالأديان والأنظمة والمذاهب التي لا تُحصى، والتي ادعت جميعها وما زالت أنها توصل الإنسان إلى البهجة والسعادة.
٢. نوعان من الأسئلة
في خضمّ ضجيج هذه المذاهب والمدارس الكثيرة، من الطبيعيّ أن يصاب الإنسان بالحيرة ويظلّ متردّداً في تمييز الحقّ من الباطل. وبالطبع، عادةً ما ينجذب كلّ فرد أو جماعة، بحسب تشخيصهم ورؤيتهم، إلى أحد هذه الأساليب ويخطو في الطريق الذي يُريهم إيّاه ويتّبع تعاليمه. وهذا أمر طبيعيّ ولا إشكال فيه. لكن ثمّة سؤال مهمّ يُغفَل عنه أحياناً، وهو: بغضّ النظر عن أيّ مدرسة أو نظام نختاره للإجابة عن أسئلتنا، ما هو دافعنا نحن للتوجّه إلى تلك المدرسة أو اتّباع ذلك الشخص؟ ما الذي فينا جعلنا نميل إلى ذلك الطريق بالذات؟ وهذا سؤال جوهريّ للغاية. ففي المقام الأوّل، ليس المهمّ هو ما إذا كان ذلك الشخص أو تلك المدرسة على حقّ أم على باطل، بل المهمّ هو إلى أيّ حدّ نابع مطلبنا من طلب الحقّ. بعبارة أخرى، أوّل ما ينبغي أن يطرحه كلّ باحث عن الحقيقة هو سؤال عن حقيقة نفسه هو. عليه أن يسأل نفسه أوّلاً: مَن أنا؟ ماذا أريد ولماذا أريد؟ إن لم أعرف نفسي، فما نفع معرفتي لذلك الفرد أو تلك المدرسة لي؟
والواقع أنّ دوافعنا الحقيقيّة كثيراً ما تكون خفيّة حتّى عن أنفسنا، لأنّنا نعتبرها بديهيّة إلى درجة نادراً ما نشكّك فيها، أو لأنّنا نفضّل أن نغضّ الطرف عنها ولا نراها. فلنفترض أنّني اكتشفتُ أنّ دافعي لاتّباع دينٍ ما لم يكن سوى خداع للنفس أو استعراض، فما نفع تعاليم ذلك الدين أو ذلك الشخص لي، مهما كانت مفيدة وحقّة؟ يُقال إنّ النائم يمكن إيقاظه، أمّا من تظاهر بالنوم فلا يمكن إيقاظه أبداً!
إنّ نظرة إلى سلوك الناس والمجتمعات تُظهر بوضوح أنّ تلقينات المحيط، والعمليّات الاجتماعيّة السائدة، والانجراف وراء الدعاية، قادرة على أن تسحر ذهن الإنسان إلى درجة أنّه يسلّم بمرغوبيّة أيّ هدف، وتصير مشكلته الوحيدة هي الذهاب والوصول، دون أن يشكّ في صحّة ما يفعله. حين نكون بصدد القيام بعمل ما أو بلوغ هدف ما، عادةً ما يمتلئ فضاء ذهننا بهذا السؤال: "كيف يمكنني أن أقوم بذلك العمل؟" أو "كيف يمكنني بلوغ ذلك الهدف؟" في حين أنّ السؤال الذي ينبغي طرحه أوّلاً هو: "لماذا أريد أنا أن أقوم بذلك العمل؟" أو "لماذا أريد بلوغ ذلك الشيء؟" هل أنا واعٍ بدوافعي الحقيقيّة؟
ثمّة فرق جوهريّ بين هاتين النظريّتين. حين نسأل أنفسنا "كيف يمكن بلوغ ذلك الهدف"، فمعنى ذلك أنّنا سلّمنا بصحّة ذلك الهدف كأمر بديهيّ، والمسألة الآن هي طريق الوصول فحسب. في مثل هذه الحالة، قد يشغل فكر "الوصول" ذهننا إلى درجة لا نجد فيها فرصة لنسأل أنفسنا أصلاً: لماذا عليّ أنا أن أبلغ ذلك الشيء؟ ما الدافع الذي يجرّني نحوه؟ ومن الواضح أنّ سؤال لماذا أريد بلوغ شيء ما هو أهمّ بكثير من سؤال بأيّ طريق يمكن بلوغ ذلك الشيء.
إنّ كيفيّة بلوغ شيء ما هي سؤال عن ذلك الهدف. وجواب هذا السؤال يوصلنا في أقصى الأحوال إلى ذلك المطلب، لكنّه لا يوضّح لنا أبداً ما إذا كان ما اخترناه اختياراً صائباً أم خاطئاً. والنتيجة هي أنّنا قد ننفق قسماً كبيراً من طاقتنا وعمرنا في سبيل بلوغ شيء لا يعود علينا بغير إنهاك الجسد والروح، ولو كنّا نفكّر بشكل صحيح لما سعينا إليه قطّ.
أمّا سؤال "لماذا أريد أنا بلوغ ذلك الشيء" فهو سؤال عن نفسي أنا. وجواب السؤال الثاني سيقودني إلى معرفة ميولي، وإلى معرفة ما هو حقّاً مصدر سعادتي أو شقائي. فمن دون معرفة النفس، يكون السعي وراء أيّ هدف أو مطلب كالركض وراء السراب، الذي لا تكون حصيلته سوى التعب والظمأ الدائمين.
۳. معرفة الذات والأسئلة الجوهريّة
معرفة الذات هي محاولة للإجابة عن هذا النوع من الأسئلة. في معرفة الذات، وقبل الاندفاع وراء أهداف غير مدروسة وإنفاق العمر والطاقة في طريق مجهول، نسعى إلى اكتشاف ما يجري في دواخلنا، وما إذا كان ما يحركنا ناتجاً عن رغبة واعية منا أم أنه أثر من آثار التربية والتلقين والبيئة، أي في الواقع، رغبة الآخرين؟! من الواضح أن ما نسعى إلى تحقيقه إن لم يكن استجابة لحاجة حقيقية لنا، وإن لم يلعب الاختيار الواعي دوراً فيه، فلن تكون نتيجته بلا شك سوى عبودية داخلية ودمار خارجي. لذا فإن أهم ما ينبغي أن نسأله لأنفسنا قبل سلوك أي طريق أو اتباع أي شخص أو مذهب هو: ما هو الدافع الذي يجرني إلى اختيار ذلك المذهب أو السير خلف ذلك الشخص؟ أهو التفكير والتقييم الواعي، أم التقليد ومسايرة الجمع؟ أم الخوف والحاجة إلى سند؟ أم الرغبة في تفريغ الغضب والكراهية؟ أم الدعاية والضجيج المحيط؟
الحقيقة هي أن أي مذهب أو عقيدة أو منظومة عرفانية أو عملية أو أي طريق أو أسلوب آخر، مهما كان جيداً وحقاً، لا يمكنه أن يؤدي إلى نمو الإنسان وازدهاره إلا إذا كان أولاً: رسالته واضحة ومفهومة لفكر الشخص نفسه، وثانياً: أن يفتح عينيه على الحقيقة التي يدعيها، بحيث يستطيع ذلك الشخص أن يشاهد تلك الحقيقة مباشرة وبلا وسيط بعين عقله هو. هذا في حين أن الكثير من المذاهب والمنظومات التي تدعي قول الحق وهداية الإنسان إلى السعادة والراحة، تُظهر نفسها، بشكل جلي أو خفي، كوسيط لاتصال الشخص بالحقيقة. هذه المنظومات توحي للإنسان بأنه من الضروري، للوصول إلى الحقيقة، أن تلوذ بهذا المذهب أو بهذا الشخص بالذات. ونتيجة لذلك، فإن من يتبع مثل هذا المذهب لا يمكنه أبداً أن يرى بنفسه، بعقله، الحقيقة التي يدعونها، أو لنقل بالأحرى إن عقله نفسه لا يستطيع قبولها. في هذه الأساليب، ما يكون أمام العين ليس الحقيقة، بل ذلك المذهب وذلك المرشد وذلك الشيخ. كل ما تعلمه هذه المذاهب للشخص هو مجموعة من الشعارات الكبيرة والمبهمة وادعاءات من قبيل: "هذا هو طريق الخلاص" و "هذا الشخص هو دليل الحقيقة". إنهم لا يقولون للفرد أبداً: "هذه هي الحقيقة وهذا هو الباطل؛ افتح عينيك لترى أنت أيضاً". بل يقولون: "طريقك للوصول إلى الحقيقة هو هذه المنظومة وهذا الشخص. ومهمتك أنت هي أن تسلِّم وتكون تابعاً لهذا الفرد أو المنظومة". بالطبع قد يقولون هذا الكلام أو يوحيون به بأساليب مختلفة ظاهرة وخفية، لكن على كل حال، جوهر الكلام هو نفسه: تنحية العقلانية والتقييم جانباً، واستبدالهما بالاتباع والتسليم.
وإذا نظرنا بدقة، فهذا يعني لا شيء! يعني كما يُقال "لم نفهم شيئاً مما جرى". هذا المرشد يعرف الحقيقة لكنه وحده القادر على رؤيتها، وكل ما عليّ أنا هو أن أتشبث بأذياله كي أنجو! معنى هذا أن شخصاً آخر هو من يصل إلى الحقيقة، لا أنا! السؤال البسيط هو: إذا كانت الحقيقة قابلة للرؤية، فلماذا لا يساعدني هذا السيد أو هذا المذهب على رؤيتها أنا أيضاً؟ ولماذا ينبغي عليّ حتماً أن أكون تابعاً لهم كي أصل إلى الحقيقة؟
٤. المشعوذون والهجوم على العقلانية
نعلم أنه على مر التاريخ، كانت هناك مذاهب وأيديولوجيات زائفة وبشر انتهازيون لا يُحصَون يسعون إلى استغلال الإنسان واستخدامه، وما زالوا كذلك حتى اليوم. لكن إذا أمعنت النظر، فستجد بين جميع المستغلين والمخادعين في العالم قاسماً مشتركاً واحداً، وهو أنهم جميعاً حاولوا وما زالوا يحاولون تجريد الناس من قوة التفكير والنقد. كلهم، بطريقة ما، يطلقون رصاصة الرحمة على عقل الفرد وفكره لتحقيق هدفهم، كي يجعلوه خاضعاً لهم دون عناء. والسبب بالطبع واضح: إن أكبر عقبة في طريق المستغل لتحقيق هدفه، أي نهب الإنسان واستغلاله، هي عقله ووعيه. تدرك هذه المذاهب المزيفة والأفراد المخادعون جيداً أن الإنسان إذا ما استعان بعقله وفكره لنقد وتمحيص أي ادعاء، فلن ينخدع بحيل الدجالين والمشعوذين. لن يستطيع أحد أن يخدع إنساناً واعياً ناقداً ويستغله - عاطفياً كان ذلك أم مادياً. سواء أكان ذلك بساط معركة تبدو دينية، أم مذهباً فكرياً، أم نظاماً سياسياً، أم نظاماً لمعرفة الذات. ولهذا السبب بالذات، تحاول المذاهب الاستغلالية دوماً، بشتى أنواع الدعاية والضجيج وباستخدام كلمات طنانة وشعارات جوفاء، أن تُظهر نفسها عظيمة ومحقة. إنهم يُظهرون طريقهم دوماً على أنه الطريق الوحيد للحقيقة والطمأنينة، وبدلاً من المنطق والاستنارة، يقولون للفرد بلغة الصخب والدعاية: "أنت لا تفهم. أنت لا تستطيع أن تميز، لذا سأفكر أنا بدلاً عنك وأريك الطريق. اتبعني ولا تسأل".
للأسف، فإن البشر الذين ترهبهم الجموع أو تنخدع بالدعاية ويفقدون الثقة بأنفسهم وعقولهم، غالباً ما ينخدعون بمثل هذه المذاهب والأشخاص الانتهازيين ويقعون في شرك التبعية والانقياد. إنهم غافلون عن أنهم في هذا الطريق يفنون حريتهم ووعيهم.
لننتبه إلى أن ما نقوله هنا لا يستهدف أي فرد أو نظام بعينه. قصدنا هو ضرورة الوعي والتيقظ. أساساً، كل الكلام هو أن المهم ليس المذاهب أو الأنظمة، المهم هو أنا وأنت! نحن الذين يجب أن نعتمد على عقلنا وفكرنا ونكون يقظين في كل علاقاتنا وخياراتنا الحياتية، وألا نقع في شراك القادة المزيفين والأنظمة الاستغلالية. بالطبع، يجب أن نعلم أن الاستغلال لا يكون دوماً بدوافع مادية؛ فكثير من المخادعين، بفتحهم الدكاكين وجمع الأتباع والأنصار، يشبعون حاجاتهم النفسية والعصبية دون أن يكونوا ظاهرياً بحاجة إلى أتباع. على أية حال، الكلام هو أن السالك يجب أن يكون بصيراً، وإلا ففي كل طريق آبار كثيرة.
الحقيقة هي أنه إذا أراد شخص ما، بصدق وإخلاص، أن ينير عين الإنسان على حقائق الحياة، فإن طريق ذلك ليس تشجيعه على الاتباع والانقياد، بل يجب مساعدة البشر على أن يروا الحقيقة بأعينهم هم. وإذا كان شخص ما عاجزاً عن رؤية حقائق الدنيا الواضحة، فالسؤال هو: كيف سيساعده اتباعه للمذهب الفلاني أو المرشد الفلاني على إزالة جهله وعماه؟ أساساً، إذا كنت أنكر الشمس أو لا أستطيع رؤية ضوئها، فهل بمجرد أن أسير خلفك ستستطيع أن تريني الشمس؟ أم أنه يجب عليك أن تزيل العيب الذي في بصري حتى أرى أنا سطوع الشمس بعيني، دون أن أكون معتمداً عليك لتصف لي دلائل النور.
٥. بائعو الخرز
نقطة أخرى هي أننا نعلم أنه كلما راجت سلعة في السوق وكثر الراغبون فيها، يفكر المزورون في استغلال اهتمام الناس وحاجتهم، فيطرحون في السوق نسخة مزيفة أو بديلاً رديئاً من تلك السلعة، ويحققون ربحاً غير مشروع عبر ما يسمى "تمرير" بضاعتهم الزائفة على الناس. أحياناً في مثل هذه الظروف، يصل رواج أنواع وأصناف السلع المقلدة إلى حد يصعب معه تمييز السلعة الأصيلة والنقية من بين كل هذه البضائع المزيفة وغير الأصلية، لدرجة أن التعرف على الجوهر النقي والأصيل من الخرز عديم القيمة في مثل هذا السوق المضطرب يتطلب غالباً دقة نظر وبصيرة كبيرتين.
وينطبق الأمر نفسه بالطبع على العرفان ومعرفة الذات. من دواعي السرور طبعاً أن نرى إنسان عصرنا يدرك تدريجياً ضرورة معرفة الذات والوعي بها بوصفها المفتاح الوحيد للسعادة، وأن جيلنا على وجه الخصوص يتجه نحو سبر أغوار العالم الداخلي ويوليه اهتماماً متزايداً. في اعتقادي أن هذا الذكاء والنضج هو حصيلة قرون من خبرة البشر في اختبار طرق مختلفة وعدم الحصول على نتائج منها. لكن من ناحية أخرى، ولهذا السبب بالذات، اختُرعت اليوم أعداد هائلة من المدارس الزائفة والمزيفة و«الدكاكين» العرفانية مثل «السعادة في أيام معدودة» أو «معرفة الذات في ساعات قليلة» أو قراءة الكف والتنجيم وأعمال السحر وما إلى ذلك باسم العرفان ومعرفة الذات، حتى بات التمييز بين الصادق والكاذب صعباً للغاية أحياناً - قد تكون قراءة الكف والتنجيم والتاروت وماروت وأمثالها فناً أو مهارة أو أي شيء آخر، لكنها مهما تكن فليست معرفة ذات ولا عرفاناً.
لكن في هذا السوق المضطرب، ينبغي لي أنا نفسي، قبل كل شيء، أن أحدد موقفي بصدق مع ذاتي. أن أسأل نفسي من أعماق ضميري: «ما الذي تبحث عنه نفسي أنا؟» هل أسعى إلى التسلية أم أنني راغب في خداع الذات؟ أم أبحث عن وسيلة لألصق نفسي بهذه المدرسة الشهيرة أو ذاك الشخص الكبير لأشعر بالعظمة من خلاله؟ أم أنني باحث عن الحقيقة حقاً؟ إذا ما اتضحت الحقيقة التي أسعى إليها، وكانت مختلفة عما أنا عليه وما أرغب في بلوغه في قرارة قلبي، فهل أنا مستعد لأن أسلم نفسي لها دون عناد أو غرض؟
في اعتقادي أن من الواضح أن العرفان يعني المعرفة؛ أي البصيرة والوعي؛ ومعرفة الذات تعني الوصول إلى نظرة صافية تجاه الذات وحاجاتها ودوافعها وعواطفها وذهنياتها. وبالطبع فإن معرفة الذات غير ممكنة دون معرفة الكون الذي يُعد الإنسان جزءاً منه. من المسلّم به أن المعرفة إن كانت معرفة حقيقية، فثمرتها ستكون إزاحة ستائر الجهل والظلمة عن فكر الإنسان، بحيث توصله إلى حرية فكرية وداخلية وإلى انسجام خارجي مع العالم ومع البشر الآخرين.
بهذا التعريف، فإن كل ما يؤدي إلى إزالة الغموض عن ذهن الإنسان ويوقظه هو مفيد، وكل ما يبعده عن الهدف الرئيسي بالخداع والانشغال بالذات هو ضار. ما دمت لم أكتشف عقدي الداخلية كالتعصب وخداع الذات، وما دمت أنظر إلى نفسي وإلى العالم بنظرة ملوثة بالخرافة والهروب من الحقيقة، فكيف يمكن لي أن أحقق الوعي والتحرر باتباع مرشد ما، أو دراسة تخصص ما، أو تعليق طلسم ما على عضدي، أو بترديد «هو» مئة مرة في اليوم وأمثال هذه الأعمال؟
٦. الإصبع على العين!
في اعتقادي أن أجمل وأبسط ملاحظة عن الحقيقة في آنٍ معاً هي هذه؛ الحقيقة كالسماء، مفتوحة ولا حدود لها. إنها أمام عينيك دائماً، لكن لا يستطيع أحد أن يصفها لك، لأن السماء لا توصف. ينبغي أن تراها بعينك أنت. ولكي تراها يكفي أن ترغب أنت في ذلك وأن تفتح عينيك. في هذا الصدد، وجه جلال الدين الرومي لي ولك، منذ ما يقرب من ثمانمئة عام، رسالة بالغة التأثير:
ضع إصبعيك على العين، هل ترى من العالم شيئاً؟ أنصف
ارفع الإصبع عن العين، هيّا! وانظر حينها ما شئت أن ترى
فإن لم ترَ، فليس هذا العالم بمعدوم، والعيب ليس إلا من إصبع النفس المشؤوم
إذا كنا من أهل الفكر، فهناك نكات لطيفة كثيرة في هذه الأبيات. أولاً، بقوله "ضع إصبعيك على عينيك"، فهو يقول للإنسان الذي أوهم نفسه بالنوم: إنك أنت من أوهمت نفسك بالنوم. أنت بنفسك تصر على البقاء في النوم والخيال وتخدع نفسك، لذا فإن يقظتك هي أيضاً بيدك أنت. ثانياً، إن نومك هذا هو ما جعلك عاجزاً عن رؤية أي شيء. أي أن ستاراً من المعتقدات غير المدروسة والحاجات النفسية قد غطى نظرك، مما يمنعك من رؤية العالم وما فيه بنظرة شفافة. إنه يصرخ في الإنسان بألف لسان: يكفي أن ترفع أنت إصبع الجهل والتعصب عن عين عقلك لتشاهد كل شيء على حقيقته. والنقطة الجديرة بالتأمل هي أنه لا يقول دعني أو دع غيري نُريك الحقيقة، أي أنه لا يوصي الإنسان بالتسليم والتبعية لرؤية حقائق الحياة، بل يقول: بدلاً من أن تطلب الحقيقة من هذا وذاك، كف عن خداع نفسك. أنت إن أردت وفتحت عينيك، فسترى بنفسك كل شيء.
٧. البصيرة والمعرفة المتراكمة
لطالما نبّه الحكماء إلى أن جهل الناس ليس ناتجاً عن عدم المعرفة، بل عن المعرفة الخاطئة. ولهذا السبب تحديداً يرى هذا القلم أن الاستلاب أمام تلقينات المحيط هو علة كل ضلالات الإنسان وشقاواته❊. في الحقيقة، ما نكون في الغالب سعداء بامتلاكه أو مغرورين به ليس البصيرة، بل المعرفة المتراكمة، وهناك فرق كبير بين البصيرة والمعرفة المتراكمة. البصيرة عملية، إنها قوة داخلية حية وجارية. البصيرة هي سريان الرؤية والإدراك، بينما المعرفة المتراكمة هي المنتج. المعرفة المتراكمة تعني تكديس مجموعة من المعلومات المستعارة والمستوردة في الذهن. نتيجة المعرفة المتراكمة هي ضعف قوة النقد والفحص، والاستعداد للقبول أو الرفض غير المدروس لأي شيء. من هنا، غالباً ما نتقبل الكثير من الأشياء دون تفكير بل ونسعى وراءها بتسرع، أو نكتفي بتعريف "مستعار".
العديد من الأسئلة الأكثر جوهرية في الحياة تبقى دون حل ومبهمة بالنسبة لنا، ونحن لسنا قلقين أبداً من هذا التيه - رغم أن معاناته تثقل كاهل حياتنا بوضوح. ما هي السعادة حقاً؟ ما معنى النجاح؟
❊ لقد نوقشت وحُللت مسألة "الاستلاب" باعتبارها أصل كل معاناة بشرية بشكل موسع في أعمال هذا القلم. انظر على سبيل المثال مقال "ما هي معرفة الذات؟" المنشور مؤخراً على موقع "صدانت".
ما هو الاحترام؟ ما هي الوطنية؟ ما هي ماهية الحب؟ ما هو التقليد ولماذا يجب علينا احترام كل ما هو "أقدم"؟ إذا وجدنا بعد مراجعة أنفسنا أننا لا نعرف إجابة مثل هذه الأسئلة بوضوح، ألا يعني ذلك أننا منذ سنوات نبذل أنفسنا في سبيل شيء لا نعرف أصلاً ما هو؟
٨. شبع كاذب
هل فكرتم لماذا لا يهتم معظمنا بالتفكير؟ لماذا لا نملك شغفاً للمطالعة ولماذا لا نرى حاجة للتفكر؟ لماذا لم تعد متعة الاكتشاف والمعرفة الكبيرة تجذبنا كما في أيام الطفولة؟ أليس السبب هو أننا لم نعد نشعر بالحاجة إلى التعلم؟ هل نعرف كل شيء؟ قد تقولون: "لا، بالطبع لا نعرف كل شيء". بالطبع أنتم محقون، لكن الحقيقة هي أننا لا شعورياً نحمل هذا التصور السخيف والخطير، تصور أننا نعرف كل شيء، وما لا نعرفه ليس مهماً ولا يستحق التعلم! هذا ما تشهد عليه سلوكياتنا وحياتنا بوضوح. لكن لماذا؟
لو دققنا النظر لوجدنا أن أذهاننا مكدسة بالتعريفات والألقاب والملصقات التي ألصقها المجتمع والتقاليد والدعاية وحاجاتنا الخاصة بوجه العالم. لقد عرّفوا، بهذا الفعل، كل شيء لتفكيري وتفكيرك وفق أهوائهم. إنهم، من خلال "التعريف المسبق" للظواهر، أوقعونا في معضلة كبرى ينبغي تسميتها "الشبع الفكري الكاذب". لقد امتلأت أفكارنا بالتعريفات والمعلومات التلقينية لدرجة أننا نشعر في أحيان كثيرة، وفي عين الجهل، بأننا نعرف ونعي. نتصور أننا نعرف كل شيء. ومن هنا فإننا غالبًا لا نرى حاجة للتفكير والسؤال. نحن نعيش بناءً على هذه المعرفة الخاطئة، وندخل هذه المعلومات في كل علاقاتنا وقراراتنا صغيرها وكبيرها. لقد قبلنا، أنا وأنت، الملصقات السائدة في المجتمع ومن حولنا كحقيقة للأشياء، قبول الأعمى. والآن، عبر هذه التعريفات ذاتها نحن على اتصال بكل شخص وكل شيء، لا بناءً على رؤيتنا وحكمنا الخاصين؛ ولو نظرت مليًا لوجدت أن هذا عين الأسر والجهل.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.