اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
كان الزمان في الأساطير القديمة جوهراً كيفياً يكتسب معناه من الأحداث. حوار مع محمد ضيمران حول تحول مفهوم الزمان من الأسطورة إلى الحداثة، وبحث في الزمان المتناهي واللامتناهي في أساطير إيران واليونان.

الزمان الذي يُشار إليه في الفرنسية بكلمة Temps وفي الإنجليزية بكلمة Time مشتق من الأصل اللاتيني Tempus. يرى البعض أن أصل الزمان من منظور أسطوري ناشئ من أسطورة كرونوس (Chronos). قبل أن أعرض بعض المطالب، جدير بالذكر أنه في أقدم الأساطير والخرافات التي هي تجلٍّ لرؤية إنسان فجر التاريخ، كان للزمان معنى وماهية خاصة، وكان يختلف اختلافًا فاحشًا عن الزمان بمعناه الحديث، ولم يكن لتقويمه أي صلة بالزمان الكمي في الحاضر. كان الزمان الأسطوري ذا جوهر كيفي، وكان يكتسب معناه في مواجهة الأحداث الأسطورية، وعليه ففي هذه الرؤية لم يكن أي شيء، بما في ذلك الزمان والمكان، ذا معنى في حد ذاته...
.
للدخول في بحث علاقة الزمان بالفن، من الضروري أن تكون لنا إطلالة عابرة على مفهوم الزمان منذ أن منح الفكر الأسطوري العالم والوجود معنى للإنسان، وحتى العصر الذي سعى فيه الفكر الفلسفي، معتمدًا على العقل البشري، على مدى آلاف السنين إلى تبيين هذا الموضوع، وأن ندرس وجهات النظر المختلفة في هذا الشأن. لذا عقدنا العزم على إجراء حوار مع الدكتور محمد ضيمران مؤلف كتاب «العبور من عالم الأسطورة إلى الفلسفة» لنتعرف على آرائه بشأن تحولات مفهوم الزمان من عصر الأساطير حتى العصر الحديث.
الزمان الذي يُشار إليه في الفرنسية بكلمة Temps وفي الإنجليزية بكلمة Time مشتق من الأصل اللاتيني Tempus. يرى البعض أن أصل الزمان من منظور أسطوري ناشئ من أسطورة كرونوس (Chronos). قبل أن أعرض بعض المطالب، جدير بالذكر أنه في أقدم الأساطير والخرافات التي هي تجلٍّ لرؤية إنسان فجر التاريخ، كان للزمان معنى وماهية خاصة، وكان يختلف اختلافًا فاحشًا عن الزمان بمعناه الحديث، ولم يكن لتقويمه أي صلة بالزمان الكمي في الحاضر. كان الزمان الأسطوري ذا جوهر كيفي، وكان يكتسب معناه في مواجهة الأحداث الأسطورية، وعليه ففي هذه الرؤية لم يكن أي شيء، بما في ذلك الزمان والمكان، ذا معنى في حد ذاته.
ذلك لأن جميع الأمور والظواهر لم تكن تكتسب معناها إلا بالارتباط بالمبدأ المينوي الواحد. في الأساطير الإغريقية، كان كرونوس، إله الزمان، ابن أورانوس (السماء) وغايا (الأرض)، لذا يجب عده من سلالة الآلهة الأولية وسابقًا على زيوس وسائر الآلهة الأولمبية. لقد ساعد أمه بمفرده انتقامًا من أبيه، وبالمنجل الذي زودته به أمه، خصى أباه، وهكذا أسرع نحو حكم العالم. ثم تزوج أخته ريا (Rhea)، ولأنه سمع من أبويه أنه سيعزل عن الحكم على يد أحد أبنائه، فما إن كان يولد له ولد حتى يقطعه إربًا ويلتهمه. ريا، زوجته، وقد استشاطت غضبًا من هذا الفعل، توجهت عند ولادة زيوس إلى جزيرة كريت (Certe) وولدت زيوس هناك، ولفت قطعة حجر بدل الطفل في قماش وسلمته لكرونوس، فالتهمه كرونوس دون انتباه. ولما بلغ زيوس سن الرشد، سقى كرونوس بمساعدة ميتيس (metis)، إحدى بنات تنوس، جرعة سحرية، فلفظ كرونوس جميع الأبناء الذين كان قد ابتلعهم سابقًا من جديد.
هنا يُعلن زيوس مع إخوته الحرب على كرونوس ويقوم في النهاية بسجنه، لكن كرونوس، نتيجة زواجه من فيليرا (Philyra)، رُزق بابنٍ اسمه خايرون نال عمراً خالداً. إذن، ما يتبقى من هذه الرواية الأسطورية هو أن كرونوس (إله الزمان) هو أول ملك حكم السماوات والأرض، وفي عهد حكمه عاش الناس أيام سعادة وهناء. بعبارة أخرى، إن وجود الزمان أو كرونوس بوصفه حاكم الأرض والسماء، قد وضع الإنسان في نطاق التناهي، وبالنظر إلى هذا التناهي والحدود، صار الإنسان مضطراً إلى أن يُقدّر الحياة ويسعى للاستمتاع بكل لحظة، جاعلاً اللذة صدارة عنايات وجوده.
ترد في إحدى الأساطير السومرية رواية أن هذا العالم هو نتيجة معركة أولى بين وحوش الظلام بقيادة تيامات (Tiamat) وآلهة النور بقيادة نيتورا (Nitura). وفي رواية أخرى، قام بطل آلهة بابل، مردوخ (Marduk)، بشطر تيامات (إلهة المياه المالحة) إلى نصفين في معركة ضارية، ووضع نصف جسدها فوق مياه السماء والنصف الآخر على مياه ما تحت الأرض، ومنذ ذلك الحين يبدأ الزمان.
في أساطير المزدايسنا، يتبلور الزمان البدئي بظهور الإنسان الأول أو كيومرث الذي كان بطبيعة الحال أول ملك أيضاً. وهكذا فإن كيومرث، الذي يُدعى في الثقافة البهلوية "غيومرته" والمكون من جزأين "غيه" بمعنى الوجود والحياة والروح، و"مرتن" بمعنى الفاني والقابل للفناء، قد تجلى فيه مفهوم الزمان، بمعنى أن أول إنسان على وجه الأرض هو نفسه تجلٍ للحياة والوجود، وهو في النهاية يصارع الفناء والزوال والموت. لقد أُطلقت كلمة "مرتن" في الثقافة الإيرانية القديمة على المصير النهائي للإنسان على الأرض، ومن هنا يمكن القول إن "غيومرتن" بمعناه الأوسع يدل على زمانية الإنسان في العالم الدنيوي، ومن هذا المنطلق يُحدد نسبة الزمان المتناهي وبدايته بالعلاقة مع الإنسان. وردت كلمة "غيه" في الأفيستا عدة مرات بدون "مرتن"، وفي مواضع عدة منها في "فروردين يشت" في الفقرة 145، ذُكر باعتباره أول بشر على وجه الأرض. إذن، كيومرث في الثقافة الأسطورية الإيرانية هو مؤسس الحضارة البشرية وهو أيضاً تجلٍ لفناء البشر على الأرض، وبالتالي يُذكّر الإنسان بالإرادة المتجهة نحو الزمان والموت. يخطو كيومرث إلى عتبة الوعي بالموت بدخوله مسرح العالم الدنيوي وفقده لابنه الحبيب سياوش، وفي مواجهة الوجود أمام العدم يضفي معنىً على حياته، ولهذا فإن اسم كيومرث في الأدب الفارسي هو تمثيل لزمانية الوجود وتحقق حلم الخلود في محضر العدم. بالتدقيق في أسطورة كيومرث كإنسان بدئي، يتضح مفهوم الزمان البدئي في هذه الثقافة أيضاً. علاوة على ذلك، فإن كلمة "بندهش" في الثقافة الإيرانية تعني البحث الدؤوب من أجل إيجاد أساس الوجود وبالتالي فهم الزمان البدئي، وأسطورة كيومرث هي بذاتها مظهر من مظاهر السعي نحو معرفة "بندهش"؛ لأن الأسطورة، بينما تروي دوماً بنية ونسيج القوى الروحانية، فإنها تُذكّر الإنسان أيضاً بالأمور الدنيوية التي تدور حول هذا المحور.
تتخذ القوى الروحانية القائمة بذاتها، عبر الزمان وفي إطار المكان، ماهية موضوعية، وبالتالي فهي تربط، في التجسيد الأسطوري، الزمان اللامتناهي (زروان) بالزمان المتناهي. الزمان اللامتناهي يرتبط بالأزل، والزمان المتناهي ذو ماهية وجوهر حادث، بمعنى أنه يُعتبر مسبوقاً بالعدم. بتعبير آخر، كان للزمان في الرؤية الأسطورية لإيران القديمة صورتان: الأولى "زمان أكرانه" بمعنى الزمان الذي لا بداية له ولا نهاية، والأخرى الزمان المتناهي. يمكن القول إن الزمان المتناهي هو، بوجه من الوجوه، صدى وانعكاس للزمان اللامتناهي في عالم الإمكان. كان الإيرانيون القدماء يعتبرون الزمان المتناهي اثني عشر ألف سنة، تتكون من أربع فترات كل منها ثلاثة آلاف سنة.
في الثلاثة آلاف سنة الأولى، تم "بندهش" أي الخلق. وفي الثلاثة آلاف سنة الثانية، امتدت إرادة أهورا في مسرح العالم الدنيوي، لكن في الألفية الثالثة، اختلط خير أهورا بقبح أهريمن، وفي الفترة الرابعة، انتصر أهورا أخيراً على أهريمن وأشرق البعث الأهوري على العالم.
في هذا الصدد يمكن ذكر كتاب الأوديسة لهوميروس. ورد في هذا الكتاب أن أوديسيوس (Odysseus) يذهب لزيارة أرض الموتى ويكشف سرّها. وبتعبيره فإن أرض الموتى، أي هاوية العدم، تتضمن فضاءً شاسعاً حالك الظلمة تتيه فيه أرواح أبطال اليونان القديمة سعياً وراء حياة أخرى. لذلك فقد أشير في الكتاب الرابع من الأوديسة إلى موعد الأرواح الطاهرة والمخلَّصة أو الإليزيوم (Elysium). يمكن اعتبار الإليزيوم الفردوس الموعود في الأساطير اليونانية، حيث يواصل الأبطال حياتهم الخالدة تاركين خلفهم الزمان المتناهي الخاص بالعالم الأرضي. وبشكل عام، يرتحل المحسنون بعد الموت إلى ذلك الديار من قِبَل زيوس، إله الآلهة.
بشكل عام، في معظم الأساطير القديمة، الموت هو عبور من نوع من الزمان المتناهي وبلوغ نوع من الزمان اللامتناهي. في الحقيقة، بعبور الزمان المتناهي إلى الزمان اللامتناهي الذي يتحقق في ظل الموت، تزول محدوديات (تناهيات) عالم التناهي والكون، ويحلّ الوعي المحدود للفرد محلّه المعرفة المينوية (الروحانية) والقدسية.
في الريغ فيدا، الزمان هو مولِد وخالق كل الأشياء ومنها براهما، وهذا الزمان نفسه يُعتبر منبع ومصدر انهدام وعدم الموجودات أيضاً. لذلك يمكن الاستنتاج بأنه في الرؤية الهندوسية وبالاستناد خصوصاً إلى كتاب الريغ فيدا، يؤدي الزمان دوراً حاسماً في كل من النشأة والنهاية للحياة، والزمان هو الذي يحوّل دائرة اللاكرانة (اللامتناهي) إلى خط المتناهي. من هنا يمكن القول إنه في الكوسمولوجيا الهندوسية، الزمان هو القادر المطلق ويحكم وجود الموجودات.
مع انهيار الفكر الأسطوري وظهور التفكير الفلسفي، يخرج مفهوم الزمان شيئاً فشيئاً من شكل الروايات الأسطورية ويكتسب تدريجياً ماهية استدلالية وفلسفية. ادّعى الفيثاغوريون أن العالم (Kosmos) كائن حي يتنفس ويواصل حياته كسائر الكائنات، وفي اللحظة التي يبلغ فيها تناهي وجوده يتوقف عن التنفس. خارج الكون لا تستقر سوى الموجودات اللامتناهية، ولذلك عندما تُدخل هذه الموجودات اللامتناهية نَفَسها إلى الداخل (زفير)، فإنها تفرض حدود الوجود على الموجودات المتناهية. من بين الموجودات اللامتناهية يوجد الزمان. لذلك يُحتمل أن يُفسَّر تيار الزفير بأنه يستلزم إيجاد محدودية في قلمرو الزمان، لأننا في تيار الزفير هذا نفسه نترجم الوجود إلى عدد. في آثار أرسطو، يؤدي هذا التصور الفيثاغوري دوراً لا يمكن إنكاره. لكن هرقليطس هو الفيلسوف الوحيد الذي طرح الزمان بشكل تلميحي وبصورة ضمنية، بمعنى أنه ادّعى أن كل شيء في حالة تغير، وأن الإنسان لا يقدر أن يخطو في نهر واحد أكثر من مرة، ويقول في موضع آخر: نحن نخطو في النهر ولا نخطو فيه. نحن كائنون وغير كائنون. وفي موضع آخر: الخالدون فانون، والفانون خالدون. حياة هؤلاء هي موت أولئك، وموت أولئك هو حياة هؤلاء. لذلك من هذا التعبير لهرقليطس يمكن الاستنتاج بأن الزمان من وجهة نظره أمر أبدي وهو في تناوب دائم بين الموت والحياة. من يموت يبشر بحياة جديدة، ونهاية الحياة هي العدم. لذلك فقد عبّر هرقليطس عن الزمان بأنه عملية أبدية لا بداية لها ولا نهاية. وبتعبير آخر، فبرأيه المتناهي واللامتناهي في حالة تحول دائمة. من الضروري هنا التذكير بأن أحد أتباع أفلاطون، أي أفلوطين، كان يدّعي أن الزمان عبارة عن طاقة وعمل لا ينتهي وحيوي لروح العالم، اتخذت شكلاً مادياً وبلغت تمام وكمال وجودها.
ينبغي أن أنوّه بدايةً بأن أفلاطون اقتبس هذا المعنى الفيثاغوري للزمان وبسطه وطوّره وأضاف إليه مفهوم طول حياة الأيون (aion). وهكذا استخدم أفلاطون الزمان في حساب طول حياة العالم، لكنه قدّم تأويلاً جديداً له، بمعنى أنه تحدث عن الزمان الكوني، وكان يقصد به انقلابات الأجرام السماوية. اعتقد أفلاطون بأن الزمان عبارة عن تماثل الأمور بحسب عددها واللحظات المتمركزة في منظومة واحدة. ومن هنا يمكن القول إن أرسطو وأفلاطون وضعا الزمان والحركة في علاقات متبادلة، وبمعنى أنه يوجد في رأي كليهما نوع من القربى بين الزمان والحركة، وبالتالي يمكن القول إن هذين الفيلسوفين كانا يعتقدان بالحركة الدورانية للعالم في بُعد الزمان. عرّف أرسطو الزمان في كتابه "الطبيعيات" بأنه حساب الحركة بحسب التقدم والتأخر. لذلك، فرغم أن الزمان ليس مرادفاً للحركة، إلا أنه ينبغي قياسه وحسابه من منظور الحركة، وبالنظر إلى أننا نحتاج إلى مُحاسِب لفهم الزمان، فلولا الذهن الإنساني لكان حساب الزمان أمراً مستحيلاً، لأن الذهن قادر على إدراك الزمان في ظل معرفة التعاقب بين التقدم والتأخر.
الزمان في نظر أكثر الفلاسفة الإسلاميين ليس أمراً موهوماً، بل هو موجود وجوداً خارجياً، وتُعيّن الحركةُ مقدارَه ومقياسَه. من وجهة نظر ابن سينا وسائر الفلاسفة الإسلاميين، يُعتبر الزمان حادثاً حدوثاً إبداعياً، لأنه قبل خلق الزمان لم يكن هناك زمان مسبوق بزمان، لذا يُعتبر وجوده إبداعياً. وبشكل عام، عرّف أكثر الفلاسفة الإسلاميين الزمان بأنه مقدار الحركة. من المسائل البالغة الأهمية التي ناقشها الفلاسفة الإسلاميون مبحث الزمان. وقد أثبت ابن سينا الزمان في كتابه "النجاة" عن طريق قطع مسافة معينة بواسطة متحرك، بالحركة السريعة والبطيئة. بمعنى أنه كلما تحرك متحركان، أحدهما بطيء والآخر سريع، من مبدأ واحد، فإن المتحرك الأسرع يطوي المسافة المعينة قبل المتحرك البطيء قهراً. إذن، هناك فرق بين هذين المتحركين، وهذا بذاته دليل على أن الزمان أولاً ليس أمراً موهوماً، بل هو مقدار الحركة، وهذا المقدار ليس من نوع المقادير الثابتة، بل هو في عداد المقادير الديناميكية والمقتضية الوجود. في المثال أعلاه، الذي يتحرك أسرع يصل إلى المقصد أبكر، والذي يتحرك أبطأ يصل إلى المقصد متأخراً، وفي مدة الأبكرية والتأخر هذه يتضح لنا معنى الزمان.
ادّعى أوغسطين، فيلسوف القرن الرابع الميلادي وأحد أشهر المتكلمين المسيحيين، أنه لا يعرف ماهية الزمان إلا حين لا يسأله أحد عنه، وبمجرد أن يُسأل عن الزمان، يصيبه الاضطراب. ثم يستطرد قائلاً إن ما نعرفه حقاً عن الزمان هو أنه في أعماق وجودنا، وفي روحنا فقط يمكن قياس الزمان.
يرى المفكرون المحدثون عمومًا أن الزمان أحد أهم مكونات المنظومة التجريبية البشرية، ولهذا السبب وضعوه منذ عصر ديكارت في صدارة مباحثهم الفلسفية. فالزمان في نظرهم هو الوعاء الذي يمكن في نطاقه تمييز الحوادث من حيث التقدم والتأخر أو البداية والنهاية. وبناءً على ذلك، فإن ما يحدد بداية الأمور ونهايتها، ومطلعها وختامها، وينبثق من التغير، يُسمى زمانًا. إذن يمكن القول إن الزمان هو البُعد القابل للقياس للحظات واللُمح. وبتعبير آخر، الزمان هو التعاقب غير القابل للانعكاس للحظات والحوادث الذي ينشئ الحركة الخطية. أما كانط، الفيلسوف الألماني، فقد رأى أن الزمان هو سلسلة لا متناهية من التجربة تحولت إلى حدس، أو بتعبير آخر، هو الصورة القبلية التي يمكن في ظلها اختبار جريان الحركة. ويرى المفكرون المعاصرون أن الزمان هو إدراك للآن يتضمن في ذاته الماضي والمستقبل. وبتعبير آخر، الزمان هو سلسلة متعاقبة من حالات الحوادث والوقائع المتتالية التي لا تنفصل. ولذلك فإن إدراكه لا يتيسر إلا في ضوء الحدس العقلي. ويدّعي بعضهم، مثل كانط، أن افتراض زمان مستقل عن تجربتنا ووعينا هو أمر وهمي ومتوهم، بينما يعتقد آخرون مثل لايبنتس أن الزمان هو نظام الوجود المتعاقب الذي يمكن اعتباره تحققًا للموناد (Monad). والجدير بالذكر أن المقصود بالموناد هو الوحدات الجوهرية التي يتكون العالم من مجموعها.
لقد تابع هايدغر هذا البحث بدقة في كتابه «الكينونة والزمان». وقد استخدم في بحثه عن الزمان الكلمة الفلسفية lickeitzeit التي تقابل الكلمة اللاتينية temporalitat والتي ترجمناها في الفارسية إلى «زمانمندی» (الزمانية). ويعتقد هايدغر أن بحث الزمان يجب أن يُنظر إليه في إطار تقرر الدازاين Dasein. هذه الكلمة مشتقة من البادئة Da بمعنى هناك وأيضًا هنا، وSein بمعنى الكينونة. ولذلك يمكن تفسيرها بالقيام في المكان. في القرنين السابع عشر والثامن عشر، استخدم الفلاسفة كلمة Existens لإدراك مفهوم الدازاين، لكن شيئًا فشيئًا شاع استخدام الدازاين بدلًا من الكلمة الأخيرة. وقد استخدم هايدغر الدازاين في كتابه «الكينونة والزمان» بمعنيين: 1- بمعنى الإنسان. 2- بمعنى الكينونة والوجود المتقرر في هذا العالم. وبشكل عام، لا تقبل كلمة Dasein الجمع في اللغة الألمانية، وفي الحالات التي يستخدمها هايدغر يكون مراده الوجود في هذا العالم. يقول هايدغر في «الكينونة والزمان» إن كل إنسان يُعتبر دازاين بشكل عام، لكنه في كتاباته المتأخرة يفصل الدازاين عن الإنسان ويدّعي أن الدازاين هو المناسبة التي يجدها الإنسان مع الوجود ويفقدها أحيانًا، وبالتالي فإن الدازاين هو وضعية تُحكم بين الإنسان والله. يقول هايدغر إن الدازاين يقوم في بنية الزمان، ولذلك يتحرك في سلسلة بين الماضي والحاضر والمستقبل، ومن هنا يصف كونه زمانيًا بلفظ ekstatisch ويقصد به القيام والتقرر في حالة الظهور والبروز. في اللغة اليونانية، تعني ekstasis التحريك والإثارة والوقوع في حالة انفعالية حادة، والمقصود بها الخروج من الذات والانسلاخ عن النفس.
عندما يقع الدازاين في الزمان، فإنه يخرج من ذاته ويُقذف به في فضاء الإمكانات اللامتناهية. لذلك يمكن القول إن الكينونة في زمان الدازاين ليست سوى الخروج من الذات والتقرر في ساحة الاحتمالات والإمكانات غير المحدودة. ويرى هايدغر أن الزمان والمكان ليسا وجهين لمعادلة واحدة، بل إن الزمان يتقدم على المكان، بمعنى أن زمانية الدازاين هي التي تجعل مكانيته ممكنة، وبتعبير آخر يمكن القول إن الدازاين يدرك الكينونة وفقًا لزمانيته، وبالتالي فإن تحليل جوهر الدازاين في نطاق الزمان هو الذي يتيح أرضية الفهم الفلسفي للوجود. وهكذا فإن المناسبة بين الزمان والمكان تؤطر لنا إطارًا نتمكن به من قياس جميع الموجودات وفق هاتين المقولتين والتعرف على منزلتها في سلسلة الوجود.
وأنا أيضاً أشكرك.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.