اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يميّز أبو القاسم فنائي بين «إله الأخلاق» و«إله الفقه»، ويؤكد على أن الفقه لا ينبغي أن يحل محل الأخلاق. ويرى أن إرادة الله في تشريع الأحكام تابعة للأوصاف الأخلاقية، لا لمجرد اعتبارات المصلحة.

أنتم في نظرية الناظر المثالي تجعلون الأخلاق العلمانية والأخلاق الدينية متطابقتين، وتقولون إنه بما أن الناظر المثالي في الأخلاق الدينية هو الله، وفي الأخلاق العلمانية هو العقل والضمير الأخلاقي، وحكم هذين الناظرين المثاليين لا يختلفان، فإن الأخلاق العلمانية تساوي الأخلاق الدينية. يبدو أن هذه الرؤية هي نسخة سهلة ومريحة. كيف يمكن بهذا الادعاء القائل إن إله الدين هو إله الأخلاق لا إله الفقه، أن نتجاهل بسهولة التقابل والتقاطع العميق بين النظرتين الدينية والعلمانية إلى الأخلاق إلى حد اعتبارهما شيئاً واحداً؟
في الكتاب نفسه (الدين في ميزان الأخلاق) أوضحت أن الأخلاق الدينية القائمة والأخلاق العلمانية القائمة بينهما اختلافات، بل وتعارضات واسعة وعميقة. أساساً، كان أحد أهدافي من تأليف ذلك الكتاب إيجاد حل معقول ومُرضٍ لحل هذه التعارضات. كما قلت إن الأخلاق القائمة، أي الأخلاق كما هي كائنة، سواء أكانت دينية أم علمانية، هي في الواقع صياغة ووصف لسلوك بشر معرضين للخطأ، وبالتالي فهي ليست كاملة وهي عرضة للنقد والتقييم والتنقيح والإصلاح. لكن هذا الادعاء لا يصح بشأن الأخلاق المثالية، سواء أكانت دينية أم علمانية. ما أعنيه بالأخلاق المثالية هو «الأخلاق كما ينبغي أن تكون».
ليس لدينا أكثر من أخلاق مثالية واحدة، وهذه الأخلاق المثالية يمكنها في آنٍ واحد أن تكون فوق دينية وأن تحظى بقبول الدين، أي أن تكون بمعنى ما دينية وعلمانية معاً. السبب في ذلك هو أن الناظر المثالي في حقل الأخلاق، الذي حكمه إما منشأ «وجود» الأحكام الأخلاقية وإما منشأ «معرفة» الأحكام الأخلاقية، يصدر حكماً واحداً بشأن موضوع ما مع أخذ جميع الخصائص المؤثرة في التقييم والحكم الأخلاقي بعين الاعتبار، وفي هذه الحالة لا فرق إن كان هذا الناظر المثالي هو الله أم العقل البشري.
لذلك، أنا أعترف بوجود الاختلاف والتعارض بين الأخلاق الدينية القائمة والأخلاق العلمانية القائمة، وهذا التعارض هو أساساً أحد الافتراضات المسبقة لنظرية الناظر المثالي في حقل الأخلاق. هذا الادعاء لا يختص بحقل الأخلاق، بل هو صادق وجارٍ في حقل المعرفة بشكل عام. على سبيل المثال، إذا اختلف كيميائيان حول البنية الكيميائية لمادة معينة، فإن هذا الاختلاف في الرأي سببه أن الكيمياء القائمة بعيدة عن الكيمياء المثالية. الكيمياء القائمة مزيج من الحق والباطل أو القضايا الصادقة والكاذبة، وهي بعيدة عن الكيمياء المثالية التي هي حق خالص ولا تحتوي إلا على قضايا صادقة. العلم المثالي هو «العلم في مقام التعريف» والعلم القائم هو «العلم في مقام التحقق»، وهذان العِلمان بينهما مسافة. التقدم في حقل العلم يعني تقلص هذه المسافة واقتراب العلم القائم من العلم المثالي، وهي عملية لا نهاية لها.
أنتم في تقسيماتكم للأمر القدسي ولله، تصنعون إلهاً للأخلاق وإلهاً للفقه وتعتبرونهما مختلفين، وفي الجانب الآخر، تقسمون الإنسان أيضاً إلى نوعين وتفصلون بين الإنسان المثالي والإنسان غير المثالي، ثم بناءً على هذه التقسيمات، تختارون إله الأخلاق من ذاك الجانب والإنسان المثالي من هذا الجانب، وبتركيب هذين تخيطون معاً اعتقادين مختلفين جداً عن الأخلاق. لكن الحقيقة هي أنه لا ذانك الإلهان منفصلان بهذا القدر من التجريد، ولا هذان الإنسانان منفصلان بهذا القدر. المناظير الأخلاقية المختلفة هي نتاج مثل هذه التداخلات التي تشكلت بين الأنماط البشرية المختلفة وأنواع الأرباب..
أولاً، عملي ليس «بناءً» ولا «خياطة» وحياكة. كما أنني لم أركب أشياء مختلفة مع بعضها. إله الأخلاق وإله الفقه ليسا من صنعي. هذه «حقائق» استدللت عليها. في كثير من الأشياء، الفرد القائم والمتحقق بعيد عن فرده المثالي. لدينا إنسان قائم (= الإنسان كما هو كائن) وإنسان مثالي (= الإنسان كما ينبغي أن يكون). بقدر ما يتعلق الأمر بعلم الأخلاق، يختلف هذان الإنسانان من جهتين: الأولى أن معرفة الإنسان القائم بالحقائق ذات الصلة الأخلاقية، والتي تتدخل في حسن وقبح أو صحة وخطأ الأفعال، ليست «كاملة» أو «كافية»، والثانية أن الإنسان القائم في مقام الحكم ليس «متجرداً عن الغرض»/«محايداً» (impartial)، ومصالحه الشخصية وميوله تلقي بظلالها على حكمه الأخلاقي.
من ناحية أخرى، الإنسان المثالي في مجال الأخلاق هو من تكون معلوماته عن الوقائع ذات الصلة الأخلاقية كاملة/كافية، ويكون محايدًا في مقام الحكم، فلا تؤثر أهواؤه ومصالحه الشخصية تأثيرًا سلبيًا ومدمرًا في حكمه. إن المناظير الأخلاقية المختلفة التي تذكرونها تختلف فيما بينها لأنها نتاج إدراك الإنسان الموجود للقيم الأخلاقية. لكن البشر الموجودين، كما قد يخطئون في إدراك الحقيقة في سائر المجالات، ليسوا بمصونين عن هذا الخطأ في مجال الأخلاق أيضًا.
وكذلك الحال بالنسبة لإدراك البشر الموجودين لله وأوصافه وخصائصه. ففي هذا المقام أيضًا، ثمة فجوة بين إدراك الله (= الإله الذي يعرفه المتدينون ويعبدونه) والإله الحقيقي أو الله كما هو في الواقع. إن هذا في الأساس أحد التعاليم الجوهرية للأديان التوحيدية كالإسلام، وهو أن الله دائمًا أكبر وأسمى من إدراكنا ووصفنا. ومعنى شعار «الله أكبر» هو هذا بالضبط. ما أعنيه بإله الفقه هو الإدراك/التصور للإله الذي يفترض الفقهاء وجوده عمومًا في مقام استنباط الأحكام الشرعية ويعتبرون إرادته منبع الأحكام الشرعية. هذا الإدراك قابل للنقد بالطبع، ومن أهم الانتقادات الموجهة إليه أنه في هذا التصور للإله، لا تكون أوصافه الأخلاقية حاضرة، أي أن صلة أوصاف الله الأخلاقية بالتشريع وتدخلها فيه تُهمل كليًا في هذا التصور.
إله الفقه هو إله مالك أو شارع، وحق مالكيته وشارعيته مطلق، أي أن صفة عدله لا تقيد هذين الحقين، بل على العكس، إطلاق هذين الحقين يؤدي إلى أن «كل ما يفعله ذلك الملك يكون حلوًا». وحكمة إله الفقه أيضًا، إذا كانت هذه الصفة حاضرة أساسًا في تعريف إله الفقه، ليست أكثر من «مراعاة المصلحة». فأحكام/أوامر إله الفقه تابعة للمصالح والمفاسد، لا للخير والشر والصواب والخطأ الأخلاقيين للأفعال. وهذا يعني انفصال إله الفقه عن إله الأخلاق، واستقلال الفقه التام عن الأخلاق، وجلوس الفقه محل الأخلاق. أما إله الأخلاق فهو إله أخلاقي، وإرادته التكوينية والتشريعية تابعة لأوصافه الأخلاقية.
في التصور الذي أحمله عن الله بوصفه ناظرًا مثاليًا، يكون حكم إله الفقه وإرادته مؤطرين بإطار أخلاقي، أي أن مجموعة أوصاف الله الأخلاقية (= إله الأخلاق) حاضرة أيضًا في مقام تشريع الأحكام الشرعية وتؤدي دورًا، وهذا الدور مقيد ومحدد. أنا بالطبع لا أختزل الدين في الأخلاق، ولا الحكم الشرعي في الحكم الأخلاقي. لكنني أعتقد جديًا أن الشريعة في مقام الثبوت/اللوح المحفوظ لها إطار أخلاقي. برأيي إن قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع هي قاعدة سلبية وليست قاعدة إيجابية. كان القدماء يقولون: «كل ما حكم به الشرع حكم به العقل».
لكن برأيي لا يوجد دليل لصالح هذه القراءة لقاعدة الملازمة. القراءة التي يمكن الدفاع عنها والاستدلال لصالحها هي: «كل ما حكم به العقل لم يحكم عليه الشرع». إذا سألتم لماذا الأمر كذلك؟ فجوابي هو: لأن أوصاف الله الأخلاقية، كوصف عدله ورحمته، تتقدم على وصف مالكيته وشارعيته، وتقيد مقتضى مالكيته وشارعيته. هذه القيود التشريعية تنطوي على ثلاث خصائص أو نتائج مهمة:
النتيجة الأولى، وهي «لاهوتية»/«كلامية»، هي أنه خلافًا لتصور الأشاعرة، لا تتنافى هذه القيود مع التوحيد ووحدانية الله، لأنه في هذه الحالة لا يفرض أحد شيئًا على الله من الخارج. هذه القيود هي مقتضى طبيعة الله نفسه، لأن أوصافه الأخلاقية هي التي تقيد سائر أوصافه. وكما أن عدالة الله تمنعه من أن يظلم أحدًا في مقام التكوين، فإن الوصف نفسه يمنع الله من أن يشرع حكمًا ظالمًا في مقام التشريع. وبتعبير القرآن، فإن الله في هذه الحالة يوجب شيئًا على نفسه. «كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» (الأنعام: ۱۲) وهذا لا يتنافى مع ألوهية الله ووحدانيته وإطلاق قدرته.
(۲). النتيجة الثانية، وهي «ميتافيزيقية»/«أنطولوجية»، تتمثل في الادعاء بأنه إذا كانت الصفات الأخلاقية لله تُقيِّد صفاته الأخرى في مقام التشريع، فإن الإرادة التشريعية للإله ستكون لها إطار أخلاقي، ولن ينتهك الله القيم والمعايير الأخلاقية في مقام التشريع، أي أن وقوع مثل هذا الأمر محال. والدين والشريعة الناتجان عن هذه الإرادة سيكونان «ديناً وشريعة في إطار الأخلاق». وعليه، فالدين في مقام الثبوت (بتعبير ديني، اللوح المحفوظ) منسجم مع الأخلاق، بمعنى أنه لا ينتهك المبادئ الأخلاقية، لا بمعنى أن الأخلاق تُعيِّن محتوى الدين. يحق للإله المُشرِّع، في إطار الأخلاق، أن يُصدر أحكاماً مصلحية، وأن يُعمِل حق الملكية أو حق التشريع خاصته. الأخلاق، إذا سلّمنا بتقدمها على الدين، تُحدِّد وترسم «إطار» الدين والشريعة فحسب، لا مضمونهما.
(۳). النتيجة الثالثة، وهي «إبستيمولوجية»، هي أن الفقهاء والمجتهدين قد يخطئون في فهم الأحكام الشرعية واستنباطها من مصادر الشريعة، وأحد الأخطاء الشائعة ناتج عن التصور والفهم الخاطئين اللذين يحملهما الفقهاء والمجتهدون عن الله في خلفية أذهانهم، والذي يوجه أذهانهم في مقام استنباط الأحكام. إن انسجام الأحكام الشرعية مع القيم الأخلاقية لا يؤدي بالضرورة إلى أن يكون فهم الفقهاء واستنباطهم لهذه الأحكام منسجماً تلقائياً مع القيم الأخلاقية. إذا قبلنا بأن للشريعة في «مقام الثبوت» إطاراً أخلاقياً، فيلزمنا بالضرورة أن نقبل بأن إحدى مهام الفقهاء والمجتهدين في «مقام الإثبات» للأحكام هي أن يزِنوا فهمهم وتصورهم للنصوص الدينية بالقيم الأخلاقية ويوازنوها. هذا القول يعني أن القيم الأخلاقية تجد دوراً إبستيمولوجياً وإبطالياً في الفقه. وقد اقترحت تسمية «قابلية الإبطال الأخلاقي للفتاوى الفقهية» لهذه القاعدة الإبستيمولوجية.
الدين في ميزان الأخلاق هو في الواقع نظرية توجيهية (prescriptive) ومعيارية (normative) يُلزَم بموجبها المتدينون بأن يختبروا فهمهم وتفسيرهم للدين بالقيم الأخلاقية ويُصحّحوه. ولأن الله ليس لديه حكم لا أخلاقي/مضاد للأخلاق، فلا يحق لأي إنسان أن ينسب حكماً لا أخلاقياً/مضاداً للأخلاق إلى الله، ومجرد وجود آية أو رواية تدل في ظاهرها على مثل هذا الحكم، ليس تبريراً مقبولاً لنسبة هذا الحكم إلى الله. وبتعبير آخر، إذا أثبتنا أن حكماً أو اعتقاداً يدل عليه ظاهر النصوص الدينية هو «لا أخلاقي»، نكون في الواقع قد أثبتنا أن هذا الحكم أو الاعتقاد لم يكن موجوداً في الدين في مقام الثبوت.
لقد قلت في مواضع عدة إن الفتاوى الفقهية تكون معتبرة ما دامت منسجمة مع الأخلاق، وإلا فهي غير معتبرة. أي إن إله الفقه، كما تقول، يجب بالضرورة أن يكون مُقيَّداً بإله الأخلاق. ربما كان هذا الرأي قابلاً للهضم في إطار نظرية الناظر المثالي، ولكن ألا ترى أن الفقه هو أداة لتأسيس الأخلاق التي يريدها إله الأخلاق؟ أليس الفقه محاولة مضمونة لتطبيق ما يذكره النص باعتباره حكماً إلهياً، أو بتعبير نظريتك، أمر الناظر المثالي؟
عنوان الفصل الأول من كتاب أخلاق دين شناسي هو: «إحلال الفقه محل الأخلاق». في هذا الفصل، قمت بنقد مفصل لهذه النظرية الشائعة والمهيمنة في الثقافة الإسلامية، والتي هي في الواقع المُسلَّمة الضمنية لعموم الفقهاء، وقلت إنه في التلقي الشائع لمنزلة الفقه، الراسخ في ذهن غالبية المسلمين، يحل الفقه محل الأخلاق، وإن معرفة الأحكام والأوامر الفقهية واتباعها تُغني البشر عن معرفة حقوقهم وواجباتهم الأخلاقية واتباعها. وعليه، فإن كلامكم بخصوص «الفقه الموجود»، أي الفقه كما هو كائن، صادق، بمعنى أن الفقه الموجود بناءٌ تشكّل وبُني على أساس تلقي خاطئ للعلاقة بين الدين والأخلاق. ولأن ذلك التلقي، الذي هو حجر الأساس لهذا البناء، خاطئ، فإن هذا البناء بحاجة إلى إعادة بناء عقلانية/أخلاقية. في الواقع، نحن هنا أمام نظريتين متنافستين حول العلاقة بين الدين والأخلاق. فبناءً على إحدى النظريتين، الدين بديل عن الأخلاق، وعلم الفقه بديل عن علم الأخلاق، ولكن بناءً على النظرية المنافسة، الأخلاق هي إطار الدين، وعلم الأخلاق هو إطار علم الفقه.
أنا على يقين بأن فهمنا للنصوص الدينية تابع للافتراض المسبق الذي نحمله في أذهاننا حول العلاقة بين الدين والأخلاق. فإذا سلّم شخص، قبل الرجوع إلى النصوص الدينية، بأن الدين بديل عن الأخلاق وأن معرفة الأوامر الدينية واتباع الدين يغني الإنسان عن معرفة الأوامر الأخلاقية واتباع الأخلاق، فسيفهم الدين على النحو الذي أشرتم إليه في سؤالكم. أما إذا سلّم شخص، قبل الرجوع إلى النصوص الدينية، بأن الأخلاق مستقلة عن الدين ومتقدمة عليه، فإنه في هذه الحال لا يستطيع أن يعتبر الأحكام الفقهية/الشرعية عين الحكم الأخلاقي وعين أوامر الناظر المثالي في حقل الأخلاق، بل على العكس تمامًا سيكون ملزمًا بأن يزن فهمه واستنباطه للأحكام الفقهية/الشرعية ويوازنها بحكم الناظر المثالي في حقل الأخلاق.
لنتحدث أكثر عن الأخلاق والفقه. أنتم تكتبون في موضع آخر أنه لا توجد علاقة منطقية وإنتاجية بين الأخلاق والفقه، وفي موضع آخر تقولون إن الملازمة بين حكم الشرع وحكم العقل هي ملازمة سلبية لا إيجابية، ولهذا السبب ترفضون القراءة القصوى للارتباط الأنطولوجي للدين بالأخلاق. يبدو أنكم تنظرون إلى الفقه بوصفه منفصلًا تمامًا عن الأخلاق وربما قضية غير أخلاقية. لماذا؟
أنا لا أنظر إلى الفقه بوصفه منفصلًا عن الأخلاق. دعواي هي أن الأخلاق مستقلة عن الفقه ومتقدمة عليه. ولأن الأمر كذلك، فإن الفقه لكي يكون مبررًا ومعقولًا وقابلًا للدفاع ومقبولًا، لا بد له من أن يبقى في إطار الأخلاق وألا ينتهك المعايير الأخلاقية، وألا يمنح المتدينين والمتشرعة رخصة انتهاك هذه المعايير. معنى هذا القول بأن الفقه والأخلاق «لا تربطهما علاقة منطقية وإنتاجية» هو أنه لا يمكن بناء الفقه بـ«الأخلاق وحدها». أي لا يمكن الادعاء بأنه مقابل كل حكم أخلاقي يوجد حكم فقهي أيضًا، بحيث يمكن بمعرفة الأول معرفة الثاني. هذه هي القراءة القصوى للارتباط الوجودي للدين بالأخلاق أو الملازمة الإيجابية بين حكم العقل وحكم الشرع التي لا نملك دليلًا لصالحها.
النظرية المنافسة، والتي حسب علمي قُدّمت صياغتها الفلسفية لأول مرة من قبل إيمانويل كانط فيلسوف الأخلاق الألماني، وهي نظرية صحيحة في رأيي أيضًا، هي أن العلاقة بين الأخلاق والدين/الفقه هي علاقة «إبطالية»، بمعنى أن الأخلاق تبطل الاستنباطات الفقهية للأحكام الشرعية المتعارضة مع القيم الأخلاقية وتظهر عدم تبريرها. وعليه، فالأخلاق لا تؤدي دورًا مولّدًا في حقل الفقه، أي أن الأحكام الأخلاقية لا تنتج الأحكام الفقهية، بل تؤدي الأخلاق في حقل الفقه دور المفتش الذي يقوم في نهاية خط إنتاج الفتوى بفحص/غربلة المنتجات الفقهية وفصل الفتاوى الصحيحة عن الفتاوى الخاطئة.
انفصال علم الفقه عن علم الأخلاق يعني أن هذين الحقلين العلميين لا يمكن رد أحدهما إلى الآخر أو استبدال أحدهما بالآخر، ونحن، بصفتنا أناسًا لدينا همّ العيش كمسلمين ولدينا همّ العيش الأخلاقي أيضًا، نحتاج إلى كلا العلمين. إذا اعترفنا بضرورة هذين العلمين وأهميتهما، فإن أحد الأسئلة المهمة التي تطرح حينئذ هو: كيف هي العلاقة بين هذين الحقلين العلميين؟ وإذا تعارضت منتجات وحصائل هذين العلمين، كيف ينبغي لنا أن نحل هذا التعارض؟ أولئك الذين لا يحملون أحد هذين الهمّين لن يواجهوا هذا السؤال. أما نحن فلا مناص لنا من التصدي لهذا السؤال.
في الواقع هذا تعبير آخر عن السؤال الشهير نفسه حول العلاقة بين الدين والأخلاق، الذي يتمتع بتاريخ طويل جدًا، في الفلسفة كما في اللاهوت، وهو ليس سؤالًا جديدًا، وإن كان يُطرح في أزمنة مختلفة في قالب تعابير جديدة ويظهر في لبوس جديد، لكن جوهر هذه التعابير واحد. في الثقافة الإسلامية، كان النزاع القائم بين الأشاعرة والمعتزلة يدور حول ما إذا كان الحسن والقبح شرعيًا أم عقليًا. وفي العصر الحديث يُطرح هذا الاختلاف في قالب تعارض الأحكام/الفتاوى الفقهية مع حقوق الإنسان. لكن إذا أنعمنا النظر نجد أن جوهر هذين الاختلافين في الرأي واحد، وهو الاختلاف حول العلاقة بين الدين والأخلاق، وما إذا كان الدين بديلًا عن الأخلاق أم أن الأخلاق مستقلة عن الدين ومتقدمة عليه.
لقد أشرتم في تبيين خدمات الدين للأخلاق إلى ذكر الصور الغيبية بوصفها إحدى هذه الخدمات. أولاً: ما العلاقة التلازمية بين عالم الغيب والصور الغيبية بوصفها أموراً فوق أرضية، وبين الأخلاق بوصفها أمراً أرضياً؟ ثانياً: الصور الغيبية تقوم في الغالب على الخوف والرجاء وتولّد في الأعم الأغلب الخوف والهلع، فما نسبة هذه النواتج إلى الأخلاق التي هي قضيةٌ لتقليل الألم والمعاناة؟
أولاً، الأخلاق ليست قضية، بل هي مجموعة من القيم والمعايير والفضائل. وعلم الأخلاق هو المعرفة التي تتولى فهم هذه الأمور وبيانها.
ثانياً، أنا وإن كنت أعتقد أن تقليل آلام البشر، بل جميع الكائنات الحساسة، هو عمل خيّر وقيم من الناحية الأخلاقية، بل هو في بعض الحالات إحدى واجباتنا الأخلاقية كبشر، إلا أنني أعارض اختزال الأخلاق في هذه القيمة أو الواجب الأخلاقي. إن تقليل الألم والمعاناة ليس سوى واجب واحد من الواجبات التي تضعها الأخلاق على عاتقنا، وهناك قيم وواجبات أخلاقية أخرى لا صلة لها بتقليل الألم والمعاناة ولا تنبثق منه. على سبيل المثال، لو وعدتكم بأن أجري معكم مقابلة، فإن وضعي الأخلاقي قبل الوعد يختلف عن وضعي بعده. قبل الوعد أكون حراً أخلاقياً في أن أجري المقابلة معكم أو لا أجريها، ولكن بعد الوعد تصبح المقابلة واجبة عليّ أخلاقياً. يقول الإمام علي (ع) في نهج البلاغة: «المسؤول حر حتى يعد»، أي أن من يُطلب منه شيء يكون حراً في تلبية الطلب أو رفضه ما لم يعد، أما بعد الوعد فلا يكون حراً.
إن مجرد الوعد سيلزمني بالوفاء به، حتى لو لم يتسبب إخلافي بالوعد في أي ألم أو معاناة لكم أو لغيركم. أو لو أسديتم إليّ معروفاً، فأنا ملزم بشكركم، حتى لو لم يضف جحودي أي ألم أو معاناة إليكم أو إلى غيركم، أو لم ينقص شيئاً من ألمكم ومعاناتكم. كما أنني ملزم بأن أعاملكم بالعدل والإنصاف، حتى لو لم يضف ظلمي وإنصافي في حقكم إلى ألمكم ومعاناتكم، أو لم ينقص إنصافي وعدلي من ألمكم ومعاناتكم. بالطبع، قد يكون فعل معين في آن واحد مصداقاً لتقليل الألم والمعاناة ومصداقاً للوفاء بالعهد؛ لكننا في هذه الحالات نواجه واجبين أخلاقيين أو أكثر يمكننا أداؤها جميعاً بفعل واحد، لا «واجباً أماً» / «ينبغياً أولياً» تُستنبط منه سائر الواجبات.
في فلسفة الأخلاق الحديثة، تسمى هذه النظرية بالتعددية الأخلاقية (moral pluralism)، وهي تختلف ماهيةً عن التعددية الدينية (religious pluralism)، ولا ينبغي الخلط بينهما. التعددية الأخلاقية هي فكرة أو دعوى أن القيم والمعايير الأخلاقية الأساسية متعددة بطبيعتها، وأن هذه التعددية لا تزول، أي لا يمكن اختزالها جميعاً إلى قيمة أو معيار أم / أساسي / أولي (مثل تقليل الألم والمعاناة وزيادة اللذة).
ثالثاً، ما الذي تعنونه بادعائكم أن «الأخلاق أمر أرضي»؟ إن كان قصدكم أننا في حقل الأخلاق لا نتعامل مع أي مفهوم أو مقولة غير مادية / غير طبيعية، فيجب أن أقول لكم إن الأمر على العكس تماماً. على الأقل، هذا ما يعتقده كثير من فلاسفة الأخلاق. بالطبع، الطبيعية الأخلاقية (moral naturalism) هي إحدى وجهات النظر الموجودة في فلسفة الأخلاق حول المنزلة الوجودية والميتافيزيقية للأوصاف والقيم الأخلاقية. لكن كثيراً من فلاسفة الأخلاق يعتقدون أن الأوصاف الأخلاقية كالخير والشر والصواب والخطأ، والعلاقات الأخلاقية كالوجوب والحظر، ليست «طبيعية»، أي أنها ليست جزءاً من عالم الطبيعة، أو كما تقولون «أرضية»، وتختلف اختلافاً جوهرياً عن الوزن والكتلة واللون وسائر الأوصاف الطبيعية والفيزيائية. والأمر نفسه ينطبق على موضوع الأحكام الأخلاقية. فمثلاً، إذا تأملتم مفهوم الألم والمعاناة نفسه، الذي ترون أن تقليله هو جوهر الأخلاق أو كل الأخلاق، ستجدون أن الألم والمعاناة ليسا أمرين ماديين ومحسوسين، بل هما أمران غير محسوسين وخفيان، لهما آثار وعلامات ظاهرة / محسوسة نستطيع من خلالها، وعبر التخيل والتعاطف، أن نكتشف وجودهما في الآخرين.
بهياری اين توضيحات، پاسخ پرسش شما اين است: من گفتهام كه دين میتواند از رهگذر تقويت پشتوانه روانشناختی، انگيزه انسانها را برای زيستن اخلاقی و ماندن بر اخلاق تقويت كند، و اين مهمترين خدمت دين در قلمرو اخلاق است. بيان صور غيبی اعمال نيز يكی از خدمات دين در قلمرو روانشناسی اخلاق است، اما چگونه و برای چه كسی؟ به اين دو پرسش ضمنی در همانجا پاسخ دادهام، و آن پاسخ به اجمال چنين است: (۱) از طريق فراهم كردن انگيزه مضاعف (۲) برای خصوص مؤمنان. يعنی كسی كه ماترياليست/خداناباور نيست و به وجود عالم غيب/عالم معنا باور دارد و پيشاپيش پذيرفته است كه كردار و گفتار او ظاهری دارد و باطنی، اگر بداند كه فیالمثل خوردن مال يتيم عين خوردن آتش است، انگيزه خواهد داشت يا انگيزه بيشتری خواهد داشت كه از چنين كاری خودداری كند.
اين دقيقاً مثل اين است كه ما برای كاهش ناهنجاریهای اخلاقی در جامعه از تنبيه و مجازات حقوقی يا غيرحقوقی استفاده كنيم. مثلاً اگر افكار عمومی، به دروغگويی سياستمداران حساس باشد، و بتواند نسبت به اين كار واكنش مناسب نشان دهد، چنانكه در بعضی از جوامع آزاد و دموكراتيك چنين است، در اين صورت سياستمداری كه دروغ میگويد در اثر فشار افكار عمومی مجبور خواهد شد از شغل خود استعفا كند، يا حزب او ناگزير خواهد شد او را بر كنار كند. طبيعتاً وجود چنين مكانیزمی موجب خواهد شد كه سياستمداران انگيزه بيشتری داشته باشند برای اينكه كمتر دروغ بگويند، و اين يكی از خدماتی است كه حقوق، آزادی مطبوعات و حساسيت افكار عمومی، يا به تعبير دينی امر بهمعروف و نهی از منكر، میتواند در قلمرو اخلاق داشته باشد.
همينطور است وقتی كه دين صور باطنی و غيبی اعمال آدميان را برايشان بازگو میكند. از اين طريق يك پشتوانه روانشناسانه مضاعف برای اخلاق ايجاد میشود، اما نه برای همه انسانها و نه برای بیدينان، بلكه برای ديندارانی كه پيشفرضهای لازم را از صميم دل پذيرفته و به آنها ايمان داشته باشند.
پرسش شما جنبه ديگری هم دارد. به نظر میرسد كه شما اين را مفروض گرفتهايد كه اخلاق عبارتست از كاستن درد و رنج همه انسانها، از جمله درد و رنج فاعل فعل اخلاقی. در حالی كه اينطور نيست. اگر اين طور بود كه انسانها انگيزهای برای ظلم و ستم به ديگران نداشتند. اگر من هر وقت دروغ میگفتم درد و رنج شديدی در درون خود احساس میكردم، برای فرار از آن درد و رنج هم كه بود كمتر دروغ میگفتم، يا اصلاً دروغ نمیگفتم. اصولاً بخش مهمی از اخلاق، يا هسته اصلی اخلاق، يا كف اخلاق عبارتست از وظايفی كه انجام آنها معمولاً با درد و رنج و زحمت و مشقت فاعل همراه است؛ برای همين آن را تكليف ناميدهاند. حتی اگر بپذيريم كه كاستن از درد و رنج ديگران تنها وظيفهای است كه يك فاعل اخلاقی بر عهده دارد، در بسياری از موارد انجام اين وظيفه با درد و رنج خود فاعل همراه است.
دستكم اين است كه كسی كه میخواهد به اين وظيفه اخلاقی عمل كند، ناگزير است از خوشی و راحتی و لذت خود بگذرد و محروميتها و رنجهايی را تحمل كند. منظورم اين است كه در بسياری از موارد كاستن از درد و رنج ديگران ملازم است با تحمل درد و رنج در خود يا كاستن از لذت و راحتی خود. حتی استاد مصطفی ملكيان هم كه مروج اصلی اين انديشه در ايران بودند كه اخلاقی زيستن، آرامش و شادی و اميد فاعل اخلاقی را افزايش میدهد در تقريرهای اخير نظريههای اخلاقیشان نظر خود را تغيير دادهاند و تصريح میكنند كه زيست اخلاقی گاهی درد و رنج را بيشتر هم میكند و تنها به خاطر «عشق به خوبی» بايد اخلاقی زيست و نه لزوماً كاهش درد و رنج و افزايش لذت و آرامش و شادی.
شما ذيل همين بحث، از نظام اخلاقی عالم هستی سخن میگوييد. كدام نظام اخلاقی؟ اين نظام اخلاقی، رنج و درد و فقر و تبعيض و ديوانگی و ناقصالخلقهگی و مرارت و مصيبت و... را چگونه توجيه میكند؟
اين پرسش شما مبتنی بر فهم نادرستی از نظام اخلاقی عالم است. منظور از نظام اخلاقی عالم اين است كه اين جهان در برابر كارهای نيك و بد انسانها بیتفاوت نيست، يعنی نهتنها هيچ كاری در اين عالم گم نمیشود، بلكه به تعبير عاميانه «جوابِ «های»، «هو» است». به تعبير قرآن «فمن يعمل مثقال ذره خيراً يره و من يعمل مثقال ذره شراً يره». البته اعتقاد به اين امر هيچ منافاتی با وجود فقر و تبعيض و ديوانگی و ناقصالخلقهگی و مرارت و مصيبت و اين قبيل امور ندارد. به قول مولانا، اين جهان چون كوه و فعل ما ندا.
أولئك الذين يؤمنون بالنظام الأخلاقي للعالم يقصدون بذلك أن لأعمالنا في هذا العالم صدىً سيعود إلينا عاجلاً أم آجلاً وسينالنا، سواء في هذا العالم أم في العالم الذي بعد الموت. إن النظام الأخلاقي للعالم ليس بصدد تبرير الوضع القائم، حتى يُقال كيف تبرر هذه النظرية الفقر والتمييز والمعاناة والمصائب. تقول هذه النظرية: إذا كان أفراد أو جماعات من البشر قد أنتجوا هذه الشرور، فسيرون جزاء عملهم في النهاية، إما في هذا العالم وإما في عالم آخر؛ هذا هو فحسب. وبالتعبير الفني، فإن وجود الشرور الطبيعية منسجم مع النظام الأخلاقي للعالم. نعم، لقد حاول بعض الملحدين، بالاعتماد على وجود الشرور الطبيعية في هذا العالم، أن يستنتجوا أن إله الأديان غير موجود أو أن وجوده غير محتمل. لكن هذا موضوع آخر ولا علاقة له بالنظام الأخلاقي للعالم. قد لا يؤمن شخص بوجود الله، لكنه يؤمن بالنظام الأخلاقي للعالم، أي أنه يعتقد أن بنية هذا العالم على نحو لا يترك فيه العمل الأخلاقي الحسن والقبيح الأثر نفسه على مصير الفاعل.
وربما أمكن، عبر الأبحاث العلمية/التجريبية، أن نُظهر أن أولئك الذين يعيشون حياة أخلاقية يتمتعون، في المجمل، بصحة نفسية وسعادة وطمأنينة وأمل ورضى باطني أكبر من أولئك الذين يضيعون حقوق الآخرين، وإن كان وضع المجموعة الثانية قد يكون أفضل من المجموعة الأولى في هذا العالم من الناحية المادية. بالطبع، إن قبول هذه النظرية أسهل في إطار ديني يكون الإيمان بوجود الله أحد أركانه. ناهيك عن أنه من منظور «باطني»، فإن كثيراً مما نعتبره ظاهرياً «شراً» هو في الواقع مصاعب ظاهرية تقترن بـ«خيرات» باطنية وأخروية وحتى ظاهرية، ولا يمكننا الحكم بكونها شراً أم خيراً إلا إذا نظرنا من فوق سطح العالم وبعين باطنية.
في موضع آخر، تقولون إن الدين ينفي الأنانية. لكن يبدو أن الدين، بوصفه أمراً فردياً، هو محاولة لتخليص الإنسان من الجحيم، حيث لا يفكر المرء إلا في نفسه، ولا حتى في أبيه وولده. فالإنسان المتدين يريد أن يُنقذ «نفسه» فقط لأنه على الصراط يكون وحيداً. وفي هذا المجال، يبدو أن مسألة النفس اللوامة والإنسان المتعبد لا يمكنها أن تخدم الأخلاق كثيراً، لأن العبادة والملامة محاولة للخلاص من جحيم يُتوصَّل إليه، بالصدفة، بمحك فقهي، وهكذا لم يُمحَ العنف أبداً من جبين هذا الإنسان، وفي تاريخ العنف تُرى سجادات ملطخة بالدماء كثيراً.
أنا لم أقل إن الدين «ينفي» الأنانية في بداية السير والسلوك الأخلاقي. ما قلته هو أن الدين في بداية الطريق «يكبح» الأنانية و«يعدلها»، وإن كان في النهاية يستبدل الأنا بالله، وهذا يعني نفي الأنانية في نهاية مسار التعليم والتربية الأخلاقية. بالطبع، لكي يكون للدين هذه الوظيفة، ينبغي لنا أن نعرفه معرفة صحيحة، ومعرفته الصحيحة تتوقف بدورها على قبول نظرية تقدم الأخلاق على الدين. وخلافاً لتقريركم، يقدم الدين وصفات شفائية متعددة ومتنوعة لعلاج الآلام الأخلاقية والروحية لمختلف البشر في مراتب وسياقات مختلفة، وما ذكرتموه يتعلق بواحدة فقط من هذه الوصفات والمراحل. وبشكل عام، تعمل التعاليم الدينية في هذا الصدد على ثلاث مراحل:
في المرحلة الأولى، يسعى الدين إلى استبدال الأنانية «قصيرة النظر» و«العمياء» بأنانية «بعيدة النظر» و«مستنيرة». في هذه المرحلة، يفترض الدين حسابات عقل المصلحة أو العقل النفعي، لكنه يُدخل إلى الساحة بنوداً جديدة تتمثل في الربح والخسارة الأخروية والروحية. فمن يؤمن بوجود الآخرة ويقبل أن لأعماله الحسنة والقبيحة عواقب وتأثيرات حسنة وقبيحة في مصيره الأخروي، فإنه سيعزف بطبيعة الحال عن منفعته العاجلة التي ينالها في هذا العالم عبر ارتكاب العمل القبيح، ليجتنب بذلك خسارة أكبر ستصيبه في حياة ما بعد الموت.
لضبط أنانية البشر، التي تُعدّ أحد المنابع الرئيسية للانحرافات الأخلاقية، فإن الخطوة الأولى هي أن نُريهم أن الإيثار، والتعامل مع الآخرين بالإنصاف والعدل، واحترام حقوقهم، والوفاء بالواجبات والالتزامات الأخلاقية تجاههم، يصبّ في مصلحة الفاعل نفسه أيضًا، وأن منفعة السلوك الأخلاقي لا تعود حصرًا على الآخرين، بل إن فاعل الفعل الأخلاقي يستفيد في نهاية المطاف من فعله. وبالطبع، فإن العيش أخلاقيًا والتعامل مع الآخرين بأخلاق بدافع تحقيق منفعة شخصية ليس «مثاليًا» من الناحية الأخلاقية، لكنه على أية حال يختلف عن نمط الحياة والسلوك اللاأخلاقي مع الآخرين، وهو أفضل منه.
وبتعبير فني وتخصصي، فإن دافع الفاعل هو أحد الأمور التي تكون هي نفسها عرضة للتقييم الأخلاقي، كما تتدخل في القيمة الأخلاقية للفعل الذي ينبع من ذلك الدافع. وأفضل دافع من الناحية الأخلاقية هو القيام بعمل أخلاقي لمجرد كونه عملًا خيرًا وصوابًا من الناحية الأخلاقية، أو الامتناع عن عمل لمجرد كونه عملًا سيئًا وخاطئًا من الناحية الأخلاقية. غير أن امتلاك هذا الدافع هو مثال أعلى يتطلب الوصول إليه تمرينًا ورياضة روحية شاقة ومستمرة.
لذلك، فإن الواقعية تقتضي منا، في مقام التعليم والتربية الأخلاقية، أن نخطو خطوات تدريجية لضبط الأنانية والأثرة وتعديلهما، وإزاحة هذا العائق الكبير من طريق العيش الأخلاقي وتحقيق المجتمع الأخلاقي. وإحدى هذه الخطوات هي ما يقوم به الدين أيضًا، شريطة أن يُفهم فهمًا صحيحًا، في المجتمع الديني، وتتمثل في إحلال الأثرة البعيدة النظر/المستنيرة، التي لا تشكل عائقًا أمام العيش الأخلاقي والبقاء أخلاقيًا، محل الأثرة القصيرة النظر/الظلامية التي تشكل عائقًا أمام العيش الأخلاقي والبقاء أخلاقيًا.
وفي المرحلة الثانية، يسعى الدين إلى تقوية حس الإيثار لدى البشر وإضعاف حس الأنانية فيهم. فعلى سبيل المثال، عندما يسمي الدين جهاد النفس بالجهاد الأكبر، فهو في الواقع يدعو المؤمنين إلى جهاد الأنانية وحب الذات والغضب والغيظ والحرص والطمع، التي هي منابع الانحرافات الأخلاقية. فإذا وُفّق أحد في هذا الجهاد، فإن أنانيته ستضعف في الواقع، وتضعيف الأنانية هو عين تقوية الإيثار، أي أنه يلازمه. فهذان الدافعان، وكلاهما موجود في طبيعة البشر، تربطهما علاقة عكسية، بمعنى أنه كلما اتبع الشخص أحدهما أكثر، ضعف الآخر فيه، والعكس صحيح. إذن، فقلة الأنانية تعادل كثرة الإيثار، وتضعيف الأنانية هو عين تقوية الإيثار. وفي أدبنا العرفاني أيضًا، تم الحديث عن العشق بوصفه أفضل دواء لعلاج الأنانية والعبور منها نحو الإيثار.
وأخيرًا، في المرحلة الثالثة، يسعى الدين في المرحلة النهائية إلى أن يُحل «الله» محل «أنا» الفاعل. وحلول الله محل الأنا يعني أن علاقة الفرد بالآخرين بعد ذلك لا تُنظَّم على أساس «العشق الآخذ»، بل على أساس «العشق المانح»، لأن عشق الله ومحبته لعباده هي عشق مانح بنسبة مئة في المئة. فالله يريد البشر لذواتهم ويحبهم، لا لنفسه. والشخص الذي يفنى في الله في سيره وسلوكه إليه ويُحلّه محل نفسه، لن يريد الآخرين لنفسه، وسيكون عشقه للآخرين عشقًا مانحًا، لا عشقًا آخذًا. مثل هذا الشخص يريد نفسه للآخرين، لا العكس، ولذا فإن محركه ودافعه في التعامل مع الآخر ليس تحصيل الربح والمنفعة الشخصية، بل إن محض الخير والمصلحة والسعادة والفلاح للآخر هو ما يدفعه إلى القيام بعمل ما أو الامتناع عنه.
في كلامكم افتراضات مسبقة أخالفكم فيها. منها أنكم قلتم إن النجاة من جهنم لا تتحقق إلا باتباع الفقه والأحكام الفقهية. هذا الكلام لا يصح إلا إذا جعلنا الفقه بديلاً عن الأخلاق. أما إذا قبلنا تقدم الأخلاق على الفقه، وهو ما ينبغي أن نقبله، فعلينا حينئذ أن نلتزم بلوازم هذه الدعوى، ومن لوازمها أن النجاة من جهنم رهن بتحقق شرطين واستيفائهما: أحدهما اتباع الأخلاق والقيم الأخلاقية، والآخر اتباع الأحكام الفقهية. وبتعبير آخر، الجنة جزاء اتباع طائفتين من أوامر الله: طائفة الأوامر الأخلاقية التي تُكتشف بالعقل غير الديني/الفوق ديني، وطائفة الأوامر الشرعية/الفقهية التي يخبر بها النبي اعتماداً على الوحي وإشرافه الباطني، وأوامر الطائفة الثانية هي أيضاً فرع من الأوامر الأخلاقية وتندرج في إطار الأخلاق.
من ثيمات أخلاق علم الدين أن نجاة الإنسان وسعادته الأخروية رهن بمراعاة القيم الأخلاقية، وأن اتباع الأحكام الفقهية لا يغني المتدينين عن اتباع الأخلاق، ولا يسقط عن عواتقهم الواجبات الأخلاقية المتوجهة إلى الإنسان بما هو إنسان. وبتعبير أوضح، لدينا جهنمان: جهنم هي نتيجة انتهاك المقررات الفقهية، وأخرى هي نتيجة انتهاك القيم الأخلاقية. وهذه الدعوى صادقة في شأن الجنة أيضاً. وعليه، إذا قبلنا تقدم الأخلاق على الدين، فنحن مضطرون إلى قبول هذه الدعوى أيضاً وهي أن كل سعي لعيش حياة أخلاقية وسلوك أخلاقي مع الآخرين هو خطوة يخطوها الفرد لنجاة نفسه من جهنم والعذاب الأخروي، وأن النجاة من جهنم والذهاب إلى الجنة لا يمكن تأمينها بمجرد اتباع الفقه والأحكام الفقهية. بل إضافة إلى ذلك، وقبل ذلك، لا بد من مراعاة القيم الأخلاقية.
لقد قلتم إن العنف لم يُنزع من جبين الإنسان المتدين، وإن تاريخ العنف قد شهد سجادات ملطخة بالدماء كثيرة. وفي هذا الشأن أيضاً يمكن أن يقال الكثير، لكنني مضطر هنا إلى الاكتفاء بذكر نقطتين:
أولاً، من الناحية الأخلاقية ينقسم العنف إلى نوعين: مُجاز/مشروع وغير مُجاز/غير مشروع. فمثلاً، حين تقوم المؤسسات الحكومية المنتخبة من الشعب باستخدام القوة للقبض على مجرم، وبعد محاكمة عادلة تحكم عليه بعقوبة تتناسب مع جرمه وتفرض عليه تحمل تلك العقوبة بالقوة، فهي في الواقع قد لجأت إلى نوع من العنف ضد ذلك الفرد. العنف هو أن يسلب فرد أو جماعة، بممارسة الضغط الجسدي، حرية فرد أو جماعة أخرى ويحول دون تحقق إرادته. وكذلك الأمر حين تأسر بالقوة في جبهة القتال جندياً من العدو المهاجم لأرضك، فنفس أسر ذلك الجندي هو نوع من العنف ضده.
لكن هذا العنف مشروع/مُجاز من الناحية الأخلاقية. للأسف، ثمة سوء فهم كبير في مجتمعنا حول الأخلاق وبعض القيم الأخلاقية، ومنها ما يتعلق بالمنزلة الأخلاقية للعنف. يظن كثير من الناس أن العنف من الناحية الأخلاقية سيئ ومذموم ومدان مطلقاً، والحال أنه ليس كذلك. الأب والأم اللذان يُجبران طفلهما بالقوة على تناول دواء مر، قد لجآ في الواقع إلى العنف ضد ذلك الطفل، لكن لو لم يفعلا ذلك بحجة أنه عنف، وأصيب الطفل بضرر نتيجة عدم تناوله الدواء، للامهما الجميع، حتى ذلك الطفل نفسه حين يكبر، وعنفوهما واتهموهما بالإهمال والتقصير في واجباتهما.
وكمثال آخر، إذا رأيت شخصاً هاجمكم بسكين ويريد قتلكم، ولم تكن هناك وسيلة للدفاع عنكم سوى أن أرميه بحجر فأصيبه بجرح، فواجبي الأخلاقي في هذه الحال هو أن أفعل ذلك. وبطبيعة الحال، نضطر في بعض الحالات، دفاعاً عن حقنا أو دفاعاً عن المظلومين، إلى ممارسة العنف في مواجهة الظالمين، وهذا العنف إذا لم يتجاوز حده وكان متناسباً وكان السبيل الوحيد للدفاع عن حق شخص ما في مواجهة الاعتداء عليه، فهو جائز من الناحية الأخلاقية، بل وواجب أحياناً. قلما نجد ظالماً يقلع عن ظلمه بالكلام اللين ودون ممارسة القوة والضغط والعنف ودون إيقاع الألم والمعاناة به. إن العقوبات العادلة التي تمارسها المؤسسات الحكومية ذات الشرعية الأخلاقية والشعبية هي في الأساس نوع من العنف المُجاز والمشروع أخلاقياً. قد تقولون إن المقصود بالعنف في العرف العام هو العنف غير المشروع/غير المُجاز تحديداً. وفي هذه الحال سيكون النزاع لفظياً، لكن الظاهر أن الأمر ليس كذلك.
ثانيًا، للإنسان المتدين حيثيات وجهات متعددة، وهو مجموعة من الهويات المتنوعة، والتدين ليس سوى واحدة من هذه الهويات. فالإنسان ذو الهوية الواحدة مفهوم تجريدي لا مصداق له. ومن ثم، فإن السلوك الذي يصدر عن الإنسان المتدين هو حصيلة جميع تلك الهويات، ولا ينبع دائمًا من دينه وتدينه، بل هو نتاج تفاعل الهويات والعلل والعوامل المتنوعة والمتعددة التي تتضافر معًا لتخلق لدى الفرد إرادة هذا السلوك. وهذه مغالطة كبرى يرتكبها بعض الملحدين/أعداء الدين، إذ بمجرد أن يرتكب إنسان – هو متدين إلى جانب هويات أخرى له – فعلًا قبيحًا ومستهجنًا أخلاقيًا، كأن يمارس عنفًا غير مبرر مع الآخرين مثلًا، يستنتجون أن الدين هو المذنب، وأنه ارتكب هذا الفعل القبيح لمجرد كونه متدينًا، ولو كان بلا دين لما ارتكب مثل هذا الفعل القبيح.
في الواقع، ليس لدينا متدين خالص، أي ليس لدينا إنسان متدين فقط وليس له أي هوية أخرى. لذلك، لا يمكن بلا دليل وجيه أن ننتزع من بين الهويات المتعددة للفرد هوية معينة كالتدين ونجعلها المذنبة. فربما كانت هويات أخرى لهذا الشخص هي التي دفعته إلى ارتكاب هذا الفعل. ويمكن طرح عكس دعواكم أيضًا. فهذا الدين ذاته، والخوف من الله، والدوافع الدينية لدى المتدينين، هي التي قللت من كثير من أعمال العنف غير المبرر على مر التاريخ. ولكي تكون هذه النتيجة مبررة ومقبولة منطقيًا، ينبغي أن نتمكن من إثبات أن هويات ذلك الشخص الأخرى لم يكن لها أي تدخل في سلوكه.
في الواقع، يُعطى هنا عنوان خاطئ، أي يُقال للناس إنه لمكافحة العنف يجب أن تتركوا الدين وتتخلوا عنه، لأن الدين هو منبع العنف. لكن هذا إعطاء عنوان خاطئ، لأننا نرى أناسًا تخلوا عن الدين ولا يزالون واقعين في العنف، ومقدار ومستوى العنف الذي يمارسه اللادينيون فيما بينهم وتجاه الآخرين ليس بأي حال أقل من مقدار ومستوى العنف الذي يمارسه المتدينون فيما بينهم وتجاه الآخرين. فتاريخ اللادينية ليس أنظف من تاريخ التدين في هذا الصدد، وليس للادينيين سجل أكثر إشراقًا في هذا الشأن.
ناهيك عن أن تاريخ البشر حتى هذه القرون والعقود الأخيرة هو تاريخ «ديني» موحد إلى حد كبير، ولم يتوفر أساسًا تاريخ بديل غير ديني حتى نتمكن من الحكم إن كان ذلك التاريخ العلماني سيكون أكثر عنفًا أم لا. وإذا كان البشر المتدينون واللادينيون، والمجتمعات المتدينة واللادينية، يعانون الآن على حد سواء من العنف والسلوكيات الأخلاقية الشاذة، فهذا يدل على أن منبع العنف شيء آخر وفي مكان آخر، أي أن التدين ليس بذاته مولّدًا وعاملًا للعنف، ولا اللادينية مانعة له. وإذا أخطأ المصلحون الأخلاقيون في تشخيص منبع الأمراض الأخلاقية، فبطبيعة الحال لن تكون الوصفة التي يصفونها لعلاج هذا المرض شافية.
الحقيقة هي أن العنف ينبع من الأنانية والحرص والطمع والجشع وحب المزيد والتسلط وعبادة المال لدى البشر، والدين واللادينية بذاتهما لا دور لهما في هذا الأمر. تأثير الدين في الإنسان كتأثير الموسيقى أو الخمر. أقصى ما في الأمر أن الإنسان الأناني المتدين، لتبرير سلوكه القبيح مع الآخرين، يحاول أن يلفق لفعله تبريرًا دينيًا، ومن هو بلا دين يسعى ليلفق لنفس الفعل تبريرًا غير ديني/علماني. نحن البشر عمومًا، متدينين كنا أو لادينيين، لدينا ميل شديد لإساءة استخدام الأمور المقدسة والقيمة وتبرير أعمالنا الخاطئة في ظلها. بعض المتدينين يبررون أفعالهم القبيحة باسم الله والنبي ويعتدون على حقوق الآخرين، وبعض اللادينيين يرتكبون نفس هذه الأفعال القبيحة وغير المبررة باسم الحرية والديمقراطية والقومية والعرق والطبقة العاملة وما إلى ذلك. ولكن، كما لا ينبغي لأحد أن يحمّل الحرية والديمقراطية وزر إساءة استخدامهما، فكذلك لا ينبغي ولا يمكن تحميل الدين وزر إساءة استخدامه.
بعبارة أخرى، لا يمكن التمسك بسلوك المدّعين للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لمعرفة هذه الأمور. هذه مغالطة يرتكبها بعض الذين يعارضون الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان باسم الدين. حجتهم هي أنه بما أن أنصار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان يفعلون كذا وكذا، إذن فالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان سيئة. هذا الاستدلال مغالطة، لأنه توجد على الأقل ثلاث مقدمات/فجوات بين الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وسلوك هؤلاء الأفراد، ولا يمكن بدون إثبات تلك المقدمات أو سد تلك الفجوات استنتاج وتبرير مثل هذه النتيجة من سلوكهم. تلك المقدمات هي:
المقدمة الأنطولوجية: الأفراد الذين يدّعون مناصرة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان هم حقاً مناصرون لهذه الأمور، أي أنهم يعتبرونها ذات قيمة ذاتية لا قيمة أداتية، ولا يسعون وراء مصالحهم الشخصية أو الجماعية تحت غطاء مناصرة هذه الأمور.
المقدمة المعرفية: هؤلاء الأفراد قد عرفوا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان معرفة صحيحة، و
المقدمة النفسية: هؤلاء الأفراد ليسوا ممن يعلمون ولا يعملون، بل هم ملتزمون عملياً بعلمهم.
لكن الأفراد الذين يبررون سلوكياتهم الخاطئة أخلاقياً باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، (۱) قد يتحدثون عن هذه القيم لمجرد تأمين مصالحهم، (۲) وقد لا يكونون قد عرفوا هذه القيم معرفة صحيحة، و (۳) قد يكونون قد عرفوا هذه القيم معرفة صحيحة لكن لا يملكون تعهداً والتزاماً عملياً بها، وبالتالي لا يمكن تحميل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وزر أفعالهم القبيحة أخلاقياً.
نفس هذا التحليل ينطبق على العلاقة بين الدين والعنف. مجرد أن جماعة تمارس عنفاً غير مبرر ضد الآخرين باسم الدين لا يدل على أن هذا العنف نابع حقاً من الدين، لأنه منطقياً (۱) قد لا يكون الذين يتحدثون باسم الدين متدينين حقاً، بل منافقين، وبتعبير الإمام الحسين، عبيداً للدنيا والدين لعقة على ألسنتهم، (۲) وقد لا يكونون قد عرفوا الدين معرفة صحيحة، و (۳) قد يكونون قد عرفوا الدين معرفة صحيحة لكن لا يملكون التزاماً دينياً. لذلك لا يمكن اكتشاف شيء عن الدين نفسه من خلال سلوك هؤلاء الأفراد. وفي رأيي يمكن الادعاء بأن المتدينين الحقيقيين الذين عرفوا دينهم في إطار أخلاقهم معرفة صحيحة وملتزمون به، لديهم في الواقع دافع أكبر للامتناع عن العنف غير المبرر.
فيما يتعلق بالعلاقة اللغوية بين الدين والأخلاق، يبدو أن لغة الدين، على الأقل في نطاق النص، متنوعة جداً من الناحية الأخلاقية. فهي في موضع أخلاقية ورقيقة جداً، وفي موضع آخر شديدة العنف. الدين يتحدث تارة عن الإله الرحمن وتارة عن الإله المنتقم. بالنظر إلى أنك تعتقد بالاستقلال التام للغة الأخلاق عن لغة الدين، كيف يمكن من منظور أخلاقي الحكم بين هذين الجانبين من اللغة الدينية؟
يبدو أنك قد خلطت في سؤالك هذا بين موضوعين لا يرتبطان ببعضهما كثيراً. استقلال لغة الأخلاق عن لغة الدين هو نظرية لسانية حول الصفات الأخلاقية أو وظيفة الجمل الأخلاقية. بناءً على هذه النظرية، يمكن تعريف الخير والشر أو الصواب والخطأ الأخلاقي دون الرجوع إلى الأمر والنهي الإلهي. أي أننا لكي نتصور ونصدق بأن الظلم سيء والعدالة حسنة، لا نحتاج أن نتصور ونصدق بأن هناك إلهاً أوجب العدالة وحرّم الظلم. هذا موضوع. الموضوع الآخر الذي اختلط بهذا الموضوع في كلامك هو: ما حكم لغة الدين من الناحية الأخلاقية؟ أي هل التعابير التي لدينا في النصوص الدينية منسجمة مع القيم الأخلاقية الحاكمة على اللغة أم أنها تنتهك هذه القيم؟ سأجيب على هذا السؤال لاحقاً، لكن قبل ذلك من المناسب أن أشير إلى ملاحظتين ضمنيتين ومهمتين في الوقت نفسه.
في تعبيراتكم افتراضان مسبقان أرى كلاهما خاطئين: الافتراض الأول هو أن العنف يتنافى كلياً مع الأخلاق، وقد أوضحت ذلك سابقاً وقلت إن العنف من منظور أخلاقي ينقسم إلى عنف مشروع وعنف غير مشروع. وافتراضكم المسبق الثاني هو أن الرحمة تتنافى مع الانتقام. في حين أن الرحمة منسجمة مع الانتقام، بمعنى أن الانتقام من الظالم رحمة بالمظلوم، وبمعنى أن الأخلاق القصوى لا تتنافى مع الأخلاق الدنيا، بل هما في طول بعضهما. الانتقام العادل ينسجم مع مبدأ العدالة الذي هو أرضية القيم الأخلاقية. العدالة هي «أرضية» الأخلاق، والرحمة أو العفو والصفح هي «سقف» الأخلاق. وعليه، فلا تنافي بينهما. لو سرق منك (ألف) مالاً، فمن حقك أخلاقياً أن تأخذ المقدار نفسه من جيبه. طبعاً، ينبغي الفصل بين «مقام ثبوت الحق» و«مقام استيفاء الحق».
في مقام استيفاء الحق، ومنعاً للفوضى، ينبغي أن تراجع المحكمة، فتأخذ المحكمة حقك من ذلك الفرد. فإذا حكمت المحكمة لصالحك، وأخذ منفذو الأحكام القضائيون حقك من أموال ذلك الفرد بالقوة وأعطوك إياه، فأنت لم ترتكب عملاً خاطئاً أخلاقياً ولا هم، أي أن فعلكم لا ينقض مبدأ العدالة. وفي الوقت نفسه، قد ترحم ذلك الفرد أو زوجته وأولاده وتتنازل عن حقك، أي لا تستوفي حقك. هذه هي الرحمة والصفح. لكن كون الرحمة قيمة أو فضيلة أخلاقية لا يجعل الانتقام أو المقابلة بالمثل أمراً سيئاً ورذيلة من الناحية الأخلاقية.
لذا، لا مفهوم «الإله المنتقم» يتنافى مع مفهوم «الإله الرحمن الرحيم»، ولا اللغة العنيفة في حد ذاتها غير أخلاقية أو مضادة للأخلاق. بتعبير آخر، لو نظرنا إلى التعابير العنيفة الواردة في النصوص الدينية في سياقها/أرضيتها التاريخية، التي هي عادة سياق دفاع، فلا يمكننا الحكم عليها بأنها غير أخلاقية أو مضادة للأخلاق.
أنتم تقولون في بحث التبعية العقلانية للأخلاق للدين إن ادعاء تبعية الدين للأخلاق هو إنكار للعقلانية الأخلاقية. ما المقصود بالعقلانية الأخلاقية؟
العقلانية الأخلاقية نوع من العقلانية العملية، تُعتبر الأحكام الأخلاقية بموجبها أحكاماً للعقل العملي، وبالتالي تنبع عقلانيتها مباشرة من العقل العملي نفسه. هذه هي وجهة نظر كانط في شأن علاقة ونسبة العقلانية العملية بالأخلاق. وتسمى وجهة النظر هذه أيضاً بالعقلانية العملية غير الأداتية. أما وجهة النظر المنافسة، التي تعود إلى هيوم وأتباعه، فتختزل العقل العملي والعقلانية العملية في العقل والعقلانية الأداتية. فإذا قبل أحدهم وجهة النظر الثانية هذه، فعليه لكي يُظهر أن الالتزام الأخلاقي مبرر ومعقول عقلانياً، أن يُظهر أن هذا الالتزام ينطوي على نفع ومصلحة للفاعل نفسه.
يمكن صياغة ادعاء القائلين بالتبعية العقلانية للأخلاق للدين على النحو التالي: الالتزام الأخلاقي لا يكون في صالح الفاعل إلا إذا قبلنا معتقدات دينية، كوجود الله ونظام الثواب والعقاب الأخروي، لأن تحمل الأضرار والخسائر الناجمة عن الالتزام بالقيم الأخلاقية لا يمكن جبره بأي طريق آخر. وعليه، فإن للتبعية العقلانية للأخلاق للدين افتراضاً مسبقاً مهماً، وهو إنكار العقلانية الأخلاقية وحصر العقلانية العملية في العقلانية الأداتية.
أنتم في كتابكم، بعد دراسة تبعيات الأخلاق المختلفة للدين، أحلتم دراسة التبعية المعرفية للأخلاق للدين إلى كتاب آخر. أعتقد أن هذا الكتاب الذي تحدثتم عنه لم يُنشر بعد. بشكل عام، ما هي الخطوط العريضة التي تشملها هذه التبعية؟
صدر هذا الكتاب الآن بعنوان «أخلاق علم الدين» والناشر بانتظار إذن وزارة الإرشاد لتوزيعه. وقد نوقش هذا الموضوع بالتفصيل في ذلك الكتاب ولا يمكن تلخيص تلك المباحث هنا. قلت هناك إن المقصود من التبعية المعرفية إما أن تكون تبعية «معرفية» أو تبعية «تبريرية». أي أن الذين يدّعون التبعية المعرفية للأخلاق للدين إما أن يكون ادعاؤهم أن الأحكام الأخلاقية تستمد تبريرها المعرفي من الدين، أو أن يكون ادعاؤهم أن الدين هو مصدر معرفة الأحكام الأخلاقية وأن علم الأخلاق هو أحد العلوم الدينية. علاوة على ذلك، يمكن صياغة التبعية المعرفية للأخلاق للدين في قالب تبعية علم الأخلاق لعلم الكلام أو اللاهوت، كما يمكن صياغتها في قالب تبعية علم الأخلاق لعلم الفقه، أو بتعبير أفضل وأدق، في قالب إحلال الفقه محل الأخلاق. وقد نقدت في ذلك الكتاب جميع هذه الآراء بالتفصيل مع الأدلة التي أقاموها أو يمكن إقامتها لصالحها، وأظهرت بطلانها.
علاوة على ذلك، أظهرت أن الأخلاق ليست تابعة للدين من الناحية المعرفية فحسب، بل على العكس من ذلك، الدين تابع للأخلاق من هذه الناحية، وإن كانت هذه التبعية سلبية، بالمعنى الذي أوضحته سابقًا في إجابتي عن سؤالكم الثاني حول قاعدة الملازمة. ليس في الدين حكم أو اعتقاد مناهض للأخلاق، لكن لا إشكال في أن تكون في الدين أحكام لم تنبع من الأخلاق وتكون الأخلاق صامتة تجاهها فلا تقول فيها نفيًا ولا إثباتًا. فمثلًا، كون عدد ركعات صلاة الصبح ركعتين أو أربع ركعات، لا يقول أي مبدأ أخلاقي شيئًا في هذا الشأن. لكن الأخلاق تقول إن الأحكام الشرعية يجب أن تكون عادلة ولا ينبغي أن تكون ظالمة.
أنتم تستخدمون مصطلحي تعددية الصدق وتعددية النجاة في تبيين الأخلاق العامة والأخلاق الخاصة، ومع الأولوية التي تعطونها للأخلاق الفردية في مقابل الأخلاق الاجتماعية، تكتبون: إن محاولة فرض قراءة خاصة للأخلاق الفردية على جميع أفراد المجتمع هي مصداق واضح للظلم والجور. ألا يقوم الدين والأخلاق الدينية، برأيكم، بهذا العمل؟ أن يفرض نمطًا من التفكير الأخلاقي على جميع بني البشر من حيث الاعتقاد والسلوك؟
كون كل دين أو بعض الأديان ترى لنفسها رسالة عالمية وتعتبر مخاطبها الإنسان بما هو إنسان، لا يعني الفرض والإكراه. هذه دعوة، ولكل صاحب رأي وصاحب مذهب الحق في أن يدعو الآخرين إلى قبول رأيه ومذهبه، وما دام يعرض رأيه ومذهبه فحسب ويدعو له ولا يفرضه بالقوة على الآخرين، فإن عمله يتوافق مع المعايير الأخلاقية، أي أن له أخلاقيًا الحق في الدعوة والتبليغ لدينه.
النقاش يدور حول أنه إذا لم تقبل جماعة دعوة دين ما إلى تبني أخلاق فردية معينة، فهل يحق لصاحب ذلك الدين أو لأتباعه أن يفرضوا بالقوة أخلاقهم الفردية التي يؤمنون بها على تلك الجماعة؟ الجواب هو أن هذا العمل ظلم من منظور الأخلاق الاجتماعية. لكن هذا العمل يكون ظلمًا بشرط أن تعترف تلك الجماعة بحق أتباع ذلك الدين في اتباع أخلاقهم الفردية التي يؤمنون بها وتحترمه. إذا لم يعترف أحد بحقك في اختيار دينك ولم يسمح لك باتباع دينك، فلك أخلاقيًا الحق في المعاملة بالمثل.
من الأخطاء التي تقع في فهم النصوص الدينية كالقرآن هي أن تعابير مثل الكفر والكافر ومشتقاتها تُنتزع عادةً من سياقها التاريخي وتُترجم إلى «صاحب فكر مختلف» و«متبع دين آخر». في حين أن الأمر ليس كذلك على الإطلاق. الكافر في اصطلاح القرآن يختلف عن الكافر في الفقه، كما يختلف عن صاحب الفكر المختلف والمغاير في العالم الحديث. إن الخلط بين هذه الأمور هو ارتكاب لنوع من المفارقة التاريخية. كان الكفار في صدر الإسلام هم أولئك الذين لم يعترفوا البتة بحق اختيار الدين وحرية التعبير لأتباع الدين الجديد، أي الإسلام، واستباحوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، وقاموا بتعذيبهم أو محاصرتهم اقتصادياً أو نفيهم وتشريدهم بسبب اعتناقهم الإسلام. لقد قال الله صراحةً في القرآن: «لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (الممتحنة: ٨-٩): أي «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون».
هذه الآية التي هي من محكمات القرآن، وهي منسجمة مع مبدأ العدالة الذي يشكل أساس الأخلاق الاجتماعية الدنيا. وهذه الآية بالذات تمنعنا من تعميم الأحكام التي صدرت في آيات وروايات أخرى بحق كفار صدر الإسلام على أتباع الأديان الأخرى وعلى أصحاب الفكر المختلف الذين يعترفون بحقوق الإنسان للمسلمين، كما تمنعنا من فرض أخلاقنا الفردية التي نرتضيها عليهم.
أنتم تعتقدون باستقلال الأخلاق وتقدمها على الدين، وفي الوقت نفسه تصفون الدين بأنه ملازم للأخلاق وترون أن الدوافع الدينية مفيدة ومعززة للعيش الأخلاقي. كيف يمكن الجمع بين هذين الأمرين؟ كيف وبأي وجه يؤثر الدين تأثيراً معززاً في أخلاق تسبقه تماماً وتستقل عنه؟
في أحد فصول كتاب «الدين في ميزان الأخلاق» تحت عنوان خدمات الدين في مجال الأخلاق، وكذلك في إجابتي عن أحد أسئلتكم السابقة، أوضحت هذا الأمر. بطبيعة الحال، لم أستخدم تعبير مفيد ولا تعبير معزز، بل استخدمت تعبير «خدمة» أو «وظيفة» الدين في مجال الأخلاق. لقد قلت إن الدين يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في سيكولوجيا الأخلاق وفي تعليم وتربية المؤمنين به أخلاقياً. هذه الأدوار ليست حصرية ولا بديلة بالطبع، ولكن لكي يتمكن الدين من أداء مثل هذه الأدوار في مجال الأخلاق، هناك عدة شروط يجب استيفاؤها. وإلا فقد يؤدي التدين إلى نتيجة عكسية.
أولاً، يجب أن يكون لدى المتدينين همّ العيش الأخلاقي، أو بتعبير مولانا «الشوق إلى الصعود»، وإلا فلن يفهموا الدين فهماً صحيحاً، وسيظنون، بناءً على فهم خاطئ للدين، أن الدين قد أصدر ترخيصاً بانتهاك القيم الأخلاقية.
ثانياً، يجب أن يكون المتدينون قد قبلوا استقلال الأخلاق عن الدين وتقدمها عليه، وإلا فسيستبدلون الدين بالأخلاق. إن أي فهم للدين يُبنى على هذه الفرضية المسبقة هو فهم خاطئ، ويمكن بسهولة تحت ظله إصدار ترخيص بانتهاك القيم الأخلاقية وتبريره. لذا، فإن الفهم الخاطئ للدين والشريعة ليس في خدمة الأخلاق، بل هو مانع من العيش الأخلاقي والبقاء أخلاقياً، ولهذا السبب تحديداً هو خاطئ.
ثالثاً، يجب على المتدينين، بعد فهمهم الصحيح للدين، أن يؤمنوا بدينهم وأن يكونوا ملتزمين بتعاليمه ومتقيدين بها. وإلا فلن يستطيع الدين أن يخدم الأخلاق.
في حواركم مع السيد نيكفر، وفي مقابل قوله إن الدين يدمّر الأخلاق، تحدثتم عن نوعين من الأخلاق في مقابل نوعين من الدين: الدين المثالي والدين الموجود في مقابل الأخلاق المثالية والأخلاق الموجودة. لماذا ينبغي اللجوء إلى مثل هذه التقسيمات للنفي والإثبات، ونذهب دوماً إلى العالم المثالي لإثبات المدّعى؟ لماذا لا نطرح العالم المثالي جانباً إلى الأبد، ولا نتحدث في العالم الواقعي الموجود، كي نشرح المسائل على نحو صحيح؟ إذا أردنا أن نتحدث عن الأخلاق الموجودة والدين الموجود، فأيهما في رأيكم يتصرف على نحو أكثر أخلاقية: الأخلاق العلمانية أم الأخلاق الدينية؟ ولماذا؟
لقد جمعتم في هذا السؤال بين النقيضين. فمن جهة تفترضون العالم المثالي، ومن جهة أخرى تنفونه. من جهة تقولون: «إذا أردنا أن نتحدث عن الأخلاق الموجودة والدين الموجود، فأيهما في رأيكم يتصرف على نحو أكثر أخلاقية: الأخلاق العلمانية أم الأخلاق الدينية؟ ولماذا؟» ومن جهة أخرى توصون بطرح العالم المثالي جانباً والتحدث في العالم الواقعي لشرح المسائل على نحو صحيح. هذان الادعاءان متناقضان، لأنكم حين تسألون: «أيهما يتصرف على نحو أكثر أخلاقية؟» تكونون في الواقع قد افترضتم وجود أخلاق مثالية. فإن أردتُ الإجابة عن سؤالكم هذا، فلا مناص لي من مقارنة هاتين الأخلاقين الموجودتين بالأخلاق المثالية، لأرى أيّهما أقرب إليها.
فإن لم تكن هذه الأخلاق، التي هي جزء من العالم المثالي، ذات واقعية، يصبح الحكم بين هذين الاثنين مستحيلاً. إن النقد والقياس والحكم في أي مجال، إنما يكون ممكناً في الأساس إذا قسنا الوضع الموجود بالوضع المثالي. فعالم المُثُل، أو عالم المعايير والقيم، هو عالم واقعي، وبدون افتراضه لا يكون السؤال عن أي نظام أخلاقي أفضل من الآخر قابلاً للطرح أساساً، فضلاً عن أن يكون قابلاً للإجابة. لذلك، لا ينبغي أن يُظن أن العالم المثالي عالم وهمي أو خيالي أو توهّمي، تحول العودة إليه دون الشرح الصحيح للمسائل!
العالم المثالي جزء من العالم الواقعي، نقيس به، من الناحية النظرية، الوضع الذي نعيش فيه حالياً أو نواجهه، ونسعى، من الناحية العملية، إلى الاقتراب منه. وعلى سبيل المثال، في المجال الاقتصادي، الاقتصاد المنشود/المثالي هو ذاك الذي يكون فيه معدل التضخم والبطالة منخفضاً. وبمقارنة الوضع الاقتصادي الموجود بهذا الوضع، يمكن الحكم على الوضع الموجود وكونه مرغوباً فيه أو غير مرغوب. وإلا أصبح الحكم مستحيلاً.
بهذا التوضيح أعود إلى سؤالكم. كما قلت في «الدين في ميزان الأخلاق»، إن الأخلاق العلمانية الموجودة والأخلاق الدينية الموجودة، أي ما تحقق عملياً نتيجة معرفة البشر غير المعصومين من الخطأ بالأخلاق المثالية واتباعهم لها، بعيدتان عن تلك الأخلاق المثالية، ومن ثم فهما قابلتان للنقد على حد سواء. ويعود هذا البُعد إلى أن البشر، سواء أكانوا علمانيين أم متدينين، مضطرون، لكي يعيشوا حياة أخلاقية، إلى (1) معرفة تلك القيم، و(2) ثم اتباعها. غير أن البشر ليسوا معصومين، لا في مقام المعرفة ولا في مقام العمل واتباع القيم الأخلاقية، بل هم عرضة للخطأ، وقد يخطئون سهواً وعمداً.
وعليه، فإن النتيجة التي تتحقق بفعل معرفتهم وسلوكهم تكون دوماً عرضة للنقد والتقييم. لا أستطيع أن أقول بجزم قاطع إن الأخلاق العلمانية الموجودة، في المجموع، لها سجل أفضل وأكثر قبولاً من الأخلاق الدينية الموجودة. انظروا إلى حجم الفقر والظلم والتمييز وهضم الحقوق والاستبداد والحرب وسفك الدماء وسائر الأخطاء الأخلاقية على المستوى العالمي، لتدركوا صدق كلامي هذا. لا يمكن أن تُنسب كل هذه الانحرافات إلى الدين والأخلاق الدينية. من اخترع أسلحة الدمار الشامل ويستخدمها؟ من أشعل الحربين العالميتين الأولى والثانية؟ معسكرات العمل القسري في سيبيريا والمذابح الجماعية للمعارضين في الاتحاد السوفيتي السابق، من كان يقف وراءها؟ لا يمكن حتى القول إنه بعلمنة الأخلاق، تم اقتلاع مؤسسات لا أخلاقية كالعبودية وسلوكيات لا أخلاقية كالاستخدام الأداتي للبشر من جذورها كلياً، أو أن معدل الجريمة قد انخفض.
كثير من الانحرافات الأخلاقية لم يتغير إلا شكلها، وتواصل حياتها بأثواب جديدة. صحيح أن العبودية العلنية لم تعد معترفاً بها اليوم، وهي في كثير من البلدان جريمة قانوناً يعاقب عليها، لكن العبودية الخفية لا تزال رائجة في تلك المجتمعات نفسها. الاستخدام الأداتي للبشر الآخرين هو عين العبودية. وكذلك الأمر بالنسبة لمسألة الخرافات والتعلق بها، فحجمها وانتشارها ليسا أقل مما كانا عليه سابقاً، بل إن نوع الخرافات هو الذي تغير، وأصلها لم يندثر. كل شيء جديد يُكتشف أو يُخترع، هناك من يذهب ليجد طرق إساءة استخدامه. وكل منع أخلاقي أو قانوني يُسن ويُطبق، هناك من يلتف على ذلك القانون. إن كان هناك فرق فهو في كيفية تبرير هذه الأعمال المخالفة. المتدينون إن أرادوا ارتكاب مخالفة، يفتعلون لأعمالهم المخالفة تبريراً دينياً، وغير المتدينين يفتعلون تبريراً علمانياً.
كلامي في الرد على السيد نيكفر كان أننا، في مقام المقارنة، إما أن نقيس الأخلاق العلمانية الموجودة بالأخلاق الدينية الموجودة، أو نقيس الأخلاق العلمانية المثالية بالأخلاق الدينية المثالية. إذا قسنا الأخلاق الموجودة ببعضها البعض، نجد أن كليهما بعيدان عن الأخلاق المثالية وليس لهما سجل ناصع ومشرق. أما إذا قسنا الأخلاق المثالية ببعضها البعض، فادعائي هو أن هاتين الأخلاقين واحدة، أي أنه ليس لدينا أكثر من أخلاق مثالية واحدة ولا يمكن أن يكون لدينا. من وجهة نظري، الأخلاق العلمانية ليست في مقابل الأخلاق الدينية، وإله الأديان أيضاً، إلى جانب الأوامر الدينية/الشرعية، دعانا إلى اتباع الأخلاق فوق الدينية/العلمانية.
السؤال الأدق هو: «من حيث المجموع، هل عاش المؤمنون بالله حياة أكثر أخلاقية أم غير المؤمنين به؟» ولا أعرف جوابه. كان ادعاء السيد نيكفر أنه ليس لدينا دين مثالي ولكن لدينا أخلاق مثالية، وهو في رأيي ادعاء غير مبرر وغير قابل للدفاع. لأنني، كما قلت سابقاً، الدين والتدين ليسا عين الشيء الواحد، بل هناك مسافة بينهما، وهذه المسافة غير قابلة للردم. التدين هو حصيلة سلوك المتدينين، وهذا السلوك قائم على معرفتهم بالدين من جهة، وعلى إرادتهم في اتباع أوامر الدين من جهة أخرى، وبما أن المتدينين ليسوا معصومين ولا مصونين من الخطأ، فقد يخطئون في كلا الأمرين. وعليه، فإن مسافة الدين الموجود والمتحقق عن الدين المثالي تنبع من المنبع نفسه الذي تنبع منه مسافة الأخلاق الموجودة عن الأخلاق المثالية.
يقول نيكفر إن تاريخ الدين كله هو تاريخ سوء الفهم والفهم الخاطئ، ويقول إني سيئ الظن بالدين. أنت تقول إنه لا ينبغي تحميل الخطأ في الفهم والخطأ في سلوك المتدينين في نطاق الدين الموجود للدين المثالي. المثقف العلماني يتوقع منك أن تقول عن أي دين مثالي تتحدث؟ أين هو الدين المثالي؟ أين استقر في التاريخ؟ من وجهة نظره، الدين المثالي غير موجود لكن الأخلاق المثالية موجودة.
انظر، هذا الإشكال مشترك الورود. بوسع المتدينين أيضاً أن يقولوا إننا سيئو الظن بالأخلاق العلمانية، وإذا ادعى أحد أن المجتمعات العلمانية قد أخطأت في فهم الأخلاق العلمانية واتباعها، فيمكن الرد عليه بالقول إن تاريخ الأخلاق العلمانية في هذه الحالة يصبح تاريخ سوء الفهم والفهم الخاطئ. ونحن بدورنا نتوقع من المثقفين العلمانيين أن يقولوا عن أي أخلاق علمانية مثالية يتحدثون؟ عن الأخلاق التي على أساسها تُحتل أرض كفلسطين وتُعترف بدولة الاحتلال فوراً، بينما يُهدد طلب شعبها، بعد بضع وأربعين سنة من التشرد والتيه، للاعتراف بدولة فلسطينية في جزء من أرضهم في الأمم المتحدة بالفيتو؟ الدين المثالي هو بالضبط حيث الأخلاق المثالية، وهو مستقر في الموضع نفسه من التاريخ الذي استقرت فيه الأخلاق المثالية.
نحن بالطبع لا ننكر وجود الأخلاق المثالية. لكننا نعتقد أنه كما توجد أخلاق مثالية، يوجد دين مثالي أيضاً، والدليل الذي يسوق لصالح وجود هذين الاثنين هو دليل واحد. النصوص الدينية قابلة للتأويل، واحتمال أن يكون السابقون قد أخطأوا في فهم الدين أو جزء منه قائم دوماً، كما أن احتمال خطأ البشر في فهم الطبيعة وفهم القيم الأخلاقية محتمل دوماً. وكما لا يمكن تحميل الأخلاق نفسها وزر تاريخ اتباع البشر لها، ولهذا نضطر إلى فصل الأخلاق الموجودة عن الأخلاق المثالية، فإن تاريخ التدين لا يمكن تحميله للدين أيضاً.
لمعرفة الدين يجب الرجوع إلى الدين نفسه لا إلى سلوك المتدينين. المثير للاهتمام أن السيد نيكفر لا يرى هذا الرأي بخصوص الماركسية، أي أنه يعتقد أن تاريخ تحقق الماركسية ومحاولة تطبيق أفكار ماركس في الاتحاد السوفيتي السابق لا ينبغي أن يُحمَّل لماركس. علاوة على ذلك، لا أقبل أن تاريخ الدين هو فقط تاريخ سوء فهم الدين. أدبنا العرفاني الغني وكل هؤلاء المعلمين لـ«الدين الأخلاقي» والروحي والعقلاني على مر تاريخ الأديان كلها لا يمكن إنكارهم. إن أمثال الإمام علي وزين العابدين ومولوي والملاصدرا وبوعلي والعطار وبايزيد وإقبال اللاهوري وبازركان والمنتظري هم أيضاً جزء معتد به من تاريخ الإسلام المتحقق.
سيد فنائي، أين يتشكل الدين؟ وأين تتشكل الأخلاق؟ من أين يأتي الدين؟ ومن أين تأتي الأخلاق؟ لأي غاية يأتي الدين؟ ولأي غاية تأتي الأخلاق؟ هذه أسئلة يمكن أن تساعدنا. يبدو أن لهذين الاثنين مبدأ ومقصداً مختلفين. الدين يأتي من الماوراء ويريد أن يجعل الإنسان عبداً في حضرة إله السماوات، مهما تعبد فهو قليل، والأخلاق تأتي من الأرض ومن صميم حياة الإنسان وتريد أن تحرر الإنسان من معاناة هذه الأرض بالذات.
من وجهة نظر، الدين والأخلاق كلاهما متجذران في طبيعة الإنسان وحاجاته العميقة، وهذا أيضاً كان ولا يزال عامل دوامهما واستمرارهما على مر تاريخ البشرية. لا يستطيع البشر بسهولة أن يتحرروا من هاجش العيش الأخلاقي والعيش الروحي. الدين والأخلاق كلاهما استجابة لهذه الهواجس والحاجات. بمعنى ما، الدين والأخلاق كلاهما يأتيان من الماوراء، أي كلاهما إلهام من الله، يصل أحدهما إلى الإنسان عن طريق الوحي/الحس الديني، والآخر عن طريق العقل/الحس الأخلاقي. ورد في سورة الشمس: «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا»، أي «قسم بالنفس البشرية وبمن سوّاها، وألهمها فجورها وتقواها». لا الدين ولا الأخلاق يأتيان من الأرض، بل كلاهما يتجذران من الماوراء وهما استجابة لحاجتين باطنيتين وماورائيتين. من ناحية أخرى، يمكن القول إن الدين والأخلاق كلاهما يسعيان إلى تحرير البشر من معاناة الأرض، أو جعل تحمل ألم ومعاناة الأرض ذا معنى وقابلاً للتحمل بالنسبة له. في الواقع، كثير من آلام ومعاناة الأرض تنبع من غياب الروحانية والأخلاق. لذلك، لا شيء من الفروق التي أقمتها في سؤالك بين الدين والأخلاق صحيح.
لماذا المجتمعات الدينية ليست أخلاقية كما يتوقع الأخلاق الدينية والمتدينون الأخلاقيون؟ المجتمع الديني، حتى في دراسة التاريخ الاجتماعي، يعرج؟ لماذا لم يستطع الدين، على عكس كل جهوده الكثيرة، أن يبني مدينة فاضلة أخلاقية؟ لماذا أدى الدين إلى محاكم تفتيش غير أخلاقية وأدت النزعة الإنسانية إلى إعلان حقوق الإنسان؟
لأن الدين ليس سوى دعوة. إنها مسؤولية البشر أنفسهم أن يستجيبوا لدعوة الدين للعيش الأخلاقي والبقاء أخلاقيين. لا يمكن للدين أن يسلب البشر إرادتهم. في رأيي، المجتمعات غير الدينية ليس لديها سجل أكثر إشراقاً في هذا المجال. بالطبع، قد يختلف نوع الانحرافات الأخلاقية السائدة في هذه المجتمعات أو الفرد والجماعة المتضررين من ذلك السلوك، ولكن من حيث المجموع لا يوجد فرق كبير في السجل الأخلاقي لهذه المجتمعات. ادعاؤك بأن الدين أدى إلى محاكم تفتيش العقائد وأن النزعة الإنسانية أدت إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يمكن الدفاع عنه تاريخياً. أولاً، كما قلت سابقاً، منطقياً لا يمكن تحميل الدين وزر سلوك المتدينين. لأن للمتدينين هويات أخرى أيضاً، ولكل من تلك الهويات مقتضيات معيارية خاصة. كما أنهم قد يخطئون في فهم الدين واتباع الأوامر الدينية.
ثانيًا، أظهرت الدراسات التجريبية التي أُجريت حول سياق تشكّل وظهور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن هذا الإعلان نبع من دوافع دينية قوية أكثر مما نبع من النزعة الإنسانية (الأومانية)، ولا يمكن تجاهل الجذور والخلفيات المسيحية لهذا الإعلان واعتماده على القواسم المشتركة بين الأديان الكبرى. وفي اعتقادي أن الأومانية، أو النزعة الإنسانية بالمعنى الصحيح للكلمة، لا تتناقض مع الإلحاد أو الإيمان بالله، وبالتالي فإن رسمك لحدود فاصلة قاطعة بين الدين والأومانية لا يمكن الدفاع عنه. علاوة على ذلك، لا توجد شواهد تاريخية تدعم ادعاءك بشأن الصلة الوثيقة بين الأومانية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ثالثًا، إن مجرد وجود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإقراره، وإن كان إجراءً جديرًا بالثناء والإشادة والتقدير، وخطوة إلى الأمام نحو تحقيق المجتمع الأخلاقي، إلا أن المجتمع الإنساني، رغم الجهود الكبيرة، لا يزال بعيدًا كل البعد عن المدينة الفاضلة الأخلاقية، والذين أقرّوا هذا الإعلان واعترفوا به والتزموا بتنفيذه لا يلتزمون بتعهداتهم. وبالتالي، فإن الأومانية أيضًا لم تستطع أن تخلق المدينة الفاضلة الأخلاقية التي تتصورها. وفي اعتقادي أننا إذا كنا واقعيين وقرأنا تاريخ البشرية بإنصاف، فسنخلص إلى أن عنصر إرادة الإنسان واختياره ومصالحه ورغباته هو الذي له الكلمة الأولى والأخيرة في هذا الشأن، وما لم يُرِد هذا الإنسان ويجتهد بجدية في أن يعيش وفقًا للقيم الأخلاقية وينظم علاقته بالآخرين بناءً على الموازين الأخلاقية، فلن يجدي الدين شيئًا ولن تجدي المذاهب البشرية، أو ما تسميه أنت الأومانية.
ينبغي للمصلحين الأخلاقيين، بدلًا من أن يصبّوا جهودهم في محاربة الدين أو الإلحاد، أن يكرّسوا طاقاتهم وإمكانياتهم للتعليم والتربية الأخلاقية. في هذه الحال يمكن أن نأمل في أن نقترب تدريجيًا من المدينة الفاضلة الأخلاقية. أما إذا كان تشخيص هؤلاء المصلحين لجذور الانحرافات الأخلاقية خاطئًا، فسيبددون طاقاتهم وإمكانياتهم هدرًا بطبيعة الحال. ومما يجدر ذكره أيضًا أنني عندما أقول إن الإنسان إنسان، فإنني أعني بذلك أيضًا أن الإنسان ليس إلهًا وليس ملاكًا. وبالتالي، فإن السعي لخلق مجتمع خالٍ مئة بالمئة من الانحرافات الأخلاقية هو نوع من الخيال الخطر الذي سيأتي بنتيجة عكسية تمامًا. بمعنى أن الذين سعوا باسم الدين أو الأيديولوجيات البشرية إلى استئصال الانحرافات الأخلاقية، كانت نتيجة عملهم مجتمعًا أكثر انحطاطًا وتخلفًا من الناحية الأخلاقية. أقصى ما يمكن وما ينبغي فعله في هذا المجال هو السعي لتقليل حجم الانحرافات الأخلاقية، لا استئصالها. الجنة الأخلاقية هي مجتمع يمكن الاقتراب منه، لكن لا يمكن بلوغه في هذه الدنيا ومع هذا الإنسان.
إذا تجاوزنا الأسئلة النظرية ووصلنا إلى المباحث الوظيفية، لماذا، برأيك، نجد الفقه متضخمًا جدًا والأخلاق هزيلة جدًا، في تاريخ الكتابة والبحوث الإسلامية وكذلك في التاريخ السياسي والمدني الإسلامي؟ لماذا لم نشتغل بالأخلاق كما اشتغلنا بالفقه؟ هل يعود ذلك إلى ذات الدين الذي يدفع أتباعه إلى الارتباط بالفقه، أم إلى ذائقة المتدينين؟
ينبغي أولًا أن أؤكد أن الفقه الموجود الذي يُدرّس في الحوزات العلمية هو في الواقع مزيج من الشريعة (الفقه) الإسلامية والأخلاق والقانون والعُرف السائد في مجتمع عصر النبي والقرون اللاحقة. إن الإجابة الدقيقة والمتخصصة على سؤالكم تتطلب بحوثًا تاريخية وسوسيولوجية، وللأسف لا أملك الأهلية لإبداء الرأي كصاحب نظر في هذين المجالين. لذا، فإن ما سأقوله ليس سوى مجرد حدس وتخمين وطرح محتمل لتفسير ما. يبدو أن تضخم الفقه وهزال الأخلاق أو بقائها هزيلة بيننا نحن المسلمين له علل وأسباب متعددة تشكل طيفًا واسعًا. وبقدر ما أستطيع أن أرى، فإن هذه المشكلة لا تنبع من ذات الدين، لأن ذات الدين إذا أرادت أن تتحقق فلا بد أن تمر عبر مرشحين، أحدهما فهم المتدينين والآخر سلوك المتدينين، والمتدينون ليسوا معصومين ولا بريئين من الخطأ في هذين الأمرين، أي أنهم قد يخطئون في فهم الدين وقد يخطئون في اتباع الأوامر الدينية.
إذا كان الإسلام واليهودية، عند مقارنة الأديان، يتمتعان بشريعة أوسع مقارنة بأديان كالمسيحية، فإن مجرد هذا الأمر، وإن أدى إلى تضخم الفقه، فلن يؤدي إلى ضمور الأخلاق. لأن ما نعنيه بتضخم الفقه هو نموه غير المتوازن. والمقصود أن سائر الفروع والتخصصات العلمية، ومنها الفلسفة، ولا سيما أقسامها العملية، مثل «فلسفة الأخلاق» و«فلسفة السياسة»، وكذلك علم اللاهوت أو الكلام، لم تنمُ جنباً إلى جنب مع الفقه، وعلم مثل «فلسفة الفقه» لم يكن له في الأساس أي وزن يُعتد به حتى الآن. ولو كانت هذه العلوم قد نمت جنباً إلى جنب مع الفقه، لكان من الطبيعي أن ينشأ تفاعل وحوار بناء ومثمر بين العلماء المتخصصين في هذه التخصصات والفقهاء، ولكانت التطورات والتحولات وتنوع الآراء والنظريات الموجودة في هذه التخصصات تفيض على الفقه، ولكانت هذه العلوم بمثابة أوعية مترابطة تؤدي إلى نمو متوازن للفقه.
يمكن تقسيم عوامل النمو المفرط للفقه وهزال الأخلاق أو ضعف نموها المفرط، وما يترتب على ذلك من إفراغ تدريجي للمجتمع الإسلامي من الفضائل الأخلاقية ونمو الرذائل الأخلاقية في هذا المجتمع، إلى قسمين: نظري وعملي. فمن الناحية النظرية، يمكن إدراج التصور الخاطئ للعقلانية، أو بناء العقلاء، ومجال الدين، وشمولية الدين، والعلاقة بين الدين والأخلاق، وعدم الاعتراف بالحقائق والقيم ما فوق الدينية، والتوقع الخاطئ من الدين للإجابة عن أسئلة غير دينية أو ما فوق دينية، ضمن هذه العوامل. إن مسائل من هذا القبيل هي جزء من مسائل علم الكلام، أو بتعبير أفضل، فلسفة الفقه. والواقع أن فقهاءنا لديهم افتراضات مسبقة خام وغير منقحة حول هذه المسائل في أذهانهم، وينظمون أبحاثهم الفقهية على أساس تلك الافتراضات المسبقة.
وبتعبير آخر، هم في هذا المجال مقلدون للفقهاء السابقين. ومن العوامل غير النظرية التي تدخلت في هذا الأمر، يمكن ذكر سياسة الحكام آنذاك، والدعم المالي والسياسي والاستثمارات اللازمة لتربية الفقهاء وتطوير تعليم الفقه، وكذلك دعم الخليفة والسلطان آنذاك لمدرسة كلامية معينة، كمدرسة الأشاعرة، التي لم تكن على وفاق مع العلوم العقلية المذكورة، وكانت من الناحية النظرية تستبدل الأخلاق بالشريعة. ومن حسن الحظ أن علومًا مثل فلسفة الأخلاق والهرمنيوطيقا الحديثة قد وجدت طريقها في العصر الحديث إلى الحوزات العلمية، ويبدو أن أفق إقامة تفاعل بناء بين هذه العلوم وكذلك الأخذ بجدية بفلسفة الفقه يبدو مشرقاً.
بطبيعة الحال، في المراحل الأولى، يكون تناول الطلاب لهذه العلوم بهدف دفع الشبهات والدفاع عن النظرية التقليدية والمشهورة نفسها بخصوص الافتراضات المسبقة المذكورة، والدفاع عن حقانية النمو غير المتوازن للفقه، ولكن في المراحل اللاحقة، سيفسح هذا النهج المجال لنهج علمي وصحيح، سيمهد الطريق لحوار بناء ونقدي بين هذه العلوم والفقه. هذه ملاحظات تخطر ببالي على عجل. والموضوع المطروح جدير ببحوث علمية جادة. آمل أن يهتم به من يقومون بالبحث في هذا المجال.
أنتقل من السؤال السابق إلى سؤال مهم، ما هي علاقة ذائقتنا نحن المسلمين، وخصوصاً ذائقتنا نحن الإيرانيين، بالأخلاق؟ وما مدى تعاطف طبيعتنا النفسية الأخلاقية، من منظور الأخلاق الجمعية، مع الأخلاق؟ وما هو مقدار الدور الذي لعبه الدين في تشكيل هذه الذائقة؟
في الحقيقة، لست صاحب نظر في هذا المجال، وليس لدي الكثير لأقوله، ولذا أفضل ألا أقول شيئاً وأترك الإجابة عن هذا السؤال لمن عملوا في هذا المجال ولديهم ما يقولونه.
يبدو أن الجرعة الأخلاقية في ذائقتنا قد انخفضت. يقول كثيرون إن مجتمعنا قد وصل إلى أزمة أخلاقية كبيرة. لماذا وصلنا إلى هذه الأزمة؟ وما هو الدور الذي لعبه الدين في هذا السياق؟
لا شك في أن مجتمعنا يواجه أزمة أخلاقية. فجميعنا نلمس هذه الحقيقة المرة ونعيشها في حياتنا اليومية بكل جوارحنا. بل ربما يمكن القول، أكثر من ذلك، إننا نواجه انهياراً أخلاقياً. لكن التفسير الذي يمكن تقديمه لمنشأ هذه الأزمة أو الانهيار لا يمكنه ولا ينبغي له أن يعتمد على عامل واحد فحسب. ومع ذلك، يبدو لي أن أحد العوامل التي لم تكن عديمة التأثير في هذا الموضوع يتمثل في التصور الخاطئ للعلاقة بين الدين والأخلاق، مما أدى إلى إحلال الفقه محل الأخلاق. وقد سعيتُ، من جهتي، إلى نقد هذا التصور وتصحيحه. في الواقع، إن العلاقة بين الدين والأخلاق هي المشروع الرئيسي الذي كان محور أنشطتي الفكرية والثقافية لسنوات، ولا يزال هاجسي الأساسي.
كيف يمكن تجاوز هذه الأزمة؟ ماذا علينا أن نفعل ليعود مجتمعنا إلى الأخلاق؟ وما هو الدور الذي ينبغي أن يضطلع به الدين؟
في اعتقادي، لدينا مصادر وذخائر روحية وأخلاقية جيدة وخصبة نسبياً، وإذا ما تناولناها بالأدوات والأساليب المناسبة، واستفدنا على النحو الأمثل من التجارب والتطورات التي حدثت في هذا المجال في ثقافات ومجتمعات أخرى، يمكننا أن نأمل في التغلب على هذه الأزمة. لكن ينبغي أولاً الاعتراف بوجود الأزمة. يبدو أن العديد من مسؤولينا لا يزالون غير مستعدين للاعتراف بهذه الحقيقة المرة والإقرار بوجود أزمة أخلاقية في مجتمعنا، أو أنهم إذا اعترفوا بشيء من هذا القبيل، فإنهم يعتبرونه ناتجاً عن مؤامرات الأجانب والغزو الثقافي، ويتصرفون بناءً على هذا الوهم الباطل القائل بأن هذه الأزمة يمكن حلها من خلال الدين وتطبيق الأحكام الفقهية، في حين أن هذه الأزمة هي أزمة ما فوق فقهية، بل وما فوق دينية، والأزمات ما فوق الفقهية وما فوق الدينية تتطلب حلولاً ما فوق فقهية وما فوق دينية.
يمكن للدين أن يلعب دوراً إيجابياً في حل هذه الأزمة شريطة أن نصحح تصورنا للعلاقة بين الدين والأخلاق، وألا نحل الفقه محل الأخلاق. في الواقع، إن هذا التصور الخاطئ نفسه للعلاقة بين الدين والأخلاق هو أحد العوامل المسببة لهذه الأزمة، أي أن الوضع الحالي غير المرغوب فيه هو، إلى حد كبير، نتيجة لإحلال الفقه محل الأخلاق. وبالتالي، فإن الاستعانة بعامل الأزمة لحل الأزمة سيؤدي إلى تفاقمها واستمرارها، وسيجعلها يوماً بعد يوم أعمق وأوسع نطاقاً وأكثر صعوبة في الحل.
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.