معتقداتنا ليست مجرد جزء من عالمنا الداخلي؛ فهي تؤثر في حياتنا وفي حياة الآخرين، ولذلك يحسن بنا أن نتصرف بمسؤولية في تكوينها والحفاظ عليها. ويدافع محمد إسفنديراي في هذه المقالة، من خلال طرح مفهوم «أخلاقيات الاعتقاد»، عن ضرورة البحث عن الحقيقة وعن مراعاة مبادئ من قبيل تجنب الاكتفاء بمصدر واحد، وعدم التقليد، وعدم الانسياق أمام موضات الفكر، والاستعداد لمراجعة العقائد.


نُشر هذا النص للمرة الأولى في العدد الثامن والعشرين من فصلية الحياة المعنوية. وللحصول على النسخة الإلكترونية من هذا العدد، يمكنكم مراجعة منصة «طاقچه» عبر العنوان الآتي:
https://taaghche.com/magazine/340891
.
معتقداتنا مهمة، بل هي في رأي بعضهم، ومنهم المولوي، بالغة الأهمية إلى حد أن الإنسان ليس سوى فكرة. فكيفية تفكيرنا لا تؤثر في حياتنا فحسب، بل في حياة الآخرين أيضاً. ومن المنتظر منا، بوصفنا كائناً عاقلاً، أن تكون معتقداتنا عقلانية ومنطقية. ولا يليق بنا أن نعدّ أنفسنا عقلاء وسادة منظومة الخلق، ثم لا يكون للعقلانية أي دور في معتقداتنا. يُضاف إلى ذلك أننا نُبعث بمعتقداتنا، وفي الدار الآخرة نُسأل عن معتقداتنا: ما الذي اعتقدناه وما الذي لم نعتقده، ولماذا. فإذا أنفقنا نصف عمرنا العلمي في الوصول إلى اعتقاد منطقي، فلسنا خاسرين، بل نكون قد أتينا أمراً جائزاً وواجباً.
والعجب أن كثيرين لا يبحثون في معتقداتهم ولا يدققون فيها أبداً. فهم يقبلون بسهولة ويرفضون بسهولة ويغيّرون آراءهم بسهولة، ويفسّرون كل شيء وفق ما يرضيهم. فإذا أرادوا، مثلاً، شراء ثوب، تنقّلوا بين عدة أماكن وبحثوا، أما عقائدهم فيتناولونها بلا اكتراث. يتشددون في ثوب سيرمونه بعد حين، ولا يدققون البتة في معتقداتهم التي يعيشون بها عمراً كاملاً. وقد رُوي عن الإمام الحسن ع :
عَجَبٌ لِمَنْ يَتَفكَّرُ فِي مَأكُولهِ كَيفَ لايَتَفكَّرُ فِي مَعْقُولهِ.[1] أي: عجباً لمن يفكر في طعامه، كيف لا يفكر في غذاء عقله.
إن اللامبالاة بالحقيقة هي الوجه الآخر لعملة التعصب، وكلاهما مضر. ففي الماضي كان التعصب أكثر شيوعاً، أما اليوم فاللامبالاة بالحقيقة. لقد انتقلنا من عصر تحجّر الحقيقة إلى عصر احتقار الحقيقة. وهذه اللامبالاة ناشئة عن فهم خاطئ للتسامح، إذ يعدّه بعضهم مرادفاً للامبالاة. أي أنه لا يهم ما هو اعتقادنا، لأن لكل إنسان ذوقه، أو لأن جميع الاعتقادات متساوية باعتبار ما، أو لأن يد أحد لا تنال الحقيقة.
ثمة قواعد ومبادئ للوصول إلى الاعتقاد الصحيح يسمّيها المعاصرون أخلاقيات الاعتقاد؛ أي أن من التزم بها فقد راعى الأخلاق في الشؤون العقدية. وقد صاغ مصطلح أخلاقيات الاعتقاد ويليام كليفورد وكتب مقالة بالعنوان نفسه. غير أن هذا المصطلح محل نقاش، ويمكن القول إن الاعتقاد (قبولاً أو رفضاً) يندرج في نطاق الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) وسائر العلوم، وإن أخلاقيات الاعتقاد ليست سوى واجبات معرفية وعلمية. فكل فرد ملزم معرفياً باتباع مبادئ معينة، حتى لو كان إنساناً غير أخلاقي. لكن لا شك في أن عدداً من معتقداتنا له تبعات أخلاقية.
يورد كليفورد في مقالته مثالاً لافتاً بهذا المضمون: صاحب سفينة، مع أنه لم يكن واثقاً من سلامتها، أرسلها في رحلة بحرية. فغرقت السفينة وغرق ركابها معها. ومن الواضح أن صاحب السفينة فعل أمراً غير أخلاقي وأنه مقصّر. ثم يغيّر كليفورد نهاية القصة فيقول: حتى لو لم تغرق السفينة، أو نجا ركابها، لظل صاحبها مستحقاً للوم، لأنه لم يكن واثقاً من سلامة سفينته، ومن ثمّ فعمله غير أخلاقي. ثم يقول كليفورد إن الأصل هو: «من الخطأ دائماً وفي كل مكان ولدى كل أحد أن يعتقد المرء بشيء استناداً إلى دليل غير كافٍ.»[2] لكن هذا الأصل قضية معرفية، وكون كليفورد يقول «خطأ» (لا «غير أخلاقي») يؤيد رأيي. وبطبيعة الحال، ما أكثر القضايا المعرفية التي لها تبعات أخلاقية، غير أن التبعة الأخلاقية لقضية معرفية لا تغيّر ماهيتها.
لقد وجّه كليفورد بمثال لافت أنظار الجميع إلى «الأخلاق» في الاعتقاد. ولكن يمكن إيراد أمثلة أخرى في نقض دعواه ومثاله؛ منها: هل الاعتقاد بوجود الله، من دون شواهد كافية، أمر غير أخلاقي؟ وهل يمكن القول إن مليارات البشر الذين كانوا مؤمنين بالله ولا يزالون، وليس بين أيديهم برهان، قد فعلوا أمراً غير أخلاقي؟
وعلى أي حال، فإن بعض القواعد العلمية للوصول إلى الاعتقاد الصحيح (أو ما يسمّونه أخلاقيات الاعتقاد) هي الآتية:
كل اعتقاد يبدو مدلَّلاً ومنطقياً إذا رجعنا إلى مصادره. وما من اعتقاد إلا وله أنصار، وقد سعت جماعة إلى الاستدلال له. والأديان في العالم ليست مستثناة من هذه القاعدة، فلكل دين أدلته. ومن ثمّ يتعيّن علينا ألا نكتفي بمصدر واحد، وإذا قرأنا الآثار الموافقة لجانب فلنقرأ الآثار المخالفة له أيضاً. فمن له اطلاع على عدة مصادر أقدر على الحكم ممن يتغذى على مصدر واحد فقط. وفوق ذلك، فإن الإنسان أحادي المصدر لا حق له في الحكم، ولا يستطيع أن يقول: هذا رأيي. إنما يحق لمن قرأ الآراء كلها وسمعها أن يتحدث عن رأيه، ويُعدّ صاحب رأي.
وقد بشّر الله في القرآن الذين يستمعون إلى أقوال متنوعة فيتبعون أحسنها، وعدّهم مهتدين وأولي ألباب: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.[3] ورُوي كذلك عن أمير المؤمنين ع : اضربوا بعض الرأي ببعض يتولّد منه الصواب.[4]/ من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ.[5]/ ألا وإن العاقل من استقبل وجوه الآراء بصائب الفكر وناظر العاقبة.[6]/ الرأي بالتقليب يتولّد منه الصواب.[7] / واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه.[8] فالخطوة الأولى للوصول إلى رأي صحيح هي المقارنة بين النظريات. «اللهم نجّني من شر الإنسان ذي الكتاب الواحد.» هذا مَثَل إسباني. «أخشى الرجل ذا الكتاب الواحد.»[9] وهذا قول يُنسب إلى توما الأكويني.
التقليد انتحار فكري وتفكير بدماغ الغير. فمن يقلّد يريد التنصل من عبء المسؤولية عن اعتقاده وإلقاء إثبات صحته على عاتق غيره.[10] والحال أن كل امرئ مسؤول عن اعتقاده، ولا يستطيع أن يتخذ لنفسه نائباً ولا محامياً. نحن لا نقلّد حتى النبي، بل نصدّقه بعد أن ندرك صحة كلامه بالاستدلال. وينبغي أن يكون كل اعتقاد صادراً عن استقلال فكري وبصيرة وتحقيق، لا عن تقليد. كان شمس التبريزي يقول: «كل فساد وقع في العالم إنما وقع لأن واحداً صار معتقداً بآخر عن تقليد، أو صار منكراً له عن تقليد.»[11] فلنتعلّم من أرسطو الذي كان يقول إن أفلاطون عزيز، لكن الحقيقة أعزّ منه.[12]
التعلّق بالأشخاص مهما كان وجيهاً في موضع، فهو في ميدان العلم والمعرفة في غير محله. فما من شخص له ولاية فكرية على غيره، وما من فرد هو ربّ عقائد الآخرين وأفكارهم. والتقليد الفكري علامة عدم النضج وطبع الاتكال على الولي، ولا فرق في ذلك ممن كان. وكان أبو الحسن العامري لا يفرّق بين الإنسان المقلِّد والحيوان الأليف،[13] وكان الغزالي يقول إن من كان فيه عِرق من التقليد ولو واحداً فلا يصلح لمجالستي.[14]
وقد يكون التقليد لفرد، أو لجماعة، أو لحكومة. والشكل الأخير هو الأكثر شيوعاً، وغالباً ما يكون فكر الطبقة الحاكمة هو فكر الحاكم، فيأخذ الناس دينهم لا من الله أحكم الحاكمين، بل من حكام الأرض.
ويظن بعضهم، نظراً إلى عظمة العظماء، أنهم لا يخطئون. والحق أن العظماء يرتكبون أخطاء عظيمة، لكن الخطأ الأعظم أن نقلّد أخطاءهم. فالعظماء يُوزنون بالحق، لا الحق بالعظماء. ومن ناحية أخرى، فإن العظماء من أهل الفكر الحر يدعون الجميع إلى حرية الفكر لا إلى التقليد. كما يفعل الشريف المرتضى، إذ يستحلف القراء، في خاتمة كتابه «الشافي» وفي خاتمة كتابه «الذخيرة في علم الكلام» كليهما، ألا يقلّدوه في أي مسألة.[15]
في عالم الفكر أيضاً، كما في غيره، موضات وأنماط. فأحياناً تصبح نظرية ما موضة لأسباب معينة، مع أنها غير صحيحة، وتسير الأغلبية في إثرها. وينبغي تجاهل موضات العصر وألا نخضع لرهبة الأغلبية والفكر المهيمن. فديكتاتورية العصر من أشد الديكتاتوريات عناداً وخفاءً، ويجب أن نعرفها ولا نستسلم لها. وهذه الديكتاتورية، كسائر الديكتاتوريات، موجة لا تيار؛ تأتي وتذهب، وليست كالتيار الذي يبقى.
مواكبة العصر ومعرفة حاجاته أمر غير الجري وراء معتقدات كل عصر. فبعضهم، بدافع ألا يتخلفوا عن زمانهم، يسيرون وراء الاعتقاد السائد في زمانهم، كائناً ما كان. لكن الفن أن يكون المرء سابقاً لزمانه. فقد يخطئ عامة الناس ونخبتهم في زمن ما، ثم بعد حين يتبين أن رأياً آخر هو الصحيح. فلا ينبغي أن نتأثر بالجو السائد والمعتقدات السائدة. فالأكثرية والأقلية ليستا معيار الصواب والخطأ. وقد يصير اعتقاد الأكثرية يوماً اعتقاد الأقلية والعكس. «الذين يتبعون الزمان ويدورون معه حيثما دار لا يُشار إليهم ولا يكونون مشاراً إليهم.... المشار إليه من يحصر الزمان في فكره.»[16] - هكذا قال سقراط.
الوفاء لأي اعتقاد ليس بالضرورة علامة صدق، بل هو أحياناً دليل حماقة. ليس من اللازم أن نعقد رباطاً دائماً مع كل اعتقاد نحمله، بل ينبغي أن نكون مستعدين لمراجعته إذا ورد عليه نقد ونقض. فمن ينظر إلى اعتقاده بوصفه جزءاً لا يتجزأ من شخصيته لا يستطيع أن ينزع قلبه منه، ويعدّ كل انتقاد لاعتقاده هجوماً على شخصيته. وكذلك من يعدّ اعتقاده جزءاً من ممتلكاته لا يستطيع التخلي عنه. صحيح أننا نستعمل لاعتقادنا لفظاً دالاً على الملكية (فنقول مثلاً إن «لديّ» اعتقاداً)، ولكن ليست كل ممتلكاتنا قابلة للإبقاء، وعلينا أحياناً أن نجري تنظيفاً فكرياً شاملاً. يمكننا أن نحمل اليوم رأياً ونحمل في يوم آخر رأياً آخر. المهم أن نبايع الحقيقة ونعقد معها عهداً دائماً. وأي رأي نحمله ينبغي أن نبقى عليه ما دام لا يتعارض مع الحقيقة. وبمجرد أن يتبين أن رأينا الفلاني خاطئ، نكفّ عنه ونحتضن الحقيقة. ولا ينبغي أن نعدّ أنفسنا مقيمين في حي الحقيقة، بل أن نجعل أنفسنا هائمين في طلبها، نتبع الدليل أينما ذهب. ولكن هذا إنما يمكن إذا كانت هويتنا ديناميكية لا ساكنة. أي ألّا نصبح مدمنين على اعتقاد ما، وألّا يكون تعلقنا باعتقاد ما بسبب الألفة به.
وقد كان غوتلوب فريغه مثالاً ساطعاً لمن كان له اعتقاد مؤقت وترك جزءاً من وعاء ذهنه فارغاً. فحين نبّهه راسل إلى تناقض في المبدأ الخامس من كتابه المعنون «قوانين الحساب»، أذعن فريغه لإشكال راسل وتخلّى عن اعتقاده بعد أن بحث فيه وتأمله سنين طويلة.[17] ومثال آخر من هؤلاء النوادر فيتغنشتاين، الذي ألّف بعد سنوات من التفلسف كتاباً عميقاً بعنوان «رسالة منطقية فلسفية» وترك أثراً عظيماً في عالم الفلسفة، لكنه انتهى بعد سنوات أخرى إلى اعتقاد آخر، فصنّف كتاباً بعنوان «تحقيقات فلسفية» وأعلن في مقدمته: «لقد تبيّنت في ما كتبته في الكتاب الأول أخطاء فادحة.»[18]
يظن بعضهم أن الأشياء التي يعلمونها هي المهمة، وأن الأشياء التي لا يعلمونها ليست مهمة. فهم الذين يقدّرون أهمية كل علم، لا ذات ذلك العلم. وبعضهم الآخر يعارض ما لا يعلمه، وما أكثر ما يرفضون أشياء لا يعلمون عنها شيئاً. وهذا الجهل نفسه يغري الإنسان بإنكار ما لا يعلمه، لأن الإنسان لا يتعلق قلبه بما لا يعلمه. ولكن، كما قال سبينوزا، لا ينبغي أن نتخذ الجهل دليلاً لنا، ولا أن نعدّ جهلنا عذراً. وقد ذُكر في القرآن قوم بقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.[19]
معلومات كل فرد قليلة قياساً إلى مجهولاته. فإذا كان علينا أن نرفض ما لا نعلمه، فقد رضينا بالقليل من العلم. ورُوي عن الإمام علي ع :
لاتُعادُوا ما تَجهَلُونَ فَإنَّ أَكثَرَ الْعِلْمِ فِي مَا لاتَعرِفُونَ.[20] أي: لا تعادوا ما تجهلون، لأن أكثر العلم في ما لا تعرفون.
عدم العلم مع القبول هو الوجه الآخر لعدم العلم مع الرفض، لكنه أكثر شيوعاً وأسوأ. فمن لا يعلم ويرفض له عذر، إذ يرفض ما لا يتعلق به قلبه، أما من لا يعلم ويقبل فلا عذر له أبداً. ويقال إن هذه العبارة كانت منقوشة على فصّ خاتم أرسطو وملك الصين: «من لا يعلم وينكر أعذر ممن لا يعلم ويقبل.»[21] ونقرأ في القرآن أيضاً:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.[22] أي: لا تتبع ما لا علم لك به، لأن السمع والبصر والفؤاد كلها عنه مسؤولة.
واستناداً إلى هذه الآية لا يجوز لأحد أن يعتقد بما لا يعلمه. كما يقول الطَّبْرِسي في تفسير الآية المذكورة: «لا تعتقد إلا ما تعلم أن الاعتقاد به جائز.»[23] ويكتب الطباطبائي كذلك في تفسير الآية نفسها: «لا تعتقد بما لا علم لك به.»[24] ورُوي أيضاً عن الإمام الصادق ع أن لا تتديّن بما لا تعلم: إِيَّاكَ أَنْ ... تَدِينَ بِمَا لاتَعلَمُ.[25] وعليه فينبغي أن تكون اعتقادات كل امرئ بقدر معلوماته لا أكثر. ومن وصايا الغزالي لمن هم في بداية الطريق أن يقتصروا في الاعتقادات على الشهادتين. ولا يقبل فيض الكاشاني هذا القول، لكن مطهري لا يقبل قول الفيض ويعدّ رأي الغزالي صحيحاً.[26]
قلنا إننا لا نقبل ولا نرفض ما لا نعلمه. ولكن لما كان كثير من الأشياء مما لا نعلمه، فعلينا أن نتوقف علمياً؛ أي أن نمتنع عن إبداء أي رأي، فلا ننفي ولا نثبت. ويظن كثيرون أنه ليس في أي موضوع سوى خيارين: القبول والرفض. والحال أن هناك خياراً ثالثاً يسمّى التوقف، وقد التفت إليه العلماء منذ القدم، فكانوا لا يحكمون نفياً ولا إثباتاً في الموضوعات التي لا يعلمونها. ولا يُدان أحد لأنه لا يعلم ولا يبدي رأياً. إنما يُدان الذين لا يعلمون ويقبلون ويرفضون.
والتوقف العلمي ليس ناشئاً عن الجهل، بل هو علامة كمال العلم ومعرفة الحدود. فمن يسكت ويتوقف في ما لا يعلمه، يتبين أنه يعلم أمراً مهماً: مدى معلوماته. ونتيجة لذلك لا يزلّ هو ولا يُزلّ غيره. ورُوي عن الإمام الصادق ع أن حق الله على عباده أن يتوقفوا في ما لا يعلمون: يَقِفُوا عِنْدَ مَا لايَعلَمُونَ.[27]
أحياناً، في مقابل المبالغة في نظرية ما، أو في مقابل نظرية منحرفة، تتشكل نظرية مقابلة لها هي أيضاً مبالغ فيها ومنحرفة. ويجب أن نسمّي هذه الآراء نظريات ارتدادية (ردّ فعلية) وأن نتجنبها. فالنظرية الارتدادية هي مقابلة متطرفة لنظرية هي بدورها متطرفة على نحو آخر. فنظرية تُظهر وجهاً واحداً من العملة، ونظرية أخرى ردّاً عليها تُظهر الوجه الآخر. وتتشكل هذه الاستقطابات والثنائيات لأن بعضهم، رغبة في التنبيه إلى أهمية نظرية ما، يبالغون فيها ويشدّدون عليها أكثر مما ينبغي.
والإفراط في جهة لا يُصلح بالإفراط في الجهة المعاكسة. لكن بعضهم يقع في هذه الحفرة من غير وعي ولا قصد، فيقعون في إفراط آخر وهم يفرّون من إفراط. والشاهد على هذه الدعوى كثرة الأطروحات ونقائضها المتطرفة؛ منها الثورة في مقابل المحافظة والعكس، والحداثة في مقابل التقليد والعكس، والغرب في مقابل الشرق والعكس.
وتتشكل النظريات الارتدادية في شأن الشخصيات أيضاً؛ من تصوير شخص ملاكاً إلى عدّه شيطاناً. وقد حدث مثل هذا الحكم في شأن أمير المؤمنين، ففي مقابل الخوارج الذين قالوا إن علياً كافر، قال فريق ردّاً عليهم إنه هو الله.[28] وقد كان ذلك الإمام يتوقع هذا الأمر، إذ كان يقول إن «المحب المفرط» و«المبغض المفرط» يهلكان فيّ.[29]
مجهولات الإنسان أكثر من معلوماته، وكلما تقدّم الإنسان أكثر أدرك مجهولاته أكثر. وهذه المجهولات نوعان، والنوع الثاني أضر من الأول. فالنوع الأول أشياء لا نعلمها ونعلم أننا لا نعلمها (الجهل البسيط)، والنوع الثاني أشياء لا نعلمها ونتوهم أننا نعلمها (الجهل المركّب / المضاعف).
جميع البشر يعلمون أقل مما يظنون. وكل إنسان أيضاً يعلم أقل مما يعلمه البشر جميعاً، وأقل مما يظنه هو نفسه. والله في القرآن لم يقل إننا أعطيناكم قليلاً من العلم، بل قال إننا لم نعطكم إلا قليلاً من العلم: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.[30] وعليه فعلم كل واحد منا ليس إلا أقل من القليل، وينبغي أن نجعل هذه النكتة نصب أعيننا، لا أن نمنح فئة من الناس لقب «العلّامة».
كان الأقدمون يرون أن في كل موضوع حقيقة واحدة، وأنها واضحة «كالشمس في وسط السماء»، وأن من لا يراها مغرض. لكن مرور الزمن بيّن أن الحقيقة خفية عسيرة المنال، وإن نيلت فهي حصيلة جهد جماعي. فقد قيل في القرن أو القرنين الأخيرين أمور كثيرة باسم «العلم» ثم تبيّن بطلانها. وكذلك ما أكثر ما قيل في القرون الماضية باسم «الدين» ثم رجعوا عنه الآن.
لقد نال سقراط كل هذا التقدير وتصدّر سلسلة الفلاسفة لأنه كان يقول: «إنه لا يعلم شيئاً، وإنه أعلم من غيره من هذه الجهة فقط، وهي أنه يعلم أنه لا يعلم شيئاً.»[31] وكذلك كارل بوبر، من أعظم فلاسفة العلم في العصر الحاضر، كان يقول بالمعرفة التخمينية، وقال في آثاره مراراً وتكراراً إننا لا نعلم شيئاً بل نخمّن. وقبل ألف عام قال أبو العلاء المعري: أَمَّا الْيَقِينُ فَلا يَقِينَ وَإِنَّمَا / أَقْصَى اجْتِهَادِي أَنْ أَظُنَّ وَأَحْدِسَا.[32] أي أن لا يقين في اليقين، ومنتهى جهدي الظن والحدس. وكذلك، قبل أبي العلاء بقرون، قال الشاعر كسينوفانيس: «أما الحقيقة اليقينية فلم يعلمها أي إنسان.... وكل [الأقوال] ليس سوى نسيج متشابك من التخمينات.»[33]
إذا علمنا أننا نعلم قليلاً، بل أقل مما نظن، اتصفنا بالتواضع المعرفي وسعينا إلى أن نكون كالتلميذ، في تعلّم دائم. فبدلاً من أن نكون حرّاس معلوماتنا والمدافعين عمّا علمناه حتى الآن، سنسعى إلى أن نكون صيّادين لما يعلمه الآخرون. فنترك جزءاً من وعاء أذهاننا فارغاً، لا كمن يختمه بختم «اكتملت السعة». وحين أراد أمير المؤمنين أن يعلّم كميلاً شيئاً، قال له أولاً: إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا.[34] أي أن هذه القلوب كالأوعية، وكلما كانت أوسع كانت أفضل. ويحكي سعدي أيضاً أن رجلاً كان له حظ يسير من علم النجوم، لكنه كان متكبراً، فجاء إلى المنجّم الكبير كوشيار الجيلاني ليتعلم منه شيئاً. فلما رأى كوشيار كبره لم يعلّمه شيئاً، فهمّ بالعودة. وعند عودته قال له كوشيار: لقد ظننتَ نفسك وافر العقل / فالإناء إذا امتلأ فكيف يحمل غيره؟ / ذاهبٌ أنت فارغاً لأنك ادّعيت الامتلاء / فتعالَ فارغاً لتمتلئ بالمعاني.
يأخذ كثير من الناس اعتقادهم من بيئتهم. ففي بيئة المسلمين يتربّى المسلم، وفي بيئة المسيحيين المسيحي، وفي بيئة الهندوس الهندوسي. وغاية ما في الأمر أن بعضهم يتصرف في اعتقاده بحسب طبعه وجِبلّته. فالمسلم حادّ الطبع يميل إلى الإسلام الأصولي، والمسلم ليّن الطبع إلى الإسلام الديمقراطي. والناس يختلفون في ما بينهم جغرافياً ووراثياً أكثر مما يختلفون فكرياً. فأرضنا وطبعنا هما اللذان يحددان مصيرنا.
لكن طلب الحقيقة يقتضي أنه حيثما تعارضت أرضنا وطبعنا مع الحقيقة انحزنا إلى جانب الحقيقة. فلا ينبغي أن نعدّ بيئتنا معيار الحقيقة، ولا أن يكون افتراضنا المسبق أن الحقيقة هنا حيث ولدتُ مصادفة. فالحقيقة سيّالة سيّارة، لا ثابتة ساكنة في مكان واحد، وهي أكبر من أن تسعها حدود سكننا. فعلينا إذن أن نعيد النظر في معتقداتنا المحلية / البيئية، وحتى بعد الاطمئنان إلى صحتها أن ندقق في تفاصيلها
تدقيقاً.
وواجبنا الآخر ألا نُدخل طبعنا وجيناتنا في تفسير المعتقدات. فلا ينبغي أن نعرّف شيئاً ونفسّره بحسب نمطنا النفسي وطبعنا. فلننظر ما الواقع، ولكن من غير تلاعب جيني.
وخلاصة القول: ليعد كل امرئ النظر في اعتقاده حتى يستطيع أن يقول إن هذا
«اعتقادي». ولا يستطيع أن يقول «اعتقادي» إلا حين يكون اعتقاده مصفّى من الجبر الاجتماعي (الأرض) والجبر الوراثي (الطبع).[35]
نحن نحكم دائماً: نقبل رأياً ونرفض رأياً، ونوافق جماعة ونخالف جماعة. ولا ينبغي أن نأخذ هذا الأمر باستخفاف، بل علينا، في الحكم العلمي على أي موضوع له أوراق كثيرة، أن نقرأ أوراقه كلها، لا أن نحكم من غير قراءة أو بنصف قراءة أو بناءً على المسموعات. فمن يحكم حكماً مسبقاً يرتكب خطأً واحداً، أما إذا ساق له عدة أدلة فقد ارتكب عدة أخطاء. فالبحث أولاً ثم الحكم، لا العكس، ولكن للأسف طريقة فريق من الناس عكس ذلك.
والمتعجلون الذين يريدون في كل موضوع أن يصلوا سريعاً إلى نتيجة يصبحون سريعي الجزم ويصدرون أحكاماً مسبقة. وسريع الجزم هو من يقتنع بسرعة بأن هذا هو الصحيح بمجرد قراءة نص أو بالنظر في دليل أو دليلين. ولعل في مقابل هذا الدليل أو الدليلين عشرات الأدلة الأخرى الأقوى. ولتجنب الأحكام المسبقة ينبغي ألا نكون متعجلين سريعي الجزم، وأن نتريث ونؤجل في الحكم.
بعضهم إذا اعتقد بشيء ظل يبحث عن شواهد تؤيد اعتقاده. فهؤلاء ينصرفون كلياً إلى مؤيدات اعتقادهم ويتجاهلون مضعِّفاته. والحال أنه ينبغي البحث أيضاً عن مضعِّفات اعتقادنا ومعارضاته. فقد توجد أدلة في تأييد رأي وفي رده معاً. ومن النظر من جانب واحد أن نتمسك بسلسلة من الأدلة ونتجاهل سواها. وكان أبو الحسن العامري يقول قبل ألف عام: إن العاقل لا يقتنع بالأدلة المقامة على شيء حتى يقف على الأدلة المخالفة له أيضاً.[36]
ولإثبات أي دعوى شرطان لازمان: أن توجد أدلة في تأييدها، وألا يوجد دليل في ردها. فهناك طائفة من الدعاوى الباطلة، ولا سيما في مجال الدين والتاريخ، تُوجد لها أدلة، لكن في ردها أدلة أكثر. فعلينا إذن أن نُجلس أنفسنا على كرسي الاتهام، ونمسك بتلابيب معتقداتنا ونستجوبها، بل ونسوق الاستدلال المعاكس؛ أي الاستدلال لصالح الطرف المقابل. فالذين لا يقرأون ولا يسمعون إلا ما يعلمونه يبقون حيث هم.
وفي المسائل الخلافية في الدين، فإن الاستناد إلى آيات وروايات دعوى ما من غير فحص الآيات والروايات المعارضة لها نظرٌ من جانب واحد، وهو من قبيل النقل الناقص.
ليست الدعاية حاسمة في عالم الاقتصاد والسياسة وحدهما، بل في ميادين أخرى أيضاً دعاية مؤثرة؛ حتى في الدين والفلسفة. وصورتها أن يطلق المرء الشعارات ويتبجّح ويبالغ في تقديم اعتقاده، فيرعد ويبرق بلا مطر، وينفق ألفاظاً طنانة، ويثير المشاعر والعواطف، ويتكلم بشدة وحزم، ويقدّم وعوداً مستحيلة؛ وعد القطا السماوي في مقلاة الكادحين، ووعد لحم الغزال غير المصيد للمستضعفين. فقولهم «الليبرالية سفينة نجاة البشرية»، و«قطار التاريخ ينتهي أخيراً إلى الماركسية»، و«الفلسفة الإسلامية غاية الغايات في التفلسف»، وما شاكل ذلك، كل ذلك دعاية.
ولا ينبغي أن ننبهر بالدعاية أو نرتعب منها، بل علينا أن نجرّد كل اعتقاد ونظرية من زخارفهما وشعاراتهما، وأن نجعل العقل ميزاناً بعيداً عن الانفعالات والمشاعر.
فلو حُذفت الدعاية، أي لو عُرضت جميع المعتقدات والنظريات بالقدر نفسه من الصوت والصورة وباللغة العلمية الجافة، لتغيّرت نظرة كثير من الناس.
ليست الحقائق كلها عندنا وفي ملتنا. «كلُّ شيءٍ يعرفه الجميع»، والحقيقة لها هوية جماعية وهي مشاع، لا تنحصر في فرد ولا في جماعة. والباحث عن الحقيقة لا ينظر في يد من هي، إنما يطلب الحقيقة فقط؛ في يد من كانت. ومن يعتقد بأن الله حق (أي أنه يؤمن بالله من حيث إنه حقيقة) عليه أن يعدّ الحقيقة أيضاً ظاهرة إلهية؛ حتى لو خالفت رأيه وكانت عند خصمه. لأن مبدأ الحق ومنشأه هو الله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.[37] وقد ورد في روايات أئمة الدين أن خذوا الحكمة ممن كانت عنده؛ ولو كان «منافقاً» أو «مشركاً» أو «من أهل الباطل» أو «شريراً» أو «سفلة» أو «مجنوناً». والإعراض عن الحقيقة بسبب البغض لقائلها، لكونه كافراً أو فاسقاً مثلاً، ليس سوى عصبية جاهلية.[38] ورُوي عن الإمام علي ع : الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ فَخُذِ الحِكْمَةَ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ.[39] أي أن الحكمة ضالة المؤمن، فخذ الحكمة ولو من المنافقين.
ونُقل أيضاً عن السيد المسيح ع : خُذُوا الحَقَّ مِنْ أَهْلِ البَاطِلِ وَلَا تَأْخُذُوا البَاطِلَ مِنْ أَهْلِ الحَقِّ.[40] أي خذوا الحق من أهل الباطل ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق. فلنجعل هذه الجملة شعارنا: الصواب من كل أحد، والخطأ من لا أحد.
والتعصب لا يختص بالمتدينين والأمور الدينية، بل هو أوسع من ذلك. ومن أمثلة التعصب في معاداة الغرب والإعجاب به ما كتبه شفيعي كدكني قبل سنوات: «إذا قال مستشرق "اللبن أبيض"، فأبقِ دائماً في ذهنك مجالاً لاحتمال أنه إما "اللبن ليس أبيض أصلاً"، أو "إثبات بياض اللبن مقدمة لنفي السواد عن الفحم".»[41] وبعد ثلاثين عاماً تحرر شفيعي من ذلك التعصب المعادي للغرب، لكنه قال هذه المرة: «منذ قرون لا فكر عند المسلمين .... وإذا أردنا أن نعدّ معجماً أو موسوعة للفكر البشري فإن حصة المتأخرين في العالم الإسلامي تكاد تكون صفراً. إن جميع المسلمين في القرون الأخيرة لم يقدموا من "الفكر" ما يعادل سنة واحدة من عمر فيتغنشتاين الفلسفي.»[42]
أحياناً تسلك الأغلبية طريقاً خاطئاً ويسود في المجتمع، أو بين حلقة العلماء، اعتقاد غير صحيح. وفي مثل هذه الحال ينبغي التحلي بشجاعة المعرفة وعدم اتباع طريق الأغلبية. فالشجاعة شرط من شروط المعرفة، والشجاع يستطيع أن يعلم أشياء لا يستطيع غيره، مهما كان أذكى، أن يعلمها أبداً. وتشهد وقائع التاريخ أن الذين استطاعوا نقد المشهورات والإجماعات التي لا أساس لها هم الذين كانوا شجعاناً ولم يخافوا من كونهم أقلية. ونقرأ في نهج البلاغة: لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ.[43] أي: لا تستوحشوا في طريق الهداية لقلة السالكين فيه.
ويقول الشيخ المفيد بعد بحث علمي: لا أستوحش من أن يخالفني أحد في هذه المسألة، لأن أنسي بالبرهان، ولا وحشة من الحق.[44] ويقول تلميذه السيد المرتضى أيضاً إنه لا ينبغي أن يُستوحش من مذهب لقلة سالكيه، بل الأجدر أن يُفرّ من اعتقاد لا دليل عليه.[45] وقد بدأ عصر التنوير في الغرب حين اعتمدت جماعة، بشجاعة المعرفة، على فهمها وإدراكها وعقلها. ويقول كانط في مقالة له عن التنوير إن شعار التنوير كان: «تجرّأ على استعمال عقلك.»[46]
الشجاعة العلمية لازمة، لكن الاحتياط لازم أيضاً. وهاتان الصفتان، اللتان تبدوان في الظاهر متعارضتين، ينبغي أن تُمزجا كما يُمزج اللبن بالسكر، فلا تُضحّى إحداهما في سبيل الأخرى. فمن علم أن معلوماتنا ضئيلة أمام مجهولاتنا، ومن علم أنه مسؤول عمّا يقول، أخذ بعصا الاحتياط. وينبغي أن تؤخذ هذه العصا منذ مطلع الشباب، لا في زمن الشيخوخة أو عن خوف.
وإذا قبل المرء هذا الأصل وحده، وهو ألا يقبل ما لا يعلمه، كفاه ذلك في الاحتياط. وعندئذ لا يصير محافظاً أبداً. فالمحافظة هي التسليم التام للتراث، أما الاحتياط فهو غربلة حذرة للتراث ولا ينافي التجديد. وكم من نظريات جديدة منشؤها لا الشجاعة العلمية بل الاحتياط.
وقد أُوصي بالاحتياط في الدين في روايات متعددة[47] ووصية العلماء في إجازاتهم لتلاميذهم هي الاحتياط ثم الاحتياط. وقد صار هذا الأمر منشأ لبحث في أصول الفقه بعنوان الأصول العملية (الاستصحاب، البراءة، الاحتياط، التخيير)،
ومن مواضع الخلاف بين الأخباريين والأصوليين، وبين الأصوليين أنفسهم.[48] لكن كلا الفريقين لا يشك في أصل الاحتياط، وبعضهم يحتاط إلى حد أنه لا يفتي أصلاً[49] أو إذا انتهى إلى رأي جديد بحث حتى يجد أحداً من السابقين يوافقه في رأيه.[50]
للوصول إلى اعتقاد صحيح لا بد، إضافة إلى الصدق، من الجدية. فحب الحقيقة لا يكفي، بل ينبغي السعي وراء الحقيقة وبذل عرق الروح لعل المرء يصل إليها. والاجتهاد (الجهاد العلمي) ليس خاصاً بالفقهاء ولا بعلم الفقه، بل ينبغي أن يقوم كل اعتقاد نحمله على الجد والجهد. فالحقيقة ليست دائماً واضحة وبسيطة وفي متناول اليد وكالشمس في وسط السماء، بل هي أحياناً بعيدة عن أفق رؤيتنا ونصف خفية، ويحتاج الوصول إليها إلى كدّ واجتهاد. والكدّ يعني ألا نكتفي بالمصادر القريبة والمعلومات القريبة والفهوم القريبة. فإذا جعلنا الأصل في كثير من الموارد خفاء الحقيقة، بذلنا جهداً أكبر في الوصول إليها. ورُوي عن الإمام علي ع : إن الحق ليست له علامات بارزة يمكن بها تمييز أنواع الصدق من الكذب.[51] وفي مقام القضاء أيضاً كان القاضي الصالح عند الإمام من: لا يكتفي بفهمه الأولي قبل بلوغ عمق المسألة.[52]
التفسير بالرأي لا يختص بالنصوص الدينية، بل يشمل كل نص. وبطبيعة الحال كلما كان النص أهم كان التفسير بالرأي فيه أخطر. والتفسير بالرأي معناه وضع كلام المرء في فم غيره وإدخال ما يرضيه وما لا يرضيه في التفسير. وهذا فرض لرأي المرء على غيره ونوع من التسلط. فمن يفسّر كلام غيره بالرأي إنما يقول في الحقيقة زوراً وكذباً؛ أي ينسب إلى غيره ما لم يقله. وإذا كنا لا نرى نصاً دليلاً على دعوانا فلنمتنع عن الاستناد إليه، لا أن نفسّره بالرأي. فهذا تحريف معنوي، وهو أحياناً أشدّ خيانة من التحريف اللفظي؛ حتى لو لم يكن عن علم وعمد.
وأحياناً يكون التفسير بالرأي لنص بعينه وعلى نحو جزئي، وأحياناً لملة بأكملها وعلى نحو كلي. وفي الحال الأخيرة يُقدَّم تفسير لملة لا يمكن استنباطه منها أبداً. فمثلاً، في تفسير رأي الإسلام أو المسيحية يقولون كذا وكذا، والحال أنه ليس كذا ولا كذا. وثمة صورة أخرى من هذا التفسير في مقام نقل آراء الشخصيات. فكثيراً ما نقرأ أن أرسطو أو كانط يرى كذا وكذا، لكننا حين ندقق نجد أنه تفسير بالرأي قائم على أهواء شخصية في الرضا والسخط.
ليست الوقائع كلها موضوعية إلى هذا الحد، وحتى لو كانت موضوعية تماماً فربما تعارضت مع افتراضات بعضهم المسبقة. وهنا يهرب فريق من مواجهة الواقع ويتوسلون بمئة ضرب من التبرير ليظهروا الواقع على غير حقيقته. وهم غافلون عن أننا لا نصنع الواقع، بل الواقع هو ما هو عليه ولا يمكن جرّه خلفنا. فعلينا نحن أن نسير وراء الواقع.
ينبغي أن تُعرض جميع المعتقدات والنظريات على محكّ التجربة والواقع، وأن يُطرح كل ما لا يتفق مع هذا المحكّ. فالذين يتنظّرون غير مبالين بالواقع، والذين يتمسكون بنظريات مخالفة للواقع، يفضّلون المنسوجات الذهنية على المعطيات الموضوعية ويقولون بأصالة النظرية[53] (بتعبير لويس ألتوسير). ولا يمكن إقامة نظرية على العرش بالشعوذة الكلامية وتلفيق الأدلة والتشبث بالاستدلالات شبه العقلية. «دليل العقل إن حلّق في الهواء / فإذا خالف الحس والنظر كان مكسور الجناح.» وويلٌ لمن قال: ويل للواقع إن لم يتفق مع نظرياتي.[54] وويلٌ لمن قال: ويل للتجربة، فالنظرية صحيحة.[55]
وبعضهم لا يقبل إلا الوقائع المتفقة مع افتراضاته المسبقة. وبتعبير المولوي: الأذن تذهب إلى حيث ما في الرأس. وكان غوته يقول: «نحن لا نرى إلا ما نعلمه.»[56] وبحسب مثل قديم: «نحن مهيّأون لرؤية ما يقع خلف أعيننا، لا ما يظهر أمامها.»[57] وقد صنع غاليليو منظاراً فلكياً وطلب من الأرسطيين أن يروا به أقمار المشتري، لكنهم رفضوا خوفاً من أن يروا ما رآه غاليليو ولم يقله أرسطو.[58] وكذلك لما شاع التشريح في القرون الوسطى وكانوا يشقّون الجثث، كلما لم يتفق رأي جالينوس مع خصائص الجثة عدّوا العيب في الجثة لا في رأي جالينوس.[59]
فلا نسخر من الأقدمين، بل لنكن بحيث لا يسخر منا اللاحقون. وبدلاً من أن نفسّر الوقائع بما يوافق نظرياتنا، فلنغيّر نظرياتنا بما يوافق الوقائع. وليكن دعاؤنا في هذه الدار دار الخدعة، حيث يُظهرون بسحر الكلام الحق باطلاً والباطل حقاً: يا ربّ أرِنا كل شيء / كما هو في هذه الدار الخادعة. وبحسب ما نُقل عن النبي في المتون العرفانية: اللَّهُمَّ أَرِنَا الأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ.[60]
نحن نعيش في عالم الأسماء والوسوم، وندعو بعضنا بعضاً بأسماء شتى، ولنفرض أنها صحيحة؛ منها: مؤمن بالله، وغير مؤمن بالله، وصوفي، وبوذي، وشيوعي، ومحافظ، وليبرالي، ومثقف تنويري. وهذه الأسماء والوسوم لمعرفة بعضنا بعضاً، لكنها أحياناً تصير حجاباً عن المعرفة وتدفعنا إلى ألا نقترب ممن لا يشاركوننا الفكر ولهم وسم آخر، فلا نعرفهم. فمثلاً، لأننا نعدّ أنفسنا مسلمين لا نلتفت إلى ما يقوله المسيحيون في اللاهوت، أو لأننا نعدّ أنفسنا تنويريين لا ندقق فيما يدّعيه الصوفية. وما من اعتقاد يخلو من نقاط قوة، لكننا حين نعدّها بوسوم منبوذة، فأولاً لا نستطيع فهمها، وثانياً لا نستطيع الإفادة من نقاط قوتها. فلا ينبغي أن تكون الوسوم عندنا كالغول عند الأطفال. فلنُزِل المحظورات عن الوسوم، ولا ننظر ما وسم الآخرين، بل ننظر ما أدلتهم.
وأحياناً لا يكون الوسم كلمة واحدة، مثل «شيوعي» و«ليبرالي»، بل عبارة نمطية. فمثلاً يقولون إن أفلاطون وأرسطو كانا يعتقدان بكذا، أو إن ابن خلدون والغزالي كانا يعتقدان بكذا. وهذه الوسوم النمطية، وإن كانت صحيحة، ينبغي ألا تفضي إلى الإقصاء التام لأصحابها.
1. أبو حيان التوحيدي. علي رضا ذكاوتي قراگزلو. الطبعة الأولى: طهران، طرح نو، 1374.
2. أخلاقيات الاعتقاد. أندرو تشيغنل. ترجمة أمير حسين خداپرست. الطبعة الأولى: طهران، منشورات ققنوس، 1395.
3. الأخلاق النيقوماخية. أرسطو. ترجمة محمد حسن لطفي. الطبعة الأولى: طهران، طرح نو، 1378.
4. أرغنون (مجلة).
5. الأصول من الكافي. محمد بن يعقوب الكليني. تصحيح وتعليق نجم الدين الآملي وعلي أكبر الغفاري. طهران، المكتبة الإسلامية، 1388.
6. الإعلام بمناقب الإسلام. أبو الحسن العامري. ترجمة أحمد شريعتي وحسين منوچهري. الطبعة الأولى: طهران، مركز النشر الجامعي، 1367.
7. الإنسان الكامل. عزيز الدين النسفي. تصحيح ماريجان موله. الطبعة السادسة: طهران، منشورات طهوري والجمعية الفرنسية للدراسات الإيرانية في طهران، 1381.
8. أساس علمي لعالم عقلاني. پول ديفيز. ترجمة محمد إبراهيم محجوب. الطبعة الخامسة: طهران، نشر گمان، 1400.
9. الذخيرة في علم الكلام. علي بن الحسين الموسوي (الشريف المرتضى). تحقيق مجموعة من المحققين. الطبعة الأولى: مشهد، مؤسسة البحوث الإسلامية، 1399.
10. الرسائل والمسائل. علي بن الحسين الموسوي (الشريف المرتضى). تحقيق مجموعة من المحققين. الطبعة الأولى: مشهد، مؤسسة البحوث الإسلامية، 1399.
11.الشافي في الإمامة. علي بن الحسين الموسوي (الشريف المرتضى). تحقيق السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب. مراجعة فاضل الميلاني. الطبعة الثانية: طهران، مؤسسة الصادق، 1426.
12. أوائل المقالات في المذاهب والمختارات. محمد بن محمد بن النعمان (الشيخ المفيد). بإشراف مهدي محقق. الطبعة الثانية: طهران، مؤسسة الدراسات الإسلامية بجامعة طهران - جامعة ماكغيل، 1382.
13. بالمصباح والمرآة: في البحث عن جذور تحول الشعر الإيراني المعاصر. محمد رضا شفيعي كدكني. الطبعة الثانية: طهران، منشورات سخن، 1390.
14. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار. محمد باقر المجلسي. الطبعة الثانية: بيروت، مؤسسة الوفاء، 1403.
15. البصائر والذخائر. أبو حيان التوحيدي. تحقيق وداد القاضي. الطبعة الأولى: بيروت، دار صادر، 1408.
16. تحقيقات فلسفية. لودفيغ فيتغنشتاين. ترجمة فريدون فاطمي. الطبعة السابعة: طهران، نشر مركز، 1393.
17. تاريخ الفلسفة الغربية. برتراند راسل. ترجمة نجف دريابندري. الطبعة السادسة: طهران، كتاب پرواز، 1373.
18. التصوف الإسلامي وعلاقة الإنسان بالله. رينولد أ. نيكلسون. ترجمة محمد رضا شفيعي كدكني. الطبعة الأولى: طهران، منشورات توس، 1358.
19. النظرة العلمية إلى العالم. برتراند راسل. ترجمة حسن منصور. الطبعة الرابعة: طهران، منشورات آگاه، 1378.
20. حصيلة العمر. ألبرت أينشتاين. ترجمة ناصر موفقيان. الطبعة الأولى: طهران، منظمة النشر والتعليم للثورة الإسلامية، 1370.
21. بحثاً عن عالم أفضل. كارل بوبر. ترجمة حسن تيموري. الطبعة الأولى: طهران، نشر شبخيز، 1398.
22. ديوان أبي العلاء المعري: اللزوميات. شرح وضبط غريد الشيخ. الطبعة الأولى: طهران، مؤسسة الأعلمي، 1420.
23. ما التنوير؟ النظريات والتعريفات. إرهارد بالت (إعداد). ترجمة سيروس آرينپور. الطبعة الأولى: طهران، منشورات آگاه، 1376.
24. جذور الاحتياط في الاجتهاد والإفتاء وتبعاته: حوار مع جمع من أساتذة الحوزة والجامعة. بعناية سعيد ضيائيفر. الطبعة الأولى: قم، معهد العلوم والثقافة الإسلامية، 1400.
25. حياة غاليليو. برتولت بريشت. ترجمة عبد الرحيم أحمدي. الطبعة الحادية عشرة: طهران، منشورات نيلوفر، 1400.
26. المرأة الزائدة. جلال آل أحمد. الطبعة الخامسة: طهران، منشورات رواق، 1356.
27. قصة الفلسفة. براين ماجي. ترجمة حسن كامشاد. الطبعة الأولى: طهران، نشر ني، 1386.
28. ثلاثون مقالة. رضا الأستادي. الطبعة الأولى: قم، مكتب النشر الإسلامي، 1373.
29. ستة أجنحة: رجال العلم في عصر النهضة. جورج سارتون. ترجمة أحمد آرام. الطبعة الثالثة: طهران، منظمة النشر والتعليم للثورة الإسلامية، 1364.
30. غرر الحكم ودرر الكلم. عبد الواحد الآمدي. تصحيح السيد مهدي الرجائي. الطبعة الثانية: قم، دار الكتاب الإسلامي، 1410.
31. غزليات شمس تبريز. مقدمة واختيار وتفسير محمد رضا شفيعي كدكني. الطبعة الخامسة: طهران، منشورات سخن، 1387.
32. القسطاس المستقيم. محمد الغزالي. تحقيق فيكتور شلحت. الطبعة الأولى: بيروت، المطبعة الكاثوليكية، 1995.
33. مجمع البيان في تفسير القرآن. أبو علي الطَّبْرِسي. الطبعة الأولى: بيروت، دار المعرفة، 1406.
34. محبوب القلوب. قطب الدين الأشكوري. ترجمة السيد أحمد الأردكاني. تصحيح علي أوجبي. الطبعة الأولى: طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ومكتبة مجلس الشورى الإسلامي، 1380.
35. المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء. محسن الفيض الكاشاني. تصحيح علي أكبر الغفاري. قم، مكتب النشر الإسلامي.
36. مقالات شمس التبريزي. تصحيح محمد علي موحد. الطبعة الثانية: طهران، منشورات خوارزمي، 1377.
37. مدخل إلى تاريخ العلم. جورج سارتون. ترجمة غلام حسين صدري أفشار. الطبعة الثانية: طهران، المنشورات العلمية والثقافية، 1383.
38. الميزان في تفسير القرآن. السيد محمد حسين الطباطبائي. الطبعة الخامسة: قم، مؤسسة إسماعيليان، 1371.
39. نزهة الأرواح وروضة الأفراح (تاريخ الحكماء). شمس الدين محمد الشهرزوري. ترجمة مقصود علي التبريزي. بعناية محمد تقي دانشپژوه ومحمد سرور مولايي. الطبعة الأولى: طهران، الشركة العلمية والثقافية للنشر، 1365.
40. نهج البلاغة. تصحيح صبحي الصالح. قم، منشورات هجرت، 1395.
41. فن البحث العلمي. و. ا. ب. بيفريدج. ترجمة محمد تقي فرامرزي. الطبعة الأولى: طهران، منشورات مازيار، 1386.
42. مذكرات الأستاذ مطهري. الطبعة الأولى: طهران وقم، منشورات صدرا، 1379.
[1]. بحار الأنوار، ج 1، ص 218.
[2]. أخلاقيات الاعتقاد، ص 15.
[3]. سورة الزمر، الآيتان 17-18.
[4]. غرر الحكم، ص 158
[5]. نهج البلاغة، قسم الحكم، الحديث 173.
[6]. غرر الحكم، ص 178.
[7]. المصدر نفسه، ص 419.
[8]. نهج البلاغة، الخطبة 147.
[9]. ستة أجنحة: رجال العلم في عصر النهضة، ص 91.
[10]. التقليد بمعنى وضع القلادة (في الفارسية: «قَلّاده») في عنق شخص آخر، لا وضع قلادة الآخر في عنق النفس (وكثيرون يظنون ذلك وهو غير صحيح). وبعبارة أخرى، ليس معنى التقليد أن المقلِّد يضع قلادة الأمر والنهي من مقلَّده في عنقه، بل معناه أنه يضع القلادة في عنق غيره، ويجعل مسؤولية العمل الذي يتبع فيه غيره كالقلادة في عنق ذلك العالم. ومذمومية التقليد من هذه الجهة، إذ هو خلاف الاستقلال والاختيار ويجعل الإنسان تابعاً وعالةً على غيره. فالمقلِّد يحب أن يقول له شخص آخر ماذا يفكر وماذا يفعل، ثم يرتاح باله ويقول: لا مسؤولية عليّ، و«المأمور معذور».
وقد أشار دوستويفسكي في رواية الإخوة كارامازوف، وإريك فروم في كتاب الهروب من الحرية، إلى أن ما يخيف الناس هو حرية الاختيار.
[11]. مقالات شمس التبريزي، ص 161.
[12]. على حد علمي، فإن قوله في الأصل هو: «الأصدقاء والحقيقة كلاهما عزيز علينا. فلنقدّم الحقيقة على الأصدقاء.» الأخلاق النيقوماخية، ص 22. ومراد أرسطو من «الأصدقاء» أفلاطون.
[13]. انظر: الإعلام بمناقب الإسلام، ص 287.
[14]. انظر: القسطاس المستقيم، ص 100.
[15]. «نَحنُ نُقْسِمُ عَلَى مَنْ تَصَفَّحَهُ وَتَأَمَّلَهُ أَنْ لَا يُقَلِّدَنَا فِي شَيْءٍ....» الشافي في الإمامة، ج 4، ص 366. «نُقْسِمُ بِاللهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ تَأَمَّلَهُ أَنْ لَا يُقَلِّدَنَا فِي شَيْءٍ....» الذخيرة في علم الكلام، ج 2، ص 503.
[16]. نزهة الأرواح وروضة الأفراح، ص 141.
[17]. انظر: برتراند راسل، «في شأن فريغه»، ترجمة ضياء موحد، أرغنون (السنة الثانية، العدد 7-8، شتاء 1374)، ص 85.
[18]. تحقيقات فلسفية، ص 26.
[19]. سورة يونس، الآية 39.
[20]. غرر الحكم، ص 748.
[21]. البصائر والذخائر، ج 1، ص 127 وج 4، ص 96؛ محبوب القلوب، ص 277.
[22]. سورة الإسراء، الآية 36.
[23]. مجمع البيان، ج 6، ص 641 .
[24]. الميزان، ج 13، ص 92.
[25]. الأصول من الكافي، ج 1، ص 33.
[26]. انظر: المحجة البيضاء، ج 5، ص 129؛ مذكرات الأستاذ مطهري، ج 2، ص 158.
[27]. الأصول من الكافي، ج 1، ص 34.
[28]. قال أبو حيان التوحيدي نقلاً عن أبي حامد المروروذي: «لَوْلَا أَنَّ الْخَوَارِجَ قَالَتْ عَلِيٌّ كَافِرٌ، لَمَا قَالَتِ الْغَالِيَةُ عَلِيٌّ إِلَهٌ.» البصائر والذخائر، ج 4، ص 234. وقد احتمل بعضهم أن أبا حامد المروروذي لا وجود له في الخارج وأنه من صنع خيال أبي حيان. انظر: أبو حيان التوحيدي، ص 10.
[29]. انظر: نهج البلاغة، الخطبة 127. وانظر أيضاً الحكمة 117 و469.
[30]. سورة الإسراء، الآية 85.
[31]. تاريخ الفلسفة الغربية، ص 150. وقال بوشكور البلخي أيضاً: بلغ علمي إلى حد أن أعلم أنني جاهل. وقال محمد تقي بهار كذلك: حصّلت من المعرفة قدراً يسيراً / حتى بلغت قرب «لا أدري».
[32]. ديوان أبي العلاء المعري: اللزوميات، ج 2، ص 25.
[33]. بحثاً عن عالم أفضل، ص 110-111.
[34]. نهج البلاغة، قسم الحكم، الحديث 147. ومن الجدير بالذكر أن جلال آل أحمد قال في مقالة لافتة بعنوان «رسالة بولس الرسول إلى الكتّاب»، وهي في الواقع وصاياه للكتّاب: «ليكن كل واحد منكم كالبئر، إذا استخرجوا منها ألف دلو لم تجفّ، وإذا صبّوا فيها ألف دلو لم تمتلئ؛ لا كالكأس يشربونها بجرعة ويملؤونها بقطرات. فليكن قلبكم عميقاً وصدركم رحباً ليدخل الكلام فيه ولا يضيق به أبداً.» المرأة الزائدة، ص 20-21.
[35]. الذين يتحسسون من لفظ «الجبر» يمكنهم أن يقولوا بدلاً منه «المقتضيات» أو «الوراثة». فمثلاً المقتضيات الاجتماعية والمقتضيات الوراثية، أو الوراثة الاجتماعية والوراثة البيولوجية.
[36]. انظر: الإعلام بمناقب الإسلام، ص 285.
[37]. سورة آل عمران، الآية 60.
[38]. بتعبير العلامة الطباطبائي اللامع: «إِنَّ الْحَقَّ حَقٌّ، أَيْنَمَا كَانَ وَكَيْفَمَا أُصِيبَ وَعَنْ أَيِّ مَحَلٍّ أُخِذَ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ إِيمَانُ حَامِلِهِ وَكُفْرُهُ، وَلَا تَقْوَاهُ وَفِسْقُهُ، وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْحَقِّ بُغْضاً لِحَامِلِهِ لَيْسَ إِلَّا تَعَلُّقاً بِعَصَبِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ.» الميزان، ج 5، ص 258.
[39]. نهج البلاغة، قسم الحكم، الحديث 80 .
[40]. بحار الأنوار، ج 2، ص 96.
[41]. التصوف الإسلامي وعلاقة الإنسان بالله، ص عشرون، مقدمة المترجم. والعجيب أن شفيعي كدكني قال هذا الكلام في مقدمة كتاب ترجمه عن مستشرق. والعجيب أيضاً أن الكتاب المذكور لنيكلسون.
[42]. غزليات شمس تبريز ، ج 1، ص 70. ويقول شفيعي في موضع آخر إن كل تقدم وتحول في الشعر الإيراني الحديث وليد اتصاله بعالم الشعر الغربي. انظر: بالمصباح والمرآة، ص 25-26. فقارنوا هذا الرأي بحكمه القاطع القائل «إذا قال مستشرق إلخ.»
[43]. نهج البلاغة، الخطبة 201. ويمكن ترجمة «لا تستوحشوا» بصور أخرى أيضاً.
[44]. انظر: أوائل المقالات، ص 50.
[45]. انظر: الرسائل والمسائل، ج 3، ص 23.
[46]. ما التنوير؟ النظرية والتعريفات، ص 17.
[47]. انظر: بحار الأنوار، ج 2، ص 258-261.
[48]. يكتب آية الله رضا الأستادي، وهو من الفقهاء المحافظين: «إذا أراد فقيه أن يتجنب الاحتياط كلياً ولا يذكر الاحتياط الواجب في أي موضع، شُكّ في فقاهته.» ثلاثون مقالة، ص 151. وفي المقابل يقول آية الله محمد هادي معرفت، وهو من الفقهاء المجددين، مشيراً إلى أنه لم يفتِ قط بخلاف مشهور القدماء وخلاف الإجماع [وهذا نوع من الاحتياط]: «من وصل في مقام الاستنباط إلى طريق مسدود وأفتى بالاحتياط، هٰذَا لَا نَعُدُّهُ فَقِيهاً أَبَداً.» جذور الاحتياط في الاجتهاد والإفتاء وتبعاته، ص 252. ويقول هو نفسه أيضاً: «كتبت دورة فقه كاملة محكمة وقوية، ليس فيها من أولها إلى آخرها موضع واحد للاحتياط.» المصدر نفسه، ص 248.
[49]. وكان من هذه الفئة السيد ابن طاووس، الذي يقول إنه فرّ من الإفتاء خوفاً من أن ينسب إلى الله قولاً فيشمله قوله: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ...» (سورة الحاقة، الآيات 44-47). انظر: بحار الأنوار، ج 104، ص 42.
[50]. يُروى أن آية الله عبد الكريم الحائري، مجدد الحوزة العلمية في قم في العصر الحاضر، كان كلما انتهى إلى رأي جديد، تخلصاً من وحشة الانفراد في الفتوى، يقول: ابحثوا عن ملّا ميّت يوافقني في هذه المسألة.
[51]. نهج البلاغة، الكتاب 53.
[52]. المصدر نفسه، الكتاب 53.
[53]. theoricisme.
[54]. يُنسب إلى هيغل كما يُنسب إلى پول پوت!
[55]. انظر: أساس علمي لعالم عقلاني، ص 243، نقلاً عن أينشتاين. وإن كان قد قال ذلك فمراده شيء آخر. ولمعرفة رأيه يُرجع إلى: حصيلة العمر، ص 67 و107. لكنه قال هذا: «إن النظرية الجريئة وحدها هي التي تستطيع أن تقدّمنا إلى الأمام، لا تكديس المعلومات.» قصة الفلسفة، ص 220.
[56]. فن البحث العلمي، ص 123.
[57]. المصدر نفسه، ص 123.
[58]. انظر: مدخل إلى تاريخ العلم، ج 1، ص 36؛ النظرة العلمية إلى العالم، ص 44. وقد صوّر برتولت بريشت هذه المسألة في مسرحية حياة غاليليو (ص 171-175).
[59]. انظر: ستة أجنحة: رجال العلم في عصر النهضة، ص 244-245.
[60]. الإنسان الكامل، ص 198 و346 و417.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.