اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الفلسفة هي عين الحرية ولا يمكن أن تكون علةً للأنظمة الفاشية، لكن لا يمكن تجاهل نسبة العنف وتاريخ الفكر؛ ينبغي النظر إلى الأقوال بوصفها أرضًا تجذّر فيها العنف ونما.

في تاريخ التفلسف، تناول العديد من الباحثين مسألة العلاقة بين السلطة والفكر، وسعوا إلى إيجاد علاقة سببية بين التفلسف والممارسة السياسية المولّدة للعنف، وإظهار كيف يمكن أن ينشأ العنف من قلب فلسفة ما، وأي الفلسفات كانت أسبابًا ودواعي للعنف. في العصر الحالي، يُعدّ "بوبر" رائد هؤلاء الباحثين الذين حاولوا تتبّع آثار الأنظمة التوتاليتارية والفاشية في أفكار أفلاطون وماركس.
والآن، ينبغي أن نعرف ما إذا كان السؤال عن شروط إمكانية ظهور داعش يشبه هذا النوع من الأبحاث؟ هل نريد أن نكتشف العلاقة بين هذا التيار العنفي والتكفيري وبين تفلسف فيلسوف ما أو فلسفة معينة؟ بالطبع، قبل طرح مثل هذا السؤال، يجب أن يكون لدينا تعريف واضح للفلسفة والتفكير، ونرى إن كان بالإمكان، في هذا التعريف المقبول، بلوغ جينيالوجيا العنف والتيارات التكفيرية. من الواضح أن من يعتبر الفلسفة عين الحرية والتفكير عين التحرر، لا يمكنه أبدًا أن يجد علاقة بين تيار أو نظام فاشي وعنفي، وبين الفلسفة. في هذا الأفق، الفلسفة، حتى عندما تسعى إلى تبيان فكرة "تُتوّج فيها الشعراء بأكاليل الفخر ثم تُطردهم خارج المدينة"، لا يمكنها أن تكون "علة" لنظام سياسي ومبررًا للفاشية. وذلك لسببين بسيطين. أولاً، لأن الفلسفة تتعامل مع "الأفكار" و"الكلي". وهذا الاشتغال بالكلي والسير في "الكليات" هو "علة" الحرية و"معلولها" في آنٍ معًا. لا يستطيع أن يشتغل بالكلي إلا من تجاوز الجزئي ولم يبقَ أسيرًا للجزئيات. هذا التجاوز للجزئي والانطلاق في الكليات، هو ما يتيح إمكانية التفلسف. إمكانية هي عين الحرية وتجلب الحرية.
ثانيًا، لأن أفق العنف والفاشية هو أفق الانفصام بين النظر والعمل. إنه أفق العمل الذي لا أساس له. إنه أفق منغلق على ذاته. ولهذا السبب، فإن جميع الأنظمة الفاشية "قائمة بذاتها". هذه القيام بالذات لا تتسامح مع أي فلسفة أو فكر. ولهذا السبب تلجأ الأنظمة الفاشية إلى "اللافكر". تلجأ إلى ترويج خطاب (Discourse) هو ضد الفكر. خطاب لم يعد فلسفة؛ لأنه ليس حرًا وهو في خدمة "عمل". هذا الخطاب شبه الفلسفي هو أقرب إلى الأيديولوجيا منه إلى الفلسفة.
كون باحث يبحث عن جذور العنف والفاشية في فلسفة أو تفلسف فيلسوف ما، له دلالة واضحة على أنه يتعامل مع الفلسفة بوصفها أيديولوجيا. بالنسبة له، الفلسفة ليست أفق الكليات ولا أفق الدهشة. إنه يعتبر الفيلسوف ناسخًا لوصفة الرجل السياسي، ويتوهم أن الرجل السياسي يصغي بأذنيه وينظر بعينيه إلى وصفة الفيلسوف، وأن العمل السياسي متوقف على هذا الرأي الفلسفي! مثل هذه الصورة للعلاقة بين العمل السياسي والتفلسف هي صورة تجريدية لا يشهد لها تاريخ الفلسفة ولا تاريخ السياسة والأنظمة السياسية.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل العلاقة بين العنف وتاريخ الفكر. إذا كان التفكير، بشكل عام، أمرًا تاريخيًا، فهناك إذن علاقة بين هذين الاثنين في هذا السياق. يجب إظهار هذه العلاقة. لا يمكن التخلص من طرح هذا السؤال بمجرد الادعاء بأن الفلسفة لا علاقة لها بالعنف.
إذا لم نحصر التفكير في "خطاب الفلسفة"، فإن طرح السؤال عن العلاقة بين العنف والفكر يجد له موضعًا. لذا، يجب أن نعتبر الفكر بشكل عام بوصفه "خطابًا" (Discourse) تتشكل داخله هذه العلاقات. لذلك، ينبغي أولاً إظهار الخطابات الموجودة ومعرفة الآلية التي استطاعت من خلالها هذه الخطابات أن تؤجج العنف؛ لأن كل خطاب هنا هو بمنزلة أرض ضربت فيها شجرة العنف والأنظمة العنفية جذورها ونمت.
لا شك أن التيارات التكفيرية والأنظمة السياسية المنبثقة عنها مثل داعش، لا تمت بصلة إلى خطاب الفلسفة. ومع أنه يمكن النظر إلى ظهور هذه الظاهرة في العصر الحديث بوصفها ظاهرة حديثة في علاقتها بالعالم الحديث، ومن هذا المنطلق، إيجاد سبيل لاكتشاف علاقة هذه الظاهرة الحديثة بالفلسفات الحديثة، إلا أنه ينبغي لنا عندئذ أن نلتفت إلى أن ما يُسمى بالفلسفات الحديثة، أولاً، يصعب أن يندرج تحت المفهوم الدقيق للفلسفة بوصفها علماً منشغلاً بالأمر الكلي؛ وثانياً، فإن هذه العلاقة بين الفلسفات الحديثة والتيارات التكفيرية لا يمكن أن توجد بوصفها أمراً سياسياً إلا بطريقة غير مباشرة وبعيدة للغاية. على أية حال، يمكننا أن نتحاور مع فلاسفة مثل فوكو أو أغامبين الذين يعتبرون السلطة في العصر الحديث توأماً للعنف، ويمكن إدراك ماهيتها في نوع من النظرة الأنطولوجية إلى الإنسان وحياته؛ حتى إنه في العصر الحديث، تنغمس الحياة الطبيعية للإنسان (zoe) في آليات وحسابات سلطة الدولة، وتتحول السياسة إلى «سياسة حيوية» (biopolitics). ومن هنا يمكننا أن نتحاور مع فوكو الذي كان يقول: «لآلاف السنين، ظل الإنسان على ما كان عليه عند أرسطو: حيواناً حياً يمتلك أيضاً قابلية إضافية للتجربة السياسية؛ (لكن) الإنسان الحديث هو حيوان تضع سياسته موضع تساؤل كينونته بوصفه كائناً حياً».
من هذا المنظور أيضاً، يمكن النظر إلى داعش وإلى جميع الأنظمة الفاشية والتوتاليتارية على حد سواء؛ لكن ينبغي أن ننتبه إلى أن مثل هذا المنظور، على الرغم من دقته في الاقتراب من تحليل ملموس، يبعدنا بالقدر نفسه عن السياق التاريخي والأرضيات الخطابية لهذه الأنظمة. ينبغي أن يُطرح السؤال أيضاً عن العلل القابلة التاريخية والثقافية لهذه الأنظمة. ينبغي أن نعرف من أي أرض يغترف هذا النظام السياسي الخاص ويرتوي...
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.