اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
أعاق التمجيد غير النقدي لأعمال زرياب وشهيدي البحثَ في تاريخ صدر الإسلام. يفتقر منهج التأريخ في هذين الكتابين إلى نقد المصادر والحوار مع الدراسات الإسلامية الحديثة، ويكتفي بالنقل الإيماني عن المصادر القديمة.

من بين النقاشات الجيدة التي أثارها طرح مسألة «الدين والسلطة» هو الالتفات إلى كتابة سيرة النبي وتاريخ صدر الإسلام. للأسف، لم تُولِ دراساتنا الإسلامية، سواء في شكلها التقليدي أو في التيارات التجديدية، اهتمامًا جادًا بتاريخ صدر الإسلام، على الرغم من أن هذه المسألة ذات أهمية محورية لأي تفكير معاصر حول الإسلام أو إعادة نظر فيه. ومن بين الدلائل الواضحة على هذا الافتقار إلى الاهتمام الجاد بكتابة التاريخ، هو الطرح العرَضي من حين لآخر لاسمي كتابين هما «سيرة رسول الله» لعباس زرياب خويي وكتاب «التاريخ التحليلي للإسلام» لسيد جعفر شهيدي في هذه النقاشات بوصفهما بحثين تاريخيين معتبَرين (وحديثين!). [1]
كان زرياب وشهيدي بلا شك من مفاخر القرن الثقافي الأخير في مجتمعنا؛ لكن يبدو أن «التكريم» و«النقد» قد وُضعا في تقابل في مجتمعنا. مع أن التكريم الحقيقي لأهل الفكر وآثارهم ينبغي أن يتحقق في تقييم ومواجهة جادة، وبالطبع علمية ومنصفة، لكل واحد من آثارهم، إلا أن عدم الاهتمام النقدي بفكر ما يعني إما أن ذلك الفكر لا يتضمن طرحًا يستحق التأمل، أو أن المجتمع العلمي لا يمتلك القدرة على نقده وتقييمه. ونتيجة التكريمات غير النقدية هي صناعة أصنام من الأشخاص والآثار، مما يعيق التفكير والبحث الجادين. [2]
أتوقف أولاً عند كتاب «التاريخ التحليلي للإسلام» لسيد جعفر شهيدي.** هذا الكتاب، وخاصة في قسم ظهور الإسلام وحياة النبي، وهو ما يهمني هنا، هو تقرير موجز عن المصادر التقليدية لكتابة السيرة، والذي على الرغم من بعض شكوك المؤلف في مصداقيتها، إلا أنه قد تم تدوينه عمليًا على أساس ثقة عامة بهذه المصادر.
لا يقدم شهيدي في أي مكان من هذا الكتاب شرحًا دقيقًا لمنهج عمله؛ ولا يقوم بتحقق محدد من المصادر والنصوص التي يستند إليها؛ ولا يذكر حتى استنادات معينة للكثير من مطالبه. لا يشير شهيدي في كتابه، باستثناء حالة لغوية واحدة في الصفحة 3!، إلى أي كتاب أو بحث تم إنجازه في الدراسات الإسلامية الحديثة حول صدر الإسلام إشارة مباشرة؛ وإن كان قد استفاد، خاصة في الأجزاء الأولى من الكتاب وفي المعلومات التاريخية والجغرافية المتعلقة بشبه الجزيرة العربية، من الأبحاث الغربية بشكل مباشر أو غير مباشر.
شهيدي، الذي يرغب في نقد آراء المستشرقين، يتحدث فقط أحيانًا بشكل مبهم وعام عن رأي المستشرقين في حادثة ما، وينتقد بإيجاز وإشارة (على سبيل المثال في الصفحات 67، 80، 87، و94) لكنه لا يدخل في بحث وحوار جاد معهم ومع ادعاءاتهم ومستنداتهم، وذلك بالنظر إلى كثرة هذه الأبحاث وتنوعها، وإلى أن هذا النوع من الدراسات يدّعي على الأقل توظيف مناهج جديدة في كتابة التاريخ، ونحن على ما يبدو كنا لعقود عدة نسعى إلى تعليم هذه المناهج وتوسيعها في نظامنا الجامعي، وكان شهيدي وكتابه ينتميان أيضًا إلى هذه الجامعة وهذا النظام الجامعي.
لا يوجد في هذا الكتاب أي إحالة أو إشارة جادة إلى النصوص والوثائق غير الإسلامية المكتوبة في الفترة الزمنية لصدر الإسلام أو المقاربة لها، ولا يوجد اهتمام بالوثائق والأدلة الأثرية أو غيرها من مناهج النقد التاريخي الجديدة، على الرغم من أنه قبل تأليف هذا الكتاب بقليل تقريبًا، كانت آراء ونزبرو حول ضرورة الشك في المصادر الإسلامية الأولية من جهة، والحاجة إلى الرجوع إلى المصادر غير الإسلامية المتاحة من جهة أخرى، قد أثارت نقاشًا جادًا في أوساط الدراسات الإسلامية وفي موضوع كتابة تاريخ صدر الإسلام.
غير أن أستاذنا الفاضل والعالم لا يرى حاجة إلى حوار جاد مع هذه الادعاءات، واتخاذ مقاربة نقدية إزاء المصادر القديمة، وهو منهمك في التأريخ على نحو يكاد لا يختلف عن المناهج التقليدية. إن كتاب شهيدي هو تقرير مؤمن ومعاصر عن المصادر القديمة. أي أن المؤرخ قد حذف ما اعتبره حكايات وأساطير وخرافات، أو ما رآه منافيًا للذائقة العقلية والأخلاقية والدينية المعاصرة؛ أو أنه فضّل، من بين الروايات المتعارضة والبديلة لحادثة ما، ما كان أكثر انسجامًا مع هذه الذائقة (دون ذكر الروايات البديلة ونقدها التاريخي في الغالب). صحيح أن شهيدي قد تناول في متن الكتاب نقد روايات المصادر التقليدية في حالات نادرة جدًا لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة (الصفحات ٤٠، و٤٦، و٩٤)، إلا أنها تبقى شديدة الإيجاز وعابرة.
أما الحالة "الوحيدة" التي خضعت لنقد تاريخي أكثر تفصيلًا للأخبار، فهي حادثة قتل يهود بني قريظة الشهيرة (الصفحات ٩٤ إلى ٩٦)، والتي تشهد، من حيث الصدفة، على ضعف الأساس التأريخي لهذا العمل. فشهيدي هنا، لرفض أخبار المصادر القديمة القائمة على القتل الجماعي لجميع رجال هذه القبيلة ووضعهم في مقابر جماعية (وهو أمر يثير ذهول القارئ المعاصر)، يشير أولًا إلى بعض التعارضات حول شكل هذه المذبحة الجماعية في النقول الخاصة بهذه الواقعة. غير أن كلام شهيدي عن تعارض هذه المصادر ليس صحيحًا، بل هي شبه متوافقة مع بعضها، وحتى في مغازي الواقدي نفسه، وعلى عكس ادعاء شهيدي، لم ترد روايات مختلفة ومتعارضة في هذا الشأن. ولو كانت هناك أقوال متعارضة حول كيفية قتلهم الجماعي، لما كانت ظاهرة غير مألوفة في هذه المصادر حتى تؤدي إلى التشكيك في وقوع هذه الحادثة الخاصة وتبقى سائر الوقائع على حالها.
ثم ينتقل شهيدي إلى نقد أكثر جوهرية، فيعتبر هذه التقارير ناتجة عن عودة النزاعات القبلية بين الأوس والخزرج! والمهاجرين والأنصار من جهة، وتلاعب بتاريخ صدر الإسلام في العصر الأموي من جهة أخرى. غافلًا عن أن هذا النقد الأخير يمكن أن يقوض المصداقية العامة لمتون السيرة: فإذا كانت حادثة وردت تقريبًا في جميع المتون الرئيسية للسيرة النبوية، وبإسهاب وتفصيل وجزئيات عجيبة، يمكن أن تكون قد اختُلقت بعد عدة عقود بدافع النزعة القبلية، فإن ثقتنا العامة بهذه المصادر تنتفي. ولهذا السبب يقول شهيدي بعد هذا النقد إنه في نقل أحداث هذه الحقبة "لا ينبغي الاكتفاء بنقل الرواة فحسب، بل يجب مقابلة كل رواية بالشواهد والقرائن الخارجية الأخرى." (ص ٩٦)
ولكن ما هي هذه الشواهد والقرائن الخارجية؟ وأين وكيف قام في تاريخه كله بهذه المقابلة؟ ومع هذا الاحتمال المفتوح والواسع لتحريف الوقائع، فعلى أي أساس تقوم مصداقية بقية الأخبار المدرجة في هذا الكتاب؟ وكيف وثق كليًا بأخبار هذه المصادر الأخرى ودوّن تاريخه؟
فمثلًا، في موضوع القبائل اليهودية هذا نفسه، لماذا تكون مصداقية هذه المذبحة الجماعية وحدها موضع شك؟ لماذا لا نشك في روايات هذه المصادر عن سبب المواجهة بين المسلمين ويهود بني قريظة؟ وأبعد من هذا، لماذا نعتبر روايات هذه المصادر معتبرة في حادثة الإجلاء التدريجي لجميع قبائل يهود المدينة بعد تثبيت سلطة المسلمين؟ وأبعد من ذلك كله، لماذا نقبل رواياتها عن أسباب ونوعية مواجهة النبي والمسلمين للجماعات المعارضة الأخرى؟
من الطبيعي جدًا أن يُظهر عضو في مجتمع ديني وإيماني سلوك مجتمعه وقادته على أنه معقول ومبرر أو منسجم مع أهدافه ومثله العليا وأنصاره، وأن يرى المشاكل والانحرافات في الطرف المقابل. قطعًا، حيثما يُذكر الأشخاص والأقوام والنزاعات، أي في التاريخ كله!، يمكن أن يُطرح علينا حديث هذه المصالح والأغراض المختلفة، الظاهرة منها والخفية. وبخاصة فيما يتعلق بشخصية النبي نفسه، الذي كان ينبغي أن يُعتبر "رسول الله" و"أسوة"، وكانت أعماله وسلوكياته تُعد مصدرًا للمشروعية، فإن مثل هذه الاحتمالات واردة تمامًا؛ ولماذا لا نفترض أن هذه المتون قد "اختلقت" صورة عن النبي؟
لا يمكننا في عموم هذه الروايات أن نتوقع الحياد والتسجيل الدقيق للأحداث. وبالطبع، من هذه الناحية، تُعد هذه المصادر كسائر المصادر التاريخية الأخرى بمثابة وثائق أولية، أي أنها جميعًا بحاجة إلى نظرة نقدية وتقييم تاريخي، ولكن مع هذا القيد المهم: يبدو أننا نعلم أن جميع هذه المصادر المحدودة قد تعرضت للتحريف على نطاق واسع! غير أن كتاب شهيدي يتخذ نهجًا غير نقدي في الغالب إزاء المصادر، وقد كُتب بنظرة إيمانية شيعية معتدلة، ولم يُدخل هذه الملاحظات إلا في حوادث قليلة جدًا، وهو في الوقت نفسه يتحدث عن شك عام!
إجمالاً، فإن كتاب شهيدي الذي يبدو أنه كُتب أساسًا لعموم الطلاب ولتعريفهم العام والمختصر بتاريخ الإسلام، لا يحتوي على أبحاث دقيقة وموثقة، وينطوي على تناقض منهجي، ومن هذه الناحية لم يكن له مكانة محددة في الأدبيات الأكاديمية لتاريخ الإسلام، ولم يكن محلاً للإحالة والاستناد. ومن العجيب أن بعض الإسلاميين المعاصرين لدينا يحيلون إلى هذا النوع من الأعمال ومحتوياتها بتلك الأساليب الرجالية نفسها، فيقولون: إن فلانًا المؤرخ الثقة قال في كتابه الفلاني كذا وكذا!
كان عباس زرياب الخوئي من العلماء والمؤرخين البارزين في زماننا، وكان على دراية جيدة بالفكر التاريخي ومناهج التأريخ الحديثة. كان يتقن عدة لغات، وكانت لديه معرفة مباشرة بالمصادر القديمة والأعمال البحثية الجديدة في تاريخ إيران والإسلام. نشر زرياب كتاب «سيرة رسول الله»، الذي يروي حياة النبي حتى الهجرة إلى المدينة، في عام ١٣٧٠ شمسي، ويبدو أنه كان قد كتب هذا الكتاب قبل ذلك ببضع سنوات (ص ٨). والاهتمام بتاريخ الكتابة مهم، من جملة أمور، لنعلم أن هذا الأثر يعود إلى أواخر حياة المؤلف. في وقت كان قد طُرد فيه للأسف من الجامعة، وبطبيعة الحال كانت النشاط البحثي الذي اتسمت به سنواته السابقة قد خفت لديه، وكان يفتقر أيضًا إلى الكثير من الإمكانيات السابقة.
يشرح زرياب في مقدمة قصيرة نسبيًا، لكنها مهمة، لهذا الكتاب منهجه وطريقته في كتابة التاريخ الديني، ويُعرّف بمصادر السيرة ويقيمها بشكل عام. ومن السمات المهمة لعمل زرياب أنه، خلافًا لعموم نصوص كتابة السيرة الحديثة، لا يتخذ نظرة سلبية وعدائية تجاه أعمال المستشرقين والمؤرخين الغربيين، وقد استفاد من هذه المصادر في متن عمله أيضًا. وبالطبع، يحذر زرياب في المقدمة من أنه ينبغي في دراسة التاريخ الديني ألا نسقط في مهاوي النظرة التاريخية، وألا نختزل الدين بالكامل إلى ظاهرة طبيعية وتاريخية (صص ١٠-١١). وهو أمر يعتقد أنه موجود في نصوص الكتّاب الغربيين الجدد. مع أن نقاش زرياب في هذا الشأن عام، وهو نفسه يؤكد أنه يعمل في هذا الكتاب كمؤرخ، وينقب عن الوجه المادي والتاريخي والطبيعي للحوادث (ص ١٣).
يتخذ زرياب النصوص الأصلية والأولية أساسًا في كتابته للتاريخ، ويلتفت أيضًا إلى الأبحاث الجديدة. ترد في المتن أسماء مثل نولدكه (ص ٨٨) وغولدتسيهر وكايتاني (ص ١٥٤) ولامنس (ص ٥٦). لكن هناك اسم أبرز حضورًا: مونتغمري وات. وات، الذي يُعد من أشهر المؤرخين الغربيين في كتابة حياة النبي، له كتابان شهيران بعنوان «محمد في مكة» (١٩٥٣ ميلادي) و«محمد في المدينة» (١٩٥٦ ميلادي)، وكتاب «محمد في مكة» يغطي بالضبط هذه الفترة الزمنية التي يغطيها كتاب زرياب.
غير أن الصلة بين هذين الكتابين تتجاوز ذلك. فبنظرة سريعة إلى فهرس الكتابين يتضح أن كتاب زرياب قد تبع كتاب وات في الشكل والبنية وترتيب عرض المطالب، لا سيما وأن كتاب وات، خلافاً لكتب السيرة المعتادة، لا يتبع نظاماً مستقيماً وترتيباً حوليّاً، بل يتابع أيضاً مباحث موضوعية. وهذه المتابعة لا تقتصر على الشكل والبنية. فمحتوى كتاب زرياب يقف في نسبة محددة مع مطالب كتاب وات، وقد اقتبس زرياب مطالب جزئية وكلية كثيرة من كتاب وات؛ مثل كثير من المباحث التمهيدية حول الأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية للعرب (ص ١٩-٨٤ التي تحوي بالطبع إضافات محققة كثيرة من جانب زرياب)، وطريقة بحث حوادث حياة النبي قبل البعثة (ص ٨٨-٨٩)، ونمط تحليل مسألة التحنث (ص ١٠٤-١٠٦)، ونقد دور أبي بكر في إسلام الصحابة المشهورين (ص ١١٥-١١٦)، وتقسيم المسلمين الأوائل إلى ثلاث فئات ووصفهم على هذا الأساس (ص ١١٧-١١٩)، وتحليل دوافع قريش في معارضة النبي (ص ١٤٥-١٤٦)، وبحث الأحابيش (ص ٥٦-٥٧)، واتخاذ رواية عروة بن الزبير أساساً لرواية بعض الأحداث الحساسة في الفترة المكية التي تشكل قسماً مهماً من كتاب زرياب (ص ١٥١ وما بعدها)، وحتى الاستطرادات التفسيرية لشرح ماهية الوحي أو رسالة القرآن.
لا يصرح زرياب عادة بمصدره، ولا يكشف عن اسم وات عموماً إلا حين يريد نقد كلامه، وأفصل مثال على ذلك هو البحث المتعلق بهجرة المسلمين إلى الحبشة (ص ١٥٣-١٥٩). وبالطبع، فإن زرياب ليس مجرد راوٍ بأي حال؛ فلديه تفسيراته الخاصة، ويضيف بعلمه الدقيق والعميق بالنصوص والمصادر القديمة بعض المعلومات المهمة، خصوصاً حول الأشخاص وحياة العرب، إلى المطالب. فعلى سبيل المثال، في وصف معارضي النبي في مكة، يفتتح وات بحثاً تحت هذا العنوان، لكنه يورد تحته تقريراً موجزاً عن الأشخاص. ويأتي زرياب بهذا البحث تقريباً في نفس الموضع من الكتاب وبنفس الترتيب، ويذكر هؤلاء المعارضين بشكل أكثر تفصيلاً.
وبشكل عام، يمكن اعتبار كتاب زرياب تحريراً عالماً و«نقدياً أحياناً» لكتاب «محمد في مكة» لوات. تحريراً أنجزه عالم من الطراز الأول وخبير بالنصوص. ولكن من هنا، وبمقارنة طريقة تحرير هذين الكتابين، يمكن الوقوف على نقائص منهجية في عمل زرياب.
ينبغي القول أولاً إن كتاب وات قد نُشر قبل كتاب زرياب بأربعة عقود تقريباً (كتاب وات في عام ١٩٥٣ ميلادي، وكتاب زرياب في عام ١٩٩١ ميلادي). ففي هذه العقود الأربعة، نُشرت نصوص وأبحاث كثيرة في باب السيرة، ومنها ما كان في نقد مباحث وات أو منهجه. وزرياب يكاد لا يلتفت إلى هذه التطورات، وإحالاته إلى الأبحاث المتعلقة بصدر الإسلام تقتصر على كتاب وات نفسه ومصادره، وغولدتسيهر ونولدكه، التي كانت قد نُشرت قبل كتاب وات. ومن الطريف أن استخدام زرياب لهذه المصادر كان مثمراً لتاريخه ومتعاطفاً إلى حد كبير. لكن هذا الاستخدام محدود، وكأن زرياب قد توقف عند سنة نشر كتاب وات.
على الرغم من أن كتاب وات، من حيث المنهج التاريخي، مطابق للمعايير المألوفة في التأريخ في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي، إلا أنه يطبق هذه المعايير بشكل منضبط ومنسجم؛ وإن كان عمل وات يخلو من الأساليب الأكثر تعقيداً في نقد النصوص التي استُخدمت أكثر في العقود اللاحقة. لكن عمل زرياب، خصوصاً في إضافاته على كتاب وات، لا يُظهر حتى هذا الحد من المنهجية والموازنة التاريخية. فوات حريص على أن يضع دائماً مسافة بين «الرواية التقليدية» للمصادر، ونقدها وتحليلها، وما يمكن تأييده برأيه بناءً على هذه المصادر؛ وبهذه الطريقة، ومع أنه يعتبر هذه الوثائق الأولية مهمة وأساسية في المجموع، إلا أنه يحافظ على نسبته النقدية مع النصوص الأولى. حتى إن وات في بعض المواضع التي لم يكن يرى فيها النصوص القديمة قابلة للموازنة التاريخية، كان يأتي بأصل النص للاطلاع على معتقدات المسلمين على شكل اقتباسات مباشرة مطولة أحياناً. لكن هذه المسافة لا تُرى في تحرير زرياب.
مع أن زرياب باحث دقيق النظر في النصوص القديمة، يُحسن نقل مطالبها المتنوعة بلطف وظرف، إلا أنه لا يتخذ عموماً مسافة مؤرخية ونقدية من تلك التقارير. يؤدي هذا الأمر إلى نوع من الازدواجية في النص: تارة يتخذ المؤلف نظرة ناقدة ومتباعدة من النصوص [مثل قصة مولد النبي، أو البحث الشائق عن التقويم غير الموجود في كتاب وات، أو قصة الغرانيق] وتارة أخرى يتقبل تماماً بعض المعلومات التي تنتمي بوضوح إلى الجانب الخطابي للمصادر القديمة، بل ويبني على أساسها استدلالات [مثل ما يُنقل عن بلال في مجلس خطبته (ص ١٢٣)، أو قصة إسلام عمر ومواجهته لأخته وصهره وتفاصيلها (صص ١٧٢-١٧٣)، أو الشعار الذي نُقل أن أبا سفيان كان يرفعه أثناء فتح مكة في بحث دين أبي سفيان (ص ٧١)، وأمور من هذا القبيل].
تتجلى هذه الازدواجية بوضوح في موضعين متعارضين ومتناقضين تماماً في جزأين من النص. يذكر زرياب في موضع أن عام الفيل لا يمكن أن "ينطبق" مع سنة مولد النبي، أي حوالي ٥٧٠ ميلادية، وأن مثل هذا الأمر "يبدو بعيد الاحتمال" (لأن هذه الواقعة، بناءً على الأبحاث التاريخية الحديثة، حدثت قبل ذلك بعدة عقود، وإن كان زرياب لا يُحيل إلى هذه الأبحاث) ومن جهة أخرى، يشير في شرح حادثة الأبابيل إلى أن هذه الحادثة، لما كانت قد وقعت وفق "أكثر الروايات" في سنة مولد النبي (٥٧٠ ميلادية) وكان هناك أشخاص "بالتأكيد في مكة" وقت نزول الآيات ذات الصلة "يتذكرون واقعة الفيل"، فإن الأمر غير الطبيعي في هذه الآية لا يمكن أن يكون كاذباً ويجب البحث عن تفسير معقول له (حسب تفسير زرياب، يمكن أن يكون نوع من الأمراض الجلدية هو سببه (صص ٤٩-٥٠)).
ثمة اختلاف آخر بين عمل وات وعمل زرياب هو نوعية استخدامهما لآيات القرآن التي تحظى باهتمام جاد في كلا الأثرين. يتعامل وات دائماً مع الآيات بتأريخ نسبي ويستخدم آيات القرآن كسند إلى جانب أسناد أخرى، لكن مقاربة زرياب للقرآن غير تاريخية إلى حد ما. من نماذج هذه المقاربة غير التاريخية للقرآن، والتي تتجلى فيها أيضاً جوانب أخرى من منهج زرياب التأريخي، نقده لقصة الغرانيق (الآيات الشيطانية). فبينما يقبل وات تقريباً المصداقية النسبية لهذه القصة، نجد زرياب ناقداً لها.
السبب الرئيسي لزرياب في رفض هذه الحادثة هو "التعارض الداخلي في الرواية" لدى المؤرخين. يذكر زرياب سببين لتعارض هذه الرواية. الأول، بالنظر إلى محتوى الآيات اللاحقة من سورة النجم، التي يُدعى أن الآيات المزعومة كانت تنتمي إليها، ندرك أن مثل هذه الواقعة لا يمكن أن تكون قد حدثت، لأنه يُقال في الآيات اللاحقة إن "النبي لا ينطق عن الهوى" ونظائر ذلك. من الواضح أن هذا النقد هو نقد غير تاريخي، ونقد تفسيري وكلامي، وفيه تصور خاص لترتيب نزول الآيات. وجود مثل هذه الآية بعد الآيات ذات الصلة لا يمكنه أن ينفي وقوعها التاريخي (بل ربما يجعله أكثر احتمالاً) ومن الناحية التاريخية لا نعرف بالضبط متى وكيف نزلت هذه الآية وكيف انضمت إلى الآيات الأخرى في هذه السورة. علاوة على ذلك، فبتفسير مختلف للآيات وموقف كلامي مختلف تجاه النبي يمكن حل مشكلة عدم الانسجام أيضاً.
السبب الثاني لزرياب هو أنه قد ورد في بعض نقول هذه الواقعة أنه بعد حادثة الغرانيق، نزلت الآية ٥٢ من سورة الحج (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ...) تسليةً للنبي، في حين أن هذه السورة والآية مدنيتان لا مكيتان، وخطاب الآية ومحتواها شيء آخر. هذا النقد أيضاً ليس نقداً تاريخياً. بصرف النظر عن مسألة تأريخ الآيات وإشكالياتها، نحن نعلم كيف كان المؤرخون القدماء يستخدمون الآيات لتبرير رواياتهم، وكان هذا الأمر ينتمي إلى منطقهم الخطابي؛ وتطبيق نزول هذه الآية على تلك الحادثة، أو عدم تطبيقه، لا يخل بوقوع هذه الواقعة، لأن نزول هذه الآية بحد ذاته لا ينتمي إلى متن وجوهر تلك الحادثة.
وهكذا، ففي حين يدّعي زرياب أنه نأى بنفسه عن النقد الكلامي لهذه الواقعة، إلا أنه يتخذ منها مقاربة غير تاريخية وكلامية بالمرة. ويُلاحظ هذا الأمر في مواضع أخرى من الكتاب أيضاً. فعلى سبيل المثال، في الصفحات ۱۰۰-۱۰۱ عند شرح المعتقدات الدينية للنبي قبل النبوة، أو في الصفحة ۱۰۵ عند شرح التجارب الوحيانية للنبي. ولكن، كما أشير، فإن هذه الخروجات التفسيرية تتوازى مع نقاشات وات.
وفي الوقت نفسه، يؤكد زرياب أنه بسبب النقل الواسع لهذه الحادثة (أي "الغرانيق" أو ما يُعرف بـ "الآيات الشيطانية") في المصادر المعتبرة، لا يمكن اعتبارها فاقدة لأصل وجذر، لكنه يأتي في شرح أصلها بشرح غريب للغاية. يقبل زرياب تقريباً النواة الرئيسية لأحداث هذه القصة (أي جريان هذه العبارات على لسان النبي، وسجود النبي والمشركين المتزامن، ونهج المشركين الأكثر ليونة مع المؤمنين بعد تلك الحادثة، ووصول هذه الأخبار والإشاعات إلى المهاجرين في الحبشة، وعودتهم إلى مكة لهذا السبب بالذات)؛ لكنه يقول إنه وفقاً لما نعرفه من مصادر مثل "كتاب الأصنام" للكلبي، فإن الآيات موضع النقاش كان النبي قد سمعها سابقاً من ألسنة المشركين أنفسهم في الطواف حول الكعبة، وعندما يصل النبي في قراءة سورة النجم إلى قوله: "أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ"، فإنه "طعناً واستهزاءً بقريش يكرر جملاً كانوا يقرؤونها في الطواف، [لكن] ليس على أنها من القرآن، بل على سبيل التحقير والطعن والإهانة لكلامهم" (ص ۱۶۵). ثم يشرح زرياب أن هذه الواقعة التبست على المشركين، وبعد ذلك اختُلقت إشاعات في مكة وخارجها، ووصلت هذه الإشاعة إلى الحبشة وتسببت في عودة المسلمين إلى مكة!
ولكن، كيف يمكن حقاً تصديق أن النبي قد نطق بعبارة بقصد السخرية والإهانة، وأن هذه السخرية والإهانة قد ألبست أمراً بهذه العظمة على الجميع، وأن النبي نفسه والمؤمنين لم يكلفوا أنفسهم عناء نفيها حتى لأتباعهم؟! إلى درجة أن مهاجري الحبشة عادوا إلى مكة بعد أشهر من ذلك عن طريق الخطأ، ليتعرضوا مرة أخرى للأذى والاضطهاد؟! ألم يكن بمقدور النبي، الذي كان له حضور حي في المجتمع، وتواصل مستمر مع المؤمنين والمهاجرين، أن يزيل الغموض؟! ثم يبقى هذا الالتباس عينه، بين الجد والهزل، على هذه الشاكلة لقرون متطاولة لدى المؤرخين الرئيسيين للتاريخ الإسلامي! مثل هذا الشرح لا أساس له من التاريخ.
ليس موقفي هو ما إذا كانت حادثة الآيات الشيطانية صادقة أم لا، بل أقول إن هناك ازدواجيات وعدم تطبيق صحيح وجاد للنظرة التاريخية في مقاربة زرياب. كانت هناك طرق أخرى لنقد قصة الغرانيق، مثل تصنيف نمطية روايات النصوص التاريخية، أو الانتباه إلى المنهجية القصصية الشائعة في هذه النصوص لاختلاق أسباب نزول الآيات، أو المبالغات التي تُرتكب فيها لتصوير معتقدات وسلوكيات أهل مكة الشركية والوثنية، ونظائرها. حتى أن بعض المؤرخين الجدد (مثل هوتنغ) أظهروا أن محتوى مصادر مثل "كتاب الأصنام" للكلبي هو ما بعد قرآني وليس ما قبل قرآني. أي أن موادها صُنعت لإضفاء التفاصيل على الإشارات القرآنية وبناءً عليها، وليست تقريراً حقيقياً لمعطيات كانت موجودة في الجزيرة العربية قبل الإسلام. بالطبع، إن اتخاذ مثل هذه المقاربة يستلزم موقفاً أكثر نقدية تجاه المصادر الأولية، وهو ما لا يميل إليه زرياب ميلاً جدياً.
سأختصر كلامي. كتاب "سيرة رسول الله" بقلم عباس زرياب خويي هو تحرير عالِم لكتاب "محمد في مكة" بقلم مونتغمري وات، دون أن تُطبّق فيه المنهجية والمقاربة النقدية التاريخية بشكل متماسك حتى على المستوى الذي قام به وات. قطعاً، إن إحاطة زرياب بالنصوص القديمة ونظرته الجزئية إلى الأبحاث الجديدة، والتي هي بالطبع غير محدثة وغير كافية، واقتداؤه بكتاب وات، يمنح أثر زرياب [بالمقارنة مع كتابات السيرة الأخرى باللغة الفارسية في حقبته] تفوقاً ويجعله متميزاً؛ لكنه لا يلبي بأي حال من الأحوال حاجة وتوقع القارئ الناقد والباحث.
.
.
(الإحالات إلى كتاب تاريخ تحليلي اسلام، منشورات مركز نشر دانشگاهي، في طبعاته المنقحة الجديدة منذ عام ۱۳۸۵، وكتاب سيرة رسول الله، منشورات سروش ۱۳۷۶.)
[1] .على سبيل المثال، انظر كديور، تحدي الإسلام والسلطة (الجلسة الثالثة) ص 9، وأحمد صدري، التحليل النفسي النبوي وفرضية التاريخ البالونية، الحاشية 46
[2] . نقدان لهذين الكتابين بالبيانات التالية منشوران سابقاً: عبد الرحيم قنوات، نقد وبررسی کتاب تاریخ تحلیلی اسلام، تاريخپژوهان 1385
مريم عزيزيان، زينب أميديان، نسبة الأمر القدسي والأمر التاريخي في كتابة السيرة في العصر المعاصر، پژوهش نامه تاريخ اسلام، السنة السابعة، العدد 28، 1396 .
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
کارنامه دولت یهودی طی 70 و اندی سال نشان می دهد که چرا یهودیان همیشه و همه جا مغضوب بوده اند : واکنش منش و کنش خودشان است !
بحثی بسیار مهم و لازم برای واکاویِ روشمندانهی حجم عظیمی از دروغها و جعلیاتی که همگیِ ما قرنها بدیهی شمرده ایمشان. ما به انبوهی از این بحث ها نیاز داریم تا بتوانیم از توهم "خودگویی و خود خندی" بیرون بیاییم. با تشکر از آقای مازیار و سایت صدا نت
Analytic Philosophy : The History of an Illusion. بخوانیم: فلسفه تحلیلی تاریخ یک توهم. همه چیز را بخوانیم و ذهن خود را با appeal to authority برده اعتبار ظاهری نهادهای فلسفی نکنیم.