اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يتسم تيار الإلحاد في إيران، الذي يرفع شعار العلموية ويعتبر التقاليد والدين سبباً للتخلف، بقراءة إيديولوجية وعدائية. يمكن تلمس جذور هذه الظاهرة من خلال مفهوم 'الحقد' عند ماكس شيلر في سياق الاغتراب الثقافي والتصدعات الاجتماعية.

يجب القبول بأن المجتمع الإيراني في الظروف التاريخية الراهنة، ولأسباب متعددة يخرج تناولها عن موضوع بحث هذه المقالة، يواجه أزمات ومفارقات عديدة غير محلولة. وكما أشرت وجادلت في مقالاتي السابقة، فإن ربط جميع هذه المشكلات بالسياسة يبدو نموذجاً مكتملاً للاختزالية أو السطحية في النظر، وكما أشار بعض مثقفينا عن صواب، يمكن القول بنظرة أعمق إن جذور مشكلات الإنسان الإيراني والمجتمع الإيراني منذ عصر المشروطة وحتى اليوم تكمن في عدم الحل الأساسي لتعارض التقليد والحداثة. الموضوع الرئيسي لهذه المقالة هو حديث حول وصف وكيفية تشكل تيار يبدو أنه آخذ في النمو في إيران، يدعو بشعار العلموية إلى الانتقال إلى الحداثة في قالب إنكار وإزالة جميع مفاهيم التقليد من الحياة الاجتماعية، ويعتبر أهم عامل لتخلف المجتمعات، ومنها المجتمع الإيراني، هو التقليد وخاصة جزؤه المتضخم والعظيم أي الأديان. يعرّف هذا التيار النضالي نفسه بأنه إلحاد. الإلحاد أو إنكار وجود الله هو طيف واسع من نماذج عدم الاعتقاد بوجود قوة عليا، أو إله، أو أمر مقدس، أو أمر متعالٍ، أو حقيقة قصوى... إلخ، يبدأ من طيف اللاأدرية ويمتد حتى الإلحاد المتطرف والنضالي.
لا تتوفر معلومات كثيرة عن تاريخ الإلحاد، ويبدو أن الإلحاد بقراءاته الحالية، وإن كان قد يحمل تشابهات مختصرة مع آراء بعض فلاسفة اليونان القديمة، من أمثال طاليس وأناكسيماندر وغيرهما، إلا أنه بشكله الراهن يُعتبر بالتأكيد ظاهرة حديثة تعود إلى عصر التنوير وما بعد القرون الوسطى. لكن الواقع هو أنه في الجانب المقابل، أظهرت أبحاث الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم الآثار، والدراسات القديمة والمشهورة مثل أبحاث كريستوفر ماينرز الباحث الألماني في القرن الثامن عشر، أن الدين والمذهب كانا على مر التاريخ أحد أقدم اهتمامات البشر، وأن الإنسان أظهر هذا الاهتمام (أو بالأحرى الحاجة) بأشكال متنوعة من الوثنية، والروحانية، والطبيعانية، ولم يكن البشر بدون دين قط. وهو الأمر الذي يشرحه ويوضحه بالتفصيل روبرت هيوم، عالم الأديان الإنجليزي، في كتابه «الأديان الحية في العالم». هناك اختلاف في الرأي بين المفكرين حول علل وجذور هذا الشعور بالحاجة التاريخية، إذ يرى أشخاص مثل سيغموند فرويد وبرتراند راسل أن سببه هو خوف البشر من الأحداث الطبيعية التي لم يكونوا قادرين على فهم معناها وكيفية حدوثها، بينما يرى آخرون مثل ويليام جيمس، عالم النفس الأمريكي الشهير، وألفين بلانتينغا، فيلسوف الدين الشهير، أن سببه ناشئ عن الطبيعة الإلهية في وجود الإنسان.
وفقًا لتقارير عام 2012، يعتبر 2 إلى 3 في المئة من سكان العالم أنفسهم ملحدين (تختلف الإحصائيات حتى أنها تصل إلى 5 في المئة في بعض التقارير) رغم أن ما يصل إلى 12 في المئة من الأفراد يعتبرون أنفسهم غير متدينين (Irreligion) لكن النقطة المثيرة للاهتمام هي أن معظم الأفراد غير المتدينين لا يعتبرون أنفسهم ملحدين. لا توجد إحصاءات رسمية حول نمو هذا التيار وعدده ومدى نفوذه في المجتمع الإيراني، لذا ينبغي توخي الحذر عند إبداء الرأي بشأنه، ولكن يبدو أن هذا التيار في حالة نمو وانتشار نسبي لأسباب عدة، رغم أن هذا الأمر بحاجة إلى أبحاث مستقلة ولا توجد تقارير وبيانات رسمية في هذا المجال. يجب الانتباه إلى أنه توجد في الغرب قراءات غير أيديولوجية ومتعاطفة مع الدين انبثقت من الإلحاد، وقد نوقشت نماذج منها بوضوح في كتاب "سبعة أنواع من الإلحاد (Seven Types of Atheism)" للفيلسوف التحليلي والملحد الإنجليزي جون غراي (John Gray). كما تظهر نتائج بحث في جامعة كنت البريطانية (university of Kent) أن غالبية الملحدين واللاأدريين، رغم عدم إيمانهم بالله، يؤمنون بما وراء الطبيعة (supernatural) ومفاهيم مثل الخير والشر (good and evil) بل ولديهم خطط لتأسيس كنائس إلحادية واستلهام الأديان لتوطيد الروابط فيما بينهم. لكن للأسف، يُعرَّف الإلحاد في إيران بمعاداة الدين، وهو من هذه الناحية لا يشبه حتى النموذج الغربي. وكمثال آخر يمكن الإشارة إلى مناظرة الفيلسوفين الشهيرين برتراند راسل اللاأدري وفريدريك كوبلستون (Frederick Copleston) المؤمن (Theist) التي تتجلى فيها التواضع المعرفي. لكن في السنوات الأخيرة، ومع كتابات أشخاص مثل ريتشارد دوكينز (Richard Dawkins) وكريستوفر هيتشنز (Christopher Hitchens) وغيرهم، وُلد نوع من الإلحاد (Atheism) يمكن إدراج أبرز سماته في العداء لأي نوع من الاعتقاد الديني، والنزعة الدوغمائية في طرح الآراء، وتقديم ميتافيزيقا جديدة باسم العلم. هذا النوع الأيديولوجي من الإلحاد الذي يعتبر نفسه ناطقًا باسم العلم ومركزًا للحقيقة ويصف أي فكر مخالف له بأنه غير علمي، قد تعرض لانتقادات شديدة في الغرب نفسه وحتى بين الملحدين الغربيين، واتُّهم بالنزعة الشمولية والسعي لإقصاء المنتقدين الفكريين والتحول إلى أيديولوجيا. وكما يقول جون غراي في الكتاب نفسه ("سبعة أنواع من الإلحاد")، فإن الشكل الراديكالي للإلحاد لا يختلف كثيرًا عن دين وأيديولوجيا، وأن مقولة "الدين نسخة علمية بالية في زماننا" هي نفسها بالية ومن مخلفات الوضعية المنطقية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. المثير للاهتمام أن هذا الإلحاد الأيديولوجي نفسه، مع اختلاف طفيف وبمستوى أدنى علميًا وفلسفيًا بالطبع، قد لقي استقبالًا في إيران، ولهذا السبب وُصف في هذه المقالة بصفة "الإيراني" لأنه أولاً دُرس في السياق الثقافي للمجتمع الإيراني، وثانيًا لأنه قائم على أفكار ريتشارد دوكينز المتطرفة وقراءته الخاصة للعلم. أيًا كان الأمر، يبدو أن المجتمع الإيراني يواجه عصر مواجهات فكرية جديدة يمكن النظر إليها من زوايا مختلفة. ويبدو أن أحد أفضل التفسيرات لتشكل هذه المواجهة في مجتمعنا هي آراء ماكس شيلر (Max Scheler) الفيلسوف وعالم اجتماع المعرفة الألماني التي تجلت في عمله الشهير "الحقد". يتناول في هذا العمل البارز دراسة فينومينولوجية للأوجه غير العقلانية للإنسان مثل العواطف والمشاعر كالحب والكراهية وتأثيرها على الانحيازات المعرفية (cognition) والعلاقات بين طبقات وفئات المجتمع المختلفة. وهي ظاهرة تظهر بشكل متزايد روح عالمنا الحديث، وتتجلى في عصرنا في قالب حروب ومذابح وآلام لا نهاية لها، وفي كل مرة في جسد أيديولوجيات متعددة منها البلشفية والداعشية والنازية والفاشية والإلحاد والقومية العرقية وغيرها. الواقع أن الصدوع الاجتماعية والطبقية في مجتمعنا أدت إلى تشكل نوع من الاغتراب الثقافي يظهر بشكل أيديولوجي في قالب "حقد" الطبقات المختلفة تجاه بعضها البعض. هذا "الحقد" والنظرة المتعجرفة لهذا التيار تجاه أفراد المجتمع الآخرين، وخاصة الأفراد الذين لا تزال قلوبهم معلقة بالتراث، واضحة للعيان. هذه الأيديولوجيا، بشعار العلموية واستغلال الأرضية المواتية الحالية في مجتمعنا لركوب موجة السخط السياسي والاجتماعي، تعبر عن "حقدها" تجاه الدين باسم العلم.
بعبارة أخرى، إن تنامي النزعة الإلحادية، وبالأخص من النوع المتطرف - الدوكينزي منها، هو، أكثر مما كونه نتيجة بناء بنية فكرية وفلسفية متماسكة قائمة على فحص وفهم عميقين لنسيج الثقافة الاجتماعية للمجتمع الإيراني، رد فعل سلبي على الظروف السياسية والاجتماعية في إيران. بعبارة أخرى، هذا التيار، خلافاً لادعاءاته، هو تيار سلبي وسياسي في المقام الأول، وفرضياته وتفسيراته السوسيولوجية والسيكولوجية إيديولوجية بالكامل. ويمكن الادعاء بجرأة أنه لا يوجد حتى مفكر أو فيلسوف أو باحث جاد واحد في هذا التيار للتنظير وبلورة أفكارهم، وهم يحاولون التعويض عن هذه الفجوات المهمة عبر الهجوم الشرس على الدين والنظرة الفوقية لعامة الناس في المجتمع، وهو أمر يبدو أنه سيحسم فشلهم الفكري. وهذا الانعدام في التواصل مع مختلف الطبقات والنظرة المطلقة والشمولية سيتسبب في نفور شريحة واسعة من المجتمع، وخاصة الطبقة الوسطى، منهم. أولئك الملمون بتاريخ العلم وفلسفة العلم يعرفون أن "إضفاء الأصالة المطلقة على العلم" طُرح في الغرب لأول مرة وبشكل جدي في قالب حلقة فيينا والمدرسة الفلسفية للوضعية المنطقية (Logical Positivism) في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهو ليس موضوعاً جديداً. لكن النقطة التي لا ينتبه إليها هذا التيار في خضم تكراره اليومي لادعاءاته ولا يعتبر منها، هي مصير مدرسة الوضعية المنطقية في ساحة الفكر الغربي. نشأت هذه النحلة الفكرية منذ عام 1907 في مدينة فيينا بالنمسا، ولهذا السبب اشتهروا باسم "حلقة فيينا". من وجوههم البارزة يمكن الإشارة إلى رودلف كارناب (Rudolf Carnap)، وألفرد آير (Alfred Ayer)، وفريدريش فايسمان، وهربرت فايغل وغيرهم. هؤلاء الأشخاص، تحت تأثير أفكار ديفيد هيوم (David Hume)، الفيلسوف الاسكتلندي في القرن الثامن عشر، كانوا يعتبرون أي إدراك لا يُحال إلى الحس والتجربة لغواً. في الواقع، كان الوضعيون يعتقدون بمبدأ "التحقق"، بمعنى أن كل كلام يوجد طريق تجريبي لتحديد صدقه يكون ذا معنى، وإلا فهو عديم المعنى. بهذا المعيار، فقط التحليلات المنطقية (Tautology) والقضايا التجريبية هي ذات معنى، وتكون بقية القضايا عديمة المعنى. وبالتالي، لا يتحدد مصير الميتافيزيقا فحسب، بل مصير الدين والأخلاق أيضاً. لكن ماذا حدث لمصير الوضعية المنطقية في الغرب؟ أهم الانتقادات وأكثرها تأثيراً على هذه المدرسة الفلسفية وجهها كارل بوبر (Karl Popper)، فيلسوف العلم الإنجليزي. باختصار، كان نقدا بوبر الأساسيان هما: أولاً، القضية القائلة: "كل ما لا يخضع للتجربة فهو عديم المعنى"، هل هي نفسها قابلة للتجربة والاختبار؟ إذا لم تكن كذلك، فكيف وعلى أي أساس ينبغي قبولها باطمئنان؟ هذه القضية ليست تحليلاً منطقياً ولا مأخوذة من التجربة، وبالتالي يجب أن تكون عديمة المعنى. النقد الثاني لبوبر كان أنه، خلافاً لرأي هذا التيار، فإن النظريات الميتافيزيقية وغير العلمية أو شبه العلمية ذات معنى، والعبور من الميتافيزيقا إلى العلم ليس قفزياً ومفاجئاً. ما كان بالأمس فكرة ميتافيزيقية قد يتحول يوماً ما إلى نظرية علمية قابلة للاختبار. في النهاية، اعترف ألفرد آير، أحد كبار هذه المدرسة، بعد سنوات من نشر كتابه الشهير "اللغة والحقيقة والمنطق"، بأن كل الأمل الذي كان يعلقه على هذه المدرسة قد ذهب أدراج الرياح الآن، وأنهم لم يستطيعوا إقصاء الميتافيزيقا. وهكذا حُسمت نهاية الوضعية المنطقية في الغرب. من هذا المنطلق، فإن مضمون ادعاءات هذا التيار في أكثر الحالات تفاؤلاً هو بمثابة إعادة إنتاج للوضعية، ولكن بمستوى أدنى بعدة درجات من النسخة الغربية منها من الناحية الكيفية.
لتوضيح الموضوع بشكل أفضل، نعرض بإيجاز بعضًا من مُسلَّمات هذا التيار وننقدها:
((كل ما يخرج من التجربة والمختبر هو حقيقة، والعلم (science) هو المصدر الوحيد للمعرفة)).
هذه العبارة هي بالضبط مُسلَّمة الوضعيين التي عرضنا نقدها المختصر أعلاه. لكنني أرغب في التأكيد على بضع نقاط أخرى. الواقع أن العلم ليس قطعيًا ويقينيًا أبدًا، وقد أظهر تاريخ العلم إمكانية وقوع الخطأ فيه. ومع ذلك، وكما يقول الفيزيائيون، فإن 72% من عالمنا يتكون من الطاقة المظلمة (dark energy) و23% منه من المادة المظلمة (dark matter) ولا نعرف شيئًا عن أيٍّ منهما. تنحصر معرفتنا الكلية بالكون في الـ 5% المتبقية من المادة المكوِّنة للعالم والتي تمتلك قابلية خاصة للملاحظة.
لذا، بالنسبة لعالم لا توجد إمكانية لفحص وملاحظة وتجربة سوى نسبة ضئيلة جدًا جدًا منه، مع الأخذ بالاعتبار كل التقدم والجهود وإلى جانبها المحدوديات التكنولوجية البشرية الكبيرة، هل يُعد إصدار حكم قطعي حول أصل وكيفية نشأة الكون وكثير من الأمور الأخرى أمرًا عقلانيًا؟ أليس هذا ضربًا من الدوغمائية أن نعتبر روايتنا الخاصة فقط عن هذا العالم هي الصحيحة وأن نفترض أنفسنا ناطقين باسم الحقيقة؟ وهو ما تفعله الإلحادية الإيرانية بالضبط بمساعدة أفكار دوكنز وتفتخر به. يكتب آلن تشالمرز (Alan Chalmers) فيلسوف العلم في كتابه الشهير ((ماهية العلم)) الذي كان الكتاب الأكثر مبيعًا في مجال فلسفة العلم، في الصفحة 80 ناقلًا عن كارل بوبر: ((وهكذا، لا يحتوي الأساس التجريبي للعلم الموضوعي على أي شيء مطلق. العلم لا يقوم على أساس صلب. وكأن البناء الجريء لنظرياته قد شُيِّد على مستنقع، وهو مثل مبنى يرتكز على أعمدة غُرست في المستنقع)).
((العلم يرفض بشكل قاطع وجود إله.))
في المنهجية (methodology) العلمية، تكون القضية علمية إذا كانت، كما يقول بوبر، قابلة للتفنيد (refutability). إن قابلية التفنيد، خلافًا للفهم الشائع بين الناطقين بالفارسية، لا تعني البطلان، بل تعني إمكانية التحقق من الصحة وملاحظة ظاهرة ما في المختبر، وهو ما يجعلها علمية. الآن، وبهذا المعيار، فإن وجود الله أو عدم وجوده لا يمكن أن يقع أساسًا في نطاق العلوم التجريبية (science)، ولا يمكن للعلم التجريبي أن يصدر حكمًا قطعيًا لا لصالح وجود الله ولا ضده. النقطة البالغة الأهمية هنا هي أن الاستنتاج الميتافيزيقي (metaphysics) من العلم لا علاقة له بالعلم نفسه، بل هو تفسير شخصي يفتقر إلى المصداقية العلمية، في حين أن الإلحادية الإيرانية-الدوكنزية تعرض فهمها وتفسيرها الشخصي للمفاهيم العلمية (وهي ليست قطعية أيضًا) باسم العلم نفسه، وهذا خداع كبير. في هذه المقالة، وتجنبًا للإطالة أكثر، أمتنع عن ذكر وشرح وتفصيل البراهين الرياضية والفلسفية على وجود الله وأترك ذلك لفرصة أخرى.
((الأخلاقيات ليست سوى عقود اجتماعية.))
من أبرز النقاط المثيرة للاهتمام في نقاشات الملحدين أنهم لا يؤمنون بالأخلاق، وأن المعيار والمقياس الأساسي للسلوك الأخلاقي عندهم هو، حسب قولهم، العلم (science). فهم في الواقع يعتقدون أن الأخلاق ليست أمورًا مطلقة، بل هي مجرد أعراف اجتماعية تختلف باختلاف الثقافات ويمكن للعلم أن يعدّلها أو يتجاوزها. والنقطة الجديرة بالتأمل في هذه الرؤية هي الخلط بين مفهوم القانون (law) بوصفه أعرافًا بشرية بين الناس في مختلف الثقافات والمجتمعات، ومفهوم الأخلاق (moral-morality). بعبارة أخرى، إن التزامك بقواعد المرور في المجتمع خوفًا من العقوبة المحتملة، أو اضطرارك لدفع ضريبة باهظة على دخلك بسبب سنّ القانون، ليس بالضرورة دليلًا كافيًا على شخصيتك الأخلاقية، لأن مجال الأخلاق (morality) أوسع وأشمل بكثير من القوانين (law)، فالأخلاق تشمل المجال الشخصي أيضًا، بينما القوانين لا تنطبق إلا في المجال العام. وعليه، فالأخلاق أمور تتجاوز القوانين والأعراف الاجتماعية بكثير، وهي صحيحة بشكل مستقل عن الثقافات والمجتمعات، وهي أمور مشتركة، أو ما يُصطلح عليه بين الأذهان. فقضايا مثل: ((قتل أي إنسان بريء هو أمر غير أخلاقي)) - ((الإيثار والتضحية بالنفس أمر أخلاقي)) - ((الظلم والعدوان سيئ))... إلخ، هي نماذج من هذا القبيل. وكما ترى، لا شيء من هذه القضايا الأخلاقية يمثل أعرافًا اجتماعية محصورة بثقافة معينة، والنقطة الأهم أنها ليست مستمدة من قوانين علمية. بعبارة أخرى، لا ينتبه الملحدون إلى أن الفلسفة، كما يقول ألبرت أينشتاين (Albert Einstein)، يجب أن تحدد للعلم الأسس الأخلاقية، لكن العلم لا يمكنه أبدًا أن يعرّف الأخلاق ويشرحها بشكل كامل، وبكلمة واحدة ((الأخلاق ليست ناتجة عن العلم)). تعني هذه الجملة أنه في الواقع، لا تُستنبط المفاهيم الأخلاقية من القوانين العلمية كفيزياء الكم والرياضيات والتطور الدارويني... إلخ، ولا يُستدل منها على سبب الأخلاق والحياة الأخلاقية. مثلًا، لماذا ((الصدق أخلاقي))؟ وما هو السبب في أن ((الظلم سيئ))؟ وكما يقول جون غراي، لا يمكن للعلم أبدًا أن يملأ الفجوة بين الوقائع (facts) والقيم (values). لا يهم كم يتقدم العلم، فلن يستطيع أبدًا أن يخبرك أي الأهداف أفضل، أو كيف يمكن حل النزاعات وتسويتها. لذلك يبدو أنه ينبغي لنا أن نعترف بأن العلم ليس ذا فعالية كبيرة في تبرير المسائل الأخلاقية والترويج لها. وخلافًا للنظرة الإلحادية التي تؤكد بشكل مفرط على العلموية، يجب أن نعترف بأن مسائل عالم ما بعد الحداثة قد أظهرت أن استمرار حياة البشر رهن بإحياء الأخلاقيات في جميع المناسبات والأوجه البشرية، وأن التأكيد المحض على العلم (technicalism) دون الالتفات إلى الأخلاق يؤدي إلى نتائج كتكرار فظائع الحرب العالمية الثانية، وإلقاء القنبلة الذرية على الأبرياء من شعب اليابان، والدمار والأزمات البيئية المدمرة، والاستعمار واستغلال البلدان... إلخ. الواقع أن نوع النظرة الإلحادية إلى الأخلاق تؤدي إلى إفراغ الإنسان المعاصر من الأخلاقيات، ويمكن رؤية نماذجها البارزة في تبريراتهم الوقحة واللاإنسانية لجواز ممارسة الجنس مع المحارم أو الحيوانات، مما يدل على المآل النهائي للعلموية والنسبية الأخلاقية لهذا الفكر. (يمكنكم في هذا الصدد مراجعة مقابلة لورنس كراوس الفيزيائي الملحد مع إحدى الجمعيات الإسلامية). بشكل عام، إذا كانت الأخلاق نسبية وغير مطلقة، فإن الطريق ينفتح لتبرير الأعمال اللاأخلاقية للإنسان بذرائع مختلفة، ويسقط الأفراد جرائمهم وأكاذيبهم وظلمهم على الظروف الزمانية والمكانية والثقافة... إلخ، وهذا الأمر يؤدي إلى فقدان الأخلاق لمصداقيتها. مثل النماذج الكثيرة التي شهدناها في العالم المعاصر، والقتل الجماعي والقمع الوحشي الذي زُيّن بشعارات جميلة مثل ((حب الوطن)) و ((مكافحة الإرهاب)) أو ((المطالبة بالعدالة))... إلخ، ولكن حقًا، هل يمكن للأسماء أن تغير محتويات الأفعال وجوهرها؟
((للوصول إلى الديمقراطية والنمو والتطور العلمي، يجب إقصاء الأديان وحتى المتدينين من الساحة الاجتماعية)).
من أخطر الأفكار المستمدة من تفكير ريتشارد دوكينز هي فكرة النضال العدائي ضد الأديان وإزالتها قسراً من مسرح المجتمع، حتى أنه طالب صراحةً بإلغاء كلية اللاهوت من جامعة أكسفورد (Oxford)! هذا التيار المتطرف، ومن خلال النظرة السطحية والاختزالية (reductionism)، يعتبر الأديان عاملاً للتخلف، بحيث لا يمكن مع وجودها تحقيق النمو والتطور العلمي. هذا التفكير هو مصداق واضح للنظرة السطحية من هذا المنظور، حيث أنه في العديد من المجتمعات المتقدمة والصناعية في عالمنا الحالي، يؤدي الدين والمتدينون دوراً بارزاً ومهماً في المجتمع، وفي هذه المجتمعات يوجد العديد من العلماء والمفكرين المتدينين الذين كانوا منبعاً لخدمات جليلة للمجتمع البشري. لكن يبدو من وجهة نظر أيديولوجيا الإلحاد النضالي أن العالم هو فقط من لا يكون متديناً، ويجب إقصاء جميع هؤلاء الأشخاص لمجرد معتقداتهم الدينية! أحد الأمثلة التي تنقض هذا الادعاء هو دولة الهند، التي تمتلك آلاف الأديان وشعباً ذا معتقدات مختلفة، وهي من الناحية الكمية أكبر ديمقراطية في العالم وإحدى الدول الصناعية والرائدة، وخلافاً للنظرة الإلحادية الساذجة، لم يؤد وجود هذا العدد من الأديان إلى انعدام النمو والتطور العلمي. لكن النموذج الأكمل والأكثر إثارة للاهتمام هو أكثر دول العالم تقدماً وصناعية، أي أمريكا. في الواقع، وكما يقول فيل زوكرمان، عالم الاجتماع الشهير والملحد الأمريكي، في كتابه ((علم اجتماع الدين)) نقلاً عن روبرت فولر، من المحتمل أن تكون أمريكا أكثر دولة متدينة في العالم بشكل يمكن إثباته! لفهم هذا الموضوع بشكل أفضل، يذكر زوكرمان إحصائيات مثيرة للاهتمام في الصفحات من 14 إلى 17 من كتابه، نذكر بعضاً منها هنا. يذكر زوكرمان، وهو نفسه ملحد، واستناداً إلى أبحاث مختلفة أجريت في المجتمع الأمريكي، أنه لإدراك مدى شيوع المعتقدات الدينية في المجتمع الأمريكي، يكفي الانتباه إلى هذه الإحصائية: في نصف القرن الماضي، بقيت نسبة الأمريكيين الذين يؤمنون بالله ثابتة (أي ما بين 90 و 96 بالمائة، نقلاً عن معهد غالوب). كما أن 80 بالمائة منهم يؤمنون بالحياة بعد الموت، و86 بالمائة بالجنة، و71 بالمائة بجهنم، ويعتبر 60 بالمائة الدين مهماً جداً في حياتهم. انتبهوا إلى إحصائية أخرى من كتاب Evolution: the Grand experiment لكارل فيرنر تُظهر توجه الأمريكيين نحو قبول الملائكة أو الإيمان بالله. يُظهر فيرنر في كتابه أن 82 بالمائة من الأمريكيين يفضلون الإيمان بالله، وإن كانوا يؤمنون بالتطور، فإنهم يعتبرونه عملية من جانب الله. وهكذا نرى أن الادعاء بوجود علاقة سببية بين الحضور الفاعل للدين في المجتمع وشيوع المعتقدات الدينية والتخلف العلمي هو ادعاء لا أساس له. الواقع هو أن تقدم بلد ما أو تخلفه ليس تابعاً فقط لمعتقدات أهله، بل هو نتاج الظروف الاجتماعية-التاريخية والثقافية لذلك البلد، والتي تتبلور في نوع البنى السياسية وسيادة القانون والعديد من المفاهيم الأخرى، وربطه المطلق بالمعتقدات الدينية، وهذا التصور والترويج بأنه إذا تخلى شعب إيران أو أي بلد آخر عن معتقداته الدينية اعتباراً من الغد، فستصبح إيران بلداً متقدماً و(كالورد والبلبل)، هو أشبه بالمزاح وبعيد عن الحقائق التاريخية العميقة. هناك أمثلة بارزة في هذا المجال في العالم، يمكن أن نذكر منها كوبا، كوريا الشمالية، فنزويلا... وهي بلدان حكوماتها غير دينية بالمناسبة، وشعوبها ليست لديها معتقدات دينية تذكر، لكنها من أكثر بلدان العالم ديكتاتورية وانتهاكاً لحقوق الإنسان.
((الأديان هي منبع لإنتاج شرور كثيرة في العالم)).
يبدو أن أي فكر، ما لم يتحول إلى إيديولوجيا شمولية ومطلقة تسعى إلى إقصاء الأفكار المخالفة لها، يمكن أن يكون ظاهرة غير ضارة بل ومفيدة لأي مجتمع، وهذا الأمر لا علاقة له بالدين أو بأي مذهب فكري آخر. الواقع أنه على مر التاريخ، تحولت أفكار دينية وغير دينية كثيرة إلى إيديولوجيات وأحدثت أضرارًا جسيمة لا تُعوَّض، من الإيديولوجيات غير الدينية كالفاشية والنازية في ألمانيا والشيوعية في الاتحاد السوفيتي، إلى الإيديولوجيات الدينية كداعش والقاعدة في الشرق الأوسط، كلها تشير إلى أن المشكلة ليست في الأفكار بل في تحويل الأفكار إلى إيديولوجيا. لذا فإن القول بأن الأديان وحدها كانت مدعاة للضرر عبر التاريخ يتناقض مع الحقائق التاريخية الثابتة. ينبغي قبول حقيقة أنه في حقب من التاريخ، كانت الأديان، بسبب تأثيرها، أعظم أداة بيد القوى والسياسيين لقمع المعارضين أو لتوسيع نطاق السلطة، وبالتأكيد حصلت استغلالات لتأثير الدين في المجتمعات، لكن الأبحاث العديدة لمفكرين مختلفين في الغرب أظهرت أنه لا توجد أساسًا علاقة ذات دلالة وجوهرية بين «الدين» و«العنف»، أي أن الدين بذاته لا يؤدي إلى العنف، وهناك عوامل أخرى مؤثرة في هذا المجال. من أكثر الأبحاث إثارة للاهتمام في هذا السياق بحث روبرت بيب (Robert Pape)، المفكر السياسي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو. فقد فحص في بحث له جميع العمليات الاستشهادية منذ عام 1980 فصاعدًا، ونشر نتائجه عام 2003. يستنتج الكاتب أن الإيمان الديني (أيًا كان نوعه) ليس ضروريًا ولا كافيًا لخلق منفذي هذه التفجيرات. توصل بيب إلى أن العامل الأهم هو «الدافع السياسي». لذا من الواضح والجلي أن القوى السياسية في أي زمان، لتوسيع سلطتها وترسيخها وبلوغ أهدافها السياسية، قد تستخدم أي فكر وإيديولوجيا استخدامًا أداتيًا وتسخرها لخدمتها، سواء كان هذا الفكر دينيًا كداعش وأتباعها (دعونا لا ننسى أن دافع داعش وشعارها الرئيس هو إحياء الخلافة، أي قضية سياسية لا دينية) أو غير ديني، كما في حقبة حكم ستالين الإلحادي حيث وُضعت مكافحة أي اعتقاد ديني على جدول الأعمال وذهب ملايين الأبرياء ضحايا لتلك الإيديولوجيا. إلى جانب ذلك، أظهر التاريخ أن الأديان كانت منبع خدمات وخيرات كثيرة لمجتمعات مختلفة، وتجاهل ذلك لهو من الظلم. فيل زاكرمان الملحد، في الفصل السادس من كتابه المعنون «تأثير الدين على الحياة الاجتماعية»، يفصل بالذكر أن غالبية قادة الحركات المدنية والعدالة الاجتماعية من أجل إحقاق الحقوق الاجتماعية والمساواة للمرأة والسود في أمريكا كانوا من المتدينين، وقد تركت نضالاتهم آثارًا اجتماعية وسياسية عميقة في تاريخ أمريكا. كأمثلة أخرى، من باب من عرف غنى عن التعريف، انتبهوا إلى هذه الإحصائيات: ما يقرب من نصف الخدمات الطبية في أفريقيا تقدمها منظمات ومؤسسات دينية تنقذ سنويًا حياة ملايين البشر، كما أن ربع خدمات فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) عالميًا تقدمها مؤسسات دينية لشعوب العالم. الواقع أن الأديان، على عكس ادعاء الإلحاد، تلهم كثيرًا من الناس في العالم الخير والعفو والمحبة والصداقة بين البشر، وتوطد أواصر الصلة بين الناس والمجموعات المختلفة. في ختام هذا الجزء، أنقل مقولة لبيتر جونز (Peter Jones)، كاتب العمود الشهير والملحد في صحيفتي الغارديان (Guardian) والإندبندنت (Independent)، مخاطبًا ريتشارد دوكينز:
«إذا كان الإلحاد يعني التعصبات الأحادية الجانب تجاه المسلمين أو محاولة إقصاء المؤمنين من الحياة الاجتماعية، ففي هذه الحال لست بملحد.»
في الختام، أعود مجددًا إلى ذكر هذه النقطة، وهي أنه ما لم يتجاوز المجتمع الإيراني الصراع الجذري بين التقليد والحداثة بشكل ما، وما لم يُحل هذا الصراع، فإن العديد من القضايا ستبقى على شكل أزمات. الحقيقة هي أن مجتمعنا وقع في أسر فكرتين بالغتي الخطورة؛ فئة ترى في الأديان والإله منبعًا لكل المشكلات، وفئة أخرى تتوقع من الدين كل شيء، بما في ذلك وظائف العلوم التجريبية، ويبدو أن كلا الفكرتين قد أظهرتا فشلهما المنطقي والفلسفي. الدين كالدواء، إذا استُخدم في موضعه وبقدره ولقضاياه الخاصة، كان مريحًا للنفوس وشافيًا لروح الإنسان، أما إذا لم تتوفر فيه هذه الشروط الثلاثة فسيكون مميتًا. وعليه، فإن طريق سعادتنا لا يمر عبر الأصولية الدينية، ولا عبر الإقصاء الكلي للدين والإله من الحياة.
قومٌ تفكروا في سبيل الدين
وقومٌ وقعوا في وهم طريق اليقين
أخشى أن يأتي نداءٌ ذات يوم
بأن الطريق أيها الغافلون ليس هذا ولا ذاك
.
.
.
.
علم النفس
الفلسفة
الدين
العلوم السياسية
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٥ تعليق
مقاله بسیار خوب و قابل تاملی بود. این مقاله بسیاری از تناقضات فکری جریانات فکری در ایران را نشان می دهد و جای تحلیل دارد.
عنوان این مقاله نقد افراطی گری باشد بهتر است... خالی از استدلالهای فلسفی... برای کسانی که هیچ مطالعه فلسفی ندارند نوشته شده و به نظر بنده آوردن این مقاله در این سایت بیهوده است... چراکه کسانی که مشتاق فلسفه و علوم اجتماعی هستند به این سایت سر می زنند و این مقاله لطفی برای آنان ندارند و کسانی که می تواند این مقاله برآنها تاثیر گذار باشد بعید می دانم سری به اینجا بزنند...
مگر علم ایدئولوژی نیست؟ و بلکه بزرگتری ایدئولوژی موجود؟ افکار پوزیتیویستی در این زمان!
سلام، ممنون. مقاله اشارات مفید و جالبی داشت. فقط جملهء پایانی که " دین مانند داروست" گویی تمام زحمات نویسنده را بر باد میدهد زیرا خواننده را بیاد جملهء معروف مارکس میاندازد.
"تعصب" در هر قالبی که باشد - دینداری، آتئیستی و ... - محکوم به شکست است. جنگ هفتاد و دو ملت همه را عذر بنه/چون ندیدند حقیقت ره افسانه زدند