اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
من منظور آرش نراقي، القرآن بالنسبة للمسلم المتديّن ليس نصاً للقراءة، بل عالماً للعيش فيه؛ وفهم هذا النص المقدس رهين بإعادة اختبار تجربة الخطاب وإزالة العوائق المعرفية والسلوكية.

قراءة القرآن ليست قراءةً لنص، بل هي مشاركة في عملية إعادة اختبار تجربة، تجربة الخطاب.
.
"إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ." (القرآن الكريم، سورة طه، 10-13)
هذه الواقعة هي قلب اللاهوت التوحيدي: إله الأديان التوحيدية يتكلم مع الإنسان (الوحي) ويسمع كلامه (الدعاء). الكلمة هي النافذة التي يتجلى من خلالها، ويكشف عن ذاته للإنسان في سياق علاقة لغوية. هذه العلاقة القائمة على الحوار والخطاب بين الأشخاص هي السمة المميزة لعلاقة الإنسان بالله في تقليد الأديان التوحيدية.
في الثقافة الإسلامية، اتخذت تجربة الخطاب هذه شكلها اللغوي في متن القرآن. من منظور المسلم، القرآن ليس "نصًا"، بل هو "نص مقدس" أو "كلام إلهي". الفرق بين "النص" و"النص المقدس" لا يكمن فقط في نوع المحتوى وبنيته المعنوية، بل بشكل خاص في نوع استجابة الإنسان إزاء هذه الظاهرة اللغوية. القرآن بالنسبة لمن ينظر إليه بتجرد وعن بُعد، ويتخذه مجرد موضوع للفحص والتقييم، ليس سوى "نص". أما بالنسبة لمن ينظر إلى نفسه وإلى العالم من حوله من خلال نافذته، فهو ليس نصًا للقراءة بل عالمًا للعيش فيه. مقاربة المسلم المتدين للقرآن تختلف عن مقاربته لنص أدبي، ولو كان تحفة فنية. الإنسان "يقرأ" النص، ويشرح بنيته شرحًا، وينقب عن طبقاته المعنوية المختلفة، ويحلل مزاعمه وينقدها، ويسعى في النهاية إلى تقديم صورة عن بنيته وتفسير لمحتواه. لكن مقاربة الإنسان إزاء "النص المقدس" هي من نوع آخر. هنا لا يقرأ الفرد النص، بل يُسلم نفسه إليه. يعيش النص كما لو أنه ينزل على قلبه في اللحظة وفي سياق علاقة شخصية. قراءة القرآن ليست قراءةً لنص، بل هي مشاركة في عملية إعادة اختبار تجربة، تجربة الخطاب. تصبح تجربة الخطاب هذه بؤرة حياة المسلم المتدين، وتشكل فكره ومعيشه. لكن يمكن فهم ماهية النص المقدس القرآني على أساس عدة نماذج بديلة:
وفق النموذج الأول، يخاطب الله الإنسان مباشرة وبدون وسيط وينقل إليه رسالته.
وفق النموذج الثاني، ينقل الله رسالته إلى وسيط، أي شخص النبي، وينقل النبي تلك الرسالة دون أي تصرف لفظي أو معنوي إلى البشر الآخرين.
وفق النموذج الثالث، ينقل الله المعنى المقصود إلى شخص النبي، ويصوغ النبي ذلك المعنى بعبارته الخاصة ويبلغه إلى البشر الآخرين.
وفق التصور الشائع بين المسلمين، ينبغي تلقي الوحي القرآني وفق النموذج الثاني: نبي الإسلام تلقى الرسالة الإلهية، أي القرآن، عينًا من الله ووضعها تحت تصرف أتباعه دون أي تصرف.
ولهذا فإن غاية الحياة الدينية للفرد المسلم هي أن يجد سبيلاً إلى عالم النص المقدس وأن يعيد اختبار جوهر تجربة الخطاب الكامن في صدف ذلك النص وأن يحوله إلى صدف وجوده. لكن الدخول إلى عالم النص مرهون بالفهم التعاطفي للنص. عملية فهم عالم النص المقدس والدخول إليه عملية خطيرة ومحفوفة بالمخاطر أحيانًا. من منظور ديني، النص المقدس إن فُهم على الوجه الصحيح كان مصدرًا للخلاص، أما إن أُسيء فهمه فسيكون مصدرًا للضلال والهلاك. يشير مولانا إلى هذه الخاصية للنص المقدس قائلاً:
زآنکه از قرآن بسی گمره شدند زین رسن قومی درون چه شدند مر رسن را نیست جرمی ای عنود چون تو را سودای سربالا نبود
(المثنوي، الدفتر الثالث، الأبيات 4209 وما بعدها)
لكن الفهم الصحيح للنص المقدس وإقامة علاقة مناسبة معه في العالم الجديد وللإنسان الحديث قد تحول إلى عملية صعبة ومليئة بالتحديات. على المسلم المتدين في العصر الحديث، كي يلج عالم النص المقدس، أن يتجاوز نوعين من العوائق: عوائق عامة وعوائق خاصة. العوائق العامة هي مجموعة العوامل التي لا بد لأي مسلم متدين من تجاوزها لدخول عالم النص. أما العوائق الخاصة فهي محصورة بالعالم الحديث، وتتمثل في تلك العوامل التي تقف فقط في طريق الإنسان الحديث وتمنعه من الولوج إلى عالم النص المقدس.
قسم من العوائق العامة من طبيعة معرفية. لقد كان فهم القرآن في كل الأزمنة مشروطاً بتعلم جملة من العلوم التمهيدية، منها علم البيان، والأدب العربي، وتاريخ القرآن، وشأن نزول الآيات، وتاريخ الإسلام وغير ذلك. والجهل بهذه المقدمات يحرم المرء من الفهم الدقيق لإشارات القرآن ومعانيه.
وقسم من العوائق العامة من طبيعة أخلاقية وسلوكية. إزالة العوائق المعرفية شرط لازم لدخول عالم النص المقدس، لكنه ليس شرطاً كافياً. فالولوج إلى العالم المقدس رهن باكتساب جملة من الاستعدادات الروحية والمعنوية. والقرآن نفسه يعلم أن إدراك المعارف القرآنية والانتفاع بهدايته رهن بأمر يتجاوز المعرفة النظرية. ففي مستهل سورة البقرة، يرى الله أن القرآن هداية للمتقين فحسب: "هُدًى لِلْمُتَّقِينَ" (البقرة/2)، ويجعل التماس الحقائق المعنوية رهناً بنوع من التقوى والطهارة الروحية: "لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ" (الواقعة/ 79). وبطبيعة الحال، ووفقاً للتعاليم القرآنية، فإن "التقوى" أو الطهارة الروحية لها مراتب شتى: المرتبة الأولى من التقوى هي نوع من التقوى ما قبل الدينية، أي نوع من السلامة الروحية والأخلاقية التي يتحلى بها الإنسان الطيب السيرة بغض النظر عن أي انتماء ديني. أما أعلى مراتب التقوى فهي نوع من التقوى ما بعد الدينية، أي نوع من التقوى تحصل لروح السالك بعد السلوك الديني ("يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ" (آل عمران/ 102)). والتقوى ما قبل الدينية هي ذاتها التي يراها القرآن شرطاً للاهتداء بالكلام الإلهي.
ويرى مولانا أيضاً أن شرط الاهتداء بالكلام الإلهامي هو نوع من الطهارة الباطنية. فمن منظوره، لا يمكن إدراك الحقائق القدسية بأذن ملوثة (أو بتعبيره "أذن الحمار")، ولهذا الغرض لا بد من إيجاد "أذن أخرى":
بع أذن الحمار واشتر أذناً أخرى
فإن أذن الحمار لا تدرك هذا الكلام
(المثنوي، الدفتر الأول، البيت 1031)
هذه "أذن الحمار" هي الأذن الأسيرة للوساوس والشهوات:
أخرج قطن الوسواس من أذنك
حتى يأتيك من السماء صياح (المثنوي، الدفتر الثاني، البيت 1943)
آفة هذا في الهوى والشهوة
وإلا فهنا شراب إثر شراب
(المثنوي، الدفتر الثاني، البيت 10)
في عالم المعنى القاعدة هي أن الجنس يجذب الجنس؛ فالطاهرون للطاهرين والخبيثون للخبيثين. الحقائق القدسية طاهرة، وتأتي إلى الأرواح الطاهرة. ولهذا فإن التقوى تهيئ روح الإنسان لإدراك حضور ساكني بستان الله الجميلين:
نصيب الباطل يجذب الباطلين
والباقون من الباقين هم فرحون
الناريون للناريين جاذبون
والنوريون للنوريين طالبون
(المثنوي، الدفتر الثاني، البيتان 81 و 82)
الطيبات تأتي إلى الطيبين
وللخبيثين الخبيثات، انتبه
المر يلحق بالمرار يقيناً
متى يقترن النفس الباطل بالحق
(المثنوي، الدفتر الثاني، البيتان 271 و 276)
ماذا يجذب الباطلين؟ باطل
وماذا يعجب العاطلين؟ عاطل
لأن كل جنس يجذب جنسه
متى يتجه الثور نحو الأسد الذكر؟
متى يعشق الذئب يوسف
إلا ربما بمكر ليأكله
(المثنوي، الدفتر الثاني، الأبيات 2054 وما بعدها)
كل جزء من العالم يطلب زوجاً
تماماً مثل الكهرمان وورق التبن
(المثنوي، الدفتر الثالث، البيت 4401)
لكن يبدو أن تجاوز الموانع العامة، المعرفية منها والأخلاقية، في العصر الحديث لا يكفي لعبور عتبة النص المقدس. فالإنسان الحديث يواجه، لدى مواجهته النص المقدس، معضلة خاصة تحول دون دخوله إلى ذلك العالم، وتخفض "النص المقدس" في نظره إلى مرتبة "نص". يمكن تسمية هذا المانع الخاص بـ"المعضلة الهرمنيوطيقية".
لكن ما هي "المعضلة الهرمنيوطيقية" للنص المقدس؟
للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أولاً توضيح بضع نقاط تمهيدية:
أولاً، لا بد من تصور لبنية الوحي بوصفه رسالة. "الوحي" في الأساس نوع من الرسالة ينطلق من جانب الله نحو الإنسان. للوحي، بما هو رسالة، بنية تتألف من خمسة مكونات رئيسية: (١) مرسل الرسالة (وهو هنا الله)؛ (٢) متلقي الرسالة (وهو هنا النبي ومن بعده الأمة)؛ (٣) مقصود المرسل (وهو هنا المعنى الذي أرسل الله الرسالة لتبادله)؛ (٤) نظام سيميائي يكون حاملاً لتبادل الرسالة بين المرسل والمتلقي (وهو هنا اللغة العربية)؛ وأخيراً (٥) السياق الثقافي لتبادل الرسالة (وهو هنا ثقافة العرب في عصر تنزيل الوحي).
النقطة الثانية، أن تبادل الرسالة بين المرسل والمتلقي يتوقف على تحقق شرطين:
الشرط الأول، أن يعبر المتكلم عن مقصوده في قالب نظام سيميائي يكون معروفاً لدى المتلقي أيضاً. فمثلاً، إذا خاطب الله قوماً ناطقين بالعربية، فلا يمكنه أن يعبر عن رسالته باللغة الصينية المجهولة لديهم. فإذا لم يكن النظام السيميائي مشتركاً بين المرسل والمتلقي، كان إرسال الرسالة عبثاً، أي أن المتلقي سيكون عاجزاً عن تلقي الرسالة. ولهذا يؤكد الله أن القرآن نزل باللغة العربية، أي بلسان القوم، ليتمكن مخاطبوه المباشرون من التفكر فيه: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ" (إبراهيم/ ٤)، و"إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (الزخرف/ ٣).
الشرط الثاني، أن يكون سياق تبادل الرسالة بين المرسل والمتلقي مشتركاً أيضاً، أي أن على المرسل، حين إرسال الرسالة، أن يراعي مستوى ثقافة مخاطبه وعلمه، ويعبر عن رسالته على قدر عقولهم. هذه القاعدة عبر عنها قول النبي المشهور: "كَلِّمِ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ".
وهكذا، فإن الرسالة الوحيانية قد صيغت "بلسان القوم" ليكون فهمها ممكناً للمخاطبين. لكن مفهوم "لسان القوم" يتجاوز حدود اللغة العربية ليشمل ثقافة القوم في عصر تنزيل الوحي (أي مستوى معارفهم ومعيشتهم). فعلى المرسل أن يصوغ رسالته بما يتناسب مع مستوى ثقافة المخاطبين ومعارفهم، وهذا من جملة معاني "تنزيل" الوحي: فالمعاني التي يقصدها الله تنزل بالضرورة إلى قامة ثقافة مخاطبي الوحي وعالمهم حتى يصبح إدراكهم إياها ممكناً.
على سبيل المثال، لنفترض أنني في مقام حوار مع مجموعة ناطقة بالفارسية لا تعرف لغة غير الفارسية، وأرغب في تحذيرهم من القيام بعمل غير مجدٍ. لذا أقول لهم: "Don’t sell refrigerator to Eskimos!" لكن قول هذا الكلام لا يختلف عن عدم قوله. لأنهم لا يعرفون النظام السيميائي الذي وُضعت فيه الرسالة، أي اللغة الإنجليزية، أي أن الشرط الأول غير متحقق هنا. والآن لنفترض أنني ترجمت هذه العبارة إلى اللغة الفارسية، وقلت لهم: "يخچال به اسكيمو نفروشيد!" هذه العبارة الأخيرة تستوفي الشرط الأول، أي أنها بلغة مألوفة لدى مخاطبيّ الناطقين بالفارسية. لكن هل تستطيع هذه العبارة الفارسية أن تنقل المعنى الذي أقصده إلى أولئك المخاطبين؟ الحقيقة هي أن ذلك المعنى ينتقل إذا كانوا على دراية بالسياق الثقافي لتلك العبارة أيضاً، فعلى سبيل المثال، يعرفون أن الإسكيمو هم سكان القطب الشمالي، وأن القطب الشمالي منطقة متجمدة، وبالتالي فإن سكان القطب لا يحتاجون إلى ثلاجة. لكن المخاطب الناطق بالفارسية الذي يجهل تلك المعلومات الأساسية لا يدرك معنى العبارة بوضوح. لهذا الغرض، يمكنني بدلاً من تلك العبارة الإنجليزية أو ترجمتها الفارسية، أن أقول لمخاطبي الناطق بالفارسية: "زيره به كرمان نبريد!" هنا لم يتم التعبير عن المعنى المقصود باللغة الفارسية، أي النظام السيميائي المألوف للمتلقي، فحسب، بل فوق ذلك تم أخذ مستوى ونوع معلومات المخاطبين بعين الاعتبار أيضاً (أي أنه بالإضافة إلى الشرط الأول، تم استيفاء الشرط الثاني أيضاً.)
النقطة الثالثة هي أنه، بناءً على ما سبق، فإن عالم النص المقدس، أي القرآن، يشمل في الواقع عالمين متميزين:
العالم الأول هو عالم المخاطبين، أي ثقافة العرب في عصر نزول الوحي. كان على الله أن يفترض هذا العالم حتى يتمكن المخاطبون المباشرون للوحي من فهم معناه المقصود. العالم الثاني هو تلك المعاني التي كان التعبير عنها هو الغرض الأساسي لله من إنزال الوحي.
إن التمييز بين هذين العالمين في مقام فهم وتفسير محتوى الوحي له أهمية أساسية. العالم الأول يعكس ثقافة العرب في عصر نزول الوحي، لكن العالم الثاني هو عالم يعكس الحقائق الإلهية وقداسة النص قائمة به.
كما مرّ، فإن العالم الأوّل في القرآن هو عالم العرب في عصر نزول الوحي. وهذا العالم بشريٌّ بالكامل ولا قداسة فيه في ذاته. وتظهر آثار هذا العالم البشري في القرآن كلّه: فالله، على سبيل المثال، يذكر في القرآن عناصر طبيعية مألوفة لدى عرب ذلك الزمان: الجمل، والجبل، والصحراء، والسماء، إلى غير ذلك. لكن لا نجد في القرآن أيّ إشارة (على سبيل المثال) إلى الكنغر أو الجبل الجليدي. فالكنغر والجبل الجليدي، شأنهما شأن الجمل والجبل الصخري، ينبئان بقدرة الباري وحكمته. لكنّ عدم ذكرهما في القرآن يعود فحسب إلى كونهما ظاهرتين غير مألوفتين لدى العرب في عصر نزول الوحي. ويتبنّى القرآن في مواضع كثيرة لغة التجارة للتعبير عن مفاهيمه وتعاليمه، لأنّ نمط معيشة العرب كان قائماً على التجارة في الغالب، وكانت المصطلحات التجارية جزءاً من حياتهم اليومية، كمصطلحات: الربح، والخسران، والتجارة، والبيع، والشراء، والقرض، والعبد، وأمثالها. وكان بمقدور الله، بطبيعة الحال، أن يستعين بمصطلحات الحياة في عصر الكمبيوتر للتعبير عن مفاهيمه المقصودة، لكنّ المعاني القرآنية كانت ستبدو عندئذٍ غامضة وبلا معنى بالمرّة لعرب عصر نزول الوحي. إنّ جميع المصطلحات المهمّة في الثقافة القرآنية تقريباً لها سابقة في ثقافة العرب قبل الإسلام، كمصطلحات: الله، والنبي، والقيامة، والجنّة، وجهّنم، والجنّ، والشفاعة، والتقوى، والكرامة، والكفر، والإسلام، والإيمان، ويوم الحساب، وأمثالها. كما أنّ أسلوب الكلام المسجوع في القرآن يعكس إلى حدٍّ كبير ذهنية العرب في ذلك العصر. ففي سنّة العرب قبل الإسلام كان الكلام المسجوع يُعتبر علامة على كون الكلام إلهيّاً أو إلهاميّاً، ولذلك فإنّ الأسلوب المسجوع للآيات القرآنية جعل القوم يتقبّلون بسهولة أكبر كون منشأ القرآن إلهيّاً. والأهمّ من ذلك، أنّ كثيراً من الآداب والطقوس الدينية، فضلاً عن المؤسّسات والأنظمة الاجتماعية والحقوقية في القرآن، مأخوذة من السنن والطقوس السابقة على الإسلام. فغالبية الأحكام والأنظمة الإسلامية هي أحكام إمضائية لا تأسيسية، أي أنّها أحكام كانت سارية بين العرب قبل الإسلام، ثمّ شقّت طريقها إلى داخل الثقافة الإسلامية-القرآنية مع بعض التصرّفات – أحكام مثل الحجّ، ومراسم التضحية، والوقوف بعرفات، ورمي الجمرات، وحرمة الأشهر الحرم، والبيعة، والشورى، وأحكام المعاملات، والزواج، والطلاق، والدية، وأمثالها. لكن لعلّ أهمّ انعكاس لعالم العرب في الوحي القرآني ينبغي التماسه في انعكاس الكوسمولوجيا الأسطورية للقوم في النصّ المقدّس. ففي القرآن، على سبيل المثال، حديث عن أنّ الشياطين تقف مسترقةً السمع على أبواب السماء فتُطرد عن تلك العتبة بالشهب الثواقب؛ أو في قصّة ذي القرنين، وبناءً على ظاهر الآيات، أنّه بلغ مغرب الشمس فوجدها تغرب في عين حمئة. وهذه الصورة كانت منسجمة مع اعتقاد العرب القدماء بوجود بئر في المغرب تغرب فيها الشمس وتطلع منها. أو في محاجّة إبراهيم مع النمرود حيث يقول إنّ ربّه يأتي بالشمس من المشرق، فإن استطاع فليأت بها من المغرب. وكذلك يتحدّث القرآن مراراً عن السماوات السبع الطباق. وهذه الصور تعكس إلى حدٍّ كبير الكوسمولوجيا البطلمية المقبولة في ذلك الزمان. وكذلك فإنّ ظاهرة
لذلك، فإن العالم الأول للنص يؤدي دورًا أداتيًا محضًا، وهو جسر ينقل القارئ من عالمه إلى عالم النص المقدس، أي العالم الثاني. العالم الأول ضروري لنقل الرسالة، لكنه ليس جزءًا ضروريًا من الرسالة ذاتها. لو خاطب الله قومًا آخرين غير العرب، لتغير العالم الأول للنص بالكامل، دون أن يتعرض العالم الثاني للنص بالضرورة لتغيير جوهري. ومن هنا، ينبغي التمييز بين الثقافة العربية والثقافة القرآنية. الثقافة العربية جزء ضروري في نقل الرسالة القرآنية، لكنها ليست جزءًا ضروريًا من الرسالة القرآنية. شرط الإسلام هو الالتزام بالعالم الثاني للنص، أي الثقافة القرآنية، وليس الالتزام بالعالم الأول للنص، أي ثقافة العرب في عصر نزول الوحي. يمكن للمسلم أن يرفض العالم الأول للنص بالكامل دون أن يفقد إيمانه والتزامه بالعالم الثاني للنص.
والآن، وبافتراض هذه المقدمات، يمكن تقديم تعريف لـ"المعضلة الهرمنيوطيقية": المعضلة الهرمنيوطيقية هي الفجوة المعرفية العميقة التي حدثت بين عالم قارئ النص والعالم الأول للنص المقدس. في العالم ما قبل الحديث، كان عالم مخاطبي الوحي مطابقًا إلى حد كبير للعالم الأول للنص المقدس. كان قراء النص المقدس يعيشون، إلى حد ما، في العالم نفسه الذي عاش فيه العرب في عصر نزول الوحي. لم يكن العالم المعرفي والقيمي لقراء النص مختلفًا بشكل جوهري عن العالم الأول للنص المقدس. كانت الكوسمولوجيا المفترضة في العالم الأول للقرآن هي الكوسمولوجيا نفسها التي آمن بها قراء النص. كان النظام المعيشي المفترض في العالم الأول للنص المقدس مشابهًا إلى حد ما للنظام المعيشي وعالم-حياة قارئ النص. بعبارة أخرى، كان الأفق الدلالي للنص وقارئ النص متطابقين إلى حد كبير. لذلك، كان بإمكان قارئ النص، دون أي صعوبة جوهرية، أن ينتقل من عالمه إلى العالم الأول للنص، ومن هناك يدخل إلى العالم الثاني للنص. بدا أنه لا يوجد أي مانع معرفي مهم يمنع مخاطب الوحي من دخول العالم الثاني للنص. كان العالم الأول للنص بالنسبة له نافذة شفافة تُظهر بوضوح العالم الذي وراءها، أي العالم الثاني للنص. لذلك، إذا جلس قارئ النص خلف تلك النافذة، كان بإمكانه بسهولة رؤية العالم الذي وراءها. لكن في العالم الجديد، أصبح عالم مخاطب الوحي مختلفًا بشكل جوهري عن العالم الأول للنص. القارئ اليوم لا يشارك العرب في عصر نزول الوحي في كثير من معتقداتهم المعرفية والقيمية. لقد تحول أسلوب حياته ومستوى معرفته من الأساس. لذلك، أصبح عالمه غريبًا بالكلية عن العالم الأول للنص. ومن هنا، لم يعد العالم الأول للنص قادرًا على أن يكون جسر تواصل بين عالمه والعالم الثاني للنص المقدس. في هذا الوضع، لم يعد الشرط الثاني لنقل الرسالة، أي تبادل الرسالة في سياق ثقافي وحيوي مشترك، متحققًا. ومن هنا، يجد القارئ الحديث للقرآن صعوبة في أن يخطو إلى عالم القرآن الداخلي. إن مواجهة النص المقدس تضع القارئ الحديث أمام حجم هائل من الأسئلة الصعبة بشأن مسألة المرأة، ونظام العبودية، والنظريات العلمية والكوسمولوجية، ومسألة حقوق الإنسان، وما إلى ذلك. المخاطب الحديث غريب عن العالم الأول للنص، أي حدثت بين عالمه والعالم الأول للنص نوع من القطيعة المعرفية، وهذه القطيعة تمنع المخاطب الحديث للنص المقدس من أن يخطو إلى العالم الثاني للنص المقدس ويعيد اختبار تجربة الخطاب الوحياني في حرم حياته. هذه القطيعة المعرفية جعلت نافذة النص مغبرة، ولا تسمح للإنسان الحديث بأن ينظر بوضوح إلى العالم الذي وراءها.
ولكن كيف ينبغي للإنسان الحديث أن يواجه هذه المعضلة الهرمنيوطيقية؟ يبدو أن قرّاء القرآن ومفسّريه المحدثين ينبغي عليهم، في الخطوة الأولى، أن يميّزوا بين الثقافة العربية والثقافة القرآنية، أي أن يعترفوا بالتمييز بين العالم الأوّل والعالم الثاني للنصّ المقدّس، وينتبهوا إلى أن نسخ ثقافة العرب في عصر نزول الوحي لا يعني نسخ الثقافة والرسالة القرآنية. وفي الخطوة الثانية، ينبغي لمخاطبي الوحي المحدثين أن يعلموا أن غايتهم هي الولوج إلى العالم الثاني للنصّ وإعادة اختبار تجربة الخطاب، ومن ثمّ ينبغي لهم نقد العالم الأوّل للنصّ، أي ثقافة العرب في عصر نزول الوحي، كي يتسنّى لهم تجاوز عائقه والنفاذ إلى العالم الثاني للنصّ. وفي الخطوة الثالثة، ينبغي أن يسعوا إلى فصل الرسالة القرآنية عن صدفة الثقافة العربية، وإخراجها إلى الأفق التاريخي لمخاطبي الوحي اليوم. بعبارة أخرى، ينبغي أن يسعوا إلى إيجاد أرضية مشتركة بين العالم الثاني للنصّ وعالم القارئ اليوم، وأن يترجموا الرسالة الأساسية للوحي ترجمةً ثقافية إلى عالم مخاطبي النصّ اليوم. لقد كان العالم الأوّل للنصّ جسراً رابطاً بين العالم الثاني للنصّ وعالم قارئ النصّ. غير أن هذا الجسر قد تآكل إلى حدّ كبير بالنسبة للمخاطبين اليوم، وينبغي لمخاطبي النصّ المحدثين أن يسعوا، من خلال إعادة بناء هذا العالم الوسيط، إلى فتح طريق الولوج إلى عالم النصّ المقدّس، وإحياء إمكانية إعادة اختبار التجربة الوحيانية للنصّ في عالمهم.
لذلك، فإن ازدهار الحياة الدينية للمسلمين المتديّنين رهين بالعودة إلى القرآن. لكن مقولة "العودة إلى القرآن" عرضة لسوء الفهم. فكثير من المسلمين ذوي النزعة السلفية يفهمون هذه المقولة بمعنى العودة إلى العالم الأوّل للنصّ المقدّس، أي إعادة بناء عالم العرب في عصر نزول الوحي. والمثل الأعلى للسلفيين هو إعادة خلق مجتمع العرب في صدر الإسلام. غير أن ثقافة العرب ونمط عيشهم في عصر نزول الوحي لا تتمتّع بأيّة مزيّة خاصّة، والعودة إلى ذلك العصر أو إعادة بناء تلك الثقافة البائدة (بافتراض إمكان ذلك) تعني تجاهل التقدّمات البشرية المذهلة في شتّى مجالات الفكر والعمل. أما مقولة "العودة إلى القرآن" فينبغي أن تُفهم بمعنى العودة إلى العالم الثاني للنصّ المقدّس، أي إعادة اختبار تجربة الخطاب التي تجلّت في القرآن وعلى قلب نبيّ الإسلام. فالمسلم الحقّ هو من يختبر، من خلال العيش في عالم القرآن المقدّس، تجربة النبيّ الوحيانية في كيانه، ويعرج معه إلى المعراج:
به معراج برآیید چو از آل رسولید رخ ماه ببوسید چو بر بام بلندید
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
با سلام . به نظر من مطلب فوق العاده اي بود وهيچ ابهامي نداشت و خيلي خوشحال هستم توفيق پيدا كردم به خواندن اين متن . از شما بخاطر ارسال چنين مطالب ارزشمند و معرفتي تشكر مي كنم .
در باب مواجه انسان مدرن با قرآن باید عرض شود, اگر قرآن را کتابی آسمانی و فرستاده ی حق بدانیم پس سخنی غیر حق در آن یافت نمیشود, بر خلاف قیاسی که آقای نراقی در مقالات دیگر در جهت مشخص کردن مفهوم حق ارایه دادند, حق در واقع چیزیست که جز آن باطل است پس در این صورت هیچ گاه نمیتوان سخن قرآن را که به حق متصل است را دارای هجو و کلامی غیر حق دانست, حال با این پیشفرض اگر اسلام را آخرین دین و دینی ماورای زمان و مکان خاص بدانیم دیگر هر سخنی که محدود به زمان و مکان خاص شود لغو و باطل است درصورتی که ما پذیرفته ایم که قرآن, وحی و متصل به حق است, همچنین در این مقاله ایمان به غیب که از ارکان اصلی اسلام است نادیده گرفته شده, غیب خود وسیله ی هدایت است و در آخر به این آیه ارجاع می دهم وَاللَّهُ یهْدِی مَن یشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِیمٍ» (النور، 46)
سلام گمان این است که منطق علم دهری و دینی با هم فاقد تعامل هستند. مثلا سوال فوق در دیدگاههای فوق با دو انشای مختلف المنطق ممکن است نگریسته شود: ا- دیدگاه الهی، از انجا که کل من علیها فان است و یبقی وجه ربک، پس دانش وقتی مفید و محترم است که مرا به خدا هدایت کند، این هدایت با تعمیق شناخت ایات او کیفیتر میشود و دانش دهری، تعمق در ایات اوست، بنا بر این واجب برای عبادتی که بت پرستی نباشد و نشود. دانش دهری که در من تبدیل به هدایت بسوی حق نشود، چون بی فایده است بنا بر این در اینکه دانش تلقی شود، در ذهن عارف، تردید موجود است. از انجا که هنگام حصول علم ایات الهی، مسلمان وار با ادم محاوره اغاز میکنند، تقرب و شعف و حکمت تولید میکنند و از درجه کفر میکاهند و وحدانیت خلقت و خالق را متعین و متصور میکنند، جمالی که از عهده منطق و کلام و مجامله ادمی، خارج و با کلمه الله و تماشای مستقیم ان، که جاری ساری است و ازلی و ابدی، جانشین و نازل میشود. این دانش عبادت و هدایت است و تقدیم کلیه دارایی برای کسب ان شیرین و حکیمانه است، انگاه بین دین و دانش و هدایت و عبادت و... فاصله ای نیست، کسب دانش لطیفترین نماز و هدایت حاصل عالیترین جزا و پاداش است. هر دانش مرتبه ای نو از تقرب و هر تقرب تماشایی مجللتر از حق، است. این حوادث در باطن طلبه، تعین دارد و فقط کلمه نیست، توصیف عین است. این دین منقول نیست که میتواند ایه الهی باشد که در ترقص اذهان صد تفسیر بیابد و در مرض ابن ملجم منتهی به مفاجا و فاجعه ۱۹ رمضان، گردد بلکه کلمه الله با معنی جاودان و حی و عادل با کلیه موجودات است که با کسب دانش تلاوت میشود و قاری با تسلیم به ان مسلمان میشود. در این مکاشفه مجامله و قاموس دانشجو، باید مبرا از دخالت باشد و ذهن او، دخالتی در جعل دانش ندارد بلکه تسلیم تماشای دانش است. بدیهی است، شوق وصال و تزکیه ذهن از قاموس کلامی و تکمیل ان با قاموس الهی، بر اتش دانش پژوهی با این انگیزه خواهد افزود و حاصل دانش تقرب الهی و رستگاری است. ۲- از دیدگاه دهری، هر نوع تجربه ای دانش است و ذهن در ترکیبی از انها غایتی را جستجو میکند که نمیداند چیست، تجربه و دانش معلوم ولی چگونه بکار گیری ان نا معلوم است. جذابترین و حکیمانه ترین کامگیری از دانش، دستیابی به قدرت و حکمرانی است، البته امکان سر گردانی هم کم نیست و شما بین انارشیسم و ریالیسم و کمونیسم و لیبرالیسم و نهیلیسم و اومانیسم، اگزیستانسیالیزم و اکسپرسیونیزم و... مختار. ببینید در این حالت انگیزه تعلم چیست؟ با انتخاب هر یک. انشای مقاله فوق کلام الله در قالب مصحف را اساس دینورزی قرار داده و در نتیجه برای ان زبانی و خصالی قایل شده که منتهی به نتیجه او شده است. یعنی کسی که قران نشنیده باشد یا کسی که دیوانه باشد نمیتواند دینورز گردد. کلام نوبسنده با من و مولانا و درک فرسنگها فاصله دارد که: گر شبانی استغاثه کند که تو کجایی تا شوم من چاکرت چارغت دوزم کنم شانه سرت موسی وار نهیب میزند که ...اتشی اید بسوزد خلق را.. انگاه عتابی دل او به اتش میکشد که تو برای وصل کردن امدی ... نویسنده اگر مولانا را رها کند گمان من است که او اسوده تر باشد.
سلام، مقاله خوبی بود اما انتظار خواننده را در شیوه فهم جهان اول متن مطابق با درک مدرن و گذر از آن به جهان دوم متن بی پاسخ گذاشت.