اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرتبط الأمل بالجهل والخوف المعقول من المجهول؛ لأن المعرفة المطلقة تسلب إمكانية التغيير. فالعليم بكل شيء وحده هو اليائس، أما الإنسان فبقبوله الجهل والخوف يفتح الطريق نحو الأمل؛ واليأس ادعاءٌ إلهي.

يروي توفيق الحكيم، الكاتب والأديب المصري، في كتابه أرني الله قصة خيالية بعنوان «الاختراع العجيب» يمكن استخدامها كحجة فلسفية.[1] تدور القصة حول شركة تعتزم اختراع آلة زمن تخبر عن المستقبل. لكن، وبشكل غريب، ينتحر المهندسون المنخرطون في إنتاج الآلة واحداً تلو الآخر. إلى أن يفشل أحد المهندسين في الانتحار ويبقى حياً. يذهب المحققون والمفتشون للتحقيق معه وسؤاله عن ملابسات الأمر. وعندما يسألونه: ماذا رأيت حتى فكرت في الانتحار؟ يجيب المهندس الناجي قائلاً: عندما رأيت نفسي في المستقبل، شعرت فجأة أنني كأسير لم يعد بإمكاني تغيير أي شيء. غدت الحياة مملة بالنسبة لي. أصبح البحث عن «الجديد» بلا معنى. فارقت «الدهشة» حياتي. وفقدت أملي في «الغيب» وتغيير شيء ما في المستقبل. أصابني اليأس فجأة و...
في هذا القول تكمن نكتة لطيفة: الأمل له صلة بالجهل، وإحدى بركات «الجهل» وعواقبه الحميدة هي الأمل. من يُمجّد «فضيلة الجهل» وينادي «أنا أحمق، فلتكن حماقتي مباركة» فهو بالضرورة يعترف بالأمور المجهولة ولا يظن أن كل شيء معلوم.[2] مثل هذا الشخص، بما أنه لا يزال يأخذ «عنصر الغيب» على محمل الجد، يمكنه أن يأمل في التغيير وأن يحتمل حدوث أمر جيد. أما إذا لم يعتبر المرء نفسه جاهلاً البتة وظن أن كل شيء معلوم، فإنه لا يحتمل تغيير أمر يمكن أن يأمله.
الأمل، من حيث صلته بالجهل، لا يخلو من صلة بالخوف والوجل. فالجاهل من المحتمل أن يكون لديه وهم إزاء الأمور المجهولة، فأسرار العالم غير المكشوفة تثير رعبه وتجعله خائفاً. يجد نفسه دائماً أمام حقيقة عظيمة لا يستطيع الإمساك بها. بتعبير سهراب سبهري: «ليس من شأننا معرفة سر الوردة الحمراء؛ لعل شأننا هو أن نطفو في سحر الوردة الحمراء». ومع ذلك، فإن الخوف من الأمور المجهولة يمكن أن يكون باعثاً على الأمل، لأن الشخص الخائف يحتمل أن يُظهر له الأمر المجهول المخيف وجهه الجميل. وبتعبير مولانا: «أينما كان الخراب، هناك أمل في الكنز».
لكن الأمل لا يرتبط بأي نوع من الخوف. ما يمكن أن يفسح مكاناً للأمل في قلب الإنسان هو الخوف المعقول. أما ما لا يجتمع مع الأمل فهو الخوف غير المعقول (من قبيل القلق والاضطراب).[3] لقد كان مولانا محقاً حين قال:
التاجر الخائف ذو الطبع كالزجاج في الطلب لا ربح له ولا خسارة
بل له خسارة فهو محروم وحقير نوره يجده من يكون آكل اللهب
ليس ههنا إذن بقرع الباب سوى أمل، الله أعلم بالصواب
من يخاف من كل شيء بشكل غير معقول لا يخطو خطوة ولا يتقدم. أما الشخص المتفائل فيخطو في طريق محفوف بالمخاطر، وفي حين يرافقه خوف، فإن هذا الخوف بشكل معقول يؤمن له دافع الحركة. وبتعبير حافظ: «أين ذو قلب الأسد الذي لا يتقي البلاء؟».
هذا الخوف هو خوف وجودي؛ أي أن الخوف من مجهولات الوجود يستقر في كيان الفرد. إنه ليس خوفًا طارئًا ينشأ عن حادثة ثم يزول. الخوف المعقول هو من طبيعة الخوف الوجودي. ولتفسير هذا الخوف، يمكن الإشارة إلى وجود الدماغ الزاحف (reptilian brain) المشترك بين الحيوانات والبشر. فالدماغ الزاحف مسؤول عن حفظ وبقاء الحيوانات والبشر. وطريقة عمله تقوم على استخدام الخوف الذي يرى عموم علماء علوم الدماغ أن نشاطه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتنشيط القشرة الجبهية الحجاجية (orbitofrontal cortex) الواقعة في القشرة أمام الجبهية والفص الجبهي من الدماغ. والفص الجبهي، إجمالاً، وقشرة الدماغ أمام الجبهية، تحديدًا، مسؤولان عن العديد من الأنشطة المعرفية اليومية للبشر: أنشطة من قبيل اتخاذ القرار، والسلوك الاجتماعي، وإرادة الفرد في مواصلة الحياة... وليس من قبيل الصدفة أن تدمير الفص الجبهي والقشرة أمام الجبهية وتعطيلهما يُضعف نشاط الخوف ويدفع الشخص إلى الإقدام على أعمال شديدة الخطورة. فعلى سبيل المثال، في حالة السُكر، يُقدم الأفراد عادةً على أنشطة بالغة الخطورة يمكن أن تهدد بقاءهم. ومن الطريف أن التدمير التدريجي للفص الجبهي من الدماغ يمكن أن يُضعف إرادة الفرد وأمله في مواصلة الحياة. وهذا يعني أن وجود الخوف يمكن أن يجعل الشخص متفائلاً بالحياة.[4]
كلما واجه البشر (والحيوانات) أمرًا مجهولاً يعتقدون أنه قد يهدد بقاءهم، يستولي الخوف على كيانهم. وبالطبع، يحدث رد الفعل هذا عمومًا بشكل لا واعٍ ولا إرادي، فيشعر الفرد لا شعوريًا بالهلع تجاه الأمر المجهول بالنسبة له ويتجنب مواجهته.[5] الخوف هو من العواطف الأساسية لدى البشر، وهذه العاطفة يمكنها أن تفسر الحالة الذهنية للأمل بشكل جيد. بمعنى أن الخوف والوجل يحدثان عادةً في الوقت واللحظة اللذين يكون فيهما أمر مجهول. والفرق بين الخوف المعقول وغير المعقول يكمن هنا: الخوف المعقول هو الخوف من الأمر المجهول والغامض، أما الخوف غير المعقول، مثل العديد من أنواع الفوبيا، فهو الخوف من أمور معروفة. الأمر المجهول والغامض، بما أنه مجهول، يمكن أن يكون باعثًا على حدث طيب كما يمكن أن يكون باعثًا على حدث غير سار. وفي كلتا الحالتين، هناك احتمال قائم. وهذا الاحتمال هو أساس للأمل. فالذي يخاف لديه أمل في الحياة ويحتمل أن حدثًا سعيدًا في انتظاره.
أما الشخص الذي لا يخيفه أي أمر مجهول، وتكون كل الأمور بالنسبة له معروفة ومُدرَكة، فإن فكرة الاحتمال لا تنفذ إليه لتكون أساسًا للأمل. الشخص الذي لا جهل لديه ويعتقد أنه قبض على الحقيقة كلها لا يخاف من التغيير. افترضوا أن شخصًا ما، بصفته «عليمًا بكل شيء»، يرى الحقيقة كلها جليةً في آنٍ واحد، ولا يحيط به أي أمر مجهول. من الطبيعي ألا يمر هذا الشخص بتجربة الخوف. لأنه لا جهل لديه تجاه أمر ما حتى يتسلل إليه الخوف. مثل هذا الشخص لا يمكنه أن يأمل في التغيير. فالحديث عن الأمل لا معنى له بالنسبة له. عندما تكون الحقيقة كلها حاضرة لديه دفعة واحدة، فأي معنى يمكن أن يكون للتفاؤل بالمستقبل؟ وبناءً على هذا، إذا كان الأمر كذلك، أليس من الصواب أن نقول إن الشخص «العليم بكل شيء» وحده هو من يحق له أن يكون يائسًا؟
يُعتبر الله في تقرير الأديان الإبراهيمية عليمًا بكل شيء أو عالمًا مطلقًا. فالماضي والحاضر والمستقبل حاضر لديه، ولا سبيل للتغير والتبدل إليه. التغير خاص بغير المجردات وبالكائنات الزمانية والمكانية. لا يمر الزمان على الله، وليس له مكان كالأجسام. وبهذا، فإن الله في هذا التفسير يكون دائمًا «فاقدًا للأمل». إذ لا سبيل للاحتمال بالتغير إليه حتى يجعله مؤمّلًا. لكن في المقابل، فإن البشر الترابي الذي أهم صفاته التغير لا يمكنه أبدًا أن يدّعي العلم المطلق. الجهل خاصية الإنسان والعالم المحيط به. من يدّعي العلم المطلق، يكون في الحقيقة قد وضع قدمه في حذاء الله ويلعب دورًا إلهيًا في هذا العالم. والأهم من ذلك، أن من يفقد الأمل يلبس ثوب الألوهية دون أن يدري. ففاقد الأمل ينبغي أن يكون مطلعًا على كل شيء وأن يعتبر احتمال التغير في المستقبل أمرًا محالًا. ولكن من هو المطّلع على كل شيء؟ لا أحد! فقدان الأمل خطأ معرفي للذهن يمسك بتلابيب الإنسان. يتصور الفرد أنه على علم بالمستقبل وأن لا أمر مجهول هناك. هذا الادعاء المتغطرس بالمعرفة يؤدي إلى نوع من الجبرية غير المبررة التي، عندما تسري في ذهن الفرد، تسلب من نظره احتمال التغير في المستقبل.
كلمة أخيرة: هل يعني استدلالي في هذه الكتابة أن الجهل شرط لازم وضروري للأمل؟ ألا يمكن العثور على جاهلين ليسوا مؤمّلين؟ يمكن ببساطة تصور جاهلين لا يعيشون حالة الأمل. لكن ينبغي الانتباه إلى أننا هنا أمام نوعين من الجاهلين: جاهلون لا يدركون جهلهم، وجاهلون واعون بجهلهم ومدركون له. في الحقيقة، الصنف الثاني هم نوع من العارفين. جاهلو الصنف الأول ليسوا مؤمّلين على الأرجح. أما جاهلو الصنف الثاني فهم من العارفين الذين يعترفون بوجود المجهولات في هذا الوجود ويختبرون الحالة الذهنية لـ«الجهل الوجودي». من الطبيعي أن مثل هذا الجهل الوجودي يجلب معه خوفًا وجوديًا ويمكنه أن يبقي الأمل حيًا في قلب الإنسان.
وفيما يتعلق بالخوف، ماذا يمكن أن يقال: هل وجود الخوف لازم وضروري للأمل؟ أم أن الفرد المؤمّل يعاني دائمًا من الخوف ويعيش معه؟ ليس بالضرورة! يمكن ببساطة تصور مواقف يصاب فيها المرء بالخوف لكنه ليس مؤمّلًا. عموم المخاوف التي تحدث فجأة في المواقف الخطرة هي من هذا القبيل. كما يمكن إيجاد مواقف يكون فيها الشخص مؤمّلًا لكنه لا يعاني من الخوف. حكاية «خارش روستايي به تاريكي، شير را به ظن آنكه گاو اوست» في المثنوي مثال جيد على هذا الادعاء. يداعب الرجل الريفي في الظلام أسدًا ظنًا منه أنه ثوره. في الحقيقة، جهله هو ما جعله لا يخاف الأسد ويأمل في حضور ثوره. تُظهر شخصية الريفي بشكل جيد موقعنا في الوجود: جهلنا هو ما يجعلنا نبقى مؤمّلين؛ ندرك خوفنا أحيانًا، ونغفل عنه أحيانًا.[6]
.
.
[1] توجد قصة مشابهة في كتاب آلة الزمن (1895) لهربرت جورج ويلز.
[2] الكثير يقال عن فضيلة الجهل. ليس فقط على الإنسان أن يعترف بأنه جاهل وأن أمورًا كثيرة مجهولة لديه، بل عليه أيضًا أن يعلم أن ليس كل علم نافعًا. القصة الشهيرة «استدعاء آن مرد از موسی زبان بهایم با طیور» في مثنوي مولوي دالة في هذا الباب.
[3] يمكن للأمل أن يكون معقولًا وغير معقول. الأمل غير المعقول هو أن نستمر في الأمل بحدوث أمر ما رغم وجود دليل قاطع ضد حدوثه. وفي الأدب العربي يقولون: «وَاليأسُ إحدَى الرّاحَتَينِ، وَلَنْ تَرَى تَعَباً كَظَنّ الخَائِبِ المَكْدُودِ». أي أنه من الأفضل أحيانًا أن يكون المرء في حالة يأس [معقول] بدلًا من أن ينتظر ثم يصيبه الاضطراب وفقدان الأمل.
[4] يعتقد علماء الأعصاب أن الأمل وبثّ الأمل يمكن أن يحمي الدماغ ويقوّيه في مواجهة الخوف. ما يعنيه علماء الأعصاب هو الخوف من جنس القلق وليس الخوف الوجودي. على أية حال، مع أن كلا هذين النوعين من الخوف قد يظهران في جزء متشابه من الدماغ، إلا أن أحدهما خوف صانع للحياة والآخر خوف ماحق للحياة. بتعبير مولانا: قبض و بسط آمد مشو تو نااميد/ قفلگر هم قفل سازد هم كليد.
[5] هذا المبدأ ينطبق على المتوسطين. أما الذين يتغلبون على هذا الوهم اللاواعي فليسوا من المتوسطين. عموم النوابغ، خصوصاً على طول تاريخ العلم، انتصروا على هذا الخوف وجلبوا للبشرية حصيلة طيبة.
[6] كمثال آخر، كان محمود درويش يقول: «في اللامبالاة فلسفةٌ، أنها صفةٌ من صفات الأمل». في نظره، اللامبالاة وعدم الانتظار يُعتبران نوعاً من الأمل. إذا اعتبرنا كلامه صحيحاً، يمكن أن نستنتج أن الأمل موجود دون وجود الخوف. الحقيقة أن رأي درويش ليس واضحاً بالنسبة لي كثيراً. كيف يمكن للمرء أن يكون آملاً دون أن يكون لديه انتظار، هذا بحاجة إلى استدلال.
.
.
الخوف والجهل؛ طريق إلى الأمل
المؤلف: حسين دباغ
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الأدب
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
مقاله عالیه هست ممنون از سایتتون نظر بنده در رابطه با نظر های دوستان هست که نقد نا درستی رو به این مقاله وارد کردن و بیشتر به همان داستان ابتدای ان پرداختن درحالی که نویسنده داستان ابتدای رو تنها برای دانای کل ساختن و در نتیجه نشان دادن ناامیدی انسانی که هیچ وقت نمیتواند دانای کل باشد گفته است مسلما بحث های بسیاری در مورد فلسفه سفر در زمان وجود دارد که از موضوع این بحث خارج است و در رابطه با نظر یکی دیگر از دوستان که گفتن کل مقاله بر اساس داستان ابتدای ان میباشد باید گفت که نویستند تنها از این مثال استفاده کرده تا نشان دهد انسان اگر دانای کل باشد ناامید میشود و ارتباط چندانی به ادامه مقاله ندارد
داستان را این گونه هم می شود تعریف کرد.فردی در خواب و رویای صادقه می بیند که در یک حادثه از دنیا می رود.از خواب که برمی خیزد تمام تلاش خود را می کند که آن حادثه را که منجر به مرگش میشود را خنثی کند. علیرغم تمام تلاشش باز آن حادثه اتفاق می افتد و او می میرد. در اینجا جبر در تقدیر حاکم بوده یا اختیار در تقدیر؟
نقدی که بر داستان مذکور وارد است، یک نقد ساده فلسفی ست. این که اگر فرض را بر جبر تقدیری قرار دهیم، به معنای عدم توانایی تغییر آینده پیشفرض خود، پس خودکشی آن مهندسان ممکن نبوده، چرا که در صورت مرگ در لحظه حال، بالتبع در آینده وجود نخواهند داشت که بتوانند خود را در آینده ببینند. و اگر فرض را بر اختیار در تقدیر قرار دهیم، به معنای توانایی در تغییر آینده پیشفرض خود (من باب مثال با خودکشی)، پس دلیلی که آن مهندسان را مصمم به خودکشی کرده بود از بین میرود و خودشان را نمیکشند. زیرا هنوز هم قادر به تغییر آن هستند. البته این نقد صرفن بر داستان مذکور -که فتح باباین مقاله بود- وارد شد و حول لب آن نمیباشد.
دراین داستان ابتدا چیزی مبهم ساخته شده و سپس برای ان داستانی جعل شده. در واقع نویسنده خودش به زمان اینده خود ساخته رفته برگشته وبرای ما از اینده و گذشته و حال و فرا زمان و بقیه خبر می اورد.