اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
أحدث هنري سيدجويك، فيلسوف الأخلاق الكامبريجي، تحولاً في الأخلاق الحديثة بكتابه «طرائق الأخلاق». يتناول مقال حسين دباغ ثلاثة من أبرز أفكاره: النفعية القائمة على القواعد، والحدسية الأخلاقية، والعقلانية العملية المزدوجة.

الحادي والثلاثون من مايو/أيار 1838 هو ذكرى ميلاد هنري سيدجويك، رجل الدين والاقتصادي وفيلسوف الأخلاق الكامبريدجي في القرن التاسع عشر. إن إسهامه في تحويل الأخلاق الحديثة عظيم إلى درجة أن كتابه الذي أحدث تحولاً في عصره طرق الأخلاق (Methods of Ethics) يعتبره البعض أفضل وأهم كتاب في الأخلاق في التقليد التحليلي. فعلى سبيل المثال، ذكر ديريك بارفيت، أحد أبرز فلاسفة الأخلاق في أكسفورد، في مقدمة كتابه المؤثر فيما يهم (On What Matters)، أن كتاب سيدجويك "هو أفضل كتاب كُتب في الأخلاق على الإطلاق". والسبب في ذلك، وفقاً لرأيه، أنه بالمقارنة مع كتب الأخلاق الكلاسيكية الأخرى، يمتلك كتاب سيدجويك "أكبر قدر من الادعاءات الصادقة والمهمة" (xxxiii). كما أنه في كتاب الأسباب والأشخاص (Reasons and Persons)، يدّعي مع سيدجويك أن اللذة والمنفعة (Pleasure) لا تمتلكان قيمة قصوى (Ultimate Value)، وأن اللذّيين (Hedonists) لم يدركوا سوى "نصف الحقيقة" (502). كان سي. دي. برود، خليفة سيدجويك في كامبريدج، يعتقد أيضاً أن كتاب طرق الأخلاق هو أفضل رسالة كُتبت حتى ذلك الحين ضمن الأعمال الفلسفية الكلاسيكية (143). أما رولز، فيلسوف الأخلاق والسياسة من هارفارد، فقد كان يضع سيدجويك في الصدارة، وكان يعترف قائلاً إن كتاب سيدجويك هو "أول عمل أكاديمي حقيقي في النظرية الأخلاقية، حديث في منهجه وفي روحه [الحاكمة عليه]". كذلك بيتر سينغر، فيلسوف الأخلاق التطبيقية البارز من جامعة برينستون، يرى أن قدر سيدجويك ومنزلته بحجم تاريخ فلسفة الأخلاق، ويعتبر كتابه مصدراً عظيماً وحيوياً للاستدلالات الأخلاقية. إن دارسي فلسفة الأخلاق، مثلي، مدينون لخدمات وحسنات شخص كسيدجويك أكثر مما يستطيعون التعبير عنه. إن الغفلة عن شأنه في فلسفة الأخلاق الحديثة لا تليق بدارسي الفلسفة. لكن الأدبيات الفلسفية الأخلاقية الناطقة بالفارسية لم تبلغ هذا الأمر للأسف. ولهذا، لعل كتابة قصيرة في ذكراه تكون بمثابة أداء دين لدوره وشأنه. باختصار، يمكن إبراز ثلاث أفكار في نسق فلسفة الأخلاق عند سيدجويك: الأولى هي البحث في النظرية المعيارية للنفعية القائمة على القواعد. والثانية هي البحث في الحدسية في إبستمولوجيا الأخلاق التي وجدت مدافعين كثراً في الأخلاق المعاصرة، والأخيرة هي البحث في ثنائية العقل العملي (Dualism of Practical Reason) في سيكولوجيا الأخلاق. سأشير أدناه إلى ملاحظات حول هذه الأفكار بالترتيب.
أولاً. النفعية القائمة على القواعد؛ يدافع سيدجويك صراحةً عن العواقبية الأخلاقية، وبالأخص النفعية. كان يعتقد أن المبدأ الأساسي للنفعية، أي "تعظيم اللذة وتقليل الألم"، هو مبدأ خالٍ من التمييز والتحيز، وكان يرى أنه يمكن إضفاء الشرعية على صحة هذا المبدأ "بعيون كونية الرؤية" (Point of View of the Universe). وتصبح العيون الكونية الرؤية أكثر معنى في موضعها عندما نستحضر الصدى الكانطي لأقوال سيدجويك. بمعنى أن المبدأ الأساسي للعواقبيين يمكن أن يصبح قاعدة تنطبق على الجميع دون تمييز. توماس نيغل، فيلسوف الأخلاق المعاصر من جامعة نيويورك، يختار أيضاً، مقتفياً أثر سيدجويك، تعبير "النظرة من اللامكان" (The View From Nowhere) ويدافع عنه. أي أن مبدأنا الأخلاقي يجب أن يبدأ من حيث هو لامكان، ولا يمتلك تحيزاً قبلياً. براد هوكر، فيلسوف الأخلاق من جامعة ريدينغ، والذي له إسهام عظيم في إحياء نظرية النفعية القائمة على القواعد، يعتبر نفسه وريثاً لسيدجويك. وهو يرى في كتابه الذي لاقى استحساناً، المدونة المثالية؛ العالم الواقعي (Ideal Code, Real World)، أن سيدجويك هو رائد نظرية النفعية القائمة على القواعد، ويؤكد أن فهم سيدجويك رهن بفهم "الأمر المطلق" عند كانط.
ثانيًا. الحدسية الأخلاقية؛ كان سيدجويك يعتقد أن بعض القضايا الأخلاقية (وليس كلها) بديهية وواضحة إلى درجة يمكن إدراكها وفهمها بشكل مباشر. وقد أطلق على هذا الإدراك المباشر اسم الحدس (Intuition). فعلى سبيل المثال، مبدأ النفعية القائل بوجوب تعظيم اللذة للجميع وتقليل الألم والمعاناة إلى أدنى حد، يمكن، وفقًا لرأيه، إدراكه حدسيًا. بل إنه أطلق على هذا النوع من الحدوس الأخلاقية، التي يمكن للجميع إدراكها لفرط بداهتها، اسم الحدوس العقلانية. ويرى بيتر سينغر أن هذا النوع من الحدوس وحده هو الذي ينجو من مرمى النسبية النفسية ويمكنه الصمود. بمعنى أن الحدوس العقلانية وحدها هي المبررة معرفيًا وتصلح للاستخدام في الإبستيمولوجيا الأخلاقية.
ثالثًا. العقلانية المزدوجة؛ عندما نتحدث عن الأنانية يمكننا مقاربتها من جهتين: الأنانية النفسية (Psychological Egoism) والأنانية العقلانية (Rational Egoism). عند سيدجويك، ما هو مذموم ومرفوض أخلاقيًا هو الأنانية النفسية. لأنها لا تضع "الآخر" في الحسبان، وهي، باختصار، ليست منصفة. لكنه يعتقد أن الأنانية العقلانية يمكن أن تكون قابلة للدفاع عنها. أي في موضع، على سبيل المثال، يكون فيه طفلنا أو أقاربنا وطفل شخص غريب في حالة غرق، فإن العقل يحكم بوجوب إنقاذ طفلنا أولاً لأن التعلق بهم أولى بالطبع. غير أن هذه الازدواجية تؤدي إلى ظهور تضاد وتعارض في نظام سيدجويك الأخلاقي. بمعنى أن نظريته الأخلاقية تخرج من شكلها الأحادي (Monism) وتصبح تعددية (Pluralist)، وهذا لا يتوافق مع ما كان يسعى إليه.
يُروى أن معتقدات سيدجويك الدينية-المسيحية قد تغيرت منذ منتصف عمره حتى آخره، وابتعد عما يمكن وصفه بالنظرة التقليدية لكنيسة المسيحية. وقد أشار في موضع ما إلى سبب انفصاله عن الكنيسة مخاطبًا فقهاء المسيحية قائلاً: "كافرٌ أنا إن كان هذا هو أسلوب إيمانكم". حتى أن البعض نسب إليه الميول المثلية وأخبر عن اهتماماته الخفية بالجنس المماثل. توفي سيدجويك في 28 أغسطس 1900 إثر إصابته بالسرطان، راحلاً إلى "العالم الآخر"، منهيًا حياةً دامت 62 عامًا من محاربة الرياء. ودُفن في مدينة إسكس بإنجلترا ليجعل تربة إنجلترا الفيلسوفةَ أكثر خصوبة.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.