اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
قد تتحول الديمقراطية بلا عدالة إلى أداة لتكريس الظلم. حسين دباغ، إذ يؤكد أولوية العدالة، يرى في إنهاء القمع بدايةً لرفع المظالم وتحقيق مشاركة حرة وعقلانية في ديمقراطية أخلاقية.

هل الديمقراطية قيّمة ومرغوبة دائمًا؟ في اعتقادي ليس الأمر كذلك. تصوّر مجتمعًا تكون فيه الديمقراطية وسيلةً يُطرح من خلالها سياسةٌ غير عادلة للتصويت مرارًا وتكرارًا وتصوّت الأغلبية لصالحها. في الحقيقة، يمكن لبعض الأشخاص الذين حصلوا في مثل هذا المجتمع على نفوذ كبير بطريقة غير عادلة أن يؤثروا بشدة على تصويت الناس، وأن يشتروا أصواتهم، ويقنعوهم باختيار سياسة غير عادلة. على سبيل المثال، يقنع الرجال المتعلمون والأثرياء الذين حصلوا على النفوذ بغير وجه حق، الأغلبيةَ بأن حقوق النساء والرجال يجب أن تكون مختلفة رغم تساوي العمل، وتساوي المهارة، وتساوي التعليم... إلخ. للوهلة الأولى، يبدو أن كل شيء يسير في المسار الصحيح. الناس يشاركون، ويصوّتون، ويختارون... ولكن هناك خللًا ما في مكان ما. إذا كان أولئك الذين يمتلكون النفوذ ويؤثرون على تصويت الناس قد حصلوا على هذا النفوذ عبر مسار غير عادل، ويستخدمون الديمقراطية لتحقيق أهدافهم، فهل تبقى الديمقراطية مرغوبة بعد؟
هناك ديمقراطية مرغوبة وأخرى غير مرغوبة. الديمقراطية المرغوبة مقبولة ومطلوبة بالطبع. ولكن أي شكل من أشكال الديمقراطية هو المرغوب؟ الديمقراطية التي تكون عادلة، وتعتبر الاختلاف بين الأفراد مهمًا وقيّمًا، وتقترن بالحوار والجدل والعقلانية. في مثل هذه الديمقراطية التي يمكن تسميتها أيضًا "الديمقراطية الأخلاقية"، ليست مشاركة الأفراد في حد ذاتها مهمة بالضرورة؛ فالنسبة المئوية العالية وعدد الأصوات الكبير للأفراد ليس ذا أهمية كبيرة؛ لأن الأفراد قد يصوّتون عن جهل، أو قد يشاركون عنادًا ومكابرةً مع بعضهم البعض. ليست كل مشاركة مهمة أخلاقيًا، المهم هو المشاركة التي تكون عقلانية، وحرة، وتعترف بـ"الآخر"، وتقترن بالحوار والجدل. هذه المشاركة، بما أنها تأخذ "الآخر" على محمل الجد، تسعى إلى إشراك الجميع وإدماجهم في عملية الحوار والجدل. لإشراك "الجميع" في هذا النوع من المشاركة ركن أساسي: الفقير والغني، المتعلم وغير المتعلم، غير المتدين والمتدين، المغاير جنسيًا والمثلي، الرجل والمرأة والجنس الثالث، مختلف الإثنيات، والأعراق المتنوعة... إلخ. أولئك المختلفون يُحسب لهم حساب بقوة في هذا النوع من المشاركة لأن العدالة تقتضي ذلك. إذن، الديمقراطية الأخلاقية تستلزم مشاركة عادلة. ما لم تتحقق العدالة وتكن المشاركة عادلة، فلن تتحقق الديمقراطية الأخلاقية. هذا هو سر أن العدالة مقدمة ضرورية لحضور الديمقراطية المرغوبة وظهورها، وأنها أولى منها. إذا تخلى مجتمع عن العدالة سعيًا لتطبيق الديمقراطية، فمن المحتمل أن يخسرهما معًا. وحتى لو استطاع تطبيق الديمقراطية، فبدون مشاركة عادلة وحرة سيطبق النوع الأخس وغير المرغوب من الديمقراطية.
لكن قد تسأل: ما هي العدالة أصلًا حتى يمكن وفقًا لها أن نشارك بعدالة ونجعل الديمقراطية أكثر أخلاقية؟ جوابي بسيط: المشاركة العادلة تتحقق عندما نزيل اللامساواة قدر الإمكان. قد يبدو هذا جملة تحصيل حاصل! لكن ثمة نقطة دقيقة كامنة في جوهرها. السعي وراء العدالة وتقديم نظرية شاملة عنها أمر في غاية الصعوبة والتعقيد. تنوع نظريات العدالة الاجتماعية شاهد على ذلك: هل ينبغي أن نسعى وراء "الأولوية" ونعطي الأولوية للمستضعفين والمعوزين؟ هل ينبغي أن نسعى وراء "المساواة" المطلقة ونترك تحديد الأولويات؟ هل ينبغي أن نترك كليهما، الأولوية والمساواة، ونسعى إلى "تعظيم" النفع العام؟ هل ينبغي أن نختار طريقًا وسطًا نعظم فيه النفع ونراعي فيه المساواة معًا؟ هل ينبغي أن نأخذ "الحظ والفرصة" بعين الاعتبار في توزيع الموارد؟ هل "يكفي" أن نجعل مقدارًا ثابتًا من النفع يستحقه الجميع هو الأصل؟ هل...
كل هذه النظريات، على الرغم من اختلافاتها النظرية، تشترك في أمر واحد: إنها تسعى إلى إزالة أو ضبط اللامساواة. وإذا كان الأمر كذلك، فيبدو أن التركيز على اللامساواة سيكون أوجب من تقديم نظرية في العدالة. وبهذا، فبدلاً من خلق بيئة عادلة، يصبح تحسين اللامساواة أولوية، ويبدو السؤال عن كيفية إدارة اللامساواة سؤالاً أكثر خطورة. لكن قد تعترض بأن إدارة اللامساواة تتوقف بالضرورة على نظرية في العدالة، ولعلاج اللامساواة نقع مجدداً في الفخ نفسه: ما هي العدالة؟ أجل، العدالة واللامساواة وجهان لعملة واحدة ومترابطان بشدة. لكنني أعتقد أنه يمكن البدء من مكان ما لعلاج اللامساواة دون امتلاك نظرية شاملة عن العدالة الاجتماعية.
تنشأ اللامساواة في "علاقة" البشر بعضهم ببعض، وفي "علاقة" الحكومات بالمواطنين. للامساواة خاصية الهنا والآن، وهي ليست أمراً مجرداً. ولهذا السبب، ربما يمكن البدء لتحسين اللامساواة من أمر أساسي وجوهري: أن نضع حداً للقمع والاختناق. من "الضروري" لعلاج اللامساواة أن يتوقف القمع، حتى لو لم يكن ذلك "كافياً". للقمع أشكال شتى: سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية... عندما نضع حداً للقمع، ينفتح الطريق لتنفس مشاركة معقولة وحرة وعادلة. ومثل هذه المشاركة، بما أنها تحدث دون اختناق وبشكل مستدل، تكتسب أهمية أخلاقية.
القمع والاختناق والتغلب والهيمنة من الأركان المهمة للامساواة. حيثما وُجد أثر للقمع، يتمزق جلد العدالة ويتقرح جرح اللامساواة ويتعفن. حيثما يضرب القمع بجذوره، يُجرح "الآخر" ويغيب "الجميع" لأنهم لا يُدعون إلى المشاركة. والطريف أن القمع يمكن أن يجتمع مع ديمقراطية غير مرغوبة. فبالقمع يمكن دعوة البعض إلى المشاركة، لكنها مشاركة ليست بالضرورة معقولة أو عادلة. ومثل هذه المشاركة ليست أخلاقية بالطبع. ما يُضعف العدالة ويُهزلها هو قمع شرائح المجتمع المختلفة، لا سيما الشريحة والطبقة المختلفة والتي لا صوت لها في المجتمع. هؤلاء، لأنهم لا يُدعون إلى المشاركة، يزحفون بالضرورة إلى زاوية وينعزلون. لقد فهم حافظ حق الفهم أن للعدالة صلة وثيقة بالسؤال عن حال "المظلومين"، وإذا لم يحدث ذلك، فسيختل ميزان العدالة:
عدل سلطان گر نپرسد حال مظلومان عشق
گوشه گیران را ز آسایش طمع باید برید
أختصر الكلام. أولاً، الديمقراطية المرغوبة، بما أنها تأخذ العدالة على محمل الجد وتقدمها، تمتلك قيمة أخلاقية. لأن العدالة توفر دليلاً أخلاقياً يجعل من الممكن اعتبار الديمقراطية المرغوبة مهمة. العدالة تجعل الديمقراطية المرغوبة تعقلية وتأملية، وتأخذ الاختلاف بين الأفراد والجماعات على محمل الجد وتطرحه للنقاش، وتضع المختلفين في الحسبان. ثانياً، لنمو العدالة والديمقراطية الأخلاقية، يجب أن نزيل اللامساواة. للبدء، يجب أن نكف عن القمع والاختناق. القمع يخنق حلق العدالة، لكنه يمكن أن يبقي الطريق مفتوحاً أمام ديمقراطية غير مرغوبة. إنهاء القمع هو بداية لنمو العدالة، وعندما تنمو العدالة، تثمر الديمقراطية المرغوبة والأخلاقية.
.
.
.
.
.
.
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.