اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يمكن العيش في العالم على نحوين: عالم الحقيقة حيث الفعل يُراد لذاته، وعالم المجاز حيث الفعل يُراد لغاية أخرى. ومعاناة البشر تنبع من أن الذهن، عبر «التخييل»، يدرك شيئًا في ضوء شيء آخر، فنجد أنفسنا، دون وعي، في لعبة لا غاية لها سوى إتمام الفعل.

تخيّل عالمًا يقوم فيه البشر بكل فعل من أجل الفعل ذاته لا من أجل غاية أخرى. إن مارسوا الرياضة، مارسوها لمجرد الرياضة. وإن أكلوا، أكلوا لمجرد الأكل. وإن أقاموا علاقة جنسية، أقاموها لمجرد إقامة العلاقة الجنسية، وهكذا دواليك. فهم، في الحقيقة، لا يمارسون الرياضة لكي ينحفوا مثلًا. ولا يأكلون لكي يستمتعوا مثلًا. ولا يقيمون علاقة جنسية لكي يستمتعوا أو ينجبوا ولدًا مثلًا. وكأن البشر في هذا العالم أشبه بحاسوب لا «يقصد» دماغه من إتيان أي أمر سوى إتيان ذلك الأمر بعينه. إن دماغ البشر في هذا العالم دماغ بلا «مخيلة»، لا يؤدي فعلًا بحسب أمر آخر، بل هو كالروبوت، إن مشوا لا «يقصد» دماغهم إلا أمر المشي فحسب، ولا شيء سواه. فلنسمِّ هذا العالم، حيث يقع كل أمر لذات ذلك الأمر محضًا، عالم الحقيقة.
أما في عالم آخر، على مقربة منا، فالبشر ليسوا على هذه الشاكلة. إن جُلّ أفعالهم لا تؤدى لذات الفعل، بل من أجل غاية أخرى. فعموم البشر في هذا العالم، إن سبحوا مثلًا، لا يسبحون لمجرد السباحة، بل يسبحون للاستمتاع بالاستحمام في الماء. وإن شيّدوا بيتًا، لا يشيدونه لمجرد تشييد البيت، بل للمنفعة المتحققة من بيعه أو لاتخاذ البناء مأوى. وإن عزفوا الموسيقى أو استمعوا إليها، لا يفعلون ذلك لمجرد الاستماع إلى الموسيقى أو عزفها، بل للاستمتاع بها، وقس على ذلك. في هذا العالم، يعيش البشر «بمخيلة» شيء آخر. وكأن دماغهم «يقصد» لا شعوريًا «شيئًا» آخر لأداء الأفعال المتنوعة. ولهذا السبب، يؤدون الأفعال لا لمجرد أداء الفعل ذاته، بل بسبب أمر آخر يتخيلونه ويستحضرون صورته. فلنسمِّ هذا العالم، حيث لا يقع كل أمر لمجرد أداء ذلك الأمر، عالم المجاز.
والآن، لنتساءل: أي هذين العالمين يفرض على الإنسان عناءً أقل للعيش؟ أهو عالم المجاز أم عالم الحقيقة؟ لعل حافظًا لو كان حيًا لقال:
أرسم على الماء نقشًا من بكائي الآن
متى يقترن بـ«الحقيقة» «مجازي»
إن عالم الحقيقة، وإن كان مُمِلًّا على الأرجح، إلا أنه يحمل عناءً أقل. وكأن كل شيء في موضعه الصحيح. فليس علينا في هذا العالم أن نتخيل صورة أخرى في أذهاننا لأداء أفعال مختلفة، ثم نغدو موجوعين مغمومين إن لم تتحقق تلك الصورة. إن كثيرًا من معاناة البشر في العالم الراهن سببها أن البشر يقصدون من إتيان الفعل (ألف) غاية (باء)، فإذا لم تتحقق الغاية (باء) اضطربوا. فعلى سبيل المثال، يعيش عموم البشر لكي يستمتعوا بالحياة. وقليل من يعيش لكي يكون قد عاش فحسب. ومن الطبيعي أنه حين تكون غاية الحياة هي الاستمتاع (أو انعدام الألم)، يصاب المرء بالاعوجاج عند حضور الألم (غياب اللذة). أما إن كانت غاية الحياة منذ البداية هي محض العيش، فمن الصعب تصور أن ينشأ عن ذلك ألم. وقد ينشأ ألم –إن نشأ– فقط حين لا تكون هناك حياة؛ أي عند الموت ذاته! لقد كان أبيقور محقًا حين قال إن الموت لا يبعث على الخوف، إذ حيث توجد الحياة لا يوجد الموت، وحيث يوجد الموت لا توجد الحياة. واقتفاءً به، يمكن القول إن من يعيش لمجرد العيش لا يعاني، ومن يعاني هو من لا يعيش لمجرد العيش.
أما في العالم الذي نعيش فيه نحن البشر، أي عالم المجاز، فالمعاناة موجودة بوفرة. وهل يمكن أن نجد العالم من حولنا خاليًا من المعاناة؟ وكأن سدى هذا العالم ولحمته قد نسجا من ألم. لقد تعلم السهروردي من القرآن خير تعلم قوله تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ»، حين عبّر في كتاب مونس العشاق عن أن الأرض والسماء ظهرتا إلى الوجود حين أخذ الحزن بخناق العشق! لقد كان السهروردي، شأنه شأن عموم الفلاسفة المسلمين، يعلم أن هذا العالم (عالم المادة) فيه «قصور ذاتي»، فيه شيء ينقصه فيجعله مؤلمًا. لكن دعواي في هذه المقالة، على العكس تمامًا من السهروردي وسائر الفلاسفة المسلمين، هي أن هذا العالم، من فرط المصادفة، فيه شيء زائد هو ما يخلق الألم. ذلك الشيء الزائد هو «مخيلتنا». فلنتساءل الآن: كيف تخلق المخيلة الألم؟
وتوضيح ذلك أننا لو سألنا لماذا يعاني عموم البشر في هذا العالم، فإن خلاصة استدلالي هي أننا معشر البشر نعاني لأن أذهاننا تخلق لنا المعاناة. وكيف يخلق الذهن المعاناة؟ «التخيل» يجعل ذهننا «لعوبًا»، وهذه اللعوبة تجعلنا أحيانًا عليلين: «عدو الطاووس جاء من ريشه»! ولكن بأي معنى يكون ذهننا لعوبًا؟ اسمحوا لي أولاً أن أوضح ما أعنيه باللعب، وعندها سيتضح معنى اللعوبة.
خاصية أذهاننا كبشر هي أنها حين تُصنّف المفاهيم تضع أمرًا تحت أمر آخر كي تفهمه. على سبيل المثال، عموم البشر يدركون مفهوم «العشق» ويتخيلونه تحت تجربة «الدفء»: «كم نحن دافئون، كم نحن دافئون من هذا العشق كالشمس»؛ أو أنهم يعون «الحياة» ويتخيلونها بناءً على تجربة «السفر»: «ما زلت في سفري/ أتخيل أن في مياه العالم قاربًا...». هذه الخاصية للذهن تتجلى بوضوح في لعبه. عموم البشر، حين يكونون بصدد اللعب، يستحضرون في أذهانهم غاية غير مجرد أداء اللعب. على سبيل المثال، حين نلعب بالدمية، أو حين نروي نكتة، أو حين نلعب بالكرة، أو... فإننا لا نقوم بهذه الأفعال لمجرد القيام بها. عمومًا، البشر حين يلعبون يستبطنون غاية كالاستمتاع والسرور. بعبارة أخرى، نحن نتدرب على مفهوم «اللذة» أو «السرور» ونكرره من خلال «اللعب» ووفقًا له.
الألعاب ليست بالضرورة غير جادة أو غير مهمة. بل على العكس، إنها تشكل أساس هذا العالم ونمط حياتنا. خاصية الذهن وطريقة معرفتنا كبشر قائمة على اللعب، وجميع أنشطتنا المعرفية، من غائية وتصنيف وتخيل وغيرها، هي لعبية. نحن في حالة لعب دون أن ندري أو نعي. وكأننا نلعب لا شعوريًا، بل ونلعب حتى اللعب. في الحقيقة، نحن معشر البشر، طوال الأوقات التي نكون فيها بصدد فعل شيء ولا نفعله لقصد أدائه أو لمجرد أدائه، بل نفعله لغاية أخرى، نكون في حالة لعب. أي أننا «نتظاهر» حين نقوم بالفعل (أ) بأننا نقوم به من أجل القيام بالفعل (أ). في حين أن هدفنا من القيام بالفعل (أ) في معظم الأوقات هو أمر آخر مثل (ب). على سبيل المثال، افترض أن شخصًا ما يتمشى. إنه لا يتمشى لمجرد أن يتمشى. من المحتمل أنه يتمشى كي ينشط أو يحافظ على صحته. ما دام لا يؤدي المشي لمجرد المشي، فهو في حالة لعب. يمكن تصور أمثلة متنوعة ومختلفة لا نقوم فيها نحن البشر بفعل ما لمجرد القيام بذلك الفعل. ولكن لماذا الأمر كذلك؟ السبب هو أننا معشر البشر، حين نقوم بفعل ما لمجرد القيام بذلك الفعل، نحتاج إلى ذهن واعٍ. لكن الذهن الواعي أمر شاق لا يطيقه عموم البشر. نوادر هم أولئك الذين يستطيعون أن ينظموا جميع أفعال حياتهم بحيث تتحقق تلك الأفعال فقط من أجل القيام بتلك الأفعال ذاتها. افترض أن شخصًا منهمك في تناول الطعام، وهو يقوم بذلك لا من أجل الاستمتاع، ولا من أجل الحضور الاجتماعي، ولا لسد الجوع، بل فقط ولمجرد تناول الطعام. أي أنه حين يأكل لا «يلتفت» إلى أي من هذه الأغراض. بالتعبير النفسي، هو في هذه الحالة «واعٍ ذهنيًا» ويعيش في «الحاضر». إذا تحققت هذه الحالة، يمكن القول إن هذا الفرد ليس بصدد اللعب.[1]
اليقظة الذهنية هي قبل كل شيء نشاط معرفي يتطلب تركيزًا وانتباهًا شديدين. ومن الطبيعي أن يستنزف هذا النشاط المعرفي طاقة كبيرة من الدماغ، ولهذا السبب لا يستطيع البشر أن يمارسوا أنشطتهم بتركيز وانتباه كاملين في كل لحظة. إذا تأملنا في رمش أعيننا اللاإرادي، نكتشف أن الطبيعة قد فتحت لنا، وبطريقة «ذكية»، متنفسًا ومخرجًا كي لا نكون في حالة تركيز دائمًا وفي كل لحظة. وبهذا التفسير، من الطبيعي أن «يفضل» عموم البشر ألا يصرفوا هذا القدر الكبير من الطاقة في تركيز طويل الأمد، لأنهم لو فعلوا ذلك لما تبقى لديهم طاقة كافية لسائر شؤون الحياة اليومية. ربما يمكن القول إن البشر، على امتداد تاريخ التطور، سهوًا أو عمدًا، امتنعوا عن صرف هذا النشاط المستنزف للطاقة حفاظًا على بقائهم، واتجهوا نحو اللعب. في الحقيقة، معظم أنشطتنا للحفاظ على البقاء تكتسي صبغة اللعب. وهذا لا يقتصر على البشر فحسب، فالحيوانات أيضًا تميل إلى اللعب أحيانًا من أجل البقاء. وتكمن أهمية الاتجاه نحو اللعب في أن الألعاب هي التي توفر لنا الألم والفرح معًا. فالألعاب ليست بالضرورة باعثة على البهجة دائمًا أو مولدة للألم على الدوام، بل هي تارة كذا وتارة كذا.
الخلاصة أن تخيل البشر هو ما يجعلهم ميالين إلى اللعب. لقد أصبحنا، نحن البشر، مدمنين على اللعب، والألعاب بالطبع تجلب الألم والفرح معًا. فإذا أراد المرء التخلص من الألم، فعليه أن يكف عن اللعب. وهذا لا يعني أن عليه أن يغسل يديه من الحياة، بل يعني أن يكف عن الميل إلى اللعب ويختبر حياة خالية من اللعب. عليه أن يهاجر من عالم المجاز إلى عالم الحقيقة. انظر إلى الروبوتات.[2] لعل مستقبلنا، نحن البشر، يصبح شبيهًا بها: حياة بلا لعب ولكن بلا ألم!
.
.
[1] على سبيل المثال، كان الصوفية من بين أولئك الذين ربما يمكن القول إنهم حاولوا ألا يستسلموا لـ«اللعب». أما إن كانوا قد وفقوا في ذلك أم لا، فالله أعلم بالصواب.
[2] في النظرة الكونية عند الأقدمين، كانت «الملائكة» تتمتع بخاصية تشبه الروبوتات. ولعل حافظًا كان يستحضر هذا المعنى عندما أنشد: «فرشته عشق نداند كه چيست اى ساقى» (لا يدري الملاك ما العشق، أيها الساقي).
.
.
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
فرضاً کسی بخواهد خارج از بازیکردن زندگی کند، میشود بفرمایید غذا خوردن به صرف غذا خوردن چه معنی میدهد؟ چگونه میتوان شنا کرد فقط محض شنا کردن؟ منظورم این ست که آنچه شما فرمودهاید ربط دارد به مسألهی معنا،،، افراد نمیتوانند پیادهروی کنند فقط برای اینکه پیادهروی کرده باشند،، چنین چیزی بیمعناست. انسانها تلاش میکنند از خلال کارهایشان جزء به جزء، زندگی معنی ببخشند. حالت آگاهی تفطن به این معناست که افراد بدانند از انجام یه فعل خاص چه چیز را تخیل و مراد کردهاند و آن را به بوتهٔ نقد درونی بگذارند. هکذا آنچه فرمودهاید در باب زندگی خارج از بازی نیاز به قدری جرح و تعدیل،، و با توضیح روشنگر دارد.
دوست عزبز اینکه می فرمایید برا معنا بخش لازم هست خب کسی که در حال زندگی میکند یعنی کاری را به صرف ان کار انجام میدهد خب لاجرم زندگی را هم به صرف زندگی می زید پس دنبال چبزی یا هدفی ورای زیستن ندارد که بخواهد به زندگی معنا بدهد
نوشتار زیبایی بود. به قول حافظ: گفتم که بر خیالت راه نظر ببندم گفتا که شب رو است او از راه دیگر آید. عالم خیال , عالم محاکات است. کار قوه خیال, بازیگری است..
با درود و سپاس نوشتار مفید شما، من را یاد نقل قولی از بودا انداخت که توسط استاد ملکیان در درسگفتارهای « اخلاق کاربردی » بیان شد: بودا در پاسخ به معترضان چرایی بیرون آمدنش از آیین پیشین گفته بود : دستاورد بزرگ آیین نوین من اینست که : وقتی غذا می خورم، فقط غذا می خورم؛ وقتی می خوابم، فقط می خوابم؛ وقتی سخن می گویم، فقط سخن می گویم و ... اما از استاد دباغ می پرسم ، سرشت زندگی مومنانه که همواره بر غایت اندیشی در زندگی تاکید دارد و آدمی را به انجام امور « برای » رسیدن به غایتی دیگر سوق می دهد؛ چگونه با توصیف جنابعالی از زندگی « ربات گونه »، قابل جمع است؟