اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
لقد أبدع فن محمد رضا شجريان، شأنه شأن العمارة الإيرانية، توازناً سماوياً من عناصر أرضية. فهو الذي لم يكف عن التعلم قط، أوصل إلى آذان الناس فناً رفيعاً، بصناعته للصوت لا مجرد التعبير به، دون أن يذعن لصرعات العصر.

عند زيارة العديد من روائع العمارة الإيرانية، يكون شعورنا في البداية هو الدهشة، الدهشة من عمل المعماريين ومبلطي القاشاني الذين وضعوا هذه العناصر الأرضية الزائلة إلى جانب بعضها البعض بطريقة أوجدت توازناً وانسجاماً سماوياً. إن نقوش مسجد الشيخ لطف الله في أصفهان تستحضر في أذهاننا شيئاً من جوهر السماء المرصعة بالنجوم، التي تبدو لأعيننا على حال واحدة دوماً، ويُنسينا تأملها أن أرض وسماء هذا العالم في تحول مستمر، وأن هذه الأبنية أيضاً زائلة، ونحن أنفسنا كائنات زائلة. وهكذا فإن شعورنا بالدهشة إزاء هذه الآثار يفسح المجال لسكينة تصلنا بالأبدية لبضع لحظات.
هل كان مبدعو هذه الآثار يحملون مثل هذا الهاجس في رؤوسهم؟ نحن لا نعرف هؤلاء المبدعين، وهم أنفسهم لم يسعوا إلى تخليد أسمائهم إلى جانب إبداعاتهم. نحن نسمي هؤلاء الأفراد اليوم فنانين، ولكن الحقيقة أننا لا ندري إن كانوا هم أنفسهم ينظرون إلى أنفسهم بهذه العين، أي هل كانوا ينظرون إلى أنفسهم ككائنات استثنائية تتمتع بموهبة فطرية حُرم منها الآخرون، أم لا، وعلى الأرجح، كانوا يرون أنفسهم عمالاً وبنائين ومعماريين ومبلطي قاشاني. لكن ثمة أمر واحد مؤكد، وهو أن هؤلاء المبدعين المجهولين لم يكونوا يتركون شيئاً في عملهم للصدفة، وكانوا يحسبون حساب كل شيء في تنفيذهم. نحن الذين لا نعرف شيئاً عن فن القاشاني، لو كنا نراقب من زاوية عمل أحد هؤلاء المبلطين، لرأينا كيف يضع أجزاء عمله الدقيقة إلى جانب بعضها بأي سرعة وبأي سليقة وكأنه دون أي جهد أو تفكير، فكنا لنشعر بالقلق والذهول معاً. نقلق خشية أن يكون أحد الزوايا أو الأضلاع في تصميم قطع القاشاني التي يجب أن توضع متجاورة لم يُحسب بدقة، فيتكرر هذا الاعوجاج في كامل البناء وتكون النتيجة عملاً فاسداً، ونذهل حين نرى أن قلقنا كان في غير محله وأن كل قطعة قد استقرت في مكانها الصحيح تماماً.
نحن نسمي حصيلة عمل هؤلاء الأشخاص أعمالاً فنية، ونسميهم هم فنانين، لكنهم في الماضي كانوا يُدعَون "أساتذة العمل" أو "أساتذة" وليس فنانين، وكأن كلمة أستاذ في ثقافتنا كانت تحمل معاني ودلالات أوسع بكثير من كلمة فنان، والأستاذ هو اللقب الذي نطلقه الآن وبحق على محمد رضا شجريان. صحيح أن صوتاً كصوت الأستاذ شجريان لم يُمنح إلا لقلة من الناس، ولكن ما تمتلكه فئة أندر من الناس، وخصوصاً أولئك الذين يُعرفون كفنانين، هو الجهد والمثابرة والمراقبة التي كان يتحلى بها شجريان. لقد قال مراراً أولئك الذين عملوا معه عن كثب، سواء في حياته أو في هذه الأيام، إنه لم يكن يكف عن التعلم لحظة، وإنه إذا ما سمع بزاوية من زوايا الموسيقى الإيرانية في ركن من أركان إيران، لدى أستاذ مشهور أو مغنٍّ أو عازف مغمور، كان يشد الرحال إليه ليتعلمها، ولم يترك هذا التتلمذ أبداً، حتى عندما صار أستاذاً معروفاً. أنا الذي لم ألتقِ به عن كثب سوى مرتين أو ثلاث، كنت أرى في شخصه ذات الراحة والاطمئنان والسكينة التي كنت أراها في غنائه؛ سكينة لا توجد إلا لدى الأساتذة الذين وصلوا إلى الأستاذية عبر طريق التتلمذ.
في إحدى هذه اللقاءات، قال عن بنان، المغني الذي كان يكن له إعجاباً شديداً: "كان بنان يصنع الصوت." لا أعرف كيف ينبغي أن أؤول هذا القول. هل كان يريد أن يقول إن بنان كان يعتمد على مهاراته أكثر مما يعتمد على موهبته الطبيعية، ولم يكن قد وصل بعد إلى مزيج متوازن من الصنعة والفن، بحيث كان سامع صوته، على الأقل السامع الموسيقي، يلمح شيئاً من الجهد الواعي الذي كان يبذله في حصيلة عمله، وكان هذا الإحساس يمنعه من الاستمتاع بعمله كما ينبغي؟ لا أظن هذا التأويل صحيحاً، وأرجح أنه كان يقصد مدح بنان، أراد أن يقول إن بنان كان يستمد قوته من جهده، أكثر مما كان فناناً بالمعنى الحديث، وأكثر مما كان يعتمد على صوته الموهوب من الله، وهذا هو ما كان يجعله عظيماً في نظر شجريان. أراد أن يقول إن الفن هو بناء وصنع، وليس تعبيراً عن شيء بُني أو أُعطي سلفاً.
كان شجريان يصنع الصوت أيضًا، لكن قبل أن يعتلي خشبة المسرح. كان الاستماع إلى صوته أشبه بقراءة غزل سعدي. لم يكن يُلقي بأي عبء من الصعوبة على كاهل المستمع، لدرجة أن المستمع لم يكن يشعر بما حمله هو نفسه على كاهله من مصاعب للوصول إلى هذا النقاء. لقد تحدث زملاؤه كثيرًا عن صعوبة بعض المقامات والزوايا التي غناها، وعن أن قلة من المطربين تجرؤ على الاقتراب منها، لكن جهوده جعلت مهمة المستمع سهلة، ونحن اليوم نستمد من الاستماع إلى هذه المقامات والزوايا المتعة ذاتها التي نستمدها من الاستماع إلى الأنماط الأكثر ألفة واعتيادًا.
كان شجريان «فنانًا» تقليديًا، أي أن فنه كان ينتمي إلى حقبة لم يكن يُطلق فيها على أمثال هؤلاء الأساتذة لقب فنان. ربما لو وُلد في زمن آخر لكان عليه، مثل العديد من أساتذة الماضي، أن يغني في محافل محدودة، ولنُسي اسمه، ولبقي صوته لا على أشرطة الكاسيت والأقراص المدمجة، بل فقط في هذه القبة الدوارة، أو ليصبح نتاج عمله، شأنه شأن أولئك المبلطين في مسجد الشيخ لطف الله، نقشًا في بناء قد يمحوه يومًا زلزال أو هجوم غازٍ. لكن الحظ حالفنا، ونجح هو، في ظروف تاريخية خاصة، في أن ينقل فنًا نخبويًا إلينا نحن عامة الناس، وأن يربي آذاننا على سماعه، ويجدر بنا، ولو لمرة واحدة، أن نكون شاكرين للتكنولوجيا التي تحفظ لنا صوت أمثال شجريان. ومع ذلك، لم يغتر بالإمكانيات التي كانت تحت تصرفه، ولم يسلم زمام نفسه للتيارات الرائجة يوميًا، وبقي مسيطرًا على عمله. وذلك في زمن صارت فيه التساهلات وإغراءات الحياة العصرية شركًا في طريق كل فنان يتمتع بموهبة فطرية لكنه يريد أن يمضي في عمله معتمدًا عليها وحدها. ومع ذلك، فإن أستاذ الموسيقى التقليدية هذا لم يكن غافلًا عن ضرورة الابتكار ولا عن مخاطره، وسجله الفني يمثل جهدًا للتوفيق بين جزء من التراث الماضي وضروريات الحياة الجديدة.
لا أعرف شيئًا عن الموسيقى، ما أعرفه هو أن صوت شجريان لا يطلب مني أن أكون عالمًا بالموسيقى لأستمتع به؛ تمامًا كما لا يطلب مني شعر سعدي معرفة دقائق الوزن والقافية؛ تمامًا كما تحمس الناس لقرون وهم يستمعون إلى شاهنامه الفردوسي ويقرؤونها عن بطولات رستم أو ذرفوا الدموع في حداد سهراب دون أن يعرفوا معنى الكثير من كلمات شعره؛ تمامًا كما لا يطلب مني أولئك المبلطون القدامى أن أكون على دراية بدقائق فنهم حتى أستطيع في قلب مصنوعاتهم، المتكونة من هذا الطين والتراب واللون الأرضي ذاته، أن أنسى للحظة وجودي الأرضي وأتصل بشيء أسمى منه.
كان صوت شجريان في خدمة الشعر الفارسي، وقد وطّد بشكل كبير الرابطة الموجودة منذ القدم بين الشعر الفارسي والموسيقى الإيرانية. في إحدى تلك اللقاءات قلت له إن الناس كانوا يقولون قديمًا إن الشعر الفارسي هو الذي أبقى الموسيقى الإيرانية حية، أما اليوم، ومع كل هذا الغزل والمثنوي الذي غنيته وسمعه الناس، فيجب القول إن الموسيقى الإيرانية صارت حارسة للشعر الفارسي. اسأل نفسك الآن، أيها القارئ، من بين الأبيات التي تحفظها لحافظ ومولوي وسعدي والخيام والعطار، أيها حفظته بقراءة وإعادة قراءة دواوين هؤلاء العظماء، وأيها حفظته بسماع وإعادة سماع ما غناه شجريان. هذه ليست خدمة قليلة في زمن تتناقص فيه ألفتنا للأدب القديم يومًا بعد يوم.
ما دفعني لكتابة هذه المذكرة هو هذه النقطة الأخيرة بالذات. كان من الإنصاف أن لا تنسى أكاديمية اللغة الفارسية وآدابها، باعتبارها المؤسسة المسؤولة عن صون لغتنا وأدبنا الوطني، ذكر هذا الخادم الكبير للغة والأدب، وألا تظن أنها، لأنه كان من أهل الموسيقى، فإن ذكره، حتى بمجرد تقديم تعزية للشعب المفجوع، ينبغي بالضرورة أن يكون من مسؤولية أكاديمية الفنون. والآن، وقد نسيت وقد فات أوان التذكير، أرى من واجبي، بصفتي عضوًا في هذه المؤسسة، أن أكرم ذكرى هذا الأستاذ الكبير، وأتصور أن سائر زملائي في الأكاديمية، الذين يصونون لغة وأدب إيران ويروجون لهما على مستوى آخر وبوسائل أخرى، يشاركونني هذا الشعور.
الفن
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
درود بر دکتر حسین معصومی همدانی که به زیبایی حق مطلب را ادا کردند. ما نیز چون ایشان چشم به راه پیام تسکینی از فرهنگستان زبان و ادب فارسی بودیم که دریغا و درد نمکدان شکستند و مضایقه کردند!