اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يضم كتاب «أخلاقيات الكتابة» لحسين معصومي همداني ست عشرة مقالة حول الكتابة والترجمة، وقد نُوقش في ندوة بمدينة الكتاب. يرى الكتاب أن مشكلة اللغة الفارسية فكرية واجتماعية، ويوفر في زمن هيمنة الفضاء الافتراضي منصةً للمفكرين.

غزالة صدر منوجِهري (مراسلة همميهن): صدر حديثاً عن دار نشر «فرهنغ معاصر» كتاب «أخلاقيات الكتابة» من تأليف حسين معصومي همداني. لقد جمع معصومي همداني ست عشرة مقالة -بين تأليف وترجمة- تتمحور حول مقالة «أخلاقيات الكتابة» لغايتانو سالفيميني، المؤرخ والسياسي الإيطالي (1873-1975)، مهيئاً بذلك أرضية للتفكير في المسائل الجوهرية للكتابة والترجمة والتحرير، وهي أرضية ثمينة جداً للغة الفارسية ولأهل الفكر في زمن انتشار الفضاء الافتراضي ولوحة المفاتيح وسيطرتهما على الفضاءات التقليدية والقلم. خُصصت الندوة الأسبوعية للمركز الثقافي لمدينة الكتاب يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر بهمن لنقد ومناقشة كتاب «أخلاقيات الكتابة»، وأُقيمت بحضور حسين معصومي همداني، أستاذ تاريخ العلوم وعضو مجمع اللغة الفارسية وآدابها، وضياء موحد، أستاذ الفلسفة والمنطق، وعلي صلحجو، المحرر والكاتب، وهومن باناهنده، المترجم والمحرر، وأميد طبيبزاده، اللساني والمترجم.
.
.
.
.
علي أصغر محمدخاني، المدير الثقافي لمدينة الكتاب: معصومي همداني من مفاخر عصرنا ونوادره. عمق معرفته وأبحاثه واتساعها في مجال تاريخ العلوم والفلسفة والأدب مضرب المثل بين أهل الثقافة، والجميع على دراية بدقة نظره وتفطنه وتدقيقه وكتابته الصحيحة. لقد نشر خلال العقود الخمسة الماضية مقالات غزيرة في باب الكتابة والترجمة والتحرير وتاريخ العلوم ونقد الكتاب والأدب الكلاسيكي والمعاصر ومجالات أخرى. وإلى جانب هذه المقالات والكتب، وربما أكثر منها، نُشرت أعمال كثيرة للطلاب وغيرهم من أهل الثقافة والقلم -كتّاباً كانوا أم مترجمين- تحت إشرافه محرَّرةً، أو مستفيدةً من لطفه بتحرير علمي ولغوي منه. يضم كتاب «أخلاقيات الكتابة» 16 مقالة حول الكتابة والترجمة والتحرير، كان كثير منها قد نُشر سابقاً في المجلات. أشار معصومي في مقدمة الكتاب إشارة مقتضبة إلى أفول التأليف الكتابي ورواج كتابة المقالات، واعتبر نفسه من كتّاب المقالات أكثر منه من مؤلفي الكتب، وإن كان يفضّل قراءة الكتاب على قراءة المقالة. وهو يقول في باب الكتابة في مقالة «القراءة والكتابة» إن هذه الأشكال المتكررة تعكس ليس فقط نظرة مجتمعنا، بل نظرة أي مجتمع لم يدخل بعد مرحلة الثقافة المكتوبة وما زالت ثقافته الغالبة شفهية، تجاه الكتابة. ويمكن تفكيك هذه النظرة إلى ثلاثة أجزاء: الكتابة، خلافاً للكلام، ليست قدرة عامة بل هي موهبة خاصة تُمنح لأشخاص معينين. الكتابة، خلافاً للكلام، خاصة بمواقف معينة. والكتابة، خلافاً للكلام، لا تُقبل إلا في قوالب عبارات معينة. لذلك يرى معصومي أنه لم يُخصص مكان للكتابة في مدارسنا، أو إن خُصص، فإن هذا الأمر لا يُؤخذ على محمل الجد بما يكفي. وبالطبع، فإن مشكلة اللغة الفارسية اليوم هي مشكلة فكرية واجتماعية، وبما أن ليس لها علة واحدة، فلا يمكننا أن نجد لها حلاً واحداً.
يقول علي صلحجو: يذكر سالوهميني في مقالته «ما هي الثقافة» أنه من أجل تنظيم كتاباتنا، يحق لنا ألا نعرف بعض الأشياء؛ ضرورة عدم المعرفة من أجل معرفة الأشياء اللازمة. واسمحوا لي أن أقول هنا كم هو جميل أن يستخدم معصومي كلمة «شيء» بكل سلاسة. لطالما عانيت كثيراً مع هذا الموضوع لأن كثيرين أصبحوا «ضد الشيء» بشكل سيئ. وتصل مقالة «القراءة والكتابة»، في سعيها لإيجاد سبب عجز معظم طلابنا عن الكتابة، إلى هذه العبارة العميقة المضمون: إن درس اللغة الفارسية هو درس يُعلّمون فيه أشياء لا تُستخدم أبداً، ودرس التعبير هو درس يُطلب فيه من التلميذ شيء لم يُعلّموه إياه. ولم تغب عن نظر الكاتب الإشارة إلى العوامل الاجتماعية والاقتصادية للمسألة. يقول معصومي همداني في «أخلاقيات الكتابة»: إن الرأي السائد بين اللسانيين هو أن اللغة نظام يحتوي في داخله على آلية ترميمية يمكنها تحمل أي ضرر وإبطال أي صدمة، لأنها وسيلة تواصلية، وهذا الأمر نفسه يمنع من إلحاق الضرر بها لدرجة أن تفقد دورها التواصلي. ثم يقارن هذه الآلية بنظيرتها في الطبيعة ويقول: حتى عقود قليلة مضت، كان الإنسان يظن أن أي مصيبة تحل بالطبيعة لن تلحق بها ضرراً جسيماً لأن الطبيعة تمتلك أيضاً آلية الترميم الذاتي نفسها التي تمتلكها اللغة. لكننا رأينا أن الأمر لم يكن كذلك، وقد جلبنا على الطبيعة من المصائب ما يبدو أنه لا يمكن جبره. يقول معصومي إن عدم قابلية الجبر هذه هي في الواقع انتقام تأخذه الطبيعة منا. والكاتب، آخذاً في الاعتبار قدرة اللغة على الصدق وقدرتها نفسها على الكذب، يحذر تحذيراً فلسفياً من أن نتعامل مع اللغة بلطف وألا نلويها حتى يأتي يوم تلوي هي أيضاً أعناقنا؛ وتسلب منا التفاهم والتعاطف.
يشرح معصومي في مقاله «الفساد اللغوي» أننا حين لا نريد استخدام اللغة للتعبير عن الواقع، ننزلق إلى الثرثرة والطنطنة التي تفسد اللغة تدريجياً. الناس العاديون يتحدثون بشكل جيد جداً، لكن حين يمسك بهم مراسلو التلفزيون ويسألونهم مثلاً عن رأيهم في أرصفة المدينة، يقعون فجأة تحت تأثير الطنطنة التي تبدو موثوقة، فيظنون أن عليهم الكلام بثقل، ويتحدثون بطريقة لا يفهمونها هم ولا يفهمها غيرهم. كذلك، أظهر في «صعوبة التأليف وضرورته» قدرته على إيجاد الحل المناسب في النزاعات الطويلة. ففي النقاش بين أنصار التأليف والترجمة، بدلاً من أن يضع الكاتب هذين الطرفين في مواجهة بعضهما ويدافع بلا جدوى عن أحدهما، يضعهما في علاقة بناءة وخلاقة معاً، ويبين كيف يؤدي هذا المنهج إلى الارتقاء بجودة كليهما. وفي «دفاع عن الصحافة الثقافية» أيضاً، ينحاز إلى الطرف المظلوم ويسعى مدللاً إلى إظهار بطلان الآراء المسبقة ضد الصحافة، خاصة حين يحذر من خطر دخول الكتابات الأكاديمية إلى ساحة الصحافة التي شأنها شيء آخر. على أية حال، الدفاع عن المواقف التي تجد مدافعين أقل هو من خصائص معصومي. أما عن مقالات «أخلاقيات الكتابة» في مجال الترجمة، فينبغي القول: إن معصومي في «اختيار الكلمات واستقلال اللغة الفارسية» بشرحه لميل العلماء الإيرانيين وبراعتهم في الكتابة بالعربية، واحتمال أن تصبح العربية بهذه الطريقة لغة العلم في إيران، يُظهر بشكل جيد جداً عوامل الابتعاد عن هذا الخطر وانبعاث اللغة الفارسية كلغة للعلم، ويمنح في غضون ذلك دوراً لائقاً للشعر والشاعرية. في هذا المقال، يخيل إلينا أننا نسافر مع الكاتب، وبينما نعبر تقلبات اللغة الفارسية صعوداً وهبوطاً، نصل سياحةً في غمضة عين من القرن الأول الهجري إلى القرن الرابع عشر وتأسيس مجمع اللغة، وتبقى في أذهاننا صورة عامة عن هذا المسار. وهو في «ترجمة النصوص العلمية إلى الفارسية» باستعراضه التيار الذي شكل نشأة الترجمة في أوروبا، وإشارته إلى المشابهات التي هي من لوازم هذا الطريق، يتناول أوجه القصور في ترجمة النصوص العلمية وعلتها، ويخلص إلى أنه لا يمكن تقديم ترجمة جيدة للعلم دون الكتابة باللغة العلمية. كذلك، يطرح في «ملاحظات حول ترجمة النصوص الفلسفية» موضوع تحول المصطلحات الفلسفية والمشكلة التي يخلقها هذا التغير لترجمتها. يكتب معصومي محقاً أنه حين يتطور علم الفيزياء مثلاً، يمكن بسهولة قراءة الآثار التي تُكتب على إثره، دون الحاجة إلى الالتفات إلى ماضيه. لكنه يقول إن الأمر في الفلسفة ليس كذلك. ففي الفلسفة لا يمكن الاكتفاء بالمنتَج النهائي، بل يجب دراسة العملية برمتها، وهذا التغير الذي يطرأ على المنتَج خلال العملية هو ما يخلق الإشكال في ترجمة مصطلحات النص الفلسفي.
يمكن تلخيص مضمون المقالات التحريرية في هذا الكتاب كالتالي: «الخط الفارسي والحاسوب» هو على الأرجح أول كتابة فارسية تناولت المسائل العتادية للخط الفارسي. وخلاصة القول في الإملاء هي: منطق لا منطقي؛ مجرد اتفاق ومراعاته. معصومي في «أمراض التحرير» بتحديده عدة أمراض لدى المحررين (المحرر العياب، ومغطي الأخطاء، والمصاب بمعجم، واللا أدري، والعلامة بكل شيء، والمولع بالكلمات، ومبتدع اللغة) يشرح الآفات الأساسية للتحرير بلغة جذابة ويبين ما ينبغي وما لا ينبغي فيها. و«في الهامش» أيضاً مقال جامع حول أنواع الحواشي في التأليف والترجمة، بميزة أنه، على عكس كثير من هذه الكتابات، لم يكتف مثلاً بالقول «لا تضع حاشية غير ضرورية»، بل أظهر ما هي الحاشية غير الضرورية. مقال معصومي الآخر «الرد الساحق» هو وصف نفسي دقيق وبارع للبيئات غير الصحية والمليئة بسوء الفهم في كتابة النقد، والتي للأسف لا تقل أمثلتها في صحافتنا. و«رحلة المحكمين» لباربرا ريت هي قائمة شاملة لتقييم الأثر من جوانب شتى. الأسئلة دقيقة ورفيعة لدرجة أن لا نص معيباً يمر من منخلها. معصومي في «النزاع على حق المؤلف»، بشرحه نزاعاً بين سالينجر صعب المراس وكاتب استخدم رسالة له في كتابته، وقصة رفع سالينجر للشكوى إلى المحكمة، يبين أن النقل عن آثار الآخرين في البلدان الأخرى له حسابه وكتابه.
أميد طبيبزاده: يعتبر معصومي في المقدمة أن هذا الكتاب هو مجموعة مقالات ويميز شأن الكتاب عن شأن مجموعة المقالات، لكنني أعتقد أنه كتاب. كان انطباعي عن هذه المقالات في هذه المجموعة مختلفاً عن انطباعي الأولي عنها. إن مقالة سالفيميني التي ترجمها معصومي ونشرها عام 1354، أشبه بخيط ناظم يربط هذه المقالات بعضها ببعض. لا تتعلق هذه المقالة بالكتابة، بل بالثقافة والأخلاق النابعة من الثقافة، وهذا هو ما يربط هذه المقالة بهذا الكتاب؛ الأخلاق في الكتابة. أتصور أن سالفيميني كتب هذه المقالة رداً على النخب والمثقفين الذين أسهموا في تشكيل الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا أو تشكيل ضرب من الشيوعية. نخب كانوا يعرفون كل شيء عن شيء واحد، لكنهم للأسف لم يكونوا يعرفون شيئاً واحداً عن كل شيء. بعبارة أخرى، تتناول مقالة سالفيميني المثقفين النخبويين ذوي النظرة الإيديولوجية. ويرد في جزء من هذه المقالة عبارة لاتينية بليغة جداً مفادها أن «عالم الرياضيات الذي لا يعرف شيئاً سوى الرياضيات ليس أكثر من بهيمة». ولتجنب هذه الطريقة في النظر إلى العالم والتصرف، لا مناص من التوجه نحو مثقفين يعرفون كل شيء عن شيء واحد، ويعرفون قليلاً عن كل شيء، ولديهم إدراك لمحيطهم، بدلاً من أن ينظروا إلى العالم في حدود تخصصهم. وللأسف، فقد ابتلي مجتمعنا العلمي اليوم بهذه الآفة أيضاً. ظلت نظرة سالفيميني هذه ثابتة في جميع مقالات هذا الكتاب. إن مجموعات المقالات لأشخاص مثل سعيد نفيسي أو مجتبى مينوي لا ترقى إلى شأن الكتاب لأن وجهات النظر تغيرت تبعاً لمقتضيات الزمان، لكن ما ظل ثابتاً لدى معصومي منذ أن كان مترجماً لهذه المقالة في السابعة والعشرين من عمره وحتى اليوم، هو بالضبط مسألة الأخلاق النابعة من الثقافة؛ وهي أنه لا يحق لنا أن نتخصص في مجال ما وبنظرة محدودة من تلك الزاوية، فنوقع المجتمع وأنفسنا في مصائب. في رأيي أن شأن هذا الكتاب وأهميته يضاهيان كتاب «لا نكتب خطأ» للنجفي، لأن هذه المقالات (على حد تعبير الدكتور حقشناس) تجعلنا واعين باللغة؛ أي أنها تلفت انتباه المجتمع فجأة إلى ظاهرة اسمها «اللغة» كانت تبدو لنا بديهية حتى ذلك الحين. وبالطبع، فإن مستوى «أخلاقيات الكتابة» أرفع بكثير من «لا نكتب خطأ». فإذا كان «لا نكتب خطأ» يقدم لنا توصيات تفيد أي مدقق لغوي، فإن هذا الكتاب أكثر جدية إلى حد ما، وهو موجه لكل كاتب يتناول مطالب أكثر تخصصاً، وإلى جانب توصياته الكتابية المتفرقة، فإنه ينبه إلى توصيات أخلاقية أيضاً. هذا الكتاب قيم في نظري من ناحيتين: الأولى أنه يتمتع بنثر شديد السلاسة والتماسك يضع أصعب المطالب في متناول القارئ بأبسط صورة ممكنة. قد يبدو هذا بديهياً، لكننا حين نرغب في الكتابة بهذه الطريقة نكتشف أن الكتابة على هذا النحو ليست بالأمر اليسير على الإطلاق. حتى قراءة هذا النثر (دون أن نكون مشغولين كثيراً بمحتواه) تؤثر في نثرنا وطريقة تفكيرنا، لأن الكتابة في الواقع ضرب من التفكير؛ والأخرى أن هذا الكتاب يمنحنا فضيلتين: الأولى التوصيات الفنية للتحرير، والثانية أخلاقيات الكتابة. قبل بضع سنوات، كتبت مقالة في مجال علم الأصوات وأرسلتها إلى مجلة اللسانيات. وافق المحكم على المقالة، لكنه نبهني في رسالة إلى أن المقالة بُسّطت إلى درجة لا تليق بشأن مجلة علمية بحثية. لذلك اضطررت إلى الخضوع لهذا الفعل غير الأخلاقي وأعدت كتابة المقالة بأسلوب صعب، لأن ما يُكتب في هذا المجتمع من مقالات وكتب لا يفهم منها أحد شيئاً سوى مؤلفها نفسه، ولا بد بالضرورة أن يرافق الكتاب شخص ليقوم بتدريسه. هذا في الواقع عين اللا أخلاقية، وإن كان هناك ما هو أشد لا أخلاقية منه وهو الشعوذة المستشرية؛ أي أن المؤلف نفسه لا يفهم ما يكتب.
من أهم مقالات هذه المجموعة بالنسبة لي مقال «اختيار المصطلحات واستقلال اللغة الفارسية». يبدأ هذا المقال بتلك العبارة الشائعة والمقبولة بين اللسانيين الإيرانيين بشأن لغة العلم: «من حظوظنا نحن الإيرانيين أن لغتنا الوطنية ولغتنا العلمية واحدة». تبدو هذه الملاحظة بسيطة، لكنها عملياً لم تتجاوز حدود الشعار، ومقال معصومي هو المقال الوحيد الذي طرح سؤالاً في هذا الشأن وأجاب عليه بالاستدلال. إذا نظرنا حولنا نجد مجتمعات لا تتطابق فيها لغتها الوطنية مع لغتها العلمية، فتعاني مشكلات جمة. سأضيف بإيجاز ملاحظة إلى هذا النقاش. يعتقد بعض نخبنا أننا لو كتبنا نصوصنا العلمية باللغة الإنجليزية لكان ذلك أكثر فائدة للعلم. أولاً، لمسألة اللغة العلمية في العلوم الدقيقة، وخاصة الفيزياء والكيمياء والرياضيات، مستويات. في بعض المجتمعات، يكون المستوى اللغوي للتعبير العلمي صفراً، وبعضها يصل إلى الصف السادس الابتدائي، وبعضها الآخر إلى الثانوية العامة. لم يُجرَ بحث دقيق بخصوص الفارسية، لكني أتصور أن لغة العلم في الفارسية يمكنها أن تغطي حتى جزءاً من المرحلة الجامعية الأولى. لكن هذا لا يعني أن في وسع لغة العلم في أي مجتمع أن تعبّر حتى أقصى المستويات. حتى لغات كالألمانية والفرنسية، وهي متقدمة جداً في التعبير عن المسائل العلمية، حين تصل إلى المطالب فائقة التخصص تفضل الكتابة بالإنجليزية، أولاً لأن لغتها لا تملك الاستعداد للتعبير عن هكذا مطالب، وثانياً لأن ذلك المبحث التخصصي لو كُتب بالألمانية أو الفرنسية لما استطاع قراءته سوى أربعة أو خمسة أشخاص، بينما سيكون له بالإنجليزية جمهور أوسع. لذلك، برأيي، يمكن للغة العلم أن تكون دولية ولا ضير في ذلك، وعلى كل حال نحن سعداء بأننا بلغنا هذا المستوى أصلاً، ونأمل أن يرتفع أكثر. يضاف إلى ذلك أنه كانت هناك دوماً لغة دولية بين العلماء؛ تارة اللاتينية، وتارة العربية، وتارة السنسكريتية، واليوم هي الإنجليزية. لكن الأمر مختلف في العلوم الإنسانية والاجتماعية. هل كان الأفضل أن نكتب هذه العلوم بالفارسية أم بالإنجليزية؟ هنا ندرك أهمية هذه المسألة، وهي أن العلوم الاجتماعية لو كان يُفترض أن تُكتب بالإنجليزية، لما كانت لتحل مشكلات مجتمعنا. من حسن حظنا أن المجلات لم ترحب بمقالاتنا الإنجليزية، لأنها كانت ستحل مشكلاتنا. وبدلاً من ذلك، توصي هذه المجلات بأن نرسل لها نصاً في تفنيد نظرية أو إثباتها، أو أن نزودها بمعلومات جديدة يمكنها توظيفها في دراساتها النظرية. تعود أهمية لغة العلم إلى هذه القضية بالذات، وأنا أؤيد ما قاله معصومي.
هومن بَناهَنده: كُتبت هذه المقالات بلغة المقالة المعيارية الرصينة، وهي بليغة وواضحة، بل وبسيطة من وجهٍ ما، غير أن هذه البساطة خادعة. ولهذا السبب بالذات ينبغي أن يكون ثمة من يقول: انتبه إلى هذه الجملة البسيطة. فخلف هذه السلاسة والطلاقة والبساطة يكمن عالم من التجربة والممارسة والذوق والسليقة والذكاء. هذا جانب من الكتاب كان حاضراً في ذهني دوماً أثناء القراءة. على أية حال، في وضع نعاني فيه من صور مشوهة في النثر ومن محتوى هزيل، فإن وجود كتاب كهذا يُعد غنيمة. كان برنارد شو يعتقد بنوع من الاشتراكية، وكان في الوقت نفسه من أنصار الأرستقراطية في ميدان الفكر. ينبغي لنا أن نكون صارمين إزاء الكتابة وانتقاء المكتوب. في هذا العصر نتعامل مع فضاء افتراضي انحلت فيه كثير من القيود، وجانبه السلبي هو أن نرى وتُنشر كتابات كانت في عصر الصحيفة الورقية تستلزم اجتياز عدة مراحل تمحيص كي تصل إلى النشر، بل ربما لم تُنشر في نهاية المطاف. في وضع كهذا، تصبح قراءة كتابٍ عن الكتابة وأخلاقياتها، وهو نفسه مصداق للفضائل التي يتوقع من القارئ أن يتوجه إليها، ضرورة. يكتب معصومي همداني في موضع ما عن وهم مخاطبة المجتمع بأسره، وهو في نظري شرح لحالنا الراهنة، ويستحضر إلى الذهن كتاباتٍ تُكتب هذه الأيام على منصات شتى ويظن كاتبوها أنهم يكتبون للمجتمع كله. الظاهر أن الكلمات والجمل تُنتج بغزارة. ووظيفتها الأساسية، كما يقول اللسانيون، هي التواصل، فنقع في وهم أننا بصدد التواصل. لكن يبدو أننا لا نتواصل، لأننا نقول شيئاً لا تفهمه إلا طائفتنا، فتهلل وتصفق له، وهي أصلاً لم تكن بحاجة لقراءته لأنها كانت تعتقده من قبل. مثل هذا النص مكتوب بلغة دوغمائية لا يستطيع من هم خارج هذه الطائفة التواصل معها، وإن لم يصيبهم بالكراهية، فلن ينتفعوا بها. أحد جوانب أخلاقيات الكتابة هو هذا بالذات: ألا تظن أنك تكتب فقط لجمهور متتبعيك، بل إنك تكتب لأناس خارج هذا الجمع أيضاً.
ضيا موحد: هذا الدفتر هو قمة جبل من الثقافة لم تُكتشف أبعاده بعد، ولن تُرى بأكملها إلا حين تُعرض جميع جوانبها، شريطة ألا يمسك الدكتور معصومي عن هذا العمل. من خصال معصومي تعطيل أعماله الخاصة لصالح إطلاق أعمال الآخرين، بل إنه يعرقل أعماله هو أيضاً. على سبيل المثال، لا أعلم إن كان سيترجم أطروحته للدكتوراه، وهي عمل بديع على أعلى مستوى من البحث في علم الضوء عند ابن الهيثم، من الفرنسية إلى الفارسية يوماً ما. لقد تحدث الشهود العيان لجلسة دفاعه في فرنسا عن إعجاب العلماء الحاضرين في الجلسة، لكنه ما زال صامتاً: فلا تقرير واحد عن تلك الجلسة. حين طُلب من رشدي راشد، وهو من أقطاب الفلسفة وتاريخ العلم، أن يرشح شخصاً لكتابة سيرته العلمية، رشح الدكتور معصومي من بين كل أولئك الزملاء، وكانت ثمرة ذلك كتاباً بالفرنسية يربو على ٢٠٠ صفحة.
على أية حال، هذه المجموعة هي مختارات من مقالات الدكتور معصومي حول اللغة الفارسية واستعمالاتها المتنوعة، من القراءة إلى الكتابة والترجمة والتحرير. وبالاستناد إلى الدفتر الذي كتبته أنا عن كتابة المقالة وأهميتها وشروطها وجوانبها، بعنوان «بالطبع هو واضح وجلي»، أستطيع القول إن هذه المقالات هي في طليعة المقالات الفارسية، وبالطبع أعمم هذا الحكم على مقالاته بالفرنسية والإنجليزية أيضاً، وفي هذه الفرصة القصيرة، بدلاً من التغني بالغناء، سأتغنى بالمغني. لدي كلام كثير حول كل واحدة من هذه المقالات ونكاتها الجديدة، سأفصلها في كتابة أخرى. من الجوانب المهمة في عمل معصومي هي الرسائل الجامعية التي كُتبت بإشرافه. لم أستطع إقناع رؤساء «معهد بحوث الحكمة والفلسفة في إيران» المتعاقبين بأن يطبعوا هذه الرسائل بدلاً من الكتب قليلة الأهمية أو عديمتها، وهي غالباً أعمال علمية ممتازة. في هذه المجموعة من المقالات، توجد ترجمة لمقالة كتبها سالوميني بعنوان «ما هي الثقافة» وهي حول تعريف الإنسان المثقف. برأي سالوميني، الإنسان المثقف هو من يعرف كل شيء في مجال تخصصه، ويعرف شيئاً عن كل شيء. هذا التعريف يليق بقامة معصومي. يعرف معصومي كل شيء في تاريخ العلم الإسلامي، لكن المثير أنه أحياناً يعرف الكثير جداً عن كل شيء. على سبيل المثال، لديه أفضل الكتابات عن شعر سهراب سبهري، وهو ليس شاعري المفضل، ويعدد ويعرف من النكات ما لا أظن أن سبهري رآه في منامه. معصومي هو شخص يعتبر نفسه مديناً دائماً للثقافة. يكتب في المقدمة: «لا أبذل أي جهد لأقيم صلة بين مقالات هذا الكتاب» وبعد خمسة أسطر يكتب: «ما يبرر نشر هذه الكتابات في كتاب واحد هو ارتباط موضوعاتها ببعضها البعض». إن لم يكن هذا صلة، فما هو إذن؟ بصرف النظر عن هذه النقطة، فهو يبقي النقاش على المستوى المفهومي والتجريدي. مثلاً، حيث يورد مثال «القول والخطاب» لا يوضح ما هو الفرق بين هذين المصطلحين. طبعاً هذا يعود إلى ذهن معصومي الفلسفي الذي يناقش بالمفاهيم أكثر مما يناقش بالمصاديق. في ثقافتنا، مُنح أفراد لقب العلاّمة تشريفاً لهم، مثل العلاّمة قزويني، والعلاّمة دهخدا، والعلاّمة مينوي وقلة آخرين. لقد قست كل واحد من هؤلاء العظماء بالدكتور معصومي وخلصت إلى أنه قد آن الأوان لنشرف حسين معصومي همداني بهذا اللقب.
حسين معصومي همداني: في «السوق» المزدهرة لنشر الكتب، لم يعد السؤال عن دافع المؤلّف/المترجم/الكاتب لنشر الكتاب ذا أهمية، ووفرة العناوين نعمة تعفينا نحن المؤلّفين والمترجمين والمحرّرين من الإجابة عن سبب نشر الكتاب. لا سيّما أنّني ربّما أكون عرضة لهذا السؤال: إنّ هذه المقالات كُتبت على مدى سنوات، وربّما انقضى أجل بعضها، فلماذا إذن أجمعها وأنشرها في كتاب؟ وقد يسألني أحدهم أيضًا: ما الفائدة والجدوى من جمع مقالاتٍ كثيرٌ منها متاح في قواعد بيانات العلوم الإنسانية، ونشرها في كتاب في ظلّ هذه الأوضاع الاقتصادية؟ الحقيقة أنّني أنا نفسي لم أكن بمنأى عن هذا الهاجس. والسبب في ذلك أنّ المقالات المجمّعة في هذا الكتاب ليست كلّ المقالات التي كتبتها في المجالات المختارة له. فقد بدا لي أنّ بعض هذه المقالات لها قيمة تاريخية، ولذلك استبعدتها من فهرس المحتويات ولا أنوي نشرها منفصلة في كتاب. صدرت في إيران كتب كثيرة حول الكتابة والتحرير وفنّ الترجمة، ولعلّ دافعي الوحيد ومبرّري لجمع هذه المقالات معًا هو أنّني نظرت إلى بعض هذه المسائل بطريقة مختلفة، لا أنّني أدّعي التفرّد. كما أنّني بحكم ازدواجية انتمائي، أي أنّ لي قدمًا في حقل العلوم الإنسانية وقدَمًا في حقل العلوم الطبيعية (على الأقل تاريخ العلوم الطبيعية)، ولستَ عديم الاهتمام بالفلسفة، ربّما أكون قد طرحت مسائل لم يُتطرّق إليها كثيرًا. ويبدو، كما نُقل عن المقدّمة، أنّ «تغيّر الوضع» يبرّر نشر هذا الكتاب. والآن، وقد صرنا بفضل الفضاء الافتراضي نتّجه نحو وضع يكتب فيه كلّ واحد في ركن من أركان الفضاء الافتراضي، وتحدّد لغتَه قرّاؤه أو متابعوه، وتُملَى عليه نظرتُه بما يتناسب مع مقتضيات ركنه، فإنّنا نسير نحو تشتّتٍ من تجلّياته شيوع اللغة المكسّرة في الكتابة، وهو أمر ربّما لم يكن موجودًا في وقت ما، أو كان مقتصرًا على المجلّات الفكاهية أو الروايات. في مثل هذه الظروف، تقدّم الإشارات الضمنية في هذه المقالات، لمن يقومون بهذه الأعمال، وعيًا أكبر بعواقب الطرق التي يختارونها على المستوى الفوق-لغوي. بعض مقالات هذه المجموعة كُتبت في ظروف تكنولوجية أخرى، فمثلًا بعض معلومات مقالة «الخط الفارسي والحاسوب» ربّما لم تعد حديثة، وربّما تغيّرت اليومَ الأسس التي كنت قد انطلقت منها، لكنّ الإشكالية لا تزال قائمة بقوّتها.
ثمة فائدة أخرى كنت أتوخاها من نشر هذه المقالات، وهي أنه مع اتساع رقعة نشر المقالات العلمية البحثية بلغة البشر، صار الكتابةُ شيئاً بالياً في مجالات بالية، وقد سعيتُ جاهداً لأن أكتب بلغة البشر، لغةٍ مفهومةٍ لجميع الناس. كان بإمكاني أن أكتب هذه الموضوعات نفسها بضجيج وضجَّة أكثر، وبإحالات وفيرة، وبالتوسل بنظريات متقعِّرة، غير أن الفضاء الفكري والعام هذه الأيام، ولا سيما الفضاء الأكاديمي، قد أوجد فيَّ شيئاً جعلني أرغب في الابتعاد ما أمكن عن فضاء الكتابة ذاك. ومع أنني مضطر أحياناً، بحكم عملي، إلى كتابة مقالات متخصصة، فإن بالي مرتاح لأنني لست بحاجة لأن أكتب للجميع. فعلى سبيل المثال، مقال «دفاع عن الصحافة الثقافية» الذي هو نقد أكثر منه دفاعاً، هو ثمرة قلقي على مصير المجلات الجادة في إيران، تلك التي لا تحمل عنوان علمي بحثي، ولا هي أكاديمية، وتزداد يوماً بعد يوم ابتعاداً عن كونها مجلات، وتتحول إلى كتب دراسية، ويضيق جمهور قرائها، وبصورة عامة يضعف فيها الأصل أو اللغة التي تقوم عليها أي نوع من الصحافة، كما أن التربية اللازمة للصحافة، سواء أكانت عامة أم ثقافية، تكاد تندثر. لقد كانت مثل هذه الهواجس من بين دوافع نشر هذا الكتاب. أما بخصوص تجنبي ضرب الأمثلة، فينبغي أن أقول إن لذلك سببين: أولهما أنني لست من هواة تدوين البطاقات وتقييد الملاحظات، وقد صرت الآن، في السنوات الأخيرة من عمري، أرى كم هي سيئة هذه العادة. كنت في شبابي ذا ذاكرة جيدة، وكانت أشياء كثيرة تبقى في ذهني، ولا سيما -كما يقول الدكتور موحد- الأشياء التي ما كان ينبغي لها أن تبقى. أما الآن فأفكر أنه كان ينبغي أن أغرس هذه العادة في نفسي منذ البداية. أنا من أقدم المحررين وأطولهم ممارسة، وقد عالجت شتى أنواع النصوص، ورأيت فيها شتى أنواع العيوب والمحاسن. كان في وسعي على الأقل أن أدون هذه الملاحظات. وإلى جانب هذا، فإنني في الحقيقة أخشى دائماً أن أسوق مثالاً فيكون مقدمة لجدال. فمثلاً، لو قلت إن وضع «گفتمان» في مقابل discourse لم يُحدث أي تغيير في عالم الخليقة، لوقعت في نزاع مع أصدقائي المقربين. لكنني في مقال «بضع ملاحظات حول ترجمة النصوص الفلسفية» أعتقد حقاً أن أقل القضايا شأناً في عالم العلم والفلسفة هو «المصطلح». ذلك أن المصطلح في حد ذاته ليس شيئاً سوى اختصار. المهم هو ما يكمن وراء هذا المصطلح.
أفكر دائماً أن لكل كتابة أصيلة ضرباً من الجانب السيرذاتي، وفيها شيء من كاتبها. ولعل بعض هذه المآخذ التي أبداها الأصدقاء على عملي تعود، إلى حد ما، إلى شخصي أنا، الذي لا ألتفت إلى بعض الأمور، وأولي بعضها الآخر مزيداً من الاهتمام.
الفلسفة
الدين
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.