اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
بما أن التفكير ذو طبيعة عصبية، ينبغي إعادة تعريف العلوم الاجتماعية على أساس ما تخلص إليه العلوم المعرفية. ويرى جورج لايكوف أن تجاوز منطق التنوير المحض ضروري لفهم الظواهر الاجتماعية والاستدلال فهماً حقيقياً.

مقدمة المترجم: اكتسبت العلوم المعرفية (cognitive science) في العقود الأخيرة هوية مستقلة تدريجياً من خلال نهج قائم على الدراسات الموضوعية والتجريبية حول الدماغ إلى جانب التنظير العلمي في هذا المجال. يمكن النظر بوضوح إلى هذا الفرع من المعرفة البشرية بوصفه نتاجاً للتفاعل المتبادل بين العلماء في مجالات متنوعة كالفلسفة، واللسانيات، والذكاء الاصطناعي، ودراسات الدماغ، وعلوم الأعصاب المعرفية، وعلم النفس، وغيرها حول مسألة المعرفة في العقل البشري. ربما يمكن اعتبار خمسينيات وستينيات القرن الماضي نقطة الانطلاق لهذا النهج التكاملي حين أدرك المفكرون في مجالات مختلفة أنهم قادرون على الاستفادة من نتائج أبحاث بعضهم البعض فيما يخص وظيفة العقل البشري. لا يمكن إنكار أن موثوقية وحجية العلم التجريبي تحظيان بمكانة عالية في هذا المجال، وربما يمكن الادعاء بأن ثمة ميلاً مشتركاً بين الباحثين في هذا التخصص لجعل محورية دور المعطيات التجريبية حول الدماغ هي الحاكمة على التنظيرات الفلسفية التي تتبنى نزعة ميتافيزيقية تقلل من شأن الدور الأساسي للدماغ، ومن هنا فإن نظرياتهم تتغير وتتبدل بالتزامن مع تقدم العلوم التجريبية. تعكس هذه التغيرات، بشكل ما، هيمنة المعطيات التجريبية على التنظيرات المنفصلة عن الجانب الفيزيائي للعقل.
بعد عدة عقود، أدت ثمار هذا التعاون البيني التخصصاتي إلى ظهور أدبيات جديدة في ساحة العلوم، حتى أننا نشهد يومياً إضافة لاحقة "-معرفي" مثل علم النفس المعرفي، وعلوم الأعصاب المعرفية، واللسانيات المعرفية، والعلوم الاجتماعية المعرفية، وعلوم الدفاع المعرفية، والعلوم السياسية المعرفية، والاقتصاد المعرفي، والهندسة المعرفية، والعلاج النفسي المعرفي، والتعليم والتربية المعرفيين... إلخ. وربما يمكن توسيع هذا التعميم ليشمل جميع التخصصات العلمية؛ لأن كل معرفة يجب أن تُعرف أولاً في المنظومة المعرفية البشرية، والتي لا شك أن حيثيتها الفيزيائية تكمن في فهم الدماغ والجهاز العصبي للإنسان.
في هذا السياق، يتناول المقال الحالي شرح الوضع المعرفي للعقل الاجتماعي البشري وكيفية توظيف نتائج العلوم المعرفية في مجال العلوم الاجتماعية، وهو بقلم جورج لايكوف. قضى ما يقرب من أربعة عقود من نشاطه الأكاديمي منكباً على هذا المجال. نُشر هذا النص في دليل علم الاجتماع العصبي المعرفي ضمن سلسلة كتب منشورات سبرينغر حول علم الاجتماع والدراسات في العلوم الاجتماعية.
من المؤكد أنه في مقال بهذا القصر لا يمكن سوى إظهار الخطوط العريضة لهذه الصورة الحديثة، وستُغفل جوانب تخصصية كثيرة. ربما يمكن القول إن التدقيق المفرط قد يكون مملاً وغير مفيد للقارئ العام؛ ومن هنا، فإلى جانب ترجمة المصطلحات والأمثلة بهدف زيادة إلمام القارئ، كان التعريف بأدبيات الموضوع أهم دوافع الكاتب.
العلوم الاجتماعية العصبية المعرفية[1]
هذا الأمر بديهي: أهم مسألة في العلوم الاجتماعية هي الاستدلال. إنه بديهي لدرجة أنه لا يُناقش؛ لأن الافتراض المسبق هو أن جميع علماء الاجتماع يتمتعون بموهبة القدرة على الاستدلال. يمكننا أن نفترض وجود الاستدلال مسبقاً ونمضي على هذا الأساس.
لكن هل يمكن حقاً افتراض هذا الأمر البديهي مسبقاً؟ في العقود الثلاثة الماضية، أثرت العلوم المعرفية والدراسات حول الدماغ على نطاق واسع في فهمنا لطبيعة الاستدلال. ما تم في الدراسات التجريبية حول "الاستدلال الواقعي"[2] أظهر كيف يفكر البشر فعلاً؛ سواء كانوا أفراداً يدرسهم علماء الاجتماع، أم كانوا علماء الاجتماع أنفسهم!
بطبيعة الحال، يدرس علماء الاجتماع العلل المادية للأمور الاجتماعية والسياسية: الفقر، الجوع، المرض، التشرد، الأمية، البطالة، الصراع الطبقي،...؛ لكن كيفية عملية تفكير البشر هي أيضاً أمر له تأثيرات اجتماعية: ما هي كيفية فهم الناس للأخلاق، والسوق، والدور المفيد للحكومة، وماهية المنظمات... إلخ؟
إنَّ تصوُّرَ علماءِ الاجتماعِ لماهيةِ الاستدلالِ يؤثِّرُ في تنظيراتِهم؛ لذا فمن المسألةِ الحيويةِ أن يُحسِنوا الاستدلال. لقد أظهرتِ العلومُ المعرفيةُ ودراساتُ الدماغِ ماهيةَ الاستدلالِ الحقيقيِّ؛ أي الطريقةَ التي نستدلُّ بها فعلاً؛ وهذه الدراساتُ تدورُ حولَ الدوائرِ العصبيةِ ولها نتائجُ بعيدةٌ عن البداهةِ الظاهرةِ في أذهانِنا؛ لذا فإنَّ الطريقةَ التي يُشكِّلُ بها الدماغُ الاستدلالَ الحقيقيَّ، ستحوِّلُ العلومَ الاجتماعيةَ برمَّتِها إلى علومٍ اجتماعيةٍ عصبيةٍ معرفية.
الاستدلالُ أمرٌ عصبيٌّ معرفيٌّ[3]
إنَّ ماهيةَ استدلالِنا برمَّتِه عصبيةٌ معرفية؛ لأنَّنا نفكِّرُ بأدمغتِنا. هذه المسألةُ ليست مُثيرةً للدهشة. المُثيرُ للدهشةِ هو الأثرُ الذي تُحدِثُه هذه الحقيقةُ البسيطةُ في كيفيةِ دراسةِ العلومِ الاجتماعية.
إنَّ نشاطَ المنظوماتِ العصبيةِ مُؤثِّرٌ في بناءِ الأفكارِ الذهنيةِ بشكلٍ فيزيائيٍّ؛ وهذا النشاطُ يجري بطريقةٍ تُفضي إلى إنتاجِ فكرٍ لا واعٍ على نحوٍ واسع. ثمة عواملُ مثلُ المخطَّطاتِ التصويريةِ[4]، والأُطُرِ[5]، والاستعاراتِ[6]، والسردياتِ[7] مُؤثِّرةٌ في هذه العملية، والمقولاتُ التي تُعرِّفُها الكثيرُ من النماذجِ الأوليةِ[8] هي شروطٌ كافيةٌ وليست ضرورية. وهذا يعني أنَّ التفكيرَ الاجتماعيَّ النقديَّ يجبُ أن يتجاوزَ المنطقَ والاستدلالَ من النمطِ الذي سادَ في عصرِ التنوير[9] ليبلغَ الاستدلالَ الحقيقيَّ؛ أي يجبُ أن يستفيدَ من العلومِ المعرفيةِ والدراساتِ حولَ الدماغ. إنَّ التفكيرَ النقديَّ الحقيقيَّ يستلزمُ فهْمَ الاستدلالِ الحقيقي.
في علمِ الاجتماع، من الأنماطِ المثاليةِ عند ماكس فيبر[11] إلى الأُطُرِ عند إرفنغ غوفمان[12]، نصادفُ تاريخاً طويلاً من الدراسةِ حولَ كيفيةِ تشكُّلِ حياةِ الأفرادِ من الأفكارِ الذهنيةِ الفرديةِ القائمةِ على الاعتقادِ بأنَّ البنيةَ التركيبيةَ للذهنِ تُشكِّلُ الفهمَ اليومي.
لقد توصَّلَ فيبر إلى فهْمِ أنَّ الأخلاقَ البروتستانتية، أي منظومتَها من الأفكارِ الذهنية، ترتبطُ ارتباطاً وثيقاً بالأسبابِ الماديةِ والاجتماعيةِ لنشأةِ الرأسماليةِ وبشكلِ وهيئةِ ذاك النمطِ من الرأسماليةِ الذي كان سائداً في شمالِ أوروبا في زمنِه. كما فهِمَ غوفمان أنَّ تشكُّلَ المؤسساتِ الاجتماعية، من المصحَّاتِ العقليةِ إلى الكازينوهات، ناشئٌ عن أُطُرٍ تُضفي بنيةً على الذهنِ البشري، وهذه الأُطُرُ نفسُها هي التي تُحدِّدُ، بأيَّةِ كيفيةٍ، تُبنى المؤسساتُ الاجتماعيةُ معرفياً[13] بأشكالٍ مختلفة: هذه الصورُ المعرفيةُ يُمكنُ ملاحظتُها في الأدوارِ التي يُؤدِّيها الناسُ في المؤسسات (مثلاً من الممرِّضِ إلى مُوزِّعِ أوراقِ اللعب) وكذلك، في فهْمِهم للمعاييرِ التي تُفترَضُ مُسبقاً، بموجبِ الإطار، لتظهرَ في المؤسسات.
ما هو الإطار؟ يُعبِّرُ غوفمان عن ذلك قائلاً: ابحثْ عن موضعٍ "ينكسرُ" فيه الإطارُ الاتفاقيّ. في إطارِ الجراحة، الجرَّاحُ هو من يُجري العمليةَ للمريضِ وليس العكس. القويُّ هو المُؤثِّرُ في الضعيفِ وليس العكس. الكازينوهاتُ هي من تُحدِّدُ قواعدَ الكازينو وليس الزبائن. القضاةُ يحملونَ المطرقةَ لا مضربَ كرةِ الطاولة. من خلالِ الأُطُرِ الاجتماعيةِ تستمرُّ الحياةُ الاجتماعيةُ في نشاطِها، وتُمارَسُ أشدُّ صورِ السلطةِ واقعيةً من خلالِ منظوماتِ الأُطُر. ولأنَّ غوفمان كان توَّاقاً إلى ترديدِ عبارةِ "الحياةُ الاجتماعيةُ ليست مزحة!"، فقد تعلَّمنا نحن أيضاً من العلومِ العصبيةِ المعرفيةِ أنَّ الأفكارَ الذهنيةَ هي أمورٌ فيزيائية؛ أي إنَّها دوائرُ عصبيةٌ معرفية. الأفكارُ الذهنيةُ غيرُ القابلةِ للتغيُّرِ هي دوائرُ دماغيةٌ غيرُ قابلةٍ للتغيُّرِ اكتسبتْ من القوةِ عبرَ المشابكِ العصبيةِ حدَّاً لا يقبلُ التحوُّل. التأثيراتُ العلِّيةُ للأفكارِ الذهنيةِ هي تأثيراتٌ عصبيةٌ معرفية.
لكنَّ الأعصابَ في ذاتِها فاقدةٌ للمعنى. فكيفَ لمئاتِ الملياراتِ من الاتصالاتِ العصبيةِ أن تجعلَ تريليوناتِ الدوائرِ العصبيةِ ذاتَ معنى؟ هذا الاكتسابُ للمعنى يتمُّ، علاوةً على ذلك، بطريقةٍ تترتَّبُ عليها تأثيراتٌ اجتماعية!
كيف تصبح الدوائر العصبية ذات معنى؟ [14]
عادةً ما يتدرّب علماء الاجتماع على الاستعارات التي يحبّها ماكس فيبر:
نحن نعلم أن الاستعارات مفهومية، وبالتالي فإن طبيعتها عصبية. وبسبب أن الأطر تمتلك بنية عصبية على وجه الدقة، يُسمح لنا بفهم بنية العالم المادي والحياة الاجتماعية؛ لذا فإن الاستعارات هي نفس الدوائر العصبية التي ترسم الأطرّ واحداً لواحد، وتصبح مناط حفظ القيم الاجتماعية، والمشاعر، والاستدلالات، وفي النهاية توقعاتنا.
ما هي كيفية هذه العملية؟ الجواب هو: من خلال الفصل والتفريق بين دوائر الوصل[15] والدوائر الجسدية[16] وكذلك الكيفية التي ترتبط بها هذه ببعضها. تشمل الدوائر الجسدية العصبونات الحركية[17]، والعصبونات الإدراكية[18]، والعصبونات الانفعالية-العاطفية[19]، والعصبونات الحرارية[20]، والعصبونات الخاصة بالألم[21] وغيرها. أما دوائر الوصل فهي تركيب ناتج عن "شلالات"[22] عصبية معقدة[23] تكون هي نفسها مبنية من دوائر عصبونية بسيطة؛ هذه الدوائر العصبية البسيطة تُسقط على الدوائر العصبية الجسدية، أي الدوائر المنتشرة في كافة أنحاء الجسد. ترتبط شلالات دوائر الوصل بعضها ببعض وتشكل شبكة من الصور الأساسية للتجارب المتجسدة ذات المعنى، مثل التجارب الحركية، والبصرية، واللمسية وغيرها.
وكنتيجة يمكن القول: إن الظاهرة التي تبدو موضوعية ومادية؛ أي هذا العالم الخارجي في ذاته[24]، ليست كذلك أساساً. ولا يمكن أن تكون كذلك أصلاً؛ لأن كل فهمنا للعالم الخارجي من أجل الأطر والاستعارات والروايات قد حصل عبر الدوائر العصبية المتجسدة. نحن نعتبر التأطير المشترك "أمراً موضوعياً" لأننا لا ننتبه إلى الفهم العصبي اللاواعي؛ فنحن نتصور العالم المادي موضوعياً ومادياً، تماماً كما يُدرَك عصبيّاً بهذه الكيفية أيضاً. حتى الدراسة السوسيولوجية المادية والموضوعية حول كيفية وضع التمييز العنصري المتعلق بالتوظيف، ودورات التوعية بالمسائل الجنسية، والقبول الجامعي وغيرها، هي قائمة على الأطر وغالباً على الاستعارات. تُفحص هذه الأمور لأن علماء الاجتماع يمتلكون طبيعة أخلاقية في الأساس: إنهم يدرسون من أجل "تحقيق الأمور الجيدة".
وفي الوقت نفسه، يمكن للأخلاق نفسها أن تكون أي شيء إلا أمراً موضوعياً ومادياً. الأفكار الذهنية التي تشكل الأمر الأخلاقي[25] هي نفسها مبنية على التأطير والاستعارة، أي أن دوائر الإطار ودوائر الاستعارة هي نفس الدوائر التي تحدد ما نعتبره خيراً وما نعتبره شراً. وخلاصة القول إن دوائر الإطار المتجسدة ودوائر الاستعارة تحدد ماهية أهداف العلوم الاجتماعية نفسها! يمكن للعلوم الاجتماعية أن تستفيد من مزايا هذا الفهم للإنسان.
ما أعنيه بالعلوم الاجتماعية العصبية هو مقاربة للدراسات الاجتماعية تقوم على مناهج ونتائج دراسات الدماغ والعلوم المعرفية (أي اللسانيات المعرفية[27]، والأمر المعرفي المتجسد[28]، وعلم النفس التجريبي الاجتماعي[29]، والحوسبة العصبية[30]، والعلوم الاجتماعية العصبية[31] والاقتصاد العصبي[32]) وتنسجم معها. إن الحدود بين العلوم الاجتماعية وعلوم دراسة الدماغ تختفي بسرعة. والقضية الأكثر جوهرية التي تجري إعادة بنائها تتعلق بمفهوم "الاستدلال" نفسه.
بكل صدق أعتقد أن العقل والاستدلال بحد ذاتهما مفهوم مذهل!
في العلوم الاجتماعية ينبغي الالتزام بفهم عقلاني للحياة الاجتماعية. يبدو أن العقلانية[34] والعلم[35] يسيران يداً بيد. إذا كنا نؤمن بالعقل والاستدلال، فيجب أن نلتزم بالعلم؛ وبالتالي بـالعلوم الاجتماعية! العلوم الاجتماعية المادية تستفيد أيضاً من العلوم الفيزيائية: الموضوعية في المنهج، البيانات والمعلومات الدقيقة، التصنيفات الكلاسيكية، المنطق، علم الإحصاء، وكذلك تلتزم بالقيم الأخلاقية في العلم: بناء عالم أفضل للعيش عبر إزالة الأساطير الخرافية والضارة وغير الصحيحة. هذه الأمور هي القيم الأخلاقية لعصر التنوير وقد كانت في سياق القرنين السابع عشر والثامن عشر سبباً لتقدمات مذهلة.
في العلوم الاجتماعية نعتقد أن الاستدلال التنويري هو السمة البارزة للفكر النقدي وجوهر التفكير الديمقراطي والليبرالي. إذا قبلنا الرؤية التنويرية حول العقلانية، فإن تطبيق العقلانية والعلم سيجعل العالم مكاناً أفضل؛ ونحن بالتأكيد بحاجة إلى عالم أفضل للعيش.
للأسف، في زماننا هذا، حاصرت أمريكا ومعظم دول العالم شكل مدمر من "العقلانية" غير الصحيحة. يجب أن نفكر بعقلانية ليكون العالم مكاناً أفضل للعيش. نحن بحاجة إلى استبدال العقلانية التنويرية بالعقلانية الحقيقية؛ بحيث تكون العقلانية مفيدة حقاً.
تعتبر العقلانية أمراً أساسياً للارتقاء والتقدم؛ لكن العلوم المعرفية ودراسات الدماغ تُظهر لنا أن النظرية التنويرية[36] حول العقلانية أكثر تضرراً من أن تساعدنا في حل المشكلات المهددة والمدمرة! العلوم المعرفية ودراسات الدماغ لا تؤثر على فهمنا لمسألة الاستدلال بشكل جزئي وضئيل فحسب؛ بل إن النتائج العلمية مؤثرة لدرجة أننا مضطرون، للحفاظ على أثمن الأمور في العالم، إلى مراجعة جذرية لفهمنا لهذه المسألة. علوم الأعصاب ليست مجرد أمر "جيد[37]"؛ بل هي ضرورية بشكل مطلق. أين تُطبّق هذه الأخطاء الفكرية المتعلقة بالاستدلال بالطريقة التنويرية؟ في كراسي العلوم الاجتماعية في جامعاتنا (العلوم السياسية، علم الاجتماع، الحقوق والاقتصاد الكلاسيكي والسياسة العامة) وفي مؤسسات دراسات السياسات الوطنية؛ العامة والخاصة، الحكومية والشركاتية؛ نعم! أنا لا أمزح! أفضل وأكثر المفكرين الذين يعتبرون ملتزمين اجتماعياً، ينشأون في نظام معيب فكرياً.
بينما يستخدم الدماغ في عملية التفكير الاستعاري دوائر عصبية متوازية على نطاق واسع؛ لذا يمكن اعتبار الوعي أمراً خطياً[39]. لهذا السبب، لا يمكن اعتبار معظم التفكير الاستعاري واعياً، وهو في الواقع ليس كذلك. أندريا روك في كتابها العقل في الليل[40]، تذكر عالم أعصاب يدعى مايكل غازانيغا[41] الذي قدّر أن 98 في المئة من عملية الاستدلال لا واعية. يبدو أنه بالنظر إلى نتائج علماء العلوم المعرفية ودراسات الدماغ، فإن هذا التقدير صحيح!
على سبيل المثال، تأمل كتابة مقطع: لهذا النشاط يجب التركيز بشكل واعٍ على كتابة النص. في كتابة هذه القطعة ليس ضرورياً تطبيق جميع القواعد النحوية والصوتية بشكل واعٍ والتي هي جزء من المعرفة الخلفية للكتابة. يمكن تقدير أن نسبة المكتوب إلى غير المكتوب في عملية الكتابة هي 1 إلى 50 بشكل معقول. الوعي ليس سوى جزء يسير من جبل الجليد للاستدلال.
لا يمكننا إلا أن نفهم ما قام جسدنا ودماغنا بإدراكه[43]، وبنينته[44]، ومَفهمته[45] وفئرته[46]؛ لأننا نفكر بأدمغة فيزيائية متصلة بأجسادنا! لا يمكننا أن نجادل إلا حول فهومنا لعالم تسمح لنا الدوائر العصبية المتجسدة في أدمغتنا بفهمه. العلاقة بين الاستدلال والعالم تتأثر دوماً بالعلاقة القائمة بين الدماغ والجسد.
عملية التفكير برمتها أمر فيزيائي؛ التفكير أمر ناشئ عن نشاطات الدوائر العصبية الممتدة في الجسد. ما يضفي المعنى على التفكير هو الجسد البشري وكذلك كيفية عمل أجسادنا في العالم الذي نعيش فيه. محتوى المفاهيم يتحدد بطريقة تفاعل أجسادنا مع العالم. التفكير المفهومي يحمل دوماً مكوناً مرتبطاً بالجسد البشري.
جميع الكلمات في جميع اللغات الطبيعية تُعرَّف بناءً على أطر مفهومية متجسدة، وليس بناءً على العالم الخارجي! لا توجد طريقة مباشرة وصريحة يمكن للكلمات بها أن تطابق العالم الخارجي بشكل مستقل عن الإطار. الأطر التي يوفرها الجسد والدماغ.
عكس هذه العبارة هو الصحيح. إذا أصبت بسكتة دماغية أو تعرضت لإصابة دماغية وأصبح الإدراك العاطفي بسبب ذلك غير متاح لك، حينها يُتصور أنك لا تعرف ماذا تريد؛ لأن الرغبة وعدم الرغبة لن يكون لهما معنى بالنسبة لك. كما أنك لن تمتلك القدرة على معرفة حكم الآخرين على ما تقوم به من أفعال. ومن ثم، لا يمكنك أن تحدد لنفسك أهدافاً عقلانية؛ لأنك بدون الإدراك العاطفي لم تعد قادراً على التصرف بعقلانية. العقلانية تتطلب العواطف.
الاستدلال الواقعي يستفيد من الإطار، والمخططات التصورية، والصور الذهنية، والاستعارات المفهومية، والمقولات النموذجية والقاعدية، والفضاءات والمزيجات الذهنية، والعواطف والروايات. هذه الأمور هي بنى مفهومية متجسدة تمتلك "منطقها" الخاص؛ وفي جزء كبير من هذا المنطق تختلف عن المنطق الرياضي الكلاسيكي. هذا الأمر لا يجعل الاستدلال يُعتبر "شخصياً/ذاتياً"؛ لأن العالم الواقعي، أي العالم الفيزيائي والعالم الاجتماعي معاً، له تأثير لا مفر منه على تجربتنا. بنية الاستدلال هذه أيضاً تتم في تفاعل ثنائي الاتجاه؛ أي أنها تستلزم كلاً من الإنسان والعالم الخارجي.
مقولاتنا الذهنية تُعرّفها نماذج أولية من أنواع مختلفة: الصور النمطية الاجتماعية مثل المثالي، والعرفي، وكذلك الكابوسي تُستخدم لتبيين الأوضاع الاجتماعية المعيارية، والسوية، والكارثية، وهي أمثلة بارزة من النماذج المشهورة التي تزيد بشكل كبير من الأحكام التي تبدو احتمالية. هذا الأمر يمكن أن يكون مدعاة لتغيير في السياسات وكذلك في السلوكيات الاجتماعية.
ورغم أن هذا الادعاء مقبول جزئياً، إلا أننا نعلم من خلال نتائج الأبحاث حول الخلايا العصبية المرآتية[53] أن التعاطف هو أيضاً أمر فيزيائي؛ أي أن هذه القابلية والقدرة على أن نضع أنفسنا مكان الآخرين، نابعة هي الأخرى من هذا الجسد والدماغ البشريين. تقع هذه القابلية في صميم الحياة الاجتماعية. وهذه القابلية والقدرة على الاستدلال الواقعي هي التي تؤدي، بشكل رئيسي، إلى إقامة العلاقات بين الأفراد وتشكيل التواصل الاجتماعي.
بالنسبة للبشر، من الطبيعي أن تكون لديهم منظومة قيمية غير متسقة في دماغ واحد. على سبيل المثال، تذكروا قيم ليلة السبت مقارنة بقيم صباح الأحد. القيم الأخلاقية الحاكمة في حفلة ليلة السبت تختلف عن القيم الأخلاقية لصباح الأحد في الكنيسة. ومع ذلك، يعيش معظم الناس وفق هاتين المنظومتين الأخلاقيتين المختلفتين بتحول بسيط وبأقل عناء لتذكر هذا الموضوع.
السبب في ذلك هو أن كل منظومة قيمية تُفهم بناءً على دارتها العصبية الخاصة، وكل واحدة من هاتين السلسلتين المتناقضتين من الدارات تُعطَّل مؤقتاً عملياً عند عمل الأخرى. هذا التنشيط والتعطيل يتم بشكل تلقائي تماماً.
يتبع العديد من الأمريكيين قيماً محافظة[55] في بعض الموضوعات وأفكاراً تقدمية[56] في موضوعات أخرى، بل ويعتبرون قيماً مختلفة صالحة في سياقات مختلفة دون الالتفات إلى أنهم يغيرون مواقفهم؛ إلا إذا دخل هذا التناقض إلى ساحة وعيهم وكان إشكالياً في الوقت نفسه! تسمى هذه الحالة "التنافر المعرفي[57]". يحدث هذا التنافر، ولكن نادراً؛ ونادراً ما يؤدي بذاته إلى تغيير كبير. كما أن إظهار هذا التنافر للأفراد الذين تعاني مواقفهم السياسية منه نادراً ما يفضي إلى تغيير مواقفهم السياسية.
نحن نعلم الآن أن معظم المفاهيم المهمة هي موضع نزاع من الأساس. يمكن أن يكون للمفاهيم نطاق يتم التوافق عليه ضمنه. هذا النطاق هو الحالات المركزية التي تتبادر إلى الذهن فور مواجهة المفاهيم؛ بينما هي غير مهمة نسبياً. الحالات المهمة للمفاهيم المتنازع عليها هي المواضع التي تقوم فيها الفروق القيمية الرئيسية بين الناس أو حتى في الأدمغة المتشابهة؛ لذلك فإن ما يُعتبر ظاهرياً مفهوماً واحداً يُدل عليه بلفظ واحد، يمكن أن يختلف في معناه بشكل واسع بناءً على المنظومات القيمية المختلفة. تأثير كلمة تُستخدم للتعبير عن فكرة بسيطة وغير قابلة للنزاع يمكن أن يكون مميتاً في الحالات القابلة للنزاع؛ أي حين ينطق بالمعاني المختلفة للكلمة الواحدة أفراد متعددون يفكرون في منظومات قيمية مختلفة.
في هذا الباب، كتابي المعنون "حرية من؟[59]" هو من أوسع وأشمل الدراسات حول مفهوم الحرية. تناولت في هذا الكتاب الاختلاف الواسع حول مفهوم الحرية في المنظومة القيمية للمحافظين والتقدميين في أمريكا. النقطة المهمة هي معرفة معنى الحرية وكيف أن هذا المعنى تسبب في نزاع على الحياة والموت، ليس فقط في أمريكا بل في أنحاء كثيرة من العالم.
في الواقع، تُدرَك الرؤية الكونية في قالب الأطر والاستعارات فيزيائيًا في الدماغ، وهذه العملية قوية لدرجة أنه عندما لا تتوافق الوقائع مع الأطر، تبقى الأطر صامدة بينما تُهمَل الوقائع أو تُشوَّه أو تُتجاهَل ببساطة.
تُعَد هذه الأخطاء من أهم سمات التفكير التنويري حول الاستدلال. وبالطبع، فإن عدد الأخطاء من هذا القبيل أكبر من هذه الحالات، ويمكن مناقشتها بتوسع أكبر.
النتيجة واضحة وجلية تمامًا: إن تفسير النظرية التنويرية للاستدلال غير كافٍ للتطبيق في العلوم الاجتماعية. تحتاج العلوم الاجتماعية إلى الاستفادة من نتائج دراسات العلوم المعرفية والدماغية حول ماهية الاستدلال. إن «الاستدلال» في حد ذاته، وكما جرى تلقيه تقليديًا، هو أهم مسألة في العلوم الاجتماعية، أو ينبغي اعتباره كذلك. تفرض هذه النتائج استلزامات لإعادة النظر في الأدوات الأساسية التي كانت أمامنا والتي حددها لنا النمط القديم للاستدلال: نموذج الفاعل العقلاني، والتحليل القائم على الكلفة والمنفعة، وقياس الرأي العام، وكذلك البحوث التي أُجريت بناءً على وجهات النظر السابقة حول اللغة والعقلانية، وما إلى ذلك.
يجب إدراك وجود نقاط الضعف هذه وتأسيس نظرية بديلة حول العقلانية والاستدلال. هذا العمل هو جزء من نشاط عالم كفؤ في «العلوم الاجتماعية العصبية المعرفية».
لا يوجد لون في العالم؛ لا لون أخضر في العشب، ولا لون أحمر في الدم، ولا لون أزرق في السماء. اللون تحدده هذه العوامل:
يتحقق الشرطان الأولان في العالم الخارجي، والشرطان التاليان في أجسادنا. بدون وجود الجسد، لن تكون هناك تجربة للون، ولا مفاهيم عن اللون، ولا كلمات للتعبير عن مفهوم اللون. الألوان ومفاهيم الألوان متجسدة، وليس لها وجود في العالم الخارجي، بل توجد بفضل العلاقة بين الجسد والعالم الخارجي!
الإدراك الحسي والفعل ليسا منفصلين عن منظور الدماغ. أنظمة الخلايا العصبية المرآتية في الدماغ هي التي تحدد الإدراك الحسي والفعل. تنظم القشرة أمام الحركية[64] الأفعال المعقدة، مثل الإمساك بكأس شراب، وتنسقها، وتصمم بدورها مزيجًا من الأفعال الحركية البسيطة، مثل الإمساك بالكأس، ورفعه، ومد المرفق... إلخ؛ وهذا العضو متصل بالقشرة الحركية للمخ. تحتاج هذه الحركات البسيطة إلى تصميم حركي معقد «مماثل»؛ مثلًا، عند الإمساك بكأس الشراب: حوالي 30 في المئة من الإطلاقات العصبية في القشرة أمام الحركية تحدث عندما ترى شخصًا آخر يحمل شرابًا في يديه. أما الـ 70 في المئة المتبقية، فتُنجز الارتباط التركيبي المثير للاهتمام بين الإدراك الحسي والفعل. يسمح لنا نظام الخلايا العصبية المرآتية بالتواصل تعاطفيًا مع الآخرين؛ بحيث نسير في أحذيتهم[66]. «الخلايا المرآتية العليا»[67] في الجزء الأمامي من الدماغ[68]، تتولى مسؤولية التمييز بين أفعالنا وأفعال الآخرين[69].
المفاهيم الأساسية مثل الكرسي والسيارة تكون مصحوبة ببرامج حركية[71] (مثل حركة السيارة)، وصور ذهنية[72] (تلك الصور التي يبدو الكرسي مشابهاً لها)، وإدراك غشتالتي[73] (القدرة على إدراك كرسي أو سيارة بوصفها كلاً). إن وجود المفاهيم الأولية هو نتيجة لنشاط دوائر الخلايا العصبية المرآتية التي تؤدي دوراً في كل من الإدراك والفعل.
الفعل تجربة بضمير المتكلم (أنا أكتب). الإدراك الحسي تجربة بضمير الغائب (رأيتُ أنه يكتب). في كل لغة، يتم التعبير عن هذه التجارب بواسطة أفعال ذات جذر مشابه؛ لأن الأسس العصبية لهذه التجارب مشتركة. أحياناً تكون لواحق هذه الأفعال متغيرة: (مثلاً في اللغة الإنجليزية فعل الغائب المفرد المختوم بـ (S)). أحياناً يتغير حرف علة بينما تبقى الحروف الصامتة محفوظة في بنية الكلمة (في اللغة الإنجليزية يمكن الإشارة إلى الفعلين (run) و (ran))؛ كما هو الحال في اللغات السامية حيث نواجه موضوع الاشتقاق المعجمي من جذر واحد؛ وفي بعض الأحيان يوجد تفسير تاريخي للاختلاف في جذر الكلمات المشتركة في الأصل (مثل (are) و (be) في اللغة الإنجليزية)
عندما نرى فعلاً[74] شيئاً في العالم، تنشط دوائرنا الدماغية. هذه الدوائر الدماغية هي نفسها التي كانت قد نشطت عندما كنا قد تصورنا[75] الشيء نفسه من قبل. إن تطابق نشاط الدوائر الدماغية هذا صحيح لأننا في الواقع أيضاً، نحرك أجسادنا ونتصور أننا الآن نحرك أجسادنا؛ مثلاً عندما نركل الكرة بقدمنا وفي اللحظة نفسها تماماً، نتصور أنفسنا في حالة ركل الكرة. وكذلك فإن هذا الادعاء صحيح لأننا نتذكر أمراً ونقوم به في الوقت نفسه؛ في الحلم نرى مغامرة ونقوم بها في الحين نفسه؛ وفي أثناء الكلام نتصور ما نقوله وننطق به في آنٍ معاً.
ثمة جزء واحد من الدوائر الدماغية مخصص لتنفيذ أفعال معينة، ولتصورها، وتذكرها، والحلم بها، وكذلك التحدث عنها. ولهذا السبب يوجد تداخل بين الإدراك الحسي الغشتالتي[76] والتصور الذهني؛ لأن دوائر دماغية واحدة تصمم كليهما.
في عام ۲۰۰۵، ألّفتُ مع فيتوريو غاليسه[78]، من قسم العلوم العصبية المعرفية بجامعة بارما الإيطالية، كتاب «المفاهيم الذهنية[79]». تناولنا في هذا الكتاب دراسة البيانات الأولية حول الخلايا العصبية المرآتية التي جمعها باحثو جامعة بارما. البيانات ذات الصلة، خليةً خلية، مستمدة من أبحاث على العقد العصبية[80] لقرد المكاك[81]. دُرّبت هذه القردة بشكل منفصل لأداء مهام؛ مثل الالتقاط والإبلاغ، الضغط على الأزرار، تقشير الموز، أكل الفول السوداني وما إلى ذلك. كان أداء كل من هذه المهام يدفع القردة إلى استخدام عشرات ومئات «العقد[82]» و«العناقيد[83]» العصبية. كل خلية عصبية في موقع «عقدتها» تمتلك ۱۰۰۰ إلى ۱۰۰۰۰ اتصال مع خلايا عصبية أخرى موجودة في ذلك المسار العصبي. من منظور الحوسبة العصبية، تُعتبر كل عقدة عصبية بمثابة عامل عصبي فريد وكبير ومعقد يمتلك عددًا كبيرًا من المدخلات والمخرجات العصبية. على الرغم من أن كل خلية من الخلايا العصبية يمكنها أن تُطلق أو لا تُطلق في كل لحظة، فإن كل عقدة عصبية يمكنها أيضًا أن تحتوي على خلايا تُطلق أو لا تُطلق في تلك اللحظة؛ لذلك يمكن الاستنتاج بأنه حتى مستوى معين يحدث الإطلاق أو لا يحدث؛ أي أن احتمال[84] إطلاق كل عقدة عصبية قابل للحساب بعدد الإطلاقات التي تقوم بها خلايا تلك العقدة. رياضيًا، في نظرية الحوسبة العصبية، يُستفاد من مجموع احتمالات بايز[85]، لحساب الحدث في الدارة العصبية. بالنظر إلى مسألة جمع الاحتمالات في نظرية بايز[86]، فإن تغيرات النشاط في الدارات العصبية (التي تُحسب بقوانين احتمالات بايز) تؤدي إلى أنشطة ولا أنشطة أخرى في الدارة العصبية. هذا الأمر يدفع شبكات بايز إلى نمذجة «أفضل حالة» للتغيرات الأساسية نسبةً إلى التغيرات الأخرى؛ ونتيجةً لذلك نمذجة التعلم العصبي. النمذجة[87]، مفهوم نظري وبالتالي لا تشير إلى أي كيفية هي الحالة المثلى للتعلم العصبي، بل تصف تلك العملية فحسب.
كان الاستدلال في الفكر التنويري القديم[89]، يعتبر المعنى[90] صحيحًا إلى الحد الذي يمكن فيه للاستدلال المنطقي التجريدي أن يطابق ذلك المعنى مباشرةً مع العالم الخارجي. لقد نشأ حقل دراسات السياسة الاجتماعية[91]، بشكل عام على هذا الأساس غير المعتبر المذكور. الواقع أن حجمًا كبيرًا من الاستدلالات، خاصةً فيما يتعلق بالاهتمامات الاجتماعية، هو استعاري. تستند السياسات الاجتماعية إلى الاستعارة، ومن هذا المنطلق لا يمكن أن تكون غير معتبرة؛ بالطبع ما دامت هذه الاستعارة قد أُخذت بشكل صحيح؛ بمعنى أن استلزاماتها تتطابق مع الأوضاع الاجتماعية.
يجب أن نضع في الاعتبار دائمًا أن الاستعارة هي طريقة وأسلوب في التفكير. التصريحات اللغوية[92] التي يُعبّر عنها استعاريًا، هي السطح الظاهر للاستدلال الاستعاري الذي يُعرض بالكلام ويشكل معظم حياتنا الاجتماعية. هذه العقيدة هي أرضية بحث "الإدراك الاجتماعي الغني بالاستعارة[93]" الذي أعلنه عدد من الباحثين[94] بقيادة مارك ج. لاندآو في نشرة علم النفس[95]. قدم لاندآو وزملاؤه نتائج تجريبية تدل على محورية دور الاستعارة في الحياة الاجتماعية للإنسان؛ كمثال يمكن الإشارة إلى مقال (قرائن دالة على التفاعل المؤثر لـ"الأطر الاستعارية والدوافع المتناسبة مع الذات" و"المقاربات الاجتماعية والسياسية")[96].[97]
نحن الآن أمام نظرية حول كيفية نشأة التفكير الاستعاري ووظيفته، وهي نظرية غالباً ما تحظى بتأييد تجريبي من علماء الاجتماع وعلماء النفس الاجتماعي. تذكروا المنظومة الاستعارية “المحاسبة الأخلاقية[98]” حيث يُستخدم الإنصاف[99] والعدالة[100] استعارياً بوصفهما رفاهية[101] بمنزلة ثروة[102]. في هذه المنظومة الاستعارية، إذا أُسدِيَ لفردٍ معروفٌ وإحسانٌ، فإنه يفهمه بمنزلة مالٍ استعاري. على سبيل المثال يُقال: “أنا مدين لكم، كيف يمكنني أن أرد الجميل؟ أنا ممتنٌّ لكم.” يُعتبر رد الجميل[103] بمثابة سداد القرض[104]؛ وهذا أيضاً ناتج عن تدقيق[105] الدفاتر الأخلاقية.
في المقابل، انظروا إلى الأذى والضرر[106] بوصفهما نقيض الرفاهية: هنا أيضاً يمكن أن تعني العدالة التعويض[107]، أي جبران الخسارة؛ أو العقاب[108]، أي الضرر مقابل الضرر. كما أن الانتقام قد تشكل على أساس استعارة “الحساب الأخلاقي[109]”: استيفاء الدَّين[110] يعني تحديداً إبطال الاعتبار[111]؛ لذلك فإن إسقاط قيمة الشيء يُعد أيضاً شكلاً من أشكال الأذى والضرر. تلعب هذه الأشكال من الحسابات الأخلاقية دوراً محورياً في حياتنا الاجتماعية.
تماماً كما أن تناول الطعام الجيد والصحي فقط يؤدي إلى رضا الخاطر[112] وتناول الطعام الرديء والفاسد يؤدي إلى اشمئزاز الخاطر[113]، فبالطريقة نفسها تماماً، وبتطبيق استعارة العيش الأخلاقي هو عيش جيد وصحي؛ سيُعتبر السلوك غير الأخلاقي مثيراً للاشمئزاز. تحدد هذه الاستعارات ردود أفعالنا العاطفية تجاه السلوكيات الأخلاقية وغير الأخلاقية في الساحة الاجتماعية. ومن ثم تواصل اللغة البشرية هذا المسار: فنحن نشير إلى الفعل غير الأخلاقي بوصفه أمراً مثيراً للاشمئزاز أو فاسداً، وإلى الفعل الأخلاقي بوصفه مُرضياً وصحياً.
نحن نشير استعارياً إلى تحقيق النجاح بتعبير بلوغ المقصد، ونسمي الهدف أو المقصد أيضاً دافعاً يدفعنا إلى الأمام. أما المشكلات فهي أمور توجد في هذا الطريق، على سبيل المثال: مواجهة ضباط التفتيش، الغرق في الوحل، التراجع إلى الخلف، والتوقف عاجزين. في العديد من الثقافات، بما فيها ثقافتنا الأمريكية نفسها، يُتوقع من الناس أن يكون لديهم هدف في الحياة، وأن تكون الحياة أشبه بسفر يتحركون فيه إلى الأمام. حتى إن لدينا في ثقافتنا وثائق محددة نسجل فيها تقدمنا في هذا السفر: (curriculum vitae) أي مسار الحياة! للحصول على وظيفة جيدة، يجب أن تكون لدى المرء (CV) مؤثرة تُظهر إلى أي مدى كان أكثر نجاحاً من الآخرين في بلوغ أهداف الحياة. كما ينبغي أن يكون للأزواج أهداف حياة مشتركة ومتناسبة فيما بينهم.
هذه الحالات ليست سوى قلة من الطرق التي تظهر من خلالها الاستعارات المفاهيمية المتجسدة دورها المحوري في حياتنا الاجتماعية.
هذه النظرية هي إحدى أعمق النتائج في أدبيات التنظير حول الإدراك العصبي. لقد أرسى هؤلاء الثلاثة أسس هذه النظرية لأول مرة في منتصف تسعينيات القرن العشرين بتقديم أطروحات مرتبطة بموضوع واحد في جامعة بيركلي. طُرحت الفكرة الأساسية هنا.
مئات الاستعارات الأولية هي التي تبني أنظمتنا المفهومية؛ إن تخطيط وإنشاء هذه المجالات المفهومية من واحد إلى آخر، يُتعلَّم منذ الطفولة بواسطة عمل الدماغ في التفاعل اليومي مع العالم. ومع أننا نحن من نتعلم هذه الاستعارات، فإننا لا نعي وجودها في العادة.
تتعلم عن طريق التوظيف والتجنيد!
منذ الولادة، يكون الدماغ البشري منظمًا بهدف تحريك الجسم بواسطة الدوائر العصبية. يمتلك جسم الإنسان أكثر من مئة مليار خلية عصبية وتريليونات من الوصلات العصبية بين هذه الخلايا (ما بين ألف وعشرة آلاف وصلة بين كل خلية عصبية). عند الولادة، لا تكون معظم هذه الوصلات قد نُظمت بعد على شكل دوائر عصبية قادرة على أداء وظيفتها وفعلها الخاص. عندما تكتسب المشابك العصبية القدرة الكافية بالشكل الصحيح، حينها تجد الدوائر الوظيفية شكلها الخاص. يحدث هذا عندما تبدأ العصبونات في الإطلاق العصبي أثناء اكتساب الخبرة. وكما نبّه دونالد هب[115]، فإن الإطلاق العصبي للعصبونات هو الذي يؤدي إلى الاتصال فيما بينها. ووفقًا لنظريته، يحدث الاتصال ثنائي الاتجاه ببطء، ويتشكل تدريجيًا عبر الزمن بفعل الإطلاقات العصبية المستمرة. أما المشابك العصبية التي لا تُستخدم، فإنها تتلاشى تدريجيًا. منذ الولادة وحتى سن الخامسة، يتلاشى ما يقرب من نصف الوصلات العصبية التي وُلدنا بها، بسبب عدم الاستخدام. ولهذا السبب، فإن التعليم في طفولة مبكرة يكتسب أهمية بالغة. إذا لم يستمع الطفل إلى الموسيقى حتى سن الخامسة، فلن يصبح موسيقيًا. إن الكثير من الأفكار التي يستفيد منها الإنسان في حياته، هي نتيجة لعملية "توظيف وتجنيد" الخلايا العصبية التي دُرِّبت في التجارب المبكرة للحياة. أحيانًا، تكون معظم هذه التجارب مشتركة في أقصى بقاع العالم وتحدث للجميع تقريبًا؛ وأحيانًا أخرى تكون هذه التجارب خاصة بمجتمع معين، حيث تُعتبر الثروة فيه، على سبيل المثال، سواء أكان ذلك استعاريًا أم غير استعاري، علامة على الرضا الإلهي!
أسس جيروم فيلدمان المعهد الدولي لعلوم الحاسوب في جامعة بيركلي عام 1986. وقد انضممت إليه للعمل على مشروع يتعلق بالنظرية العصبية حول اللغة. أحضرت معي عددًا من الزملاء الباحثين وكذلك نتائج اللسانيات المعرفية: تفاصيل وجزئيات هذه البنى المفهومية المتجسدة بوصفها مخططات تصويرية، وأطرًا، واستعارات مفهومية؛ بالإضافة إلى اللغة بوصفها الشكل اللغوي للأصوات، والإشارات، والإيماءات، والكتابات، وكذلك الصور التي تقترن بالبنى المتجسدة. وكان فيلدمان قد أعد نظريات جزئية ودقيقة حول الدوائر الفاعلة، تصف كيفية تشكل البنى المعرفية وتقدم قراءة لتفسير كيفية عملها بالنظريات العلمية. قمت أنا وفيلدمان بعد ذلك بدعوة مجموعة من الباحثين الاستثنائيين والمتميزين[117] متعددي التخصصات للتعاون.
لأكثر من عقدين من الزمن، استفادت النماذج الحاسوبية حول الدوائر الفاعلة من التقنيات الحاسوبية المعروفة المتعلقة بالترابطية ذات المعالجة التوزيعية المتوازية[118]، والترابطية المناطقية[119]، وشبكات بيتري[120]، والشبكات البايزية[121]، وقراءات مختلفة للتجميع العصبي[122]، ونماذج النوى القاعدية[123] وغيرها.
ما تم التوصل إليه في النهاية، هو قراءة نظرية-حاسوبية من علوم الأعصاب حول الفكر واللغة، قائمة على فكرة الدوائر الفاعلة، وقد تكاملت مع اللسانيات المعرفية. شُرحت هذه الأفكار ونُشرت في كتاب فيلدمان البحثي "من الجزيئات إلى الاستعارات[124]". وخلاصة القول، إن وظائف الدماغ تُعرَّف بالاستناد إلى البنى الحاسوبية البسيطة على الدوائر الدماغية الفاعلة، وبهذا تتحدد كيفية نشاط كل فكر ولغة!
أدت هذه الفكرة إلى طرح نظرية العلوم الاجتماعية العصبية المعرفية؛ بمعنى كيف نشأت الأفكار الاجتماعية ذات المعنى من ثقافات مختلفة وبأي كيفية يمكن بناء نظرية مهمة حول الفروق والتشابهات بين الثقافات.
تُتعلم الاستعارات الأساسية من خلال التقوية المشبكية للمشابك في الدوائر الفاعلة. تأمل هذه الاستعارة المفهومية: الأكثر هو الأعلى[125]!
عندما يرى الطفل سائلاً ينسكب في وعاء؛ أو ينشغل بمشاهدة كميات من الأشياء تتراكم فوق بعضها البعض؛ فإن دماغه "ينتبه"[126]. تنشط منطقتان من الدماغ: المنطقة الأولى تسجل الزيادة من الناحية الكمية، والمنطقة الثانية تسجل الزيادة في المحور العمودي (أي من ناحية الاتجاهية).
في كل مرة تبدأ هاتان المنطقتان بالنشاط المتزامن، تتعزز المشابك العصبية في كلتا المنطقتين؛ لأن المجموعات العصبية متصلة من خلية إلى أخرى وكل منها بآلاف الخلايا؛ ينتشر هذا النشاط العصبي على طول المسارات العصبية الموجودة وفي كل مرة في هاتين المنطقتين الكمية والاتجاهية، تتعزز المجموعات العصبية أكثر.
يستمر انتشار هذه الأنشطة المعززة المتزايدة، حتى ينشأ مسار عصبي مشترك[127] وتستمر الأنشطة. بعد أن تتعزز هذه المشابك الموجودة على طول هذا المسار بشكل مضاعف في كلتا المنطقتين، تجد الدوائر العصبية شكلها الثابت. هذه الدائرة العصبية هي الإدراك العصبي لاستعارة "الأكثر هو الأعلى".
للقراءة المستقاة من فكرة هيب دور محوري في فهم فكرة نارايانان؛ لكنها وحدها لا تكفي. نظرية هيب ثنائية الاتجاه[129]؛ بينما الاستعارة المفهومية أحادية الاتجاه[130]. نحن نفهم العاطفة والحب بالدفء، بينما لا نفهم الدفء بالعاطفة والحب. علاوة على ذلك، فإن الأمر الذي يصبح موضوعاً للفكرة الاستعارية، مثلاً العيش الأخلاقي، يمكن أن يمهد الطريق لتفعيل حقل من المفاهيم الاستعارية: يمكن اعتبار الأخلاق طهارة[131]، وشرفاً[132]، ونوراً[133]، وطاعة[134]، وبناءً للذات[135]، ومحاسبة للدفاتر الأخلاقية[136]... إلخ.
بالإضافة إلى ذلك، فإن جميع الاستعارات الأولية، أي تلك المجموعة التي لا يمكن اختزالها إلى مجموعة أخرى؛ هي استعارات جسدية: إنها تربط منطقتين من الدماغ بروابط بيولوجية جسدية. كيف يمكننا أن نعطي معنى لهذه المسألة؟ لماذا ينبغي اعتبار هذا الأمر صحيحاً؟ لأي سبب تكون الاستعارات الأولية الخيار الأكثر احتمالاً للوجود في جميع الثقافات؟ لماذا يتعلم الأطفال هذه الاستعارات في المراحل المبكرة من النمو؟ وأخيراً، بأي كيفية تُتعلم هذه الاستعارات في كثير من الحالات، حتى قبل تعلم اللغة؟!
تظهر هنا نظريتنا المباشرة والمشهودة!
لأن دماغنا، بدلاً من أن يجري حساباته بشكل كمي، يجري الحساب دائماً بشكل عمودي واتجاهي؛ فإن المشابك التي تطورت في سياق الحساب الاتجاهي في الدماغ أقوى من المشابك التي نشأت بغرض الحساب الكمي. وبما أن الانتشار في كلا الاتجاهين يشكل الدائرة العصبية، فإن هذا الوضع قائم في كل نقطة من هذا المسار، أي حيثما يشكل المحور العصبي أو الليفة العصبية من النوع (A) مشابك من النوع (B) والعكس بالعكس.
تؤدي هذه الحالة إلى نشوء ظاهرة نسميها "المرونة الزمنية للنبضات القصيرة للنشاط العصبي"[137] . تقوم العصبونات بـإطلاق[138] سلسلة من النبضات القصيرة للنشاط العصبي. في البداية، تُطلق العصبونة التي تمتلك مدخلاً أقوى؛ ونتيجة لذلك، يحدث تقوية مشبكية في الاتجاه المذكور وإضعاف مشبكي في الاتجاه المعاكس له. تؤدي هذه العملية إلى نشوء الجهة[139] في الاستعارة. يؤدي النشاط الأقوى إلى ظهور المجال المصدر أو الأساس[140] ويؤدي النشاط الأضعف إلى ظهور المجال الهدف أو التابع[141] . ولهذا السبب فإن الاستعارات تمتلك مخططاً غير متماثل[142] . إن وجود هذه العملية يتنبأ، على نحو صحيح، بجهة الاستعارات الأساسية. على سبيل المثال، في استعارة (المزيد هو الأعلى)، يكون المحور العمودي هو المجال المصدر؛ لأن الدماغ يحسب دائماً بشكل عمودي؛ حتى عندما نكون نائمين؛ لكنه لا يقوم بالحساب دائماً بشكل كمي. في استعارة "المودة والعاطفة دفء"؛ تكون درجة الحرارة هي المجال المصدر؛ لأن الدماغ في حالة حساب دائم لدرجة الحرارة؛ لكنه ليس دائماً في حالة حساب للمودة والعاطفة. وبالتالي، يوجد تفسير عصبي لنظام الاستعارات الأولية؛ أي تلك السقالة التي تُبنى بالاعتماد عليها المفاهيم الاجتماعية.
إن طبيعة الناقلات العصبية، مثل: الدوبامين[144]، والنورأدرينالين[145]، والأستيل كولين[146] وغيرها... هي كيميائية يمكنها أن تقوي بشدة القوة المشبكية في الاتجاهين الإيجابي والسلبي على حد سواء خلال فترة زمنية قصيرة. تسمى هذه البنية "نظام المكافأة"[147] . تلعب هذه الناقلات العصبية دوراً حساساً في تحديد الأهداف، وإحداث تحول في الانتباه والالتفات، وإنتاج الرضا أو عدم الرضا الانفعالي. لذلك فإن تأثيرها في عملية اتخاذ القرار أساسي. إن اتخاذ القرار في الدماغ يتم على أساس نشاط عدد كبير من هذه الدوائر العصبية ذاتها التي مضى النقاش حولها في سياق الأطر، والاستعارات... إلخ.
تأخذ الأبحاث الحديثة حول الاستدلال الواقعي كل هذه الأمور وأكثر منها بعين الاعتبار. كل ما تدركه الفهومة البشرية يستفيد من الأطر والاستعارات والروايات التي تحددها الدوائر العصبية؛ وهي بدورها تكتسب معناها من خلال التجسيد. كما ندرك عادة، تمتلك الدوائر العصبية "بوابات[149]" تمنح الدائرة القدرة على التنشيط (التشغيل[150]) أو التعطيل (الإطفاء[151]). كما يمتلك الدماغ دوائر خاصة بتنظيم الارتباط وتزامن الوظيفة[152]؛ عندما تُنشط هذه الدوائر في سياق ما، يمكنها أن تُعرّف مفهوماً في دائرة ما، تماماً كما يُعرّف "بشكل مماثل[153]" في دائرة أخرى. على سبيل المثال، تتألف دائرة-إطار المطعم من دوائر-أطر أخرى: التجارة، والأكل، والاستضافة. إن الفرد نفسه الذي هو زبون في دائرة-إطار التجارة؛ يرتبط عصبياً بالفرد الذي يُعتبر منشغلاً بالأكل في دائرة-إطار الأكل، وضيفاً في دائرة-إطار الاستضافة. عندما تتعطل الدائرة الخاصة بتنظيم الارتباط والتزامن، يمكن لكل واحدة من دوائر-الأطر الثلاث هذه أن تؤدي وظيفتها بشكل مستقل. يتيح نشاط البوابات إلى جانب دوائر تنظيم الارتباط وتزامن الوظيفة للدماغ أن يمتلك، باستخدام هذه القابلية، تركيبات متنوعة جداً من دوائر-الأطر. وهذه القابلية هي التي تمكن الدماغ من تصور الكائنات الخيالية والمتخيلة؛ على سبيل المثال، عندما توضع دوائر-إطار الأجنحة في حالة تركيبية عصبية مع دوائر-إطار جسم الخنزير، حينها يمكن للدماغ أن يكون تصوراً عن الخنازير الطائرة.
الدماغ المُجسَّد، بفضل هذه الأنظمة العصبية المُجسَّدة ذاتها، هو ما يُتيح لنا التواصل مع العالم من حولنا ومع الآخرين. أنظمة الخلايا العصبية المرآتية تربطنا ببعضنا البعض. هذه الأنظمة العصبية الشائعة والمألوفة هي التي تصل معظم الأفعال البشرية الطبيعية بإدراكه للعالم. الأنظمة العاطفية تُحدد أهدافنا وكذلك الأمور المحظورة. الكلام، والاستماع، والقراءة، والإيماءات هي ما يمنح تفاعلنا التواصلي معناه. الأنظمة الحرارية مسؤولة عن تنظيم درجة حرارة أجسامنا. أما القشرة الترابطية في الدماغ[154] فتربط كل هذه الأمور معاً عبر مليارات الطرق المتنوعة.
على مدى العقدين الماضيين، لم يقدم علماء النفس الاجتماعي التجريبيون أدلة كثيرة على وجود دوائر دماغية استعارية ثابتة ومحددة فحسب؛ بل قدموا أيضاً قرائن وافرة لصالح تأثيراتها على خلق وفهم السلوكيات الاجتماعية.
أشير هنا إلى بضعة أمثلة:
تُظهر دراسة حديثة في مجال علم النفس البيولوجي[156]، أنه عندما ينحني الأشخاص إلى الأمام، فإن وضعية الجسد تتنشط بغرض التعبير عن الحاجة. الاستعارة المُنشَّطة هنا هي: بلوغ الهدف[157] هو الوصول إلى المقصد[158]. الانحناء إلى الأمام[159] هو التحرك نحو المقصد، وهو المجال المصدر للاستعارة، ويؤدي بدوره إلى تنشيط المجال الهدف للحاجة، أي الهدف.[160]
في جامعة ييل، خلص الباحثون إلى أن الأفراد الذين يحملون قهوة ساخنة في أيديهم، كانوا أكثر ميلاً مسبقاً لاعتبار أنفسهم على تواصل مع أشخاص دافئين وودودين، مقارنة بمن طلبوا قهوة باردة. يمكن التنبؤ بهذا الأمر على النحو التالي: في عبارة "ألقت عليَّ تلك السيدة تحية حارة[161]"؛ تتجلى استعارة "المودة والعاطفة دفء[162]".[163]
في جامعة تورنتو، طُلب من أشخاص استرجاع ذكرياتهم عن أزمنة لاقوا فيها قبولاً اجتماعياً وأخرى تعرضوا فيها للتجاهل. أولئك الذين استرجعوا ذكريات دافئة، قدّروا درجة حرارة الغرفة في المتوسط بـ 5 درجات أعلى من المجموعة الأخرى. تأثير آخر لاستعارة "المودة والعاطفة دفء"! [164]
في اختبار، طُلب من أشخاص التفكير في خطأ أخلاقي جنسي ارتكبوه، كممارسة الجنس مع شخص مرتبط بعلاقة أخرى أو الإغواء بغرض ممارسة الجنس؛ كان عدد الذين طلبوا منديلاً مبللاً للتنظيف بعد الاختبار أكبر بكثير من المجموعة الأخرى التي طُلب منها التفكير في أمور طيبة. استعارة "العيش بأخلاق طهارة[165]" تتنبأ بهذا السلوك.[166]
في بحث، أفاد طلاب بأنهم يخمنون أن كتاباً مهماً بعينه لا بد أن يكون أثقل من كتاب آخر. الاستعارة المفهومية هنا هي "المهم ثقيل[167]". في اختبار موازٍ لهذا البحث، أُعطي لمجموعتين من الطلاب نوعان من لوحات الكتابة، خفيفة وثقيلة؛ المجموعة التي استخدمت لوح الكتابة الأثقل كانت أكثر ميلاً لتقييم عملهم على أنه أكثر قيمة، ولأن تبدو فكرتهم وكذلك مشرف مجموعتهم أكثر أهمية في نظر الآخرين.[168]
لماذا يحدث هذا؟ لأن الاستعارات المفهومية هي دوائر فيزيائية مستقرة في الدماغ. في كل حالة من هذه الحالات، يؤدي سياق التجربة إلى تنشيط أو إضاءة الدائرة الاستعارية، ويؤدي نشاط هذه الدوائر بدوره إلى حدوث ذلك الفعل الأكثر احتمالاً للوقوع. خلاصة القول إننا في الواقع نعيش بالاستعارة.
لنفكر مثلاً في مشكلاتنا المتعلقة بالحياة العاطفية طويلة الأمد. إذا فكرنا باستعارة "الحب رحلة"، فمن الطبيعي حينئذ أن نتصور أهداف الحياة العاطفية وفقاً لوعورة طريق الحب، وأن نتحرك في هذه الرحلة العاطفية باتجاهات متعددة، أو أن تعترض طريقنا عقبات أو...
الحب بوصفه رحلة هو مثال خاص لاستعارة الرحلة؛ بأهداف طويلة المدى تُعتبر بمثابة الوجهة المقصودة في هذه الرحلة، والتي يمكن القول مثلاً إنها نابعة من مخطط إلهي مُعدٌّ لك. ويمكن أيضاً تصور الحب من خلال هذه الأمثلة وفقاً لاستعارات مختلفة: الحب مصدر للدفء والنور (جولييت هي الشمس)[169]، الحب تضحية (الحب بين إبراهيم وإسحاق بالنظر إلى الحب الإلهي، أو تضحية الجندي بالنظر إلى حب الوطن) و...
الاستعارات ليست مجرد أقوال في ميدان اللغة؛ بل تُعتبر مؤشرات على أنماط مختلفة من التفكير، تُكتسب بشكل طبيعي خلال الحياة اليومية في هذا العالم، بوساطة أنظمة الاستعارات الأولية وأنظمة الأطر المختلفة.
تلك الدراسات العلمية التي تؤيد العلوم الاجتماعية العصبية المعرفية، قد فُهمت بالقدر الكافي الذي يجعل من الممكن اعتبارها على درجة عالية جداً من الجدية. تتيح لنا هذه الدراسات أن نستفيد من هذه البصائر التي لم تكن متاحة من قبل، في الحياة السياسية والاجتماعية.[171]
الموضوعات الخاصة المرتبطة بأفراد المجتمع فرداً فرداً هي واقعية للغاية: الهجوم على النقابات، التوظيف العام، حقوق المرأة، الهجرة، البيئة، الصحة والسلامة العامة، حق التصويت، الأمن الغذائي، التقاعد، صحة الأمهات قبل الولادة، الدراسات العلمية، وسائل الإعلام العامة وغيرها.
عجز الميزانية خديعة! كما شهدنا في ولاية ويسكونسن عندما حوّل الحاكم فائض الميزانية إلى عجز في الميزانية بإعلانه الإعفاء الضريبي للشركات الكبرى، ثم استغل هذا الأمر، أي عجز الميزانية، كحيلة للقضاء على النقابات. هذا ما حدث ليس في هذه الولاية فحسب؛ بل كان أول أحجار الدومينو التي حركها المحافظون، والتي أظهرت تأثيرها في جميع الولايات المتحدة.
يمكن حل عجز الميزانية برفع الإيرادات الحكومية، وإزالة نقاط الضعف في تحصيل الضرائب، وخلق فرص العمل للناس، وتنمية الاقتصاد على المدى الطويل؛ وهي الأمور ذاتها التي ناقشها الرئيس في ذلك الوقت. لكن ينبغي الانتباه إلى أن عجز الميزانية لم يكن حقاً هو المسألة التي تشغل بال المحافظين!
أراد المحافظون حقاً تغيير أساس الحياة الأمريكية، لكي ينظر الأمريكيون إلى الحياة في جميع المجالات من منظورهم الأخلاقي.
في الحملة الانتخابية لعام 2008، وصف أوباما أساس الديمقراطية الأمريكية وصفاً دقيقاً:
التعاطف، أي شعور المواطنين بالمسؤولية الاجتماعية والفردية تجاه بعضهم البعض، يقوم على أساس العمل المشفِق والأخلاق المتعالية. وعليه، فإن حرياتنا وأسلوب حياتنا يسعيان إلى تحقيق هذا الأمر: تمكين الجميع وحمايتهم على قدم المساواة وبالتساوي! تشمل الحماية الأمن والصحة والسلامة والبيئة والتقاعد، ويبدأ التمكين من التعليم والبنى التحتية الأساسية. لا أحد يمتلك الحرية بدون هذه الأمور، ولن يكون المواطنون مواطنين بدون الالتزام بالشفقة والعمل على أساسها.
إن رؤية المحافظين للعالم لا تقبل هذه الأقوال من أساسها.
لا يؤمن المحافظون إلا بالمسؤولية الفردية، لا المسؤولية الاجتماعية. إنهم لا يفكرون في أن على الدولة مساعدة مواطنيها، وهذا يعني أنهم لا يعتقدون حتى بضرورة التكافل بين المواطنين. ذلك الجزء من الأنشطة الحكومية الذي يسعى المحافظون إلى القضاء عليه؛ ليس الشؤون العسكرية، فأمريكا تمتلك 174 قاعدة عسكرية حول العالم، ولا يشمل دعم الشركات بالإعانات الحكومية، ولا ذلك الجزء الذي لا يتوافق مع آرائهم؛ بل إنهم يسعون إلى القضاء على مساعدة الدولة للناس. لماذا؟ لأن هؤلاء أنفسهم هم من لا يتحملون المسؤولية الفردية.
لكن من أين يُفهم هذا الأمر، أي عدم الإيمان بالمسؤوليات الفردية؟
يمكن فهم المنظومة الأخلاقية للمحافظين بالنظر إلى نموذج "الأب الصارم في الأسرة". فالأب هو "صانع القرار[172]"، أي السلطة الأخلاقية المطلقة في الأسرة. لا ينبغي الطعن في سلطته. واجبه حماية الأسرة، وإعالتها (أي الفوز في سباق التسوق من المتجر)، وتعليم الأبناء الصواب والخطأ عبر العقاب البدني عندما يرتكبون خطأً. استخدام القوة والإكراه ضروري وحتمي. هذه هي الطريقة الوحيدة لاستبطان التعليم وتحويل الأبناء إلى كائنات أخلاقية. وفقط من خلال هذا التعليم سيتمكنون من تحقيق النجاح. من هم الأشخاص غير الناجحين في الحياة؟ أولئك الذين لم يتلقوا تعليماً، وبدون هذا التعليم لم ينشأوا أخلاقيين؛ لذا فهم يستحقون الحرمان. وعليه، فالأشخاص الصالحون هم الأشخاص الناجحون. مساعدة الآخرين هي في الواقع إبعاد لهم عن تعليمهم الخاص، وتؤدي إلى ألا يكونوا أخلاقيين وألا يحققوا النجاح.
وينظرون إلى السوق نفسه بهذه الطريقة. تأمل هذا الشعار: "دع السوق نفسه يقرر[173]". هنا يُفترض مسبقاً أن السوق نفسه هو صانع القرار. يُعتبر السوق هنا طبيعياً وأخلاقياً في آنٍ معاً: إنه طبيعي؛ لأن الأفراد يسعون بطبيعتهم وراء مصلحتهم الشخصية، وهو أخلاقي؛ لأنه إذا سعى كل شخص وراء مصلحته، فإن مصلحة الجميع تزداد بوساطة الأيادي الخفية. وكما هو مفترض مسبقاً في مجال الاقتصاد، لا ينبغي أن تكون هناك سلطة أخلاقية عليا فوق السوق نفسه كي لا تعلن تفوقها على القيم الأخلاقية الحاكمة للسوق. لذلك، يجب على الدولة أن تنفق لحماية السوق وتعزيز قيمه؛ لكن لا ينبغي أن تكون لها سيادة عليه في هذه المجالات:
علاوة على ذلك، لا ينبغي للدولة تقديم الخدمات العامة[176]. فالسوق نفسه قد خصص صناعات خدمية لهذا الغرض. ونتيجة لذلك، من الخطأ أن تؤمن الدولة الصحة العامة، والتعليم، ووسائل الإعلام العامة، والمتنزهات العامة... إلخ. هذه الأمور تتعارض مع فكرة الأب الصارم في الأسرة المفهومة من المنظومة الأخلاقية للمحافظين. لا ينبغي لأحد أن يتحمل تكاليف الآخرين. المسؤولية الفردية جلية في كل هذه الساحات. من هذا المنظور، دفع الضرائب هو أخذ للمال من أشخاص اكتسبوه بجهدهم ودفعه لأشخاص لا يستحقونه. دفع الضرائب لتأمين ضروريات الحياة ليس إنشاءً لمجتمع مدني، ولن يكون في صالح تجارة ناجحة.
في النموذج المثالي للحياة الأسرية من وجهة نظر المحافظين، قوانين الأب الصارم هي كالتالي: يجب على الآباء والأزواج السيطرة على أمر التناسل؛ لذلك، هناك قوانين تتعلق بالوالدية والزوجية ومعارضة الإجهاض. في الدين المحافظ، الله هو الأب الصارم نفسه، الذي يتناسب ثوابه وعقابه مع تلك المسؤولية الفردية الواردة في كتابه المقدس.
والأهم من ذلك، وفوق كل شيء، أن السلطة المحافظة يجب أن تبقى راسخة. ينبغي أن تُدار البلاد وفقًا للقيم المحافظة، ويجب النظر إلى القيم التقدمية على أنها شرور وأمور غير أخلاقية. لا ينبغي للدراسات العلمية أن تحكم السوق؛ لذا، يجب إنكار الدراسات حول الاحتباس الحراري ونظرية التطور. الحقائق التي لا تتوافق مع السلطة المحافظة يجب تجاهلها، أو إنكارها، أو التخلص منها بالكامل. ولكن، من أجل حماية القيم المحافظة ذاتها وتوسيع نطاقها، يمكن استخدام الشيطان نفسه كأداة لمواجهة أعداء المحافظين غير الأخلاقيين؛ ويمكن استخدام الكذب، والترهيب، والتعذيب، أو حتى القتل.
الحرية تعني أن تكون أنت أباك الصارم؛ أي أن تتحمل المسؤولية الفردية لا الاجتماعية، وألا تكون هناك سلطة حكومية تمنحك الإذن بفعل شيء أو تركه. وبغية الدفاع عن هذه الحرية الفردية، فأنت بالطبع بحاجة إلى السلاح.
هذه هي أمريكا التي يسعى إليها المحافظون حقًا. إن عجز الميزانية هو حيلة سهلة المنال لتدمير الديمقراطية الأمريكية واستبدالها بالقواعد المحافظة في جميع مناحي الحياة.
أما مساعدة الديمقراطيين للمحافظين فهي أسوأ ما في الأمر. فعندما يستخدم المحافظون حججًا تنويرية، يهرع الديمقراطيون لمساعدتهم؛ أي في الوقت الذي يفهمون فيه الكلمات والمفاهيم بشكل محايد، ويغفلون عن وجود حتمية للأطر، والاستعارات، والمشاعر، والسرديات. وهذا ما يدفع الديمقراطيين إلى التعبير عن آرائهم بلغة المحافظين، وبالتالي ضمن أطرهم وقيمهم المقبولة.
يساعد الديمقراطيون المحافظين بقبولهم إطار عجز الميزانية، وجدالهم حول ما ينبغي للحكومة أن ترفع يدها عنه. حتى الجدال ضد رفع يد الحكومة عن بعض الأمور يُطرح ضمن الإطار المحافظ. ما هو البديل؟ الإشارة إلى ما يسعى إليه المحافظون حقًا. الإشارة إلى وجود رأس مال هائل في ويسكونسن وفي جميع أنحاء الولايات المتحدة. هذه هي القضية الأهم. إن عدم المساواة في الأصول المالية هو خلاف للروح الأمريكية[177]. تمتلك شريحة الـ 1 بالمئة العليا فارقًا أكبر مما تمتلكه شريحة الـ 95 بالمئة الدنيا. لقد ظلت أجور الطبقة الوسطى بمعدل ثابت لمدة 30 عامًا؛ في الوقت الذي كانت الثروة فيه تنمو صعودًا. هذا الوضع يتوافق مع نمط الحياة المحافظ المرغوب؛ لكنه ليس مرغوبًا لنمط الحياة الأمريكية.
لقد ساعد الديمقراطيون المحافظين بعدم صراخهم مرارًا وتكرارًا بأن القيم المحافظة هي سبب إفلاس الاقتصاد العالمي: غياب التنظيم والرقابة على السوق إلى جانب أخلاقيات "الجشع أمر جيد! [178]"
كما ساعد الديمقراطيون المحافظين بإصابتهم بما يمكن تسميته وديًا بـ "اضطراب التواصل الديمقراطي[179]". لقد بنى المحافظون الجمهوريون نظامًا تواصليًا واسعًا وفعالًا: مراكز بحث وغرف فكر[180]، وخبراء في صياغة الأطر[181]، ومؤسسات تعليمية[182]، ونظام من المتحدثين المدربين[183]، وحصة كبرى من وسائل الإعلام الجماهيرية[184] ووكالات توظيف[185]. ۸۰ بالمائة من المتحدثين في التلفزيون هم من المحافظين. المتحدثون أشخاص مهمون؛ لأن اللغة التي تُسمع مرارًا وتكرارًا ستؤثر في الدماغ. لم يبنِ الديمقراطيون نظام التواصل الذي يحتاجون إليه، ويُعتبر الكثيرون منهم جاهلين نسبيًا بكيفية تشكيل قيمهم العميقة وحقائقهم المعقدة وتأطيرها. يساعد الديمقراطيون المحافظين بأداء سياساتي متراخٍ ومتفكك[186]؛ أي أنهم حين يتحدثون عن سياساتهم، لا يشيرون إلى القيم الأخلاقية الداعمة لسياساتهم. إنهم يساعدون المحافظين حين يغفلون عن الإشارة إلى أن المعاشات التقاعدية هي دفعات أقساط لأنشطة تم إنجازها[187]. هذه الاستحقاقات الوظيفية تُدفع مقابل أداء العمل وليست لإعانة الأشخاص. المعاشات التقاعدية والاستحقاقات الوظيفية محددة بموجب عقد العمل. إذا لم يتوفر المال الكافي للدفع، فذلك لأن المسؤولين الرسميين المحافظين تلقوا هذه الميزانية وبدل أن يدفعوها للأشخاص الذين ينبغي أن يتلقوها، أعطوها للشركات والأفراد الأثرياء.
يساعد الديمقراطيون المحافظين حين يستخدمون مفردات محافظة مثل "استحقاق[188]" بدلًا من "دخل[189]"؛ وحين يصفون الحكومة بأنها مقدمة "خدمات[190]" بدلًا من كونها موفرة "ضروريات[191]"، وحين لا يصرحون بالكيفية التي تسهم بها الحكومة على نطاق واسع في خلق المصالح الوطنية المشتركة ولا يتناولون سبب كون الضريبة التصاعدية مبررة.
للجمهوريين المتطرفين ميزاتهم الجيدة.
والنتيجة هي أنه في أي مجال يوجد فيه نزاع وتنافس، يتمتع المحافظون بميزة لأنهم يستطيعون ممارسة الضغط على شاغلي المناصب ومرشحيهم أيضًا؛ الضغط اللغوي نفسه[195]!
بادئ ذي بدء، ينبغي القول: تحلَّوا بالعقلانية: استفيدوا من الاستدلال الحقيقي. فمجرد عرض الوقائع والاستدلال المنطقي حول السياسات لا يكفي. فالديمقراطيون والتقدميون يشتركون في رؤية أخلاقية للعالم:
الديمقراطية قائمة على التعاطف (تراحم المواطنين بعضهم تجاه بعض)؛ سواء في مجال المسؤوليات الفردية أو في مجال المسؤوليات الاجتماعية (العمل على أساس الشفقة). وتقع على عاتق الدولة واجب أخلاقي في أن تسعى، على قدم المساواة، إلى حماية المواطنين وإلى تمكينهم على حد سواء.
يمكن تطبيق هذا المبدأ على أي موضوع كان. ويمكن بناء لغة مشتركة وعامة لهذه المبادئ. وينبغي التعبير عن هذا المبدأ مراراً وتكراراً بعبارات إيجابية. كما ينبغي على التقدميين أن يبنوا شبكة تواصل تشمل مؤسسات تعليمية والعديد من المتطوعين المستعدين لإلقاء المحاضرات حول أي موضوع.
ولهذا السبب يميل علماء العلوم الاجتماعية إلى أن يكونوا تقدميين وديمقراطيين؛ لأن الصورة الديمقراطية للمجتمع الصالح كما تُعرَّف في العلوم الاجتماعية، هي بالضبط الرؤية الأخلاقية للعالم التي يناقشها الديمقراطيون والتقدميون.
وبقدر ما للإيجابية من أهمية، فمن المهم أيضاً أن نُذكّر المحافظين المتطرفين بأن هذا التطرف في السياسة، والجشع والطمع في فلسفة الأخلاق، يتجلى في السلطة في المجال السياسي، والمال في مجال الأعمال، ونزعة الهيمنة في ساحة الحياة الدينية والاجتماعية.
ولنتذكر أن نشير إلى أن الوزارات ليست وحدها ما يشكل الحكومة؛ بل هناك بالإضافة إلى ذلك الشركات التي تحكمنا لا من أجل مصالحنا بل من أجل مصالحها الخاصة. هذه الشركات هي التي تؤمن صحتنا، وتصنع أخبارنا اليومية، وتنتج طاقتنا التي نستهلكها، وتحدد قيمة غذائنا، وتلعب دوراً كبيراً في العديد من المجالات الحيوية الأخرى. إن تقليص حجم الحكومة لا يعني القضاء عليها، بل يحول الحكومة إلى وكالة خاصة تمكّن الشركات من التحكم بنا؛ وذلك من أجل المصالح الخاصة لتلك الشركات، لا من أجل مصالح الناس.
كما يحتاج الديمقراطيون والتقدميون إلى إضافة أخرى: منظومة التفكير. في مجال السياسة والبيئة والاقتصاد، لهذه المنظومة الكلمة الفصل. السببية ليست محصورة في مقولة واحدة. السببية أيضاً منظومية ولا تعمل بعامل واحد.
المنظومة ذات الأداء الجيد تكون مستدامة ذاتياً وتصحح نفسها باستمرار.
للمنظومات تغذية راجعة سلبية وأخرى إيجابية. هذه التغذيات الراجعة قد تكون قابلة للتحكم، وقد تكون، مثل مسألة الاحتباس الحراري أو الأزمة الاقتصادية العالمية، غير قابلة للتحكم وكارثية.
الأسباب الداخلة في المنظومة لا تعمل بشكل أحادي البعد: فسبب صغير يمكن أن يكون له تأثير هائل.
الأسباب الداخلة في المنظومة لا تؤثر فقط في موقع حدوثها، بل يمكنها أن تؤثر على مسافات أبعد بكثير.
السببية المتعلقة بالمنظومة ليست محصورة في مقولتها الخاصة أيضاً؛ فعلى سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى مسألة العجز في الميزانية المؤثرة في مجالات مختلفة.
تميل المحافظة إلى أن تكون أحادية البعد، وأن تشرح وضع الأمور بذكر سبب واحد فقط، ولا تستفيد من السبب الداخل في المنظومة؛ ولهذا السبب ينبغي على الناس أن يصغوا كل يوم وطوال اليوم إلى السبب الوحيد للمشكلات!
العلوم الاجتماعية العصبية المعرفية ليست مجرد مقاربة مغايرة ضمن سائر المقاربات للعلوم الاجتماعية؛ بل إنها تتناول بؤرة اهتمام علماء العلوم الاجتماعية، أي القيم المعرَّفة في العلوم الاجتماعية، وتجيز الدفاع عن هذه القيم في الوقت نفسه.
لنتذكر أن العلوم الاجتماعية العصبية قد انبثقت من رحم العلوم الحقيقية، أي العلوم المعرفية ودراسات الدماغ، وهي طريق وضعه العلم أمامنا لكي نتحرر، من خلال الاستفادة الفاعلة منه، من أزمة المحافظة السائدة. وعلى الرغم من النظرة السائدة والتنظيم التعليمي للمؤسسات العلمية، إلا أنه ينبغي لعلماء العلوم الاجتماعية أن يأخذوا هذا الأمر على محمل الجد.
في عام ۲۰۰۹ عندما اختار الرئيس باراك أوباما رؤيته السياسية بشأن مشروع الصحة والرعاية العامة، أظهر استطلاع للرأي العام أن معظم بنود هذا المشروع (على سبيل المثال، البنود التي لاقت قبولاً دون شروط مسبقة) حظيت بدعم ۶۰ إلى ۸۰ بالمئة من الأمريكيين. لكن عندما طُرح المشروع بأكمله في الاستطلاع، حصل على أقل من ۵۰ بالمئة من الأصوات. لماذا؟ لأي سبب يختلف قبول جميع البنود بشكل منفصل عن قبول المشروع ككل؟ أليس الكل مكوناً من الأجزاء؟
من وجهة نظر الاستدلال الواقعي، الجواب مباشر وبسيط. عندما طرح رؤيته السياسية حول الصحة والرعاية العامة في أوائل عام ۲۰۰۹، عمد المحافظون إلى مهاجمته ليس على أساس السياسة بل على أساس الأخلاق: الحرية (الاستيلاء على البلاد[199]) والحياة (بوابات الموت[200]). أعلنوا مراراً وتكراراً أن صحة أوباما[201] (وهذه التسمية ذات دلالة أيضاً)، هي للاستيلاء على البلاد مما يشكل تهديداً للحرية الفردية، وهي بوابة موت تشكل بحد ذاتها تهديداً للحياة.
تذكروا أن رؤية السياسات تتعلق بتفاصيل الأمور اليومية التي تتعامل مع منظمة الحفاظ على الصحة والرعاية. لكنهم كانوا يتحدثون في إطار تفاصيل الصحة والرعاية الفردية في مجال الممارسة العملية. كان هجوم المحافظين يتم في المجال الأخلاقي، ويعمل على تفعيل الأطر المتعلقة بالحرية والأخلاق في أذهان الناس. لقد فهم المحافظون أن السياسة أمر أخلاقي؛ فالقادة السياسيون يدّعون صحة أعمالهم!
تفاصيل السياسة والهجوم الأخلاقي يقعان في أطر مختلفة، ويتمان في أجزاء مختلفة من الدماغ. من وجهة نظر الاستدلال الواقعي، في ذهن الفرد ذي الأطر المحافظة، فإن كلية برامج مشروع الصحة والرعاية العامة لا تساوي جميع بنود ذلك المشروع. المحافظون والأفراد المستقلون (الأفراد الذين لديهم ذهنية ثنائية المفهوم[202] حقاً، يفكرون بطريقة محافظة في بعض الجوانب وتقدمية في جوانب أخرى) عندما يحدث الهجوم الأخلاقي للمحافظين، يتفعل الإطار الأخلاقي المحافظ في أذهانهم. هذا الأمر يدفعهم إلى التفكير في كلية ذلك المشروع، بشكل مستقل عن بنوده المفردة. بالنسبة للتقدميين، تتطابق الأخلاقيات والأمور التفصيلية في مجال الممارسة العملية مع بعضها؛ أما بالنسبة للمحافظين والأذهان ثنائية المفهوم (أو الملقبة بالمستقلة)[203] فتُعتبر هذه الأمور موضوعات مستقلة عن بعضها البعض.
عندما نفكر على أساس التوجه الإطاري ودراسات الدماغ، يكون هذا التفسير طبيعياً. لكن عندما تفكر وفقاً لمنطق الاستدلال العائد لعصر التنوير، فإن الكل، بحكم الضرورة المنطقية، يُعتبر نفس الأجزاء المفردة.
.
.
[1] George Lakoff , Neural Social Science, Handbooks of Sociology and Social Research, Springer, 2013.
[14] كيف تصبح الدوائر الدماغية ذات معنى
[23] دوهين، س. (2009). القراءة في الدماغ. نيويورك: بنغوين فايكنغ.
[29] علم النفس الاجتماعي التجريبي
[33] العقل ذاته: مغالطات التنوير
[40] أندريا روك، العقل في الليل (نيويورك: بيسك بوكس 2005).
[42] يمكن للمرء أن يفكر في العالم مباشرة
[48] تُعرَّف الكلمات مباشرة من خلال سمات العالم الخارجي
[51] تُعرَّف المقولات بشروط ضرورية وكافية
[52] يوجد العقل أساساً لخدمة المصلحة الذاتية
[54] الأنظمة المفهومية متجانسة
[58] للكلمات معانٍ ثابتة وللمفاهيم منطق ثابت
[59] 2006. لمن الحرية؟: الصراع على أهم فكرة في أمريكا. Farrar, Straus and Giroux. ISBN 978-0-374-15828-6.
[60] الحقيقة ستحرركم؛ إذا عرف عدد كافٍ من الناس حقيقة القضايا الاجتماعية، فسيغيرون مواقفهم، لما فيه خير المجتمع
[66] استعارة لإظهار التعاطف (م)
[70] لهذا توجد مفاهيم المستوى الأساسي
[77] الحوسبة والمحاكاة العصبية
[88] مركزية الاستعارة في الحياة الاجتماعية
[91] دراسات السياسة الاجتماعية
[93] "إدراك اجتماعي مُثرى بالاستعارة"
[94] لانداو، مارك ج.؛ ماير، برايان ب.؛ كيفر، لوكاس أ.
[95] النشرة النفسية ، المجلد 136(6)، نوفمبر 2010، 1045–1067
[96] "أدلة على أن الدوافع ذات الصلة بالذات والتأطير الاستعاري يتفاعلان للتأثير على المواقف السياسية والاجتماعية"
[97] العلوم النفسية 1، نوفمبر 2009: 1421–1427.
[114] نظرية نارايانان-جونسون-غرادي العصبية للاستعارة
[116] فرضية فيلدمان للدوائر الوظيفية
[117] تشارلز فيلمور (ومجموعته الكاملة لشبكة الإطارات)، إيف سويتسر، تيري ريجير، ديفيد بايلي، لوكيندرا شاستري، سريني نارايانان، دان جورافسكي، أديل غولدبرغ، بنجامين بيرغن، فيتوريو غاليزي، ليزا عزيز زاده، نانسي تشانغ، كريستوفر جونسون، جوزيف غرادي، كارتر ويندلكن، إلين دودج، ستيف سينها، جو ماكين، ليون باريت، ميت غيديغان، بهرانغ موهيت، جون براينت، جيني ليدرر، وآخرون.
[120] شبكة بتري) شبكة انتقال/مكان أو شبكة P/T (
[124] من الجزيئات إلى الاستعارات
[128] اللدونة المعتمدة على توقيت النبضات
[136] موازنة الدفاتر الأخلاقية
[137] "اللدونة المعتمدة على توقيت النبضات"
[143] المعدلات العصبية و"المكافآت"
[148] دمج الأنظمة العصبية المتعددة
[155] أدلة التجسيد في علم النفس الاجتماعي
[160] إيدي هارمون-جونز، فيليب أ. غيبل، توم ف. برايس. "الميل إلى الأمام يجسد الرغبة: دليل على أن
الميل إلى الأمام يزيد من التنشيط القشري الجبهي الأيسر النسبي للمثيرات الشهوانية." علم النفس
البيولوجي 87 (2011) 311–313.
[161] لقد منحتني ترحيباً حاراً
[163] Williams, L. E., & Bargh, J. A. “Experiencing physical warmth in fl uences interpersonal warmth . ”
Science, 322, 2008, 606–607 .
[164] Zhong, C. B., & Leonardelli, G. J . “ Cold and lonely: Does social exclusion feel literally cold?”
Psychological Science , 19, 2008, 838–842.
[166] Zhong, C. B., & Liljenquist, K. (2006). Washing away your sins: Threatened morality and physical
cleansing. Science, 313, 1451–1452.
[168] Nils B. Jostmann, Daniel Lakens, and Thomas W. Schubert. “Weight as an Embodiment of
Importance ,” Psychological Science, September 1, 2009: 1169–1174.
[170] Real Social and Political Life
[179] Democratic Communication Disorder
[183] a system of trained speakers
[192] The Conservative Advantage
[196] What Can Progressives and Democrats Do?
[198] حل أحجية في العلوم الاجتماعية
[203] (المعروفون أيضاً بـ"المستقلين")
.
.
.
.
الدين
علم الاجتماع
العلوم الاقتصادية
علم الاجتماع
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
(تمام روند تفکر امری فیزیکی است؛ تفکر امری برآمده از فعالیتهای مدارهای عصبی است که در بدن گستردهاند).بیان عاری از دلیل صرفا یک ادعاست. (آنچه مایه معنادار شدن تفکر میشود، بدن آدمی و نیز کیفیت کارکرد بدن ما در جهانی است که در آن زندگی میکنیم. محتوای مفاهیم را شیوه تعامل بدن ما با جهان تعین میبخشند. تفکر مفهومی همواره دارای مؤلفهای مرتبط با بدن آدمی است.) بدین جهت است که میگویند مغز زمینه ساز آگاهی است.
سلام، ممنون از زحمتتون، موضوع این مقاله به صورت کتاب هم هست؟ استدلال ورزی، استعاره عصبی و ارتباطش با سیاست؟