اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
لا تصنع الفلسفة المعجزات في أوقات الشدائد، ولا يمكن لنظرية أن تُسكّن الألم. لكنها، بمعناها القديم كأسلوب حياة، قادرة على تقديم العون، وإن ظل هذا الوصف النخبوي غير مجدٍ لعامة الناس.

في زمنٍ «يُمْطِرُ فيه مَنْجَنيقُ الفَلَكِ حِجارةَ الفِتَن»، هل تَصْلُحُ الفلسفةُ لتسكينِ كلِّ هذا الألمِ الذي لا «مَجالَ فيه للآه»؟ سأُحاجِجُ في القسمين الأوّل والثاني من هذه المقالة بأنّه لا توجد إجابةٌ قاطعةٌ عن هذا السؤال؛ بمعنى أنّه لا يُمْكِنُ، دون أيّ قيد، إعطاءُ جوابٍ إيجابيٍّ أو سلبيٍّ بالمُطْلَق.
على أنّ حُجَّتي في القسمين الثالث والرابع من المقالة ستكون أنّ الفلسفة، بمعنىً خاصٍّ جدّاً، يُمْكِنُ أن تكون عوناً في الشدائد، غير أنّ الفلسفة بذلك المعنى الخاصّ جدّاً الذي يُمْكِنُها فيه أن تكون عوناً هي نُخْبَويّةٌ إلى درجة أنّنا إذا قُلْنا إنّ الفلسفةَ في وقت الأزمة لا تُسْمِنُ ولا تُغْني من جوعٍ لعامّة الناس، لا نكون قد جانَبْنا الصواب، فيما يبدو.
أكان ذلك مُحْبِطاً؟ في المقابل، قلتُ لكم زُبْدةَ الكلام في البداية: إن كنتم تبحثون عن أملٍ سريعٍ من نوع «النجاح في أجزاء الثانية» ولا طاقةَ لكم على قراءة مقالةٍ مُنَفِّرةٍ وثقيلةٍ بعضَ الشيء، فخَلّوا سَبيلَ عناءِ قراءتها سريعاً.
ليست الفلسفةُ مُسَكِّنةً إذا كان المُرادُ بـ«التسكين» شيئاً يُشبه المُعجزة. لا فكرةَ ولا نظريّةَ تَمْنَحُ تحوُّلاً بشكلٍ إعجازيّ. الصورةُ الكلاسيكيّةُ الشائعةُ عن «التحوُّل» هي: كان عارفٌ يَمُرُّ في زُقاق، فأهانه فَتًى من فِتْيان الحيّ، فقال العارفُ جملةً واحدةً فإذا الفتى قد تحوّل بالكامل وصار تُرابُ وجوده كيمياء، كما يُقال. هذه الصورةُ عن التحوُّل، وإن لم تكن بالضرورة باطلةً بالكامل، فهي على الأرجح مُشبَعةٌ بالمثاليّة. غير أنّ بعضَ النماذج المُشبَعة بالمثاليّة تركت أثراً مُحتمَلاً من تعقيد شخصيّة الفرد المُتحوِّل.
الفُضَيْلُ بن عِياض، بحسب رواية العطّار في تذكرة الأولياء، كان قاطعَ طريقٍ مشهوراً، تحوّل بسماعه آيةً من القرآن وصار عارفاً كبيراً. لكنّه كان، قبل تحوُّله، قاطعَ طريقٍ تقيّاً مؤمناً. فإن كانت روايةُ العطّار ذات قيمةٍ تاريخيّةٍ ولم تكن مُشبَعةً بالمثاليّة بالكامل، يُمْكِنُ القولُ حينئذٍ إنّ الفُضَيْل لم يتحوّل في لحظة، بل لعلّه كان قد بدأ مسيرةَ تحوُّله قبل ذلك بكثير. بمعنى أنّه كان قد سلك قبلئذٍ مسلكاً تقويّاً شيئاً فشيئاً.
يُمْكِنُ التخمينُ أنّ سماعَ تلك الآية كان ذروةَ تحوُّل العيّاض قاطعِ الطريق، أو كما يقول الفلاسفةُ المسلمون إنّ سماعَ تلك الآية كان «الجُزءَ الأخيرَ من العِلَّة التامّة» لتحوُّله؛ لا أنّ شخصاً قَطَعَ الطريقَ طيلةَ عمره دون وازع، وسَرَقَ الصغيرَ والكبيرَ والفقيرَ والغنيَّ على حدٍّ سواء، ولم تكن فيه أيُّ سِمةٍ من سِمات الفُتُوَّة والتقوى، ثمّ تحوّل فجأةً بسماع آية. من يَقْطَعُ الطريقَ دون وازع ولا يُراعي «آدابَ قَطْعِ الطريق» لن يُحرِّكَ ساكِناً بسماع آلاف الآيات والأحاديث والعبارات التحفيزيّة، بل لعلّ قسوةَ قلبه تزداد.
دعوني أقولُ على الهامش: نعم، قرأتم بشكلٍ صحيح، لقد تكلّمتُ عن «آداب قَطْعِ الطريق» دون أن أُجيزَ قطعَ الطريق بأيّ وجهٍ من الوجوه. لقد اعتقد عُلماءُ الأخلاق قديماً أنّ العملَ السيِّئَ له آدابٌ أيضاً، ومُجرَّدُ كونِ العمل سيّئاً لا يمنعُ عِلْمَ الأخلاق من أن يقول فيه كلاماً، عدا الإدانة. ولهذا، تحدّث بعضُ علماء الأخلاق المسلمين قديماً في كُتُب الأخلاق لديهم، مع تحريمهم شُرْبَ الخمر، عن «آداب شُرْب الخمر» أيضاً.
لأَعُدْ إلى صُلْب الموضوع. لقد انتبه القرآنُ إلى تعقيد مَنْطِق التحوُّل وعبَّر عنه هكذا: «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا» (الإسراء، الآية ٨٢). يَضْرِبُ القرآنُ عُرْضَ الحائط بهذا التصوُّر الشائع القائل إنّ مُجرَّدَ قراءة القرآن تَجْلُبُ الخلاص. فالذي استقرّت فيه سَجيّةُ الظُّلْم، ليست قراءةُ القرآن في حدِّ ذاتها جالبةً للخلاص له، بل إنّها تُبعِدُه عن الخلاص أكثر. فليس الأمرُ أنّ أحداً يفعلُ ما يحلو له ــ وقد صار ذلك عادةً له وطبيعةً فيه ــ ثمّ يقرأُ وِرْداً سحريّاً أو تحصلُ له حالةٌ إعجازيّةٌ فيتحوّل فجأة. وكما أنّ «تعليم الإنجليزيّة المضمون أثناء النوم» ليس إلّا أُسطورة، فإنّ التحوُّلَ الدفعيّ والإعجازيّ ليس إلّا أُسطورةً أيضاً.
علاوةً على القرآن، تنبّه العارفون المسلمون إلى هذه النقطة أيضًا. فعلى سبيل المثال، كان أحد هواجس العارفين المسلمين هو كيف يمكن للمرء أن يحصل على «حضور القلب» أثناء الصلاة. وكان الجواب الشائع لدى العارفين هو أنه من أجل حضور القلب «في» الصلاة، ينبغي الانتباه إلى «خارج» الصلاة. ففي خارج الصلاة، يجب أن يكون المرء حسّاسًا تجاه «الواردات القلبية» (أي الأشياء التي نراها ونسمعها ونلمسها ونفكر فيها ونقولها). ومن وجهة نظر العارفين، إذا راقب المرء أذنه وعينه ولسانه وجوارحه طوال اليوم، فسيجد شيئًا فشيئًا «الخشوع» و«حضور القلب» في الصلاة. وهذا يعني أن العارفين لم يكونوا يعتقدون أن مجرد أداء الصلاة يجلب الخشوع وحضور القلب وله أثر إعجازي، بل إنه من أجل اكتساب «الخضوع» و«حضور القلب»، ينبغي أن يكون نمط حياة الفرد بأكمله في خدمة اكتساب الفضائل، وإلا فلن يصنع أي فعل منفرد، بذاته، معجزةً في الباطن، حتى لو تكرر مرارًا بنية خيّرة.
إذا كان منطق التحوّل كما ذكرنا، فإن تأثير الفلسفة يتبع هذا المنطق نفسه وليس استثناءً عليه. أي أنه ليس الأمر بحيث نجد، في خضم المشكلات الشخصية والوطنية والإقليمية والدولية، مقولةً لفيلسوف ما أو نظريةً فلسفية تمهّد علينا مشقة الصعاب برمتها، أو حتى تبيّن لنا طريقًا للحل بالضرورة؛ إنها لا تبيّن طريقًا للحل لأن المشكلات الكبيرة عادةً ما تكون أعقد من أن تحلّها نظريةٌ منفردة أو حتى مجموعة من النظريات (على المدى القصير أو على الإطلاق).
قد يكون لعبارة فلسفية مأثورة أثر مؤقت في تسكين الألم الناجم عن مشكلة ما. لكن المشكلات الكبيرة، كالتشرد إثر سيل أو حريق هائل، أو فقدان عزيز في سقوط طائرة، أو التغيرات المناخية والاستبداد عمومًا، هي من الهول بحيث إن المواجهة المباشرة والمطوّلة معها تبطل أثر أي تسكين، وعلى المدى الطويل تغيّر حياة الإنسان من الداخل تغييرًا كليًا لا محالة. وبتعبير آخر، عند التصارع مع المشكلات الكبيرة، وكما لا يوجد تعويذة سحرية لتحوّل الناس، لا توجد أيضًا نظرية فلسفية سحرية.
لكن هذه ليست نهاية القصة. إن عجز الفلسفة عن صنع المعجزات وقت الشدة لا يعني أنها لا تجدي نفعًا تحت أي ظرف من الظروف. غير أن ذاك النوع من الفلسفة الذي «يفعل الأفاعيل» ليس هو الفلسفة بمعناها الشائع اليوم، بل الفلسفة بمعناها القديم. الفلسفة، بمعناها الشائع اليوم، هي فرع أكاديمي له أقسامه وأساتذته وطلبته ومجلاته وكتبه العامة أو المتخصصة ومصطلحاته الخاصة. ومستهلكها إما هم المتخصصون، وإما، إذا كُتبت بأسلوب أكثر عمومية، جمهور المهتمين.
الفلسفة بمعناها الشائع اليوم، في أرقى صورها، منخرطة في حل المسائل؛ مسائل كبرى من قبيل: هل يوجد إله؟ هل الإنسان مجبر أم مخير؟ ما هو أفضل شكل للحكم؟ ما هو العقل (إذا كان هناك أصلًا ما يسمى بالعقل)؟ هل العلم كاشف عن الواقع أم هو مجرد أداة للسيطرة على العالم؟ هل الأخلاق موضوعية أم ذاتية؟ وأسئلة أخرى من هذا القبيل. في التصور الشائع اليوم للفلسفة، المهم هو حل المسألة، لا كيف يكون الحالّ إنسانًا أو كيف يصبح إنسانًا. وفي أقسام الفلسفة أيضًا، يُعلّمون الطالب حل المسائل الفلسفية، لا «كيف يكون». إن «كيف يكون»، إن كان له معنى من منظور الفلسفة الحديثة أصلًا، فهو أمر محال إلى الدين والعرفان وليس من شأن الفلسفة.
في تصور آخر للفلسفة، يعود إلى اليونان القديمة وكان شائعًا في القرون الوسطى بين الفلاسفة اليهود والمسيحيين والمسلمين أيضًا، الفلسفة ليست تخصصًا أكاديميًا محوره حل المسائل ـــــ وإن لم تكن منافية لذلك بالضرورة ـــــ بل هي طريق وأسلوب حياة. الفيلسوف، في الأصل، لا يحل مسألة، بل يفك عقدته الوجودية، ويصبح إنسانًا آخر. الفلسفة نوع من الوجود في العالم، نوع من الرياضة الباطنية والترقي الداخلي. الحكمة الحقة، وهي حصيلة هذه الرياضة، لا تأتي بالمعرفة فحسب، بل تجعل الإنسان إنسانًا آخر. وعلى هذا الأساس، فإن غاية الفلسفة ليست حل المسائل، بل العيش الفلسفي من خلال الانخراط في المسألة. العيش الفلسفي يعني اكتساب فضائل مثل البحث عن الحقيقة (الذي يستلزم تجنب التعصب والتجهيل)، والتسليم للحقيقة (الذي يستلزم الابتعاد عن الكبر)، والقناعة (التي تستلزم تجنب الطموح)، وفضائل أخرى كثيرة.
وبالمناسبة، أود أن أذكر أن هذا التصور القديم للفلسفة، والذي كان قد خبا في الفلسفة الحديثة، قد عاد تدريجياً إلى بؤرة الاهتمام في العقود الأخيرة بفضل الأعمال المهمة لبيير هادو (Pierre Hadot) (1922-2010)، الفيلسوف الفرنسي والمتخصص في الفلسفة القديمة. وفي هذا الصدد، انظر بشكل خاص إلى كتابه المعنون «الفلسفة كطريقة حياة» (Philosophy as a Way of Life)، منشورات بلاكويل، 1995.
والآن، كيف يمكن لهذا التصور القديم للفلسفة أن يكون عوناً في وقت الشدة؟ في الفلسفة كطريقة حياة، ليس المهم ما يفعله بنا الآخرون والطبيعة، بل المهم ما نفعله نحن بأنفسنا وبالآخرين؛ وبتعبير المثل المشهور «كل ما تفعله بنفسك تفعله، سواء كان خيراً أم شراً». فمثلاً، إذا بذلت كل جهدك لحماية بيتك، بأن جعلته قانونياً ومطابقاً للمواصفات وفي مكان آمن وأمّنته، ولكن السيل أو الزلزال أو الحريق أتى عليه، فلا غمّ عليك، لا لأن شركة التأمين ستدفع لك ثمن بيتك (لنفترض أن شركة التأمين تلكأت ولم تدفع لك ثمن بيتك أيضاً)، بل لأنك أديت واجبك على الوجه الصحيح.
وفي مثال آخر، افترض أنك لم تكن عوناً للاستبداد، بل ناهضته بقدر طاقتك، لكن الاستبداد بقي بل وازداد قوة وتجذراً. في هذه الحال، تكون قد أديت واجبك ولا مجال للانزعاج. أما إذا كان عيشك رغداً، وماؤك دافئاً، وسقفك مرفوعاً، وحبيبك في كنفك، وخلاصة القول كانت الأيام وفق مرادك، لكنك أسست رفاهيتك على الظلم، فأنت شقي حتى لو شعرت بالسعادة.
لاحظ أن تعزية الفلسفة ليست على الإطلاق من قبيل العبارة المبتذلة «المهم أن تكون مرتاح البال». فمحور الأمر هنا ليس «الحال» بل «المقام»، إنه أين تقف، وليس بالضرورة ما هو شعورك. إذا أديت واجبك، فأنت سعيد حتى لو لم تكن مرتاح البال، وإذا لم تؤدِّ واجبك، فأنت شقي حتى لو كنت منتشياً. وبالطبع، فإن إدراك المرء أنه أدى واجبه يمكن أن يكون معزياً أيضاً، لكن المحور ليس الحال.
والخبر السيئ هو أن الفلسفة كطريقة حياة لا تُكتسب بين عشية وضحاها، بل يتطلب الأمر تمريناً مدى الحياة. لأن الأمر يتعلق باكتساب الفضائل ودفع الرذائل، وهذا عمل يستغرق وقتاً ويحتاج إلى صبر ـــــ إن كان ممكناً من الأساس. لذا، إذا كنتم تبحثون عن معجزة، فالفلسفة ليست مقاماً يُستشفى به، لكنها ربما تستحق أن تفنوا أعماركم في سبيلها، لأنها قد تصبح كحديقة خصبة تتفتح فيها براعم الفضائل شيئاً فشيئاً، وتُجتث منها أعشاب الرذائل.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.