اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مقصود فراستخواه النبي يونس رمزاً للصدق في الشكوى إلى الله وللأمل في قلب الظلمات؛ فقصص الأنبياء تستجيب لحاجات الإنسان. الإيمان أملٌ بمعنى يتجاوز الحدود، كما كان يونس يلتمس النور في بطن الحوت.

الذكريات جزء من كينونة البشر. يمكن للمرء أن يحتفظ بذكريات على هامش الذهن لا في متنه، لكن لا يمكنه الإفلات منها كلياً. ومهما بلغ المجتمع الإنساني من تحول تاريخي وحقَبي، وحتى بعد انقطاعاته المعرفية والاجتماعية الأخيرة والجديدة، فمن الصعب – فيما أظن – أن يستطيع توديع ذكريات العالم القديم بالكلية وإلقاءها في النسيان، وكأنها لم تكن قط. الحكايات العتيقة جزء من التراث البشري، ومن جملتها قصص الأنبياء. كان الرسل جماعة من أهم النماذج الإنسانية التي عاشت في التاريخ القديم، ولا تزال تجاربهم وأحوالهم وأوصافهم تأخذ بلب البعض، وتحمل في طياتها دلالات وإشارات. هؤلاء بالطبع لا يقتصرون على الأنبياء الساميين والإبراهيميين، لكننا، لأننا في جزء من قدرنا التاريخي قد اقترنّا بتديّن من النوع الإسلامي، نألف الأنبياء الإبراهيميين أكثر.
1.
الذكريات جزء من كينونة البشر. يمكن للمرء أن يحتفظ بذكريات على هامش الذهن لا في متنه، لكن لا يمكنه الإفلات منها كلياً. ومهما بلغ المجتمع الإنساني من تحول تاريخي وحقَبي، وحتى بعد انقطاعاته المعرفية والاجتماعية الأخيرة والجديدة، فمن الصعب – فيما أظن – أن يستطيع توديع ذكريات العالم القديم بالكلية وإلقاءها في النسيان، وكأنها لم تكن قط. الحكايات العتيقة جزء من التراث البشري، ومن جملتها قصص الأنبياء. كان الرسل جماعة من أهم النماذج الإنسانية التي عاشت في التاريخ القديم، ولا تزال تجاربهم وأحوالهم وأوصافهم تأخذ بلب البعض، وتحمل في طياتها دلالات وإشارات. هؤلاء بالطبع لا يقتصرون على الأنبياء الساميين والإبراهيميين، لكننا، لأننا في جزء من قدرنا التاريخي قد اقترنّا بتديّن من النوع الإسلامي، نألف الأنبياء الإبراهيميين أكثر.
حتى في هذا الزمان الحديث وما بعد الحديث، ورغم حدوث تفكيكات وتمييزات معرفية وقيمية ومؤسسية مهمة، وأن كثيراً مما كان يُنتظر في الماضي من الدين والنبي لم يعد اليوم يُنتظر بحق، إلا أن الذكريات الدينية تنشط بين الحين والآخر في ذهن وضمير وحياة أفراد وجماعات، وتستجيب لبقية من حاجات ظلت باقية فيما وراء حدود العقل الحديث، ولا تزال تثقل كاهل شرطنا البشري.
بين الفينة والأخرى، تأتي قصص رسل التاريخ وتروح في زوايا روحي الخفية. تثير ضجيجاً وتُرسل أصداءً. إنه لأمر عجيب، فكثيراً ما حدث، دون توقع مني وفي غفلة تامة عن هذه الذكريات، أن يقع حدث فجأة. لقد صار الأنبياء ضيوفاً غير مدعوين في خيالي، قادمين من أقاصي التاريخ السحيقة. وبالقدر الذي سمح به بيت وجودي الضيق الحقير، عَزَزْتُهم واستقبلتهم بآهة وحسرة وهمسة. منذ مدة، وأيوب ويونس يأتيان ويذهبان باستمرار. وكأني أفهم لماذا. تجاربهما تبدو شديدة الألفة مع هواجس وآلام أيامي هذه.....
2.
في تلك الليلة كنت وحيداً، كان قلبي منقبضاً بمقدار الدنيا كلها. جيش من شرور العالم ومصائب البشر كان يصول ويجول بقسوة أمام عينيّ المتعبتين، وينغز بقوة في ذهني المتألم، ويعتصر أعصاب معرفتي وروحي بلا رحمة. كنت شديد التبرم من كل ما يُقال من كلمات جميلة في باب العدل والرحمة والحكمة والثيوديسيا، وكنت أهمس في نفسي (وربما مع أي ذات أخرى أكبر) همساً خافتاً: إن لم يكن الأفضل من هذا ممكناً، فلماذا كان الوجود بدلاً من أن يكون عدماً محضاً.
أردت أن أتحمل وحدي كل دموع البشرية المكروبة، مضافاً إليها دموع أسماك البحار وغزلان الصحارى وطيور السماوات، وأسكبها ينبوعاً إثر ينبوع على وجنتيّ، وأغتسل في جريانها فأهدأ.
أنا، بحسب العرف السائد في هذا الزمان وفي حدود ذهني الحقير، أؤمن بالعقل، وأنا أيضاً، وفقاً للفرضية الشهيرة ذاتها، أعتقد بكل يقين أن تقليل معاناة البشر لا يتيسر بدون مشروع العقلانية والوعي الجديد، وبدون السببية العلمية، وبدون السعي الإنساني المعقول، وبدون الحكم الرشيد وما شابه ذلك من الالتزامات. لكن ثمة لحظات، كما قلت، تبقى فيها كل هذه الأبهة المعاصرة عالقة بشكل غامض، وربما تتنحى عن وعي وتتركني لحظة مع الذكريات القديمة، مع اللاوعي الكامن في زوايا وجودي الخفية. ضيوف ما وراء التاريخ يصلون في هذه الأوقات اللاوقتية. في تلك الليلة كنت وحيداً، كان قلبي منقبضاً بحجم العالم كله....
3.
كان أحد أولئك التاريخيين البعيدين يطرق باب وجودي بهدوء... كان يونس هذه المرة. متعباً من الطريق الطويل. نبيّ علّمني في طفولتي بصراحة معنى "الضيق" و"الشكوى" والانزعاج من الله. إن مخطط وجودنا هذا، إشكالي من الأساس. نحن محكومون بالحياة والمشكلات والشرور لا تُحصى. أحياناً يجب أن نسأل بصدق ونضع مئات الـ "لماذا" أمام الله. في الكتب المطولة التي قرأتها، كان كل واحد يعرّف العصمة بطريقته، وربما بأنواع من التمحلات. أما أنا فكنت أراها في براءة انزعاجات يونس. كان يونس رفيق طفولتي، وحتى اليوم ما زالت ذكراه معي. وفي ليلة وحدتي الإنسانية تلك أيضاً، حالما جاء يونس شعرت ببعض الخفة.
لقد تعب يونس من العيش في هذه الظروف البشرية. وصار رفيق حيتان البحر: "وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ.................". دفع يونس ثمن صدقه وصراحته، فعانى. لقد اشتعل يونس غضباً من سعة الآلام ومن صعوبة تقليل المعاناة وذهب مذعوراً. استخف بالقدر فسحقه القدر بشدة. وقعت القرعة على يونس بين ركاب السفينة فأُلقي في البحر بكل احترام؛ مثل الكثير من القوانين المحترمة القائمة حتى اليوم، التي باسمها يتألم أناس ويُحرمون، وباسمها ينتفع آخرون ويمتلكون.
الصدفة كانت ولا تزال، ويبدو أنها ستبقى، القاعدة الكبرى لهذا العالم الأعوج المدار. إنها لصدفة أن يُقذف عدد كبير من أطفال هذا العالم الأبرياء في مجاعة أفريقيا وليس في دور الحضانة الحديثة. إنها لصدفة أن الموارد وقعت في أيدي جماعات، وكان نصيب آخرين الفقر والفاقة. صدفةً، نشأ الجنوب والشمال، ونشأ الحاكم والمحكوم. ونشأ المؤمن والملحد، وصدفةً، سنذهب إلى الجنة لأننا مسلمون، وسيذهب كثيرون إلى جهنم لأنهم، صدفةً، ليسوا مسلمين. وإذا جررنا قدم الله أيضاً إلى هذه "المسائل التي لا تُقال"، فسيصبح الأمر أكثر غموضاً!
4.
كان من الفروق بين يونس ونيتشه أيضاً أن نيتشه، في حسرته على الله، أنشد أبرد المراثي الفلسفية وأكثرها حزناً، بينما لم يرضخ يونس لفراغ مكان الله وظل يبحث عنه. الفرق بين مارتن بوبر ويونس هو أن بوبر تصالح مع خسوف الله[i] أما يونس ففي قلب الظلمات ظل يبحث عن نور. كان يونس حتى في بطن الحوت مؤملاً أن يأتي الأمر المتعالي بإيماءة، منزهاً ومتعالياً عن كل ما نتصوره ونعرّفه. هناك معنىً فاخر في غاية التنائي والاستتار. هناك فيض لا نهائي وراء كل المحدوديات التي نراها جلية في أنفسنا ومن حولنا ونعاني منها. كان يونس حتى في بطن الحوت يرجو ويأمل، والإيمان هو الرجاء والأمل. أي أن تحيا وكأن ثمة حقيقة، وكأن ثمة ذروة، وكأن ثمة معنىً غائياً. وبالرغم من كل الأدلة المخالفة، كن عازماً على أن ثمة دعوة موجهة إليك...
حين جاء يونس، صار الكون كله فجأة محراباً، أبهى من أي مسجد أو كنيسة أو معبد نار أو دير؛ بنور سري ولحن غريب مألوف: فاستجبنا له ونجّيناه من الغمّ وكذلك ننجي المؤمنين... يونس، وبالرغم من كل المصائب التي كابدها، لم يفقد الإدراك اليوتوبي للوجود وللإنسان ولذاته. يونس، وبالرغم من كل انزعاجاته، ظل يبحث عن الفيض اللامتناهي في الوجود. عاد فأدرك محدودياته البشرية، وعاد فأنّب نفسه، وعاد فرفع مستوى توقعاته من نفسه وخفض مستوى توقعاته من الآخرين. عاد فرأى في الوجود هنا فرصة، وجعل العيش مع الناس منّة على عينه. يونس، بغطسه في أحزان العالم، صار غالباً عليها......
وداعاً يونس! يا صديق الحيتان! يا صوت الدعاء الحزين الغريب في الظلمات! ...يا نبي الاحتجاج والإيمان! يا كلمة الحزن والنجاة المبهمة!... أيها الضيف العابر الهارب من ما وراء التاريخ! وداعاً....
[i] Eclipse of God
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
سلام و عرض ادب. تلاشهای آقای فراستخواه در پیوند سنت و مدرنیته حقیقتاً ستودنی است.از همین نوع متن نوشتنش گویاست. که چقد با انسان مدرن همدلانه ارتباط برقرار میکند و او را در دل سنت به نظاره میبرد و در عین حال اقتضائات او را هم در نظر میگیرد
سپاسگزارم.
یکی جان خواهد آن دریا همه آتش نهنگ آسا اگر داری چنین جانی روانش کن روانش کن گمشدگان لب دریا، یا چالش سمبولیک دریایی ( عموما ) و حبس در شکم نهنگ، ( خصوصا ), تصویر و ایماژی اسطوره ای ست که چندین بار در افسانه های قدیم و جدید تکرار شده، و تا حتی قصه های کودکانه پینوکیویی هم جذابیت روایی داشته، وقتی برای نجات پدر پیرش تن به امواج میسپارد. گویی گذر از آزمون دریایی، شرط تبدیل شدن به مرد واقعی و اصیل ست. اما درین میان شاید موسی رکورد هم زده باشد آنهم با عصایش در شکافتن دریا ازهم، چراکه گهر چو دست داد به دریا چه حاجت ست؟! و چه شباهتی دارد به سرنوشت یهودیان امروزین که علیرغم شکافتی پرنفوذ در آمریکا، بر سر جزییات اقتصادی نخود و لوبیا، نیروی معجزه آسای کاریزمایشان را خنثی میسازند. اما در میان معاصران ناکام، همینگوی دست خالی از دریا برمیگردد وقتی که کوسه ها، صید شاه ماهی اش را تکه تکه میکنند، شاید به اندازه کافی نمیدانست که این دریا چه موج خون فشان دارد؛ اما با اینحال بازهم امیدوارست که بار دیگر به کمک پسرکی، دوباره دل به دریا بزند. و چه شباهتی ست با سرنوشت یانکیانی که علیرغم تهور و شجاعت شأن انگار چیزی کم دارند در ساختن اتوپیای جهانی شأن. بصد دفتر نشاید گفت وصف الحال مشتاقی بمیرد تشنه مستسقی و دریا همچنان باقی