اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تتعارض روايات السيرة مع محكمات القرآن أو العقل؛ من قصة الغرانيق إلى سحر النبي. وبالاعتماد على القرآن، يُفحص وهن الأخبار المتعلقة بمذبحة بني قريظة، ويُعتبر السرد المشهور أكذوبة تخالف السيرة النبوية.

كثيراً ما نصادف أثناء مطالعة كتب التاريخ والسيرة والطبقات أخباراً ورواياتٍ يتعارض قبولها مع محكمات القرآن أو العقل، كما أن ثمة روايات وأخباراً لا يمكن، بمعزل عن ميزان محكمات القرآن والعقل، التوفيق بينها وبين روايات أخرى من نفس الجنس دلالةً وثبوتاً.
فمثلاً، في أصح كتب التاريخ والحديث والسيرة والطبقات وأشهرها، مثل تاريخ الطبري وطبقات ابن سعد، رُوي أن النبي عليه السلام تفوّه بآياتٍ ألقاها الشيطان، وهي الحادثة المعروفة بـ«الغرانيق».[1] لكن هل يمكن قبول رواية كهذه؟ للأسف، أدى طغيان الذهنية الروائية إلى قبول حالات كثيرة من هذا القبيل عبر التاريخ لدى كثير من عوام المسلمين وخواصهم، حتى إن محدثاً كبيراً مثل ابن حجر العسقلاني (852هـ) – المشهور بأمير المؤمنين في الحديث – يقول عن خبر الآحاد[2] هذا الخاص بالغرانيق: «كَثْرَةُ الطُّرُقِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْقِصَّةِ أَصْلًا: فراوانی طُرُق روایی [داستان غرانيق] نشان میدهد كه این ماجرا قطعاً مبنایی دارد»[3] أو مثلاً يدّعي المتكلم والفقيه الشافعي الكبير عبد القاهر البغدادي (429هـ) بناءً على هذه الذهنية الروائية نفسها: «وقال اهل السنه ان تلك الكلمه كانت من تلاوه الشيطان القاها فى خلال تلاوه النبى: اهل سنت گفتهاند كه اين كلمه [غرانیق] از تلاوت شيطان بوده كه آن را در خلال تلاوت نبی القا كرده است.»[4]
كذلك ورد في أخبار الآحاد المدوّنة في العصر العباسي أن ساحراً يهودياً سحر النبي، وأنه بقي على هذه الحال مسحوراً عدة أيام![5] وهذا في حين يقول القرآن الكريم صراحةً: «نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا» (الإسراء47)[6]
ومثلاً يقول الفقيه والأصولي الحنفي الكبير أبو بكر الرازي المشهور بالجصاص (370هـ) رداً على هذا النوع من الأخبار: «وقد أجازوا من فعل الساحر ما هو أطم من هذا وأفظع، وذلك أنهم زعموا أن النبي عليه السلام سُحر...ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعبا بالحشو الطغام:
در مورد فعل ساحر، موردی را مجاز دانستهاند كه بسيار گزندهتر و زشتتر [از بقيهی موارد است] و آن اينكه گمان كردهاند نبی عليه السلام جادو شده است... و نظیر اين اخبار، از جعليات ملحدين است كه به این وسیله، اراذلِ فرومایه را به بازی میگیرند.»[7]
وفي بعض الأخبار أيضاً أن النبي عليه السلام أصدر أوامر باغتيال بعض الشعراء أو بإبادة الأسرى والمقيدين! لكن هل بمجرد أن مؤرخاً ما أو محدثاً ما أورد خبراً في كتابه وربما ادعى صحته، يمكن قبوله؟؟
القرآن الكريم نفسه يصرح بأن عملية اختلاق الرواية والكذب والافتراء على خاتم النبيين عليه السلام بدأت في زمانه هو: «وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ» (النساء81)[8] ينقل الطبري في تفسير هذه الآية عن ابن عباس: «إن هؤلاء يغيرون ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.»[9]
كما أشير في آيات أخرى إلى عملية الافتراء والكذب على النبي عليه السلام على أيدي شياطين الجن والإنس، وهو ما نسميه «مكائد الشيطان»: «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ» (الأنعام 112)[10]
أشار عالم التراث المعاصر الكبير حسن حنفي في كتابه إعادة علم السيرة ـ المجلد الثالث من سلسلة من النقل إلى العقل ـ إلى موضوع مهم لا يخلو من فائدة أن نشير إليه هنا، ثم ندخل مباشرة في دراسة أخبار الآحاد المتعلقة بأكذوبة مذبحة بني قريظة:
«السيرة تاريخ يعتمد على الروايات: روايات ابن إسحاق وابن هشام. السيرة تاريخ من خلال الرواية، لا من خلال المشاهدة العينية أو من خلال تحليل الروايات واستنباط مضمونها. السيرة هي تاريخ رؤية الرواة دون نقد هذه الرؤية بغية الوصول إلى الأحداث التاريخية الموضوعية [Objective]. السيرة هي التاريخ الذي سعى ابن خلدون إلى الخروج منه وكشف أخطاء المؤرخين الذين يعتمدون في مصادرهم على روايات غير مدققة...[11] كل موضع في السيرة مملوء بـ قال ابن إسحاق أو قال ابن هشام. لا يوجد تاريخ وراء النقل؛ لذا فالسيرة تاريخ ذاتي [Subjective] وليس تاريخاً موضوعياً [Objective]»[12]
نعرض في البداية ملخصاً لقصة بني قريظة ـ استناداً إلى أقدم رواية ـ ثم نثبت وهنها وتهافتها من عدة وجوه:
عقد النبي عليه السلام فور وصوله إلى المدينة معاهدة صلح مع اليهود. لكن أثناء غزوة الخندق وفترة الحصار الصعب للمدينة من قبل القبائل المقاتلة، نقض يهود بني قريظة هذا العهد، وأبلغ زعيمهم كعب بن أسد المقاتلين من قريش باستعداده للحرب ضد أهل المدينة. ولما وصل خبر نكث العهد هذا إلى النبي عليه السلام، أرسل عدداً من الصحابة صوب حصون بني قريظة للتحقق من صحة الأمر. فلما جاء رسل النبي هؤلاء إلى بني قريظة وجدوا الوضع أسوأ بكثير مما سمعوا، حتى إن زعماء بني قريظة أعلنوا: «مَن رسول الله بعدُ؟ لا عهد ولا ميثاق صداقة بيننا وبين محمد.»[13] بعد انتهاء حصار المدينة ـ المعروف بغزوة الأحزاب أو الخندق ـ أمر النبي عليه السلام بالتحرك سريعاً صوب حصون يهود بني قريظة. استمر حصار هذه الحصون 25 يوماً حتى استسلموا بالكامل.[14]
ينقل ابن هشام وآخرون أنه في الليلة الأخيرة من الحصار؛ جمع كعب بن أسد قومه وقال لهم: «أعرض عليكم ثلاث خصال. قالوا: وما هن؟ قال كعب: [الخصلة الأولى] أن نتبع هذا الرجل [=محمد] ونصدقه، فوالله لقد تبين لكم أنه نبي الله حقاً... وبذلك تسلمون على أنفسكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. قال اليهود: كلا! لن نترك حكم التوراة أبداً... قال كعب: إذ لم تقبلوا مني هذه [الأولى]، فهلموا نقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه بالسيوف مشهورة... قال قومه: أنقتل هؤلاء النساء والأطفال الضعفاء؟ وأي معنى للحياة الطيبة بعدهم؟ قال كعب: فإن أبيتم هذه أيضاً، فهلموا الليلة، فإنها ليلة السبت، ولعل محمداً وأصحابه آمنون ألا نهاجمهم، فنشن الغارة عليهم... قال يهود بني قريظة: كيف نفسد سبتنا بهذا الفعل»[15]
بعد أن رفض يهود بني قريظة جميع المقترحات الثلاثة التي عرضها عليهم زعيمهم، أرسلوا إلى النبي عليه السلام يطلبون منه أن يرسل إليهم أبا لُبابة ـ وهو من حلفاء قبيلة الأوس ـ ليشاوروه. فقبل النبي عليه السلام طلبهم هذا وأرسل أبا لبابة إلى بني قريظة. فاستشاره بنو قريظة فأشار عليهم بالاستسلام، وأفهمهم أنهم سيُقتلون إن استسلموا. وبعد خروج أبي لبابة من عند اليهود، عدَّ نفسه خائناً للنبي والمسلمين لأنه كشف لهم عن مصيرهم، فتوجه مباشرة إلى المسجد وربط نفسه بسارية فيه، حتى أُخبر النبي عليه السلام بعد ستة أيام بأن الله قد قبل توبة أبي لبابة، فحلَّ عليه السلام وثاقه بنفسه. وعلى أية حال، فقد قبل يهود بني قريظة رأي أبي لبابة رغم علمهم بأنهم سيُقتلون، واستسلموا دون أي قتال أو مقاومة. عند ذلك جاءت قبيلة الأوس، وهم حلفاء بني قريظة القدامى، إلى النبي عليه السلام وطلبوا منه أن يرفق بيهود بني قريظة. فقال لهم النبي عليه السلام: «أراضيتم لو حكم فيهم رجل منكم؟»[16] فقبلوا هذا الاقتراح، وفوَّض النبي عليه السلام الحكم في شأن بني قريظة إلى سعد بن معاذ. فحكم سعد قائلاً: «إني أحكم في بني قريظة أن تُقتل مقاتلتهم، وتُقسم أموالهم، وتُسبى ذراريهم ونساؤهم»[17] فارتضى النبي عليه السلام حكم سعد هذا وسماه حكماً إلهياً نال ختم القبول من فوق سبع سماوات.[18] وقال يهود بني قريظة أنفسهم: «يا محمد، قد رضينا بحكم سعد بن معاذ»[19] ويكتب ابن هشام في تكملة هذه القصة: «فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في دار امرأة من بني النجار يقال لها بنت الحارث، ثم خرج إلى سوق المدينة ـ التي هي سوقها اليوم ـ فأمر بأن تُحفر فيها خنادق، ثم أُتي بيهود بني قريظة فضُربت أعناقهم في تلك الخنادق أرسالاً... وكان عدد القتلى ستمائة أو سبعمائة. وقد ذكر من قال إن عدد قتلى بني قريظة أكثر من ذلك أعداد الثمانمائة والتسعمائة.»[20]
هذا ملخص لقصة مذبحة بني قريظة كما وردت في أحد أقدم المصادر وأوثقها، وهو سيرة ابن هشام. والقارئ المدقق سيدرك للوهلة الأولى التناقضات الهائلة في هذه القصة، لكننا سنبين بطلانها من ثلاثة أوجه:
أ) الوهن في منطق السرد القصصي
الاعتراض الأول: يرد في هذه القصة أن اليهود رفضوا اقتراح قتال النبي عليه السلام الذي طرحه زعيمهم كعب بن أسد. فكيف يعقل أنهم، وهم على علم بموتهم المحتوم وبسوء مصير نسائهم وأطفالهم، يذعنون لاقتراح أبي لبابة؟ وما هو وجه أفضلية اقتراح أبي لبابة ومزيته على اقتراح كعب بن أسد؟
الاعتراض الثاني: يرد في هذه القصة أن يهود بني قريظة دعوا أبا لبابة الأنصاري طواعية وبلهفة ليشاوروه، وقبلوا رأيه في النهاية. وكانوا يعلمون أن أبا لبابة من جملة المسلمين وأصحاب النبي عليه السلام، وبالتالي فهو عدو لهم وليس صديقاً. فلماذا، والحال هذه وفي ظل الظروف العصيبة لحصار المسلمين لقلعتهم، يقبلون كلام عدوهم بدلاً من طاعة زعيم قومهم وكبيرهم كعب بن أسد؟
الاعتراض الثالث: أبو لبابة الذي كان من كبار المسلمين والأنصار، ودخل حصن بني قريظة بإذن النبي عليه السلام، لماذا لم يدعُ اليهود إلى الإسلام وتصديق نبوة خاتم النبيين عليه السلام؟ ولماذا لم يطلب النبي عليه السلام من أبي لبابة أن يدعو بني قريظة إلى الإسلام؟ هذا السؤال مهم وحيوي بشكل خاص لأن يهود بني قريظة كانوا يتقبلون رأي ونظر أبي لبابة، ولهذا دعوه إلى حصنهم. ففي ظل هذه الظروف، لماذا دعاهم إلى الموت الجماعي بدلاً من أن يعرض عليهم الإسلام؟
الاعتراض الرابع: ورد في المصادر نفسها أنه في الليلة التي سبقت استسلام بني قريظة، خرج أحدهم واسمه عمرو بن سعدي من حصنهم وسلم نفسه للنبي عليه السلام وأصحابه، وقال: «أنا عمرو بن سعدي... ولن أخون محمداً أبداً»[21] ذهب إلى المسجد وبقي هناك حتى الصباح، وبهذا نجا من عقوبة الموت. وقد فسّر مؤرخون ومحدثون كبار مثل ابن الأثير الجزري (630هـ)،[22] وابن حجر العسقلاني (852هـ)[23] وغيرهم هذا الفعل منه بأنه إسلام، واعتبروا عمرو بن سعدي من صحابة النبي.[24] وجاء في بعض الروايات أنه أعلن براءته من نقض قومه للعهد وخرج من بينهم.[25] وبهذه التفاصيل، يتضح أكثر أن إسلام أي فرد من يهود بني قريظة، أو على الأقل إعلان براءته من خيانة المسلمين، كان سيؤدي إلى نجاته هو وأسرته. فلماذا لم يقدموا على هذا الأمر؟
الاعتراض الخامس: ورد أيضاً في هذه القصة أن ثلاثة أشخاص آخرين ممن كانوا في الحصن – أسماؤهم ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وعمهم أسد بن عبيد – وكانوا من قبيلة بني هدل،[26] خرجوا من الحصن في الليلة التي سبقت استسلام بني قريظة للموت المحتوم، وأسلموا. يكتب الواقدي: «أسلم هؤلاء الثلاثة وجعلوا أنفسهم وأهليهم وأموالهم في أمان.»[27] وهذا يثبت أيضاً أن إسلام بني قريظة – أي الإقرار اللفظي بالشهادتين – كان سيؤدي إلى نجاة أرواحهم وحفظ أموالهم وأسرهم. فلماذا لم يختاروا هذا الطريق البسيط، ولماذا لم يقدم لهم أبو لبابة أو النبي عليه السلام هذا الاقتراح؟
الاعتراض السادس: أما بخصوص عدد القتلى في هذه القصة، فالخلاف فيه كبير لدرجة تزيد من تفاقم الفجوات المنطقية فيها. وقد رأينا سابقاً أن ابن هشام نفسه يذكر عدة أعداد: ستمائة، وسبعمائة، وثمانمائة، وتسعمائة شخص.[28] والعجيب أن ابن هشام يذكر في موضع آخر نقلاً عن أبي عمرو المدني أن العدد نحو أربعمائة شخص![29] وقد أضاف الواقدي عدد سبعمائة وخمسين شخصاً إلى هذه المجموعة من الأعداد.[30] بل إن بعض المؤرخين السلف تجنبوا حتى ذكر عدد الأشخاص، فمثلاً قاسم بن سلام (224هـ) يكتفي بالقول إن جماعة من رجال بني قريظة قُتلوا،[31] وفي بعض نسخ كتابه نفسه ورد عدد أربعين شخصاً.[32]
الاعتراض السابع: ورد في الروايات أن رجلين من بني قريظة يُدعيان رِفاعة بن سَمَوأل وزُبير بن باطا نالا العفو بشفاعة رجلين من المسلمين. طلب رفاعة من أم المُنذِر أن تشفع له عند النبي عليه السلام. فقبل النبي عليه السلام طلب أم المنذر وعفا عن قتل رفاعة.[33] وقيل إن رفاعة أسلم لاحقاً.[34] وكذلك كان زبير بن باطا، وهو رجل آخر من بني قريظة، قد جعل ثابت بن قيس وسيطاً له لدى النبي عليه السلام ليعفو عن دمه وماله وعن سبي نسائه وأبنائه. فقبل النبي عليه السلام طلب ثابت بن قيس وعفا عن زبير بن باطا. لكن زبيراً نفسه لما رأى أن جميع عظماء بني قريظة قد قُتلوا قال: «يا ثابت! إني أطلب إليك أن تلحقني بقومي، فوالله ما أرى طيب العيش بعدهم... فقبل ثابت طلبه وضرب عنقه»[35]
والآن، وبالنظر إلى هذه الواقعة، تبرز أسئلة مهمة أخرى: إذا كان حكم الإبادة الجماعية لرجال بني قريظة البالغين حكماً إلهياً، فكيف يُلغى هذا الحكم بوساطة اثنين من الصحابة في حالتي رفاعة وزبير بن باطا؟؟ وهل يمكن لوساطة الأقارب والمعارف أن تشكل مانعاً أمام تنفيذ حكم الله؟؟ وإذا كانت هذه الوساطة بهذه الدرجة من النفع، فلماذا لم يفعل بقية أولئك المئات مثل هذا الفعل لينقذوا أنفسهم وأموالهم ونساءهم وأبناءهم؟؟
الاعتراض الثامن: استناداً إلى جميع صيغ روايات أكذوبة بني قريظة، لم يكن للنبي عليه السلام أي دور في إصدار الحكم!! فهو في المرتبة الأولى يقبل اقتراح قبيلة الأوس ويُسند التحكيم إلى رجل منهم ـ وهو سعد بن معاذ ـ وفي المرتبة الثانية يتقبل حكم سعد دون أي اعتراض ويصفه بأنه حكم الله. والسؤال الآن هو: ماذا لو حكم سعد بشيء آخر غير قتل بني قريظة، كأن يحكم مثلاً بترحيل اليهود أو العفو عنهم أو محاكمة الزعماء الخائنين فقط ـ لا جميع الرجال ـ فماذا كان النبي عليه السلام سيفعل؟ ذلك أنه في هذه الحالة، كان سعد قد قضى بخلاف حكم الله، وكان على النبي عليه السلام، بسبب الوعد المطلق الذي قطعه للأوس، أن يتقبل أي حكم يصدر عن سعد. فهل مع هذه التفاصيل، يُعتبر كل ما قاله سعد حكماً من الله؟ وكيف يُعقل أن يكون كل حكم هو حكم الله؟
الاعتراض التاسع: لماذا ينبغي في قضية بهذه الأهمية أن يترك النبي عليه السلام القضاء النهائي ـ بسبب الارتباطات القبلية ـ بيد أحد أصحابه؟ مع أن احتمال خطئهم وزللهم وارد جداً؟؟
الاعتراض العاشر: يهود بني قريظة الذين اختبأوا في الحصون لأكثر من عشرين يوماً خوفاً على حياتهم، لماذا رضوا بموتهم وبسبي نسائهم وأبنائهم بهذه السهولة ودون أي مقاومة، ولم يبدوا أي اعتراض أو محاولة لإنقاذ أنفسهم أو تغيير هذا الحكم؟ ولماذا لم يقبلوا حتى بالتلفظ صورياً بجملتي "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله" للخلاص من هذه العاقبة المرة؟
الاعتراض الحادي عشر: إذا افترضنا أن عدد الرجال المقتولين يناهز الستمئة، وافترضنا أيضاً أن ثلثي هؤلاء الرجال كانوا متزوجين ولديهم أبناء، فإن عدد الأسرى في هذه الواقعة سيكون في نهاية المطاف نحو ثمانمئة امرأة وطفل على الأقل. والسؤال الآن هو: ما هو مصير هؤلاء المئات من النساء والأطفال؟ وكيف أمكن تأمين احتياجاتهم المعيشية؟ ولماذا لا يوجد أي أثر لهؤلاء الأفراد في التاريخ؟ جدير بالذكر أن رقم الثمانمئة هذا من النساء والأطفال هو بافتراض الحد الأدنى من الأفراد، وإلا فإنه استناداً إلى منطق هذه القصة، يمكن تقدير هذا العدد ليصل إلى آلاف الأشخاص.
لقد عددنا إحدى عشرة معضلة كبرى في هذه القصة، مع أن وجود حالتين أو ثلاث من هذه التناقضات والانقطاعات المنطقية العميقة كفيل بأن يهدم بناء هذه الواقعة برمتها.
ب) وهن منطق القصة من منظور القرآن
الاعتراض الثاني عشر: لقد حصر القرآن الكريم مصير الأسرى في الحرية إما بفدية أو بدون فدية. (محمد: 4) ويمكن بالطبع استثناء الحالات القليلة لأشخاص ارتكبوا جرائم أخرى قبل بدء الحرب. فهؤلاء ينبغي بعد أسرهم أن يحاكموا على جرائمهم الأخرى. ومن الواضح أن حساب الأغلبية الساحقة من الجنود العاديين الذين يقعون في الأسر يختلف عن حساب القلة من المجرمين وزعماء العدوان.
وهذا الموضوع مطروح حتى في مسائل القانون الحديث، والمصطلح الحديث «war crime» أو «جريمة الحرب»[36] الموجود في مباحث القانون الدولي يحمل هذا المعنى ذاته:
«عمل يقع أثناء الحرب وينتهك القوانين الدولية المقبولة بشأن الحرب.»[37]
«جريمة مثل الإبادة الجماعية أو إساءة معاملة السجناء، تقع أثناء الحرب أو تتعلق بها»[38]
ومن الواضح بالطبع أن هذه المفاهيم القانونية الحديثة لا يمكن اعتبارها معادلة تماماً لمفاهيم العصور القديمة، لكن يمكن تتبع آثار هذه المفاهيم ذاتها بشكل بسيط وساذج في الأطر القانونية لتلك العصور.
أسير الحرب هو من يُؤسر أثناء المواجهة العسكرية. لذا، من المحتمل جداً أن يكون الأسير قد قتل أو جرح فرداً أو أفراداً من الطرف المقابل أثناء الحرب وقبل أسره. ولكن على الرغم من هذا الاحتمال، يبقى حكم القرآن بشأن أسرى الحرب حكماً إنسانياً للغاية ينتهي بهم الأمر في النهاية إلى الحرية. ومن الجلي أن مستسلمي بني قريظة هم أكثر استحقاقاً للرحمة حتى من الأسرى، لأنهم لم تكن لديهم إمكانية القتال وإلحاق الأذى بالمسلمين، وهم عملياً لم يقاتلوا المسلمين حتى يُأسَروا. ونتيجة لذلك، كان ينبغي أن تكون طريقة التعامل معهم أكثر رأفة بكثير من طريقة التعامل مع أسرى الحرب الذين وقعوا في الأسر أثناء القتال. فكيف إذن، بناءً على هذه الأكذوبة، يُقتل جميع رجال بني قريظة – الذين استسلموا هم أنفسهم دون مقاومة؟
الاعتراض الثالث عشر: بافتراض أن عقوبة الخيانة ونقض العهد من عظماء وقادة بني قريظة هي الموت، مع أنها ليست كذلك. ولكن هل من العدل أن تُعمم العقوبة المختصة بقادتهم وزعمائهم الخائنين على جميع رجالهم البالغين؟ هذا في حين أنه قد ورد مراراً في القرآن الكريم: «لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ» (الإسراء: 15، الأنعام: 164 و...)[39]
الاعتراض الرابع عشر: يعدد القرآن الكريم إحدى صفات الأبرار (المحسنين) على النحو التالي: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا» (الإنسان: 8)[40] فهل يتوافق حقاً قتل مئات الأشخاص الذين استسلموا دون أي مقاومة مع مضمون هذه الآية والصورة التي يقدمها القرآن الكريم عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام؟[41]
الاعتراض الخامس عشر: لقد ادعى معظم المفسرين أن هذه الآيات نزلت في يهود بني قريظة: «وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا» (الأحزاب: 26)[42]
إذا صح هذا الادعاء فإن هذه الآية نفسها تُعد أكبر تفنيد لهذه القصة؛ لأنها تشير إلى أناس هبوا لنصرة المقاتلين في غزوة الأحزاب، ثم قُتل بعضهم في الاشتباك مع المسلمين، ووقع بعضهم الآخر في الأسر. ولم تُشر الآية البتة إلى أسر النساء والأطفال، بل تقول إن فريقاً من هؤلاء الخونة أُسر وفريقاً آخر قُتل. ومن الواضح أن هناك فرقاً بين «الأسير» و«المُستسلم». فالأسرى غالباً ما يُؤسرون في ميدان المعركة بسبب إصابتهم، أو يستسلمون للعدو حين يرون ضعف قدرتهم القتالية أو انعدامها. لكن رجال بني قريظة المستسلمين في هذه الأكذوبة العباسية لا يشبهون الأسرى في شيء؛ فهم لم يدخلوا أساساً في اشتباك عسكري حتى يُعدوا أسرى، بل استسلموا دون أي مقاومة وبمحض إرادتهم لحكم الإعدام الجماعي!
سنُبيّن في نهاية هذه المقالة أنه إذا كان الدليل الوحيد على حادثة بني قريظة هو هذه الآية، فإن الحادثة برمتها قد وقعت على نحو آخر تؤيده حتى بعض الروايات، وسنشير إليها.
الاعتراض السادس عشر: يقول القرآن الكريم في وصف عصاة اليهود: «وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ» (البقرة: 96)[43]
يكتب الطبري في تفسيره: «تقول هذه الآية: يا محمد! لتجدنَّ أحرص الناس على الحياة الدنيا اليهودَ، وهم أشد الناس كراهية للموت.» ثم ينقل هذا التفسير نفسه عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما.[44] لا شك أن أساس أكذوبة بني قريظة يتعارض مع المعنى الصريح لهذه الآية. ففي جميع صيغ روايات بني قريظة، يُوحى إلى القارئ بأن مئات اليهود لا يرضون بالتخلي عن مُثُلهم حتى لو كان الثمن موتهم وأسر نسائهم وأطفالهم، وقد صاغ لهم الوضّاعون في العصر العباسي صورة بطولية! والحال أنه وفقاً لتلك الروايات نفسها، لو أن أيّاً منهم تبرأ من خيانته، أو استشفع بأحد وتوسّط له، أو رضي - ولو ظاهرياً - أن يُسلم وينطق بالشهادتين، لنجا بنفسه من هذه المهلكة قطعاً. فكيف إذن يرتضي مئات أو عشرات اليهود العصاة الخونة، الذين هم - بتعبير القرآن - أحرص الناس على حفظ حياتهم واستمرارها، ويتمنون العيش ألف سنة، أن يستسلموا بهذه السهولة لموت بارد وطوعي ومصير بهذه المرارة؟؟
ج) وهاء إسناد القصة من منظور علم الرجال
الاعتراض السابع عشر: ظلت الروايات المتعلقة بالسيرة تُتداول شفهياً مدة طويلة، إلى أن كلّف المنصورُ الخليفةُ العباسي (158هـ) ابنَ إسحاق بتدوين كتاب تاريخي لابنه المهدي، يمتد من زمن آدم حتى عصره. وبعد أن دوّن ابن إسحاق كتابه، لخّصه المنصور ووضع الكتاب الأصلي في الخزانة.[45] وقد توفي ابن إسحاق سنة 151 هجرية.[46] ثم دوّن ابن هشام (218هـ) سيرته المشهورة استناداً إلى تاريخ ابن إسحاق. وإضافة إلى التغييرات التي أُدخلت على كتاب ابن إسحاق على يد المنصور وابن هشام وغيرهما، فمن البديهي تماماً أن تكون اختلافات الرواة وأهواؤهم وضعف الذاكرة والنسيان وفقدان وسائل الكتابة... إلخ، قد أثّرت في هذه الروايات. كما أنه من الطبيعي أن تكون هذه الروايات قد تأثرت بزمن التدوين وبالثقافة السائدة آنذاك وبشخصية المؤلف أو المؤلفين. وفيما يلي سنلقي نظرة موجزة على ما قاله بعض كبار علماء الرجال في شأن محمد بن إسحاق بن يسار - المعروف بابن إسحاق - وسنفحص اعتبار رواياته من منظور علماء الرجال.
وُلد ابن إسحاق سنة 80هـ في المدينة المنورة.[47] كان جدّه يسار من أسرى معركة عين التمر وأول أسير يصل إلى المدينة قادماً من العراق.[48] وعليه، كان جدّ ابن إسحاق من الموالي[49] وبطبيعة الحال كان هو نفسه يُعرف في المدينة بصفة الموالي. النقطة المثيرة للاهتمام بشأن معركة عين التمر هي أن قصة فتح هذه القلعة على يد خالد بن الوليد تشبه قصة بني قريظة؛ أي أن خالداً في حادثة عين التمر أيضاً قام بقتل جميع الأسرى الرجال – أي أجداد ابن إسحاق. يكتب الطبري في أحداث سنة 12 للهجرة: «توجّه خالد إلى أهل الحصن فعسكر بهم، ومعه عقة وعمرو بن الصعق، وكانا يرجوان أن يكون خالد كسائر محاربي العرب، فلما رأيا أنه يريد قتلهما استأمناه فأبى... فلما افتتح الحصن دفعه إليهم فأُسروا، وأمر خالد فضُربت أعناق عقة – الذي كان حامي قومه – حتى ييأس بقية الأسرى من النجاة... ثم دعا خالد بعمرو بن الصعق فضرب عنقه، وضرب أعناق جميع أهل الحصن.»[50]
ليس من المستبعد أن تكون هناك شوائب من الوضع والافتعال في هذه الرواية أيضاً، وأن يكون ابن إسحاق قد اختلق حادثة بني قريظة متأثراً بمثل هذه الروايات. لنرَ الآن ما هو رأي المحدّثين وعلماء الرجال في ابن إسحاق؟
يقول ابن سعد: «و من الناس من تكلم فيه»[51] أي أن هناك من اتهمه بالكذب.
صنّف رجالي كبير هو أبو جعفر العُقيلي (322هـ) ابن إسحاق ضمن الرواة الضعفاء، ونقل عن كبار محدّثي السلف: مالك بن أنس (إمام المذهب المالكي)، وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد القطّان أنهم جميعاً وصفوا ابن إسحاق بالكذّاب.[52] كما وصفه سليمان التيمي بالكذّاب تحديداً.[53] نُقلت عن يحيى بن معين آراء متباينة بشأن ابن إسحاق، وفي إحدى الروايات وصفه بالضعيف.[54] كما اتهمه أحمد بن حنبل بالتدليس وقال عنه: «روايته ليست بحجة»[55] وقال النسائي – أحد أصحاب الكتب الستة الحديثية لأهل السنة (الصحاح الستة) – عن ابن إسحاق: «ليس بالقوي» وكان الدارقطني يرى أن روايته لا تقوم بها حجة.[56]
علاوة على هؤلاء، أورد ابن الجوزي الحنبلي (597هـ) والرجالي البارز ابن عدي الجرجاني (365هـ) اسم ابن إسحاق في عداد الرواة الضعفاء والمتروكين.[57]
على الرغم من أن غالبية المحدّثين والرجاليين قد اتهموا ابن إسحاق بالضعف والكذب، إلا أن البعض قد وثّقه. لكننا اكتفينا هنا بذكر جزء من الانتقادات والجروح الموجهة إليه لنذكّر بهذه القاعدة الرجالية المهمة وهي أن جرح الراوي مقدّم على تعديله، أي أن وجود الطعن في الراوي يزعزع وثاقته حتى لو مُدح في الوقت نفسه. يكتب ابن حجر العسقلاني: «قال الخطيب البغدادي: اتفق العلماء على أنه متى جرح الراوي واحد أو اثنان، وعدّله مثل ذلك العدد، فالجرح به أولى... فلهذا كان الجرح مقدماً على التعديل. قال الخطيب [البغدادي]: فإن عدّله جماعة وجرّحه أقل منهم، فالذي عليه جمهور العلماء أن الأخذ بالجرح به أولى والعمل بمقتضاه»[58]
ويقول ابن خلدون أيضاً في مقدمته: «المعروف بين أهل الحديث أن الجرح مقدّم على التعديل، فمتى وُجد في الراوي عيبٌ بسبب غفلة أو خلل في ضبط الرواية أو سوء رأي، فإن هذه العيوب تقدح في صحة الحديث وتُضعفه.»[59]
لذا، وبناءً على الأسس الكلاسيكية لعلماء الرجال، فإن وجود أدنى قرينة أو دليل ضد أيٍّ من روايات ابن إسحاق، سيؤدي إلى إسقاط تلك الرواية من درجة الاعتبار، فكيف الحال برواية متناقضة وعجيبة مثل مذبحة بني قريظة.
كلمة ختامية
إن الروايات المختلة كقصة بني قريظة، تعرضت للنقد والمعارضة الجادة منذ بداية اختلاقها ووضعها، وليس صحيحاً أن هذه الانتقادات وليدة العصر الحديث. فعلى سبيل المثال، يذكر ابن حبان البستي (354هـ) أحد أسباب معارضة الإمام مالك بن أنس (179هـ) الشديدة لابن إسحاق وتكذيبه له، فيقول:
«إنما كان مالك يعيب ابن إسحاق باتباعه منقولات أحفاد اليهود الذين أسلموا عن مغازي النبي صلى الله عليه وسلم؛ أولئك المسلمون الجدد الذين حفظوا قصص خيبر وقريظة والنضير وأشباه هذه القصص عن أسلافهم، وكان ابن إسحاق يتبع منقولاتهم تلك.»[60]
لكن للأسف، اتجهت الأغلبية من المعاصرين، بحجج واهية، إلى تقديس منقولات المؤرخين والمحدثين من عصور تدوين التراث الإسلامي، وانشغلوا بتبرير تلك المنقولات دون أدنى نقد. يقول حسن حنفي: «النقد غائب عن معظم كتابات السيرة المعاصرة، لأن النقد القديم لا يزال مقترناً بالمخاطرة.»[61]
ما أكثر الكتب التي، تحت عناوين طنانة مثل «مقاربة جديدة...»، «بحث في...»، «بحث جديد في...» إلخ، تنشغل في الواقع بتكرار وتقليد المنتجات نفسها من العصر العباسي، ولا تحل أي عقدة من معضلاتها وتناقضاتها.[62] ومع ذلك، يوجد في هذا السياق قلة من المحققين والباحثين الذين خاضوا هذا المجال باحثين. ففيما يتعلق بحادثة بني قريظة، بالإضافة إلى المتقدمين كالإمام مالك، فإن بعضاً من دارسي التراث المعاصرين لم يقبلوا بهذه الحادثة – بالصورة الشائعة لها. يكتب الأستاذ جعفر شهيدي:
«إن قصة مذبحة يهود بني قريظة قامت منذ البداية على منافسات الأوس والخزرج. قال الأوس للنبي: عامل حلفاءنا كما عاملت حلفاء الخزرج، وهب لنا الأسرى! فلم يقبل النبي، وجعل الحكم بيد سعد بن معاذ. في هذا النقل، يريد راوي القصة – الذي يُحتمل أنه من قبيلة الخزرج أو يروي القصة لمصلحتهم – أن يُظهر عظمة قومه في نظر النبي أكثر من منافسيهم. والاختلاف الملاحظ في كيفية قتل الأسرى جدير بالانتباه... علاوة على ذلك، لقد رأينا سيرة النبي في الحروب قبل بني قريظة وبعدها، فقد كان دوماً يقدم الرأفة والعفو على الانتقام والقتل... لكن على أي حال، تتضح حقيقة جلية، وهي أنه في قبول وثائق القرنين الأول والثاني (فترة ما قبل التدوين المكتوب) لا ينبغي الاكتفاء بمجرد نقل الرواة... ففي حالة يهود بني قريظة، ترفض القرائن الخارجية عموماً وقوع مثل هذه المذبحة الجماعية. ويبدو أن قصة بني قريظة قد تم التلاعب بها وتحريرها بعد سنوات من تاريخ الواقعة، وعندما كان الجيل الذي حضر ذلك الحصار قد انقرض، على يد راوٍ من قبيلة الخزرج، ليبينوا بهذه الطريقة أن حرمة قبيلة الأوس عند النبي (ص) لم تكن بمقدار حرمة قبيلة الخزرج، ولهذا لم يقتل النبي حلفاء الخزرج، بينما ضرب أعناق حلفاء الأوس. كما أراد أن يظهر أن رئيس قبيلة الأوس لم يراع جانب حلفائه.»[63]
كما قام الدكتور وليد عرفات في مقال مفصّل بالتشكيك في المستندات الروائية لهذه الأكذوبة،[64] وكذلك تناول الدكتور بركات أحمد في كتابه بالتفصيل تناقضات هذه الحادثة[65] ويرى الدكتور حسن حنفي أنها تتناقض مع رحمة الإسلام وعفو النبي والعقاب الفردي.[66]
وفي الختام، ينبغي القول إنه إذا كانت لهذه الروايات نصيب من الحقيقة، فيجب إعادة بنائها على نحو لا يتعارض مع مسلّمات القرآن وسائر القرائن العقلية والنقلية. يمكن أن نجد في بعض الروايات شواهد تدل على أن قصة بني قريظة وقعت بشكل مختلف عن الرواية المشهورة والمتداولة، ونحن نعتقد أن هذه الرواية المختلفة أقرب إلى الواقع. فعلى سبيل المثال، يكتب الواقدي:
«حدثني ثوري عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة قال: قال رجل من اليهود يوم بني قريظة: من يبارز؟ فقام إليه الزبير فقاتله.»[67]
تُظهر هذه الرواية أن بني قريظة دخلوا المعركة فعلاً، ورغم أن الواقدي يشكك في نسبة هذه الرواية إلى حادثة بني قريظة،[68] إلا أنه ينبغي القول إنه إذا أُعيد بناء حادثة بني قريظة بالشكل الذي رُويت به في القرآن، فسوف تتحول من حالة قتل الأسرى إلى مواجهة عسكرية، وستكون القصة أن بعض يهود بني قريظة دخلوا فعلاً في مواجهة عسكرية مع النبي عليه السلام، وقُتل بعضهم في الحرب في نهاية المطاف، وأُسر من بقي منهم على قيد الحياة:
«وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا» (الأحزاب 26)[69]
.
.
ـ ابن الأثير، علي بن محمد. أسد الغابة في معرفة الصحابة. بيروت: دار الفكر، 1989
ـ ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني. الإصابة في تمييز الصحابة. بيروت: دار الكتب العلمية، 1415، طـ1
ـ ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني. تهذيب التهذيب. الهند: مطبعة دائرة المعارف النظامية، 1326، طـ1
ـ ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني. فتح الباري شرح صحيح البخاري. بيروت: دار المعرفة، 1379
ـ ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني. لسان الميزان. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1971، طـ2
ـ ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. ديوان المبتدأ والخبر. بيروت: دار الفكر، 1988، طـ2
ـ ابن سعد، محمد. الطبقات الكبرى. بيروت: دار صادر
ـ ابن هشام، عبد الملك.السيرة النبوية. مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1955، طـ2
ـ أبو عبيد، القاسم بن سلّام. الأموال. القاهرة: دار الشروق، 1989، طـ1
ـ أحمد، بركات. محمد واليهود. ترجمة: محمود علي مراد. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996
ـ أداك، صابر. رحمت نبوي خشونت جاهلي. تهران: نشر كوير، 1389شـ، چـ1
ـ أمين، أحمد. ضحى الإسلام. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب
ـ أمين، أحمد. فجر الإسلام. بيروت: دار الكتاب العربي، طـ10
ـ البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. دار طوق النجاة، 1422، طـ1
ـ البُستي، محمد بن حبان. الثقات. الهند: دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، 1973، طـ1
ـ البغدادي، عبد القاهر بن طاهر. الفرق بين الفِرَق. بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1977، طـ2
ـ الجَصّاص، أحمد بن علي. أحكام القرآن. بيروت: دار الكتب العلمية، 1994، طـ1
ـ الجوزي، عبد الرحمن بن علي. الضعفاء والمتروكون. بيروت: دار الكتب العلمية، 1406، طـ1
ـ حنفي، حسن. من النقل إلى العقل. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013
ـ الذهبي، محمد بن أحمد. سير أعلام النُبَلاء. بيروت: مؤسسة الرسالة
ـ الذهبي، محمد بن أحمد. ميزان الاعتدال في نقد الرجال. بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر، 1963، طـ1
ـ شهيدي، سيد جعفر. تاريخ تحليلي إسلام تا پایان أمويان. تهران: مركز نشر دانشگاهي، 1385شـ، طـ38
ـ صادقي، مصطفى. پيامبر و يهود حجاز. قم: بوستان كتاب، 1385شـ
ـ الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك). بيروت: دار الكتب العلمية، 1407، طـ1
ـ الطبري، محمد بن جرير. تفسير الطبري (جامع البيان في تأويل القرآن). بيروت: مؤسسة الرسالة، 2000، طـ1
ـ العُقَيلي، محمد بن عمرو. الضعفاء الكبير. بيروت: دار الكتب العلمية بيروت، 1998، طـ2
ـ النووي، يحيى بن شرف. التقريب والتيسير في أصول الحديث. ترجمة وتعليق: سيد عدنان فلاحي. تهران: نشر إحسان، 1394شـ، چـ1
ـ الواقدي، محمد بن عمر. المغازي. بيروت: دار الأعلمي، 1989، طـ3
.
.
[1]. انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، 1/205 و الطبري، تاريخ الطبري، 1/551
[2]. خبر الواحد، يُطلق على الرواية أو الحديث الذي لم يبلغ درجة «التواتر». وهذا النوع من الأخبار يفيد الظن من وجهة نظر غالبية علماء المذاهب الإسلامية، ولا يمكن أن يكون يقينياً. للمطالعة التفصيلية في هذا الشأن، راجع مقدمة كاتب هذه السطور على هذا الكتاب: النّوَوي، التقريب والتيسير في أصول الحديث، ترجمة سيد عدنان فلاحي، ص9 ـ22.
[3]. ابن حجر، فتح الباري، 8/439
[4]. البغدادي، الفَرق بين الفِرَق، ص210
[5]. مثلاً انظر: ابن هشام، السيرة النبوية، 1/515 و: البخاري، صحيح البخاري، ش3268،5763 و...
[6]. {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} (الإسراء: 47-48)
[7]. الجصاص، أحكام القرآن، 1/58،59
[8]. يقولون: أطعنا، ولكن إذا خرجوا من عندك، يبيّت طائفة منهم غير الذي تقول. والله يكتب ما يبيّتون/ترجمة بختياري نجاد
[9]. الطبري، تفسير الطبري، 8/565
[10]. وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون/ترجمة آيتي
[11]. طبعاً إن مدى نجاح ابن خلدون في هذا الأمر هو موضوع منفصل تماماً.
[12]. حنفي، من النقل إلى العقل، 3/19
[13]. ابن هشام، السيرة النبوية، 2/222
[14]. المصدر نفسه، 2/235
[15]. المصدر نفسه، 2/235،236
[16]. المصدر نفسه، 2/239
[17]. المصدر نفسه، 2/240
[18]. المصدر نفسه، 2/240
[19]. المصدر نفسه، 2/240
[20]. المصدر نفسه، 2/240،241
[21]. المصدر نفسه، 2/238
[22]. انظر: ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، 3/726
[23]. انظر: ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، 4/525
[24]. يكتب ابن حجر عن عمرو بن سعدي: «ذكره الطبري والبغوي وابن شاهين وغيرهم في الصحابة... خرج من حصن بني قريظة حتى أتى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فبات فيه وأسلم.» (ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، 4/525)
[25]. انظر: الواقدي، المغازي، 2/504
[26]. انظر: ابن هشام، السيرة النبوية، 2/238
[27]. الواقدي، المغازي، 2/503
[28]. انظر: ابن هشام، السيرة النبوية، 2/241
[29]. المصدر نفسه، 2/503
[30]. انظر: الواقدي، المغازي، 2/518
[31]. انظر: أبو عبيد، الأموال، ص216
[32]. انظر: صادقي، النبي ويهود الحجاز، ص185
[33]. انظر: ابن هشام، السيرة النبوية، 2/244
[34]. انظر: الواقدي، المغازي، 2/515
[35]. ابن هشام، السيرة النبوية، 2/243
[36]. المعادل العربي لها هو «جريمة الحرب».
[37]. Concise Oxford English Dictionary
[38]. Merriam-Webster Collegiate Dictionary
[39]. وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ / ترجمة فولادوند
[40]. وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا / ترجمة آيتي
[41]. يرى القرآن الكريم أن خاتم النبيين عليه وعليهم السلام رحمة لجميع البشر وليس للمسلمين فحسب: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» (الأنبياء 107)
[42]. وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا / ترجمة آيتي
[43]. وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ / ترجمة فولادوند
[44]. الطبري، تفسير الطبري، 2/369،370
[45]. انظر: أمين، ضحى الإسلام، 2/329،330
[46]. انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، 7/322
[47]. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، 7/34
[48]. المصدر نفسه، 7/35
[49]. الموالي، جمع كلمة «مولى». يكتب الأستاذ أحمد أمين: «كان للسيد أن يعتق غلامه أو جاريته، أي يرد إليهما حريتهما. ولكن بعد العتق؛ تبقى رابطة بين المُعتِق والمُعتَق. وتسمى هذه الرابطة بالولاء... فيقال مثلاً: زيد بن حارثة مولى رسول الله أي عتيقه... وهناك نوع آخر من الولاء لا يكون بسبب العتق، بل حين كان يسلم شخص على يد شخص آخر ويعاقده، كان يدخل في ولائه.» (أمين، فجر الإسلام، ص89)
[50]. الطبري، تاريخ الطبري، 2/324
[51]. ابن سعد، الطبقات الكبرى، 7/322
[52]. انظر: العقيلي، الضعفاء الكبير، 4/23،24
[53]. انظر: الجوزي، الضعفاء والمتروكون، 3/41
[54]. انظر: ابن حجر، تهذيب التهذيب، 9/44
[55]. الذهبي، سير أعلام النبلاء، 7/46
[56]. الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، 3/469
[58]. ابن حجر، لسان الميزان، 1/15
[59]. ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر، 1/389
[60]. البُستي، الثقات، 7/382
[61]. حنفي، من النقل إلى العقل، 3/30
[62]. لئلا نُتَّهم بالتعميم، لا بأس بأن نشير إلى أحد النماذج المنشورة حديثاً من هذا النوع من الكتب، والذي كان أيضاً موضع بحث من قِبَل كاتب هذه السطور: كتاب رسول خاتم (بحث تحليلي في حياة نبي الإسلام) من تأليف الأخ الكريم الأستاذ داود ناروئي، وهو رغم هذا العنوان الطنان، نسخة عصرية من كتابات الواقدي وابن هشام والبيهقي... إلخ.
[63]. شهيدي، تاريخ تحليلي للإسلام، ص88ـ 90
[64]. بيانات مقالته التي تُرجمت أيضاً إلى الفارسية هي كما يلي:
W. N. Arafat, New Light on the Story of Banu Qurayza and the Jews of Medina, Journal of the Royal Asiatic Society of Great Britain and Ireland (1976), pp. 100-107
[65]. انظر: أحمد، محمد واليهود، ص125ـ 158
[66]. انظر: حنفي، من النقل إلى العقل، 3/356
[67]. الواقدي، المغازي، 2/504
[68]. المصدر نفسه، 2/505
[69]. ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا﴾
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.