اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تباينت مواقف محسن كديور وآرش نراقي في مناظرة حول القتل الرحيم؛ إذ يعارضه كديور انطلاقاً من معتقدات دينية، بينما يبرره نراقي بمفهوم «الانتحار المعقول» وكرامة الإنسان.

المقدم (داريوش كريمي): إذا طلب منك أقرب الناس إليك أن تساعده في الانتحار ليتخلص من الألم والمعاناة ومرض عضال، فهل تستجيب لهذا الطلب؟ القتل الرحيم (Euthanasia) مصطلح استُخدم في السنوات الأخيرة في الفارسية للدلالة على القتل بدافع الشفقة، المساعدة على موتٍ ينقذ الشخص من الألم والمعاناة أو الحياة النباتية. هل يمكن تلبية طلب فرد بالمشاركة في موته بالاستناد إلى الأخلاق أو الدين أو الفلسفة؟ هل ينبغي للمجتمعات الإنسانية أن تقنّن القتل الرحيم؟ وفي هذه الحال، ألا ينبغي التفكير في إمكانية إساءة استخدامه؟ لا سيما في بلدان لا يقوم فيها لا الأخلاق ولا القانون على أعمدة راسخة؟ ألا ينبغي التمييز بين أنواع القتل الرحيم؟ ألا ينبغي التفريق بين إيقاف دواء المريض ووصف دواء يؤدي إلى انتحاره؟ ما علاقة القتل الرحيم بالكرامة الإنسانية؟ هل تقتضي كرامة الإنسان أن نحترم حقه في إنهاء حياته؟ أم أن الكرامة الإنسانية تتعارض مع قتل النفس؟ نناقش هذا الموضوع مع ضيوف هذا الأسبوع: محسن كديور، باحث في الدراسات الإسلامية وأستاذ [مدعو] في جامعة ديوك الأمريكية، آرش نراقي، أستاذ الفلسفة والدين في كلية مورافيان في بنسلفانيا الأمريكية، آرزو صفايي وكوثر كوهري، وكلاهما طالبتان. سيد كديور، ماذا ستفعل لو وجدت نفسك في مثل هذا الموقف؟
محسن كديور: إنه موقف صعب للغاية. أسأل الله ألا يضع أحدًا في مثل هذا الموقف. إذا وُجّه إليّ مثل هذا السؤال، أي أن يطلب مني شخص أن أوفر له وسائل انتحاره بسبب ما يعانيه من ألم ومعاناة، فإني قطعًا لن أفعل ذلك، وسأدعوه إلى التحمل والصبر. سأقول له: رغم أنك تتألم الآن – وهو ألم مبرح، وتعاني من وجع شديد – لكن فكر في أن حياتك لا تقتصر على هذه الحياة الدنيوية التي قد تمتد مئة عام، فأنت أمامك حياة أبدية، فكر في تلك الدار براحة وتأمل أن هذا الألم الذي تعانيه ليس عبثًا ولا بلا جدوى. قد يترتب عليه فائدة أو مصلحة تراها في الدار الآخرة، أنت تتألم في محضر الله، وقد تكون هذه الآلام التي تعانيها سببًا لمغفرتك ورفعة منزلتك الأخروية. وقد يكون هذا ابتلاءً لك، وإذا خرجت من هذا الابتلاء مرفوع الرأس فستنال لذة دائمة، وراحة أبدية، وسكينة سرمدية. يبدو أن الإيمان بالله والإيمان بالآخرة يساعداننا على تحمل مثل هذا الموقف. ومن ناحية أخرى، إذا علمنا أن كلا من الانتحار وقتل الغير، بعبارة أخرى قتل النفس وقتل الآخر، حتى بدافع الشفقة، غير جائز، وأن [تقبّله] صعب، فلا بد أن يكون لدينا دليل قوي جدًا جدًا.
المقدم: غير جائز، هل تقصد من الناحية الشرعية؟
كديور: يمكننا النظر إلى هذه المسألة من عدة مناظير: المنظور الأخلاقي، والمنظور الديني، والمنظور الفلسفي، والمنظور القانوني. ومن المثير للاهتمام أن نعرف أن القتل الرحيم أصبح الآن مباحًا قانونيًا في ثلاث نقاط من العالم، دولتان أوروبيتان وولاية في أمريكا، وهناك بضعة بلدان أخرى تأخذ بالتخفيف من العقوبة أو تتغاضى عنها بشكل ما، أي بعبارة أخرى لا تطبق هذه العقوبة. لذلك بدأت ببيان ديني، وهذا البيان يمكن أن يكون بيانًا أخلاقيًا أيضًا، أي من خلال الإيمان بوجود رقيب دائم عليم بأحوال الإنسان، والإيمان بأن الحياة ليست مجرد هذه الحياة الدنيوية القصيرة، وأن الألم يمكن أن يعقبه سلام وسكينة وطمأنينة أبدية، وإذا فكرنا في ذلك فقد نستطيع تحمل هذا الألم، بالإضافة إلى أن بعض هذه الآلام [تخفف] بالمسائل الروحية، فمجرد أن يشعر الإنسان بأنه إذا خرج من الابتلاء مرفوع الرأس فقد يعمّه خير كثير ونفع جزيل.
آرش نراقي: أود أولاً أن أوضح تصوري لظاهرة القتل الرحيم (الإيثانازيا) ثم أعبر عن موقفي منها. في نظري، ظاهرة الإيثانازيا هي أن نتسبب في موت شخص ما أو ألا نمنع موته – بشرط أن [1] يعاني ذلك الفرد من مرض مؤلم وعضال؛ [2] ويكون موته في مصلحته، و[3] يكون هو نفسه قد طلب الموت مراراً بوعي واختيار، و[4] ألا يكون لدى الشخص الذي سيساعده في عملية موته أي قصد أو نية سوى منفعة ذلك المريض وخيره. في ظني، يمكن بالطبع في هذه الظروف أن تكون ظاهرة الإيثانازيا مبررة. أساس استدلالي هو مفهوم "الانتحار المعقول": في رأيي، يمكن في ظروف معينة الاعتراف بحق الموت للأفراد، أي كما قلت، عندما تكون حياة الفرد مفعمة بالألم والمعاناة المؤلمة التي لا سبيل إلى علاجها والناجمة عن مرض عضال، يبدو أنه في بعض الحالات على الأقل يكون موت الفرد في مصلحته وفي صالح منفعته وخيره. في هذه الظروف، إذا قرر الشخص نفسه إنهاء حياته، يمكن أن يكون انتحاره مصداقاً لـ "الانتحار المعقول"، بشرط ألا يضيع موته حقوق الآخرين وأن يكون في صالح منفعته. هنا يثبت حق الموت للفرد. في الظروف التي يثبت فيها حق الموت أو "حق الانتحار المعقول" للفرد، إذا كان الفرد نفسه لا يستطيع إنفاذ هذا الحق، ففي هذه الحالة يمكن للآخرين [مثلاً طبيب مؤهل] أن يساعدوه على الموت لكي يرحل عن الدنيا بمزيد من الهدوء والطمأنينة والكرامة والعزة [وهذه هي ظاهرة الإيثانازيا].
المذيع: اسمحوا لي، ما هو السؤال المطروح بين جمهوركم؟
كوثر گوهري: سؤالي هو أن الخلافات في الواقع تبدأ كلها من هنا: من يستطيع تشخيص مصلحة ذلك الفرد؟ قد يكون هذا مقبولاً من الناحية النظرية، لكنه يريد أن يتحول إلى قانون ويعطي معياراً لينفذه البشر، وهنا تبدأ الاختلافات في الرأي، هل التشخيص بيد المريض؟ أم بيد المحيطين بالمريض؟ أم برأيكم، لنفترض أنه يجب تعريف عدة مراحل، كأن يدعوه أولاً إلى الصبر ويمر مثلاً بعشر خطوات وفي النهاية بعد قرار الطبيب... على أي حال، يبدو تشخيص المصلحة مفهوماً غامضاً جداً.
نراقي: ينبغي التمييز بين مستويين من النقاش: مستوى من النقاش يتعلق بأصل تبرير مثل هذا العمل. إذا توصلتم إلى نتيجة أن هذا العمل غير مبرر من حيث المبدأ، فإن الأسئلة التي طرحتموها لا موضوع لها أساساً. أما إذا استطعتم أن تظهروا أن هذا العمل مبرر من حيث المبدأ، نصل حينئذ إلى المستوى الثاني من النقاش وعلينا أن نوضح ما هي شروط تنفيذ هذا الأمر وتحقيقه؟ هذا المستوى الثاني هو بالطبع نقاش مهم جداً ينبغي تناوله في محله. لكن كلامي الآن يتعلق أكثر بالمستوى الأول، أي هل يمكن من حيث المبدأ اعتبار هذا السلوك مبرراً أخلاقياً أم لا؟ وبناءً على الاستدلال الذي عرضته، فالإجابة على هذا السؤال إيجابية. أود أيضاً أن أضيف أنه في رأيي، الإيمان بالله لا يلزمنا البتة بأن نعاني عبثاً في هذا العالم. لو كان الأمر غير ذلك لكان ينبغي أن نعطل علم الطب! ولكان ينبغي أن نستصغر عقل الإنسان الذي يعمل على تخفيف معاناتنا وآلامنا في هذا العالم! ولكان ينبغي أن نرفض كل الحالات التي يكون فيها الفرد مستعداً للتضحية بحياته حفاظاً على كرامته وعزته! في رأيي، لا يتعارض إيمان الفرد بالله إطلاقاً مع أن يتوصل الفرد إلى خلاصة مفادها أن استمرار المعاناة والمصيبة العبثية لا ضرورة لها، ويمكن للفرد في ظروف خاصة أن ينهي حياته حفاظاً على كرامته وعزته.
كديور: في الواقع، يُسمح بالقتل الرحيم، سواء من الناحية الأخلاقية أو الدينية أو القانونية، إذا قلنا إن الإنسان، كما هو مالك لأمواله، هو مالك لحياته أيضًا. لا يحق لأحد أن يسألني: هل تبدد مالك أم تستخدمه استخدامًا صحيحًا؟ والأمر نفسه ينطبق على حياتي، لا يحق لأحد أن يسألني إن كنت أريد الاحتفاظ بحياتي أم أريد إنهاءها، إنها حياتي، وأنا الآن، لهذا السبب، وفي هذه الظروف المؤلمة التي أعيشها، أريد أن أتخلص منها. هذه فلسفة. والفلسفة الأخرى هي أن هذه الحياة أمانة عندي، ومالك هذه الحياة شخص آخر، هو من أعطاني إياها، وعندما يراه مناسبًا، وحين تقتضي مصلحته، سيأخذها مني. وفيما يتعلق بالألم، فليس من المفترض أن نتحمل كل ألم، فالله أساسًا يطلب منا، بل أذن لنا، بل وأمرنا بأن نوفر لأنفسنا وسائل الراحة. لكن ألمي هذا الآن يتزاحم مع أمر آخر، يجب أن نرى أيهما أهم: تحمل الألم أم الانتحار؟ إذا قبلنا أن الإنسان، بما هو إنسان، له كرامة، وأن حياة الإنسان لها قدسية، وأن هذه النفس محترمة، فإذا أردتُ - سواء بنفسي أو بواسطة غيري - أن أزهق هذه الحياة، مقابل معاناتي لألم [مبرح]، حسنًا، [في هذه الحالة] أكون قد انتهكت ذلك المبدأ الأهم وهو قدسية نفسي، ولا أملك هذا الإذن.
المذيع: الشخص الذي تظهر صورته الأولى على شاشة التلفزيون، توني نيكلسون، الذي بدأت به البرنامج، ردًا على هذا الاستدلال نفسه الذي طرحه القاضي، قال: انظروا إليّ وإلى حياتي، حياتي لا تحمل أي أثر من الكرامة الإنسانية.
كديور: حسنًا، هذا مثير للاهتمام، ما معنى الكرامة؟ هل كوني، على سبيل المثال، لا أستطيع الآن أداء واجباتي اليومية الأولية بشكل صحيح، يُعد انتهاكًا للكرامة؟ نحن نبدل الكلمات ونفترض أن هذه الحياة ليست حياة عز، وليست حياة كرامة، لماذا؟ إذا كان من المقرر أن أجد بعد [هذا الألم] سلامًا أبديًا، أليس ذلك هو العز والكرامة؟ لكن كوني، مثلاً، أواجه مشكلة لبضعة أيام، أو أسبوع [أقل أو أكثر] من ناحية التغذية والإخراج وما شابه ذلك، هل هذا نفي للكرامة؟
المذيع: سيكون هكذا طوال حياته، حياة من المقرر أن تؤدي إلى الموت.
كديور: نعم، لنفترض أن الأطباء أخبروا مريضًا أنه لن يبقى على قيد الحياة سوى بضعة أيام أخرى، وهو يعاني ألمًا [مبرحًا]، ويريد أن يتخلص من هذا الألم في هذه الفترة. بل قد [تستمر هذه المعاناة] لعدة [أشهر أو] سنوات. إن امتلاك هذا الفرد للإذن بالانتحار من عدمه، لا الأخلاق ولا الدين - في حدود ما أعرفه - منهجي الأخلاقي والديني لا يمنحانه هذا الإذن، ولا يمنحان غيره الإذن ليفعل [ذلك] من أجله إذا أراد [الانتحار]. يبدو أن هذا تدخل في أمر الله تحديدًا.
آرزو صفائي: سؤالي للسيد كديور بصفته باحثًا في الإسلام ومحققًا دينيًا، لقد أشرتم إلى الكرامة الإنسانية، سؤالي كفرد عادي، وهو ما قد يخطر ببال أي شخص آخر، هو: إذا كان الدين والمذهب يؤمنان بالكرامة الإنسانية، وإذا كانا يحترمان مجرد وجود الإنسان على هذه البسيطة، فكيف يمكنهما أن يسلبا حق الاختيار بين الوجود والعدم من فرد، هذا الفرد الذي كان، مثل السيد نيكلسون، شخصًا محترمًا في يوم من الأيام، وكان له شأن بينه وبين المحيطين به، وكان مفيدًا، لكنه الآن، بسبب أمراضه المستعصية والألم الناتج عنها، أو بسبب العجز الدائم، لم يعد يحظى بذلك الاحترام السابق، ولم يعد يرى نفسه مفيدًا لمن حوله، وبكلمة واحدة، فقد كرامته الإنسانية. كيف يمكنكم تبرير [هذا] التناقض لي كفرد عادي؟
كديور: سؤال جيد. لماذا نحل المسألة من هذا الجانب [انتحار المريض]؟ لنحل الجانب الآخر من المسألة، لنقل للآخرين إن هذا الفرد له كرامة، هذا الفرد له احترام، احترموه. نحن نريد محو صورة المسألة، لأن هذا الفرد الآن في وضع غير مناسب، فنقول لنمنحه إذن الحذف، أو ليحذفه الآخرون. انظر، ما أفهمه من القتل الرحيم هو أن [مؤيدي القتل الرحيم يظنون] أن الإنسان المريض ليس إنساناً ذا كرامة، المريض الميؤوس منه بألم مبرح لا كرامة له، لذلك نحن نعتبر الإنسان معادلاً للإنسان السليم المعافى. [لكن برأيي] الإنسان المريض هو أيضاً إنسان وله كرامة، فلنخلق هذه الأخلاق في أنفسنا ولنحترمهم، أخلاقنا الدينية تلزمنا بهذا، اذهبوا لزيارة هؤلاء الأشخاص، أكرموهم، احترموهم.
صفائي: المسألة ليست في المحيطين، المسألة هي ذلك الإحساس الذي يشعر به الشخص المريض تجاه نفسه، عندما يشعر بأنه عبء، ويشعر بالعبثية، كيف يمكن تبرير هذا؟
كديور: بالمناسبة، لقد قرأت بحثاً ميدانياً حول القتل الرحيم، أغلب المرضى الذين طلبوا الانتحار بدافع الشفقة لم يكونوا بالضرورة مصابين بالسرطان أو مرض عضال بهذا الشكل، بل كانوا أشخاصاً لا يلقون اهتماماً من المحيطين بهم، أو أن المريض – كما تقول – توصل إلى نتيجة أنه فرد عاطل وباطل وعبثي ولم يعد له مكان في هذا العالم، لكن أولئك الذين يشعرون بضمير ديني أقوى، بأننا نستطيع أن نكون مؤثرين، وأننا الآن إما تحت اختبار الله وإما أن هذا الألم الذي نعانيه قد يكون مقدمة لخير وفير [في الدار الآخرة]، هؤلاء لم يطلبوا القتل الرحيم.
المذيع: سيد نراقي، كانت هناك نقطة في حديث السيد كديور أعتقد أن نتوقف عندها، إنها نقطة مهمة، الفرد المريض قد يعتبر نفسه عبئاً على الآخرين، وفي خضم المرض الجسدي يكون في وضع غير مناسب عاطفياً ونفسياً، مثل هذا الفرد إذا طلب القتل الرحيم، هل حقاً أنت كأقرب شخص إليه لن تتردد في القرار الذي اتخذه؟ أي قرار هذا؟ هل هو نابع من الاختيار أم نتيجة لظروف وقع فيها الشخص فعلاً؟ هذه الظروف قد تستمر لعام آخر ويتغير قرار الفرد بعد أن يكون قد اعتاد عليها، خاصة إذا قال له الآخرون، كما يقول السيد كديور، إن كرامتك الإنسانية مصونة عندنا ولا تزال محترماً لدينا، هذا القرار الذي يطلب فيه الشخص مني أن أساعده على القتل، إذا تغير غداً فحينها ستندم أنت الذي ساعدته ندماً أبدياً.
نراقي: أود أولاً أن أعود إلى جزء من ملاحظات السيد كديور، ثم سأتطرق لاحقاً إلى السؤال الذي طرحتموه. أولاً- أعتقد أن مسألة ملكية الله للنفوس البشرية ينبغي تدقيقها، وتوضيح معناها. أشك في أننا نستطيع، بمعنى دقيق، أن نطلق صفة "المملوك" على إنسان منحه الله الاختيار. ولكن حتى لو اعتبرنا الإنسان "مملوكاً" لله، فليس لدينا أي دليل لنفترض أن ملكية المالك تمنحه الجواز لأن يرضى بأي لون من ألوان العذاب لمملوكه. لنفترض أنني أملك حصاناً. ملكيتي لهذا الحصان لا تتيح لي أن أُخضعه لكل عذاب ومعاناة ومصيبة. في هذه الظروف، يصح أن يعتبر الفرد الله مالكاً له، ولكن من كون الله مالكي لا يترتب عليّ أنا المملوك أن أتحمل كل عذاب عبثي خشية أن يمس ذلك بملكية مالكي. أشبه بأن نقول: حصاني [على الرغم من العذاب الذي يكابده، مثلاً بسبب كسر ساقه] لا ينبغي أن يقتل نفسه أو يُقتل، خشية أن يلحق الضرر بمصالحي [أي حقي في ملكيته]. ثانياً- الحفاظ على الكرامة الإنسانية ليس بالضرورة ملازماً دوماً لاستمرار الحياة. في بعض الحالات، على العكس، يقتضي احترام النفس المحترمة أن نساعد الفرد على إنهاء حياته. على سبيل المثال، من علامات احترام كرامة الفرد، احترام قراره الواعي والمختار بشأن مستقبل حياته. دعوني أضرب مثلاً: في ثقافتنا الدينية، مفهوم "الشهادة" مفهوم معترف به. ما معنى "الشهادة"؟ معناه أنه في بعض الحالات، حين تصبح ظروف حياة الفرد بالغة الصعوبة بحيث تفقد قيمتها في العيش، ويصبح استمرار الحياة ناقضاً لعزته وكرامته، يختار ذلك الفرد الموت على مواصلة الحياة، كي لا يذعن للظروف المزرية المفروضة عليه أو احتجاجاً عليها.
المذيع: لنرَ إن كان السيد كديور يقبل مفهوم الشهادة هذا، أي حياة لا تستحق قيمتها النهائية حقاً فيختار الفرد الموت؟
كديور: ينبغي أن نؤسس قاعدة هنا، وهي أن الكرامة الإنسانية تقتضي حفظ الحياة الإنسانية من حيث هي إنسان، من باب حفظ الحياة الذي نسميه، من منظور الثقافة الدينية، حرمة النفس المحترمة ...
المذيع: تحت أي ظرف؟
كديور: هي مطلقة، حالاتها هي أن الموضع الوحيد الذي يحق فيه قتل هذه النفس، [الحالة الأولى] لنفترض أنني في حالة دفاع شريف عن نفسي، شخص يهاجمني، فأقتله أنا [أثناء دفاعي عن نفسي]، حسناً هذا مبرر قانونياً، أو أن يُقتل الشخص نفسه. [الحالة الثانية] مفهوم الشهادة الذي أشار إليه الدكتور نراقي، وهو أن أذهب إلى الحرب أو أُقتل في مواجهة من يحاربني، نعلم جيداً أن المرء حين يذهب إلى ساحة الحرب إما أن يَقتل أو يُقتل ...
المذيع: وهذا ليس نابعاً من انعدام قيمة الحياة.
كديور: كلا، هذا نابع من أن تلك القيمة الموجودة هناك [في ساحة الحرب] هي قيمة سامية، لذا [القتل في ساحة الحرب أو] الشهادة [مبررة] في هذه المسألة. الحالة الثالثة التي يمكن تناولها هي العقوبة القانونية، فالمحكمة تحكم على الأفراد، حين يرتكبون فعلاً قبيحاً من منظور القانون، بالإعدام مثلاً. هذه ثلاث حالات من الحالات المبررة قانونياً في العالم، أما القتل الرحيم فهو الحالة الرابعة، ينبغي أن نناقش الاستثناء الرابع [من حرمة قتل النفس المحترمة].
المذيع: بالطبع، هنا يُفتح نقاش الإعدام، وسنؤجله لبرنامج آخر، هل يمكن أن نستنتج أنك توافق على عقوبة الإعدام، أو أن هذا يمكن أن يكون مبرراً؟
كديور: بشروط شديدة التضييق.
المذيع: سنؤجله لبرنامج آخر، ولا نريد أن يختلط بهذا النقاش.
كوهرى: على حد فهمي، لقد أُسيء استخدام القتل الرحيم كثيرًا عبر التاريخ، وأرجو أن توضحوا لي أنه في كثير من المجتمعات، ارتبطت هذه القصة كثيرًا بفكرة التخلص من أولئك الأشخاص الذين يشكلون عبئًا على المجتمع، ولهذا لا يزال تاريخ إساءة استخدامه حيًا في ذاكرتنا. لهذا فإن خوفي كفرد عادي هو أننا تحدثنا عن الكرامة الإنسانية وقيمتها العالية، لكن هناك قيمة أخرى تنافسها، وهي سعي المحيطين بالشخص لإثارة اهتمامه بالحياة. خوفي هو أننا حين نفتح هذا الباب، فإنه يبدو جميلاً من الناحية النظرية، لكن عمليًا قد لا يبذل المحيطون جهدًا لإقناع ذلك الفرد. إن هذا الإحساس بالكرامة الإنسانية، والإحساس بكون المرء عزيزًا، يرتبط بمن هم حول الشخص وكيف يقنعونه بالبقاء أو الرحيل. ولهذا فإن هذا المفهوم نسبي لدرجة أنني أشعر بالقلق من إساءة الاستخدام، والقلق على الكرامة الإنسانية – كما قال الدكتور كديور – من أن تُعرَّف بالطريقة التي عرّفتها بها ألمانيا النازية حين قالت إن هذا العرق بهذه المواصفات جيد، ويجب القضاء على البقية، وكانوا يقتلون الأطفال المعاقين. قد لا يؤدي هذا مباشرة إلى ذاك، لكن ألا تعتقدون أنه يفتح الباب لذلك؟
نراقي: أنا أتعاطف تمامًا مع قلقكم، وفي رأيي أنه إذا كان للقتل الرحيم أن يكتسب صفة قانونية، فعلينا بالتأكيد أن نتحقق أولاً من أن هذا الأمر هو رغبة المريض الحقيقية والواعية والحرة؛ وثانيًا، ما إذا كان حقًا في مصلحة المريض أم لا. هذه أمور يجب أن نتحقق منها. حل المسألة ليس في حرمان المريض من حقه في الموت بكرامة، بل الحل هو أن نبتكر آليات لضمان أن تكون المصالح الحقيقية للمريض مصونة ومحترمة في هذه العملية. على سبيل المثال، يمكن تشكيل لجنة من مجموعة من خبراء القضايا الأخلاقية، والأطباء، وبعض أفراد الأسرة ممن هم موضع ثقة المريض وخيرته، وحتى في بعض الحالات قاضٍ، ليقرروا ما إذا كان ينبغي الاعتراف بحق المريض في القتل الرحيم في هذه الحالة المحددة أم لا. يمكن أن تتشكل هذه اللجنة بعد أن يقدم المريض طلبه مرارًا وفي ظروف مختلفة عن وعي واختيار، وتقوم بدراسة طلب المريض للتأكد أولاً مما إذا كان هذا الطلب نابعًا من نيته الحقيقية، وثانيًا ما إذا كان حقًا في مصلحته وخيره، أي ما إذا كان المريض حقًا في وضع فقدت فيه حياته قيمتها بشكل لا رجعة فيه أم لا. هذه نقطة مهمة، لأنه من الممكن أن يكون الفرد مصابًا باكتئاب شديد جدًا، ولا يكون أساسًا في وضع يسمح له [رغم إصراره وتأكيده] بتقييم آفاق المستقبل بشكل واقعي. فكم من مرة قد تتوفر له في المستقبل ظروف تجعل حياته تستعيد قيمتها، [لكنه بسبب شدة الاكتئاب يعجز عن رؤية تلك الآفاق.] لذلك فإن قلقكم في محله، لكنني لا أعتقد أن النتيجة الصحيحة لتلك المقدمة الصحيحة هي أن نتجاهل أصل الحق. دعونا لا ننس أن قلقكم له مصاديق في مواضع أخرى، أي أن إساءة استخدام الحق لا تقتصر على هذه الحالة فقط. فمثلاً في "الدفاع عن النفس"، من الممكن تمامًا أن يقتل شخص آخر بلا وجه حق بحجة الدفاع عن النفس. في حالة القتل الرحيم، أرى أن الحل المناسب هو أنه إذا أقدمتم على القتل الرحيم، فعليكم أن تكونوا مستعدين دائمًا، إذا ما أُقيمت دعوى ضدكم في المحكمة، لتقديم أدلة مقنعة للمحكمة إلى هيئة المحلفين والقاضي تثبت أولاً أن طلب المريض كان واعيًا وحرًا تمامًا، وثانيًا أن هذا الإجراء كان تمامًا في مصلحة الفرد.
كوهرى: إلى أي مدى ترون هذا قابلاً للتطبيق العملي؟ هل هو حقًا قابل للتنفيذ بالصورة التي تشرحونها؟
نراقي: نعم، مثل بقية الحالات التي تتعرض فيها الحقوق للانتهاك أو إساءة الاستخدام. ففي هذه الحالات أنتم لا تعطلون الحق، بل تسعون لابتكار آليات تمنع إساءة استخدام الحق، أي أن عزمكم كقانوني هو أن تحترموا الحق قدر الإمكان وتسدوا منافذ إساءة استخدامه.
المُحاوِر: في ولاية أوريغون الأمريكية حيث تم تقنين القتل الرحيم، أُجري بحث بعد سنوات من تقنينه وتبيّن أنه لم تُعثر على حالات إساءة استخدام للقتل الرحيم، أي أن تقنينه لم يؤدِّ إلى حصول إساءة استخدام، مع وجود الكثير من التحفظات طبعاً، بمعنى أنه من المحتمل أن هذا البحث لم يتمكن فعلاً من رؤية الظروف التي قامت فيها العائلات بهذا العمل في كل حالة على حدة، وتحت أي ظروف اتخذ كل مريض هذا القرار، لكن إذا قبلنا نتيجة ذلك البحث الذي أُجري في السنوات الأخيرة، فعلى الأقل في ولاية أوريغون الأمريكية لم تحصل إساءة استخدام، وهذا بالطبع لا يعني أنها لن تحصل في مجتمعات أخرى.
صفائي: سؤالي موجَّه لكليكما، لقد أشرتما في أثناء حديثكما إلى الاستشهاد والإعدام، وقد نشأ لديَّ تناقض هنا، كيف أن الاستشهاد الذي نعلم أنه مقدَّس من وجهة نظر بعض المذاهب، ونعلم أيضاً أنه مرحلة يضع فيها الشخص نفسه – لأسباب عقائدية ودينية وسياسية أو حتى وطنية – في موقف يكون موته فيه محققاً، كيف لا يُعتبر هذا انتحاراً؟ أو الإعدام، أليس قتلاً للنفس؟ هذه الأمور لا إشكال فيها من وجهة نظركما، بينما القتل الرحيم الذي يقرره كل شخص بنفسه على أية حال، وعادةً ما يُتخذ هذا القرار في أسوأ الظروف، في ذروة الألم والعذاب اللذين لا يمكننا تصور هذا الموقف ما لم نكن مكان ذلك الشخص [هل هو قتل للنفس؟]
كديور: بخصوص العقوبة، تقول علوم الحقوق والفقه والأخلاق والدين إن الشخص الذي يرتكب بعض الأفعال يكون قد أسقط احترام نفسه، مثلاً لنفترض خفاش الليل في إيران، أو مثلاً هتلر أو صدام، أي الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية، هل لنفس هؤلاء احترام بعد ارتكابهم هذه الجرائم والفظائع أم لا؟ المُشرِّع هو الذي يحدد هذه [العقوبة]، أو أولياء الدين، أو أهل الأخلاق. هؤلاء الأشخاص في الواقع، بهذه الفظائع والمعاصي والأفعال اللاأخلاقية التي ارتكبوها، قد أسقطوا احترام أنفسهم، وبالتالي خرجوا تلقائياً من نطاق هذا العنوان [النفس المحترمة]، نحن لا نستطيع قتل النفس المحترمة، لكن أنفس هؤلاء فقدت احترامها، بسبب الفظائع التي ارتكبوها. [إسقاط احترام النفس المحترمة] في باب العقوبة وارد في نص القرآن، ويقبله أرباب الأديان الإبراهيمية، وقد أقرَّه علماء الأخلاق وعلماء الحقوق. أما بخصوص الاستشهاد، فإن بحث الاستشهاد يدخل في نموذج فكري آخر، أي بحث الحرب. أنت عندما تدخل الحرب، سواء أكنت متديناً أم غير متدين، حتى عندما لا تكون متديناً فأنت تعلم أنك بدخولك ميدان الحرب يرتفع الاحتمال المعقول لمقتلك كثيراً، واحتمال أن تقتل أنت أيضاً كبير بهذه الأسلحة التي تحملها. الضمير البشري يُجيز كلا الأمرين، بشرط أن تكون الأهداف التي دخلتَ الحرب من أجلها [مبرَّرة]، مثلاً أن تكون دفاعاً شريفاً عن بلدك، حسناً هذا يُعتبر معقولاً، ولذلك فهذا [القتل في ميدان الحرب] يخرج أيضاً من تلك المقولة [حرمة قتل النفس المحترمة]. برأيي لا يوجد أي تناقض، لا في الثقافة الدينية ولا في الثقافة غير الدينية. لكن مشكلتنا في القتل الرحيم هي أن نفس المريض [الذي لا يُرجى شفاؤه] محترمة، ومجرد كونه يتألم لا يؤدي إلى إسقاط احترامها، هذه [كون نفس المريض الذي لا يُرجى شفاؤه محترمة] هي مشكلتنا الأساسية [في القتل الرحيم]، ولذلك فإن قياس [القتل الرحيم] على الاستشهاد وعلى العقوبة [الإعدام] هو قياس مع الفارق.
صفائي: عفواً، ما هو تكليف ذلك الشخص الذي لا يؤمن بالآخرة بخصوص القتل الرحيم؟
كديور: بخصوص القتل الرحيم، إذا كان الشخص لا يؤمن بالآخرة، فلا أستطيع من الناحية الدينية أن أقول له لا تفعل [أي لا تنتحر]، وإذا كنت طبيباً فلا يحق لي، ومعتقداتي الدينية لا تسمح لي بأن أشارك في هذا القتل الرحيم، وأن ألبي طلبه. إذا كنا نعيش في مجتمع أغلبيته متدينة فإن هذا يتحول إلى قانون، وهم لن يوافقوا على تقنين مثل هذا الأمر. وفي نهاية المطاف، إذا أردنا أن نرافق الدكتور نراقي، فهذا الشخص إذا أراد أن يستخدم حقه [في الانتحار] فليذهب إلى مجتمع آخر [يُسمح فيه بالقتل الرحيم]، أنا ألومه، أي أعتقد أنه مخطئ، ولكن أن أمنعه [بالقوة]، مثل أي شخص آخر يريد أن يرتكب إثماً، مَن أنا حتى نمنعه [بالقوة]، يمكنه أن يقوم بعمله [القتل الرحيم].
المُحاوِر: لكنك كمُشرِّع ستحاول أن تمنعه.
كديور: نعم، بصفتي مشرّعاً في برلمان ذلك المجتمع، فإنني أرفع دعوى بأن هذا العمل خاطئ، وإذا لم أحصل على الأصوات، فحسناً جداً! لن يكون بوسعي فعل شيء بعد ذلك.
نراقي: في هذا النقاش، أرى أن هناك افتراضاً مسبقاً مضمراً لا يمكن الدفاع عنه. ذلك الافتراض المسبق هو أن علامة احترام كرامة الإنسان وقيمته الذاتية هي أن نواصل حياة الفرد قدر استطاعتنا [وبأي ثمن]. برأيي هذا غير صحيح، ففي بعض الأحيان تكون علامة احترامنا للفرد هي أن نحترم قراره، وفي الظروف التي تفقد فيها حياته قيمتها للعيش وتكون كرامته وعزته قد تدنست بذلك، نساعده على أن يرحل عن الدنيا بعزة.
المذيع: سيد نراقي، أنت تشدد كثيراً على قرار ذلك الشخص، افترض أن هذا القرار الشخصي، قرار الإنسان المختار، كان متعارضاً مع رأي الطبيب، أي أن الطبيب يقول إن هذا الشخص لا ينبغي أن يقدم على القتل الرحيم ولا ينبغي لأحد أن يساعده عليه، لكن الشخص نفسه يقول أنا مختار وأشعر أن هذه الحياة لا ينبغي أن تستمر وأرجوكم ساعدوني على القيام بالقتل الرحيم، في مثل هذه الظروف، إذا كنتم تعتمدون كل هذا القدر على قرار الشخص نفسه، فماذا ينبغي فعله في حالة التعارض مع رأي الطبيب؟
نراقي: لقد قلت في تعريفي الأولي للقتل الرحيم، إن ما تذكره ليس مصداقاً للقتل الرحيم، بل هو مصداق للانتحار.
كديور: يصبح انتحاراً معقولاً بتعبيركم؟
نراقي: كان تأكيدي على أن "الانتحار المعقول" يمكن أن يشكل أساساً للقتل الرحيم. طبعاً "الانتحار المعقول" أيضاً تتوفر فيه شروط يجب أن نتأكد من استيفائها. لكن نقاشي هنا يتعلق بالقتل الرحيم، لا "الانتحار المعقول". إن فرضية "الانتحار المعقول" يمكن أن توفر مبرراً لجواز القتل الرحيم الفاعل. لكن النقطة التي أود طرحها هي أنه في القتل الرحيم يجب أن نتأكد من أن مصالح الفرد ومنفعته تتوافق فعلاً مع قراره. [في الأدبيات المتعلقة بأخلاقيات القتل] تم تقديم ثلاثة أسباب رئيسية لقبح القتل الأخلاقي. أي أننا جميعاً نعتقد أن قتل شخص بريء عمل خاطئ، لكن إذا سألتم لماذا؟ عادة ما تُطرح ثلاثة أنواع من الأسباب لتبرير قبح هذا العمل: السبب الأول هو أنكم عندما تقتلون الشخص تحرمونه من المنافع التي كان يمكن أن يتمتع بها نتيجة لاستمرار الحياة. السبب الثاني هو أن قتل ذلك الشخص يتعارض مع حقه في اتخاذ القرار واستقلاليته، وحقه في الحياة. أي أنكم بقتلكم إياه تتجاهلون رغبة الفرد في استمرار حياته وتنتهكون حقه في الحياة. والسبب الثالث هو أنه بغض النظر عن رأيي في حياتي وما إذا كانت حياتي ذات قيمة بالنسبة لي أم لا، فإن الحياة نفسها بذاتها تمتلك قيمة ذاتية. لذلك أنا أتفق مع ما طرحه الدكتور كديور من أن هناك نوعاً من الكرامة الذاتية في حياة الإنسان.
كديور: هل هذه الأسباب الثلاثة فقط؟
نراقي: على أية حال، هذه هي الأسباب الثلاثة الرئيسية التي تم التعبير عنها غالباً.
كديور: بمعنى أنه إذا طرح شخص ما سبباً رابعاً، حينها يمكن أن يغير مسار النقاش.
نراقي: ممكن! لكن على أية حال، بناءً على هذه الأسباب التي أراها مهمة بما فيه الكفاية، يمكننا أن نصدر حكماً. طبعاً لو كان هناك سبب رابع لكان بإمكاننا مناقشته. برأيي، فيما يتعلق بالقتل الرحيم، يمكننا أن نفترض ظروفاً لا ينطبق فيها أي من هذه الأسباب الثلاثة، أي يمكن افتراض ظروف قرر فيها الفرد بمحض اختياره ووعيه أن ينهي حياته، وتقتضي مصلحته فعلاً ألا يستمر في حياته، أي أن جودة حياته قد تدنت لدرجة أن حياته أصبحت، بشكل لا سبيل إلى علاجه، في تعارض تام مع قيمه الأساسية في الحياة ومع الصورة التي يحملها هو عن هويته (مصلحة الفرد أيضاً على نوعين: الأولى مصلحته في هذه اللحظة الخاصة، والأخرى مصلحته بالنظر إلى مجمل حياته التي تعتبر أمراً موضوعياً إن صح التعبير). في هذه الظروف، تنتفي جميع تلك الأسباب التي تجعل فعل القتل غير مبرر أخلاقياً.
كديور: إذا سمحتم لي، أود أن أشير إلى الدليل الرابع، أعتقد أن موضع نزاعنا من الناحية النظرية والبحثية يكمن في – كما أشرتُ سابقًا وأنتم ناقشتم – «هل أنا المالك المطلق لحياتي أم لا؟» من المنظور الأخلاقي والديني الذي اخترته، فإنني لست المالك المطلق [لحياتي]. وهذا دليلي الرابع هو أن المالكية هنا، مع المثال الجيد جدًا الذي ضربتموه – حين قارنتم بالحصان – انظروا، مالكية الله للإنسان تختلف تمامًا عن مالكيتي للأمور الأخرى، مالكيتنا اعتبارية، هذا الحصان يمكن أن يكون ملكي اليوم وملك غيري غدًا، أما هذه الروح فهي ملك له، كيان حياتي برمته عين الارتباط به، متصل به، وبالتالي فهذه المالكية هي «مالكية وجودية [وحقيقية]»، وليست مالكية تعاقدية [واعتبارية] حتى أرغب في التخلي عنها. ذلك الدليل الرابع هو أن هذه الحياة يجب الحفاظ عليها لأنها هو من منحها، إنها ملك له، وهو الذي ينبغي أن يستردها، وأنا مؤتمن عليها.
المذيع: هذا يتصل بسؤال كنت أود طرحه، هناك اختلاف جوهري بينكما، بينك وبين السيد نراقي، اختلاف جوهري في الرأي، وهو: من الذي يحدد مصلحة الشخص؟
كديور: سؤال وجيه، [تحديد] مصلحة الشخص [بيد من؟] الدكتور نراقي بالمناسبة، في بحث القتل الرحيم، هذه هي النقطة المحورية، إنها نقطة الانطلاق: هل يمكنني كإنسان أن أحدد المصلحة [تمامًا]؟ السيدة گوهري أيضًا أشارت بحق: لأي سبب أحدد المصلحة دائمًا بشكل صحيح!
المذيع: إذا كنتم تسلبون الشخص إمكانية تحديد مصلحته، فإلى أي مرجعية تسندونها؟ لأن المصلحة التي يحددها الله أيضًا يجب أن تجري عبر قناة، مجرى، أشخاص.
كديور: [سؤال] صحيح، إن لموضوع الحياة في الأخلاق والدين من الأهمية بمكان، بحيث إذا أمكن لشيء أن يزاحمه، فإنه لا يُترك [بمفرده] بيد الشخص، هنا يجب أن يقرر العقل الجمعي، الدكتور نراقي نفسه أشار، حتى في الحالات التي يجيز فيها القتل الرحيم، يجب أن يشارك فريق طبي، لا طبيب واحد، وفريق أخلاقيات طبية في المرتبة الثانية، وفريق قضائي ومقرّبو المريض إذا لم يكن هو نفسه في حالة [مواتية] [في المرتبة الثالثة]، كل هؤلاء يشاركون، ومع ذلك لم نتطرق [حتى الآن] إلى أنواع القتل الرحيم [المختلفة]، لا أدري هل سنتطرق إليها الآن أم لا؟
المذيع: بالطبع، قبل أن نتطرق إلى أنواع القتل الرحيم، والتي قد تكون ضمن الأسئلة، أود أن أسمع جوابكم على هذا السؤال الأساسي حول مصلحة الشخص، والذي أشرتم إليه بالطبع في حديثكم السابق.
نراقي: أولاً، برأيي أن المالكية بالمعنى الذي تفضلتم به لا تنطوي على أي إلزام أخلاقي، بمعنى أنه لا يتبين من صلب المالكية بمعناها الحقيقي ما إذا كان الله قد أوكل إليّ مسؤولية حياتي أم لم يكلها؟ يمكنكم أن تعتقدوا بمالكية الله بذلك المعنى، أي بالمعنى الحقيقي وغير الاعتباري، وفي الوقت نفسه تعتقدوا أن الله قد أوكل إليكم أمر تقرير مصيركم. بأي اعتبار؟ باعتبار أنه منحنا الاختيار وطلب منا أن نحترم هذه الهبة، ولا يحق لنا أن ننقضها إلا في ظروف تكون لدينا فيها أدلة أخلاقية وعقلية قاطعة ومقنعة. وبالتالي، فكل شيء يعود إلى ما إذا كان طلبي للموت في هذه الظروف مبررًا أم لا. أنا حقًا أستغرب من الدكتور كديور كيف يصل بنا الأمر هنا فجأة إلى تعطيل العقل البشري. كيف يمكننا في مواضع نقرر فيها خوض الحرب أن نحدد المصلحة، أو في حالات نُقدم فيها على قتل آخر دفاعًا عن النفس يكون عقلنا قادرًا على تحديد المصلحة، ولكن في ظروف تكون فيها حياتي قد امتلأت بالألم وفقدت بشكل موضوعي قيمتها في أن تُعاش، وأجد نفسي في ظروف تتنافى تمامًا مع عزتي وكرامتي، فجأة يصبح عقلنا العرفي معطلاً!
جوهرى: إن كون هذه الأسئلة التي تطرحها أسئلة صحيحة، إلا أنه برأيي، على الأقل، أثبتت التجربة أن ذلك الفرد لا يمتلك وعياً بجميع الجوانب ليقرر بشأن نفسه، وبالمناسبة، لقد اطلعت على ذلك الاستطلاع الذي أُجري في ولاية أوريغون، لا أعرف كيف يُعرَّف سوء الاستخدام، لكن معظمهم كانوا فوق السبعين، مصابين بالسرطان، وكثير منهم كانوا أشخاصاً لا يستطيعون التحكم بأنفسهم، وكان واضحاً أن هذه المسألة ثقيلة جداً عليهم ويشعرون بأنهم عبء، ويبدو لي مجدداً أن هذا قرار فرضته عليهم الظروف، في محيطنا هناك أشخاص كُثر وأمثلة عديدة لأشخاص أعادوا تعريف كرامتهم بفضل ما توفر لهم من موارد وقرروا البقاء على قيد الحياة، مثل السيد جان دومينيك بوبي – إن لم أكن مخطئاً – الذي كان محرراً شهيراً لإحدى مجلات الموضة الفرنسية، ولم يكن يتحرك منه سوى جفن عينه اليسرى، وقد ألف كتاباً بطرفة عينه، كان عمره 42 عاماً عندما أصيب بالسكتة، ونشر كتابه. لا أعتقد أن ثمة حياة أفظع من تلك، ولكن بفضل الأشخاص الذين كانوا حوله وتعاونهم معه، ما أريد قوله هو أن ذلك القانون إن كان يؤمن بالقتل الرحيم فلن يغير الكثير، تقنينه أو عدم تقنينه لن يغير رأي الفرد، لكن هل نريد، بوجود هكذا قانون، أن نُضعف سعي المنظومة لدفع ذلك الفرد إلى هذا المصير؟
نراقي: هناك نقطتان هنا. الأولى، أنني أتفق معك تماماً في أن الأفراد يخطئون في بعض الحالات في تشخيص مصلحتهم وتقييم الوضع الذي هم فيه. والنقطة الثانية هي أن الأفراد لا يخطئون أحياناً في تشخيص هذه الأمور، لكنهم يخطئون في تقدير قدرتهم على التكيف مع الظروف الجديدة. كل هذا صحيح. لكن لا يمكن أن نستنتج من هذا أنه إذا شخص شخص ما وضعه بشكل صحيح، وكان تقييمه لقدرته على التكيف مع الظروف واقعياً وصحيحاً، وبعد تأمل واعٍ وفي كامل وعيه طلب موته، أن نحرمه من حقه في الموت بكرامة. نحن لا نجعل القتل الرحيم إجبارياً. نحن نعترف بهذا الحق لمن توصل إلى هذا القرار بنفسه، بوعي وإرادة حرة. إذا خلص الفرد إلى أن ظروف الحياة الجديدة صارت، خلافاً لتوقعه، قابلة للتحمل، فسيواصل حياته بالطبع...
جوهرى: المعذرة لمقاطعتك، لكن القانون يصنع الثقافة، صحيح أن قانون مكافحة العنصرية لا يغير الشخص العنصري فجأة، لكن على مدى سنين طويلة، عندما يُنفذ هذا القانون، فإنه يؤثر تدريجياً على ثقافة المجتمع.
نراقي: هذا القانون في الواقع يعترف بثقافة الحساسية تجاه معاناة البشر وجودة الحياة الإنسانية. وهذا ليس بالأمر السيئ!
جوهرى: كيف يمكن أن يكون كذلك عندما يقول اقتصاد السوق الحر في مجتمع ما إن هؤلاء عبء على المجتمع، فلا نمنحهم تأميناً... ويدأبون على هذه الهمهمات حتى للأشخاص الأصحاء، كيف بحق السماء؟ أنا لا أراه قابلاً للتطبيق بتاتاً.
نراقي: كما هو الحال مع أي إساءة استخدام للحقوق الأخرى، عليك أن تفكر في تدابير لسد طرق إساءة الاستخدام هذه. وبرأيي توجد طرق عملية فعالة لهذا الأمر.
المذيع: ألا تثق أكثر من اللازم بآليات مجتمعات تفتح، على أية حال، الباب لإساءة الاستخدام؟
نراقي: أنا لا أنكر هذا. لكن كلامكم يعني أنه بما أنه يُساء استخدام حق ما، إذن علينا أن نعطل الحق. ألا يُساء استخدام بقية الحقوق؟ إن كان الأمر كذلك، فعليكم أن تعطلوا كل الحقوق، لأنه بمجرد أن نعترف بأي حق، يُفتح باب إساءة استخدامه أيضاً.
كديور: لديّ اعتراض على أن الموت حق، فأنا أعتبر الحياة حقاً، وأعتقد أن مقاربتي الأخلاقية والدينية والفلسفية تعتبر الحياة حقاً. كيف تتعجبون من أنني لم أعترف [بالموت] كحق؟ أنا لم أعترف هنا [بالتشخيص المنفرد] للعقل البشري، إننا نصل إلى نقطة يلغي فيها الإنسان عقلانيته ذاتها، أي أنه بقبوله الانتحار، أو طلب الانتحار، يهيئ سبباً يجعله لم يعد إنساناً، ولم يعد قادراً على اتخاذ القرار. هل هذا القرار صائب؟ دعوني أضرب مثلاً: يُقال في الفلسفة السياسية: هل يمكن السماح ديمقراطياً للقوى غير الديمقراطية بدخول الساحة؟ أي أن نهيئ ظروفاً تُلغى فيها الديمقراطية بالكلية. أنتم الآن أيضاً تهيئون ظروفاً تسمحون فيها عقلياً للمريض بأن يسلب الموضوع، وأن يحذف الموضوع، أي ألا يعود هناك إنسان موجود. فلسفتي الأخلاقية وفلسفة الدين لديّ لا تمنحاني هذا الإذن. وتشبيه ذلك بحق الدفاع عن النفس غير صحيح، لأن هناك تزاحم حقين، أي أن ذلك الفرد يريد إزهاق حياتي، وأنا لا أسمح بذلك، ولأن حياتي لا تتحقق إلا بإزهاق حياته، فليس هناك أولوية لوجوده وعدم وجودي عندما أكون قد تعرضت للاعتداء. لذلك لم أجد أياً من اعتراضاتكم مبرراً من الناحية الفلسفية والأخلاقية.
نراقي: أنا لا أعتقد أننا بحكم العقل نُفتي بإلغاء العقل. فعلى سبيل المثال، يمكنني اليوم أن أحكم بأن هذا المرض الذي أعاني منه قد يصل إلى مرحلة تتوقف فيها مثلاً الأجزاء العليا من دماغي عن العمل، أي الأجزاء المتعلقة بالعمليات العقلية والتأمل والتفكير والوعي بشكل عام، بينما يستمر جذع دماغي المختص بالأعمال التلقائية للجسد في عمله. في هذه الظروف، إذا أوصيتُ مسبقاً بأنه يحق لكم في هذه الحالة قتلي بطريقة أقل ألماً ومعاناة، فأنا لم أُلْغِ عقلي. في الواقع، أنا أكون قد وُضعت في ظروف تلاشت فيها مسبقاً الأجزاء المانحة للهوية لي كـ"شخص" إنساني، وليس ككائن عضوي حي.
صفائي: كنت أود أن أسأل السيد كديور: هل يميز الدين بين أنواع القتل الرحيم؟ نعلم أن هناك عدة أنواع، أشهرها نوعان: القتل الرحيم الفاعل الطوعي أو الإرادي، وغير الفاعل. هل يمكن أن يميز الدين بين هذين النوعين؟
كديور: سؤال جيد. ربما كان ينبغي أن نبدأ من هنا منذ البداية، بألا نناقش القتل الرحيم برمته. لدينا ثلاثة أنواع من القتل الرحيم على الأقل: الاختياري الإرادي، وغير الإرادي، وأخيراً الإجباري. لا شك في حظر القتل الرحيم الإجباري، أخلاقياً ودينياً. أما القتل الرحيم غير الاختياري فيمكن أن يكون له مصداقان أو شعبتان: الأولى أن يدخل المريض في غيبوبة وينحدر إلى حياة نباتية، فلا يعمل دماغه، ولا ينبض قلبه إلا [بمساعدة] جهاز، ويتنفس اصطناعياً. فهل في هذه الظروف التي قد تطول [ربما] لسنوات، لا ليوم أو يومين، ينبغي تحمّلها أم لا؟ أي هل يستمر عمل هذا الجهاز أم لا؟ لعل هذا هو الموضع الوحيد [الذي يتميز عن بقية حالات القتل الرحيم]، لأن هذا الفرد قد خرج موضوعياً من دائرة النفس الإنسانية المحترمة. هل هو حي الآن حقاً أم ميت؟ هذا يعود إلى تعريفنا للحياة...
المقدم: إذن أنتم تجيزون نوعاً واحداً من هذه الأنواع الثلاثة، وهو غير الاختياري، [تحت ظروف معينة]. كديور: غير الاختياري، وتحت ظروف معينة أيضاً، مع وجود فرق بين النوع [الفاعل] وغير الفاعل منه. يمكن التعامل مع [القتل الرحيم غير الاختياري] غير الفاعل، أي ألا نقوم بالعمل الذي ينبغي أن نقوم به تجاه هذا الفرد، مثلاً كان يجب أن نجري له عملية جراحية أو أن نعطيه دواءً، فلا نعطيه إياه، ألا [نفصل سلك الجهاز الكهربائي]، بل ألا نعطي الدواء. أما إذا أردنا إعطاء دواء [بجرعة عالية] أو فصل [جهاز التنفس الاصطناعي]، فيصبح حينها فاعلاً. أن نكف عن إعطاء الدواء، هذا هو الموضع الوحيد الذي يمكن القول [إنه جائز أخلاقاً وشرعاً]. وأذكر أيضاً أن هذا يخرج تخصصاً، بمعنى أن هذا النقاش لم يعد أصلاً عن القتل الرحيم، لأن الفرد [محل البحث بسبب الموت الدماغي] ليس إنساناً حياً.
المذيع: سيد نراقي، باختصار، من بين هذه الأنواع الثلاثة التي ذكرها السيد كديور، وهي الاختياري الذي تؤيده، وغير الاختياري الذي قال إنه يؤيده بشروط، والإجباري وهو مسألة منفصلة يمكن أن تكون قتلاً، أنت تؤيد الاختياري، فما رأيك في غير الاختياري؟
نراقي: القتل الرحيم غير الاختياري هو في الواقع عندما يكون المريض في حالة لا تسمح له بإصدار حكم في هذا الشأن نفياً أو إثباتاً، وبالتالي، لا نعرف رأي المريض وقراره. وكما ذكرت سابقاً، هناك عاملان حاسمان لتشخيص جواز القتل الرحيم أو عدم جوازه: أحدهما اختيار المريض وقراره، والآخر مصالحه. هنا لا نملك معلومات عن اختيار المريض وقراره، لذا يجب أن نبني القرار على الأساس الثاني، أي خير المريض ومصلحته. في هذه الظروف، برأيي، ينبغي أن تتخذ لجنة مكونة من أفراد الأسرة وفريق الأطباء وبعض الأشخاص الآخرين قراراً بشأن ما إذا كان إنهاء حياة هذا الشخص في مصلحته أم لا. وأضيف أيضاً أنني لا أرى تمييزاً ذا مغزى أخلاقي بين القتل الرحيم الفاعل وغير الفاعل. المهم هنا هو "العلّية". نحن نلعب دوراً سببياً أحياناً من خلال القيام بفعل، وأحياناً من خلال عدم القيام بفعل. ما يهم من حيث المسؤولية الأخلاقية هو "العلّية"...
المذيع: أو من خلال إعطاء الدواء وعدم إعطائه.
نراقي: لا فرق. في النهاية، فعلنا أو عدم فعلنا هو علة الموت. على أي حال، في الظروف التي لم يعد المريض فيها قادراً على اتخاذ قرار بشأن وضعه، نضطر في النهاية إلى أن نقرر بناءً على منافعه ومصالحه. في هذه الحالة، إذا كان حكمنا أن مصلحة المريض (وليس أي شيء آخر) تقتضي إنهاء حياته، فعندئذٍ، برأيي، يمكن أن يكون القتل الرحيم غير الاختياري جائزاً.
المذيع: نصل إلى نهاية حلقة هذا الأسبوع من برنامج "بركار". شكراً لكم ولضيوف البرنامج محسن كديور، وآرش نراقي، وآرزو صفائي، وكوثر گوهري.
.
.
تحميل الصوت من الخادم الأول | الخادم الثاني
.
.
.
.
الدين
العلوم السياسية
الدين
العلوم السياسية
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
Me before you این فیلم جدید نیز در در همین رابطه ساخته شده با بازی امیلیا کلارک
سلام ويديو اين مناظره را از كجا ميتوان دانلود كرد ؟ در يوتيوب و سايت bbc نبود !