تناولت مناظرة «دراسات حافظ» في برنامج پرگار، بمشاركة داريوش آشوري وعلي حصوري وبهمن صولتي ومهتاب دانش، مقاربتين مختلفتين لفهم حافظ: القراءة التاريخية والاجتماعية من جهة، والتفسير العرفاني والتناصي من جهة أخرى. ويكشف هذا الحوار كيف يظل شعر حافظ، في توتره بين التاريخ والتراث العرفاني واللغة والتجربة الإنسانية، موضع نقاش وتأمل.

نشأت مناظرة «دراسات حافظ» في برنامج پرگار، التي عقدت في فبراير ۲۰۱۱ بمشاركة داريوش آشوري وعلي حصوري وبهمن صولتي ومهتاب دانش، من سؤال قديم لا يزال حيا: هل ينبغي، لفهم حافظ، أن نعود أولا إلى تاريخه وحياته، أم إلى التراث العرفاني وشبكة النصوص التي سبقته؟ كان علي حصوري في جانب، يصف حافظا بأنه شاعر محب للحياة، واع بالتاريخ، وناقد صريح للرياء، ويرى أن إضفاء الطابع العرفاني على شعره هو في الغالب ثمرة قراءات متأخرة. وفي الجانب الآخر، تحدث داريوش آشوري عن «عرفان الرندية»: فرع من العرفان الإيراني يضع حافظا لا خارج التقليد الصوفي، بل عند ذروة تحوله. ودافع بهمن صولتي أيضا عن الصلة بين الحب والرندية والنظربازي في شعر حافظ، فيما حذرت مهتاب دانش من حصر الشاعر في صورة واحدة أو منظومة دلالية واحدة.
افتتح البرنامج بغزل يطرح بنفسه الاحتمالين الرئيسيين للمناظرة: هل ينبغي أن نرى في «المحتسب» و«الزمان السفاح» إشارات سياسية إلى شيراز في عصر حافظ، أم يمكن أن نعثر في اللغة نفسها على طبقة عرفانية أيضا؟
«إذا كان الشراب مبهجا والنسيم ينثر الورد
فلا تشرب الخمر على صوت القيثارة، فالمحتسب يقظ
وإن وقع في يدك إبريق خمر ونديم
فاشرب بعقل، فالأيام أيام فتنة
وأخف الكأس في كم ردائك المرقع
فالزمان، كعين الإبريق، سفاح»
أكد علي حصوري منذ البداية أن النظر إلى حافظ بوصفه عارفا يعود، أكثر مما يعود إلى عصر الشاعر نفسه، إلى كتب التراجم والقراءات التي ظهرت في القرون اللاحقة. وفي رأيه، ينبغي أن تكون الخطوة الأولى في تفسير شعر حافظ هي إعادته إلى سياقه التاريخي والجغرافي الخاص. فعندما يتحدث حافظ عن «أيام الفتنة» و«المحتسب»، ينبغي، قبل أي تأويل آخر، أن نرى في أي مرحلة من صراعات شيراز في القرن الثامن الهجري نظم هذا الشعر، وما صلته بأمير مبارز الدين أو الشاه شجاع أو الشاه منصور.
ولم يكن حصوري يرى في هذه الأولوية استحالة كل قراءة عرفانية؛ بل كانت مسألته ألا يحل التأويل العرفاني محل فحص الوضع الأول للنص. فهو يرى أنه لكي نقرأ شعرا قراءة عرفانية، ينبغي أن نستخدم معايير العارفين أنفسهم، لا أن نفترض فورا أن كل لفظ يتعلق بالخمر أو الساقي أو الحانة أو الرند رمز عرفاني. فقد كانت لغة الشعر في ذلك العصر مشبعة بهذه الألفاظ، وكان في وسع حافظ أن يوظفها في خدمة السخرية والاحتجاج الاجتماعي والتجربة الأرضية للحب والفرح.
وكان الدليل الثاني عند حصوري هو علاقة حافظ بالمفاهيم الأساسية للعرفان. فقد قال إن حافظ يضع مرارا علامات استفهام حول المفاهيم الراسخة في التصوف وحول الصورة الرسمية لله، ولذلك لا يمكن بسهولة وضعه في قالب العارف المألوف. وفي نظر حصوري، فإن نقد حافظ الحاد للصوفي والزاهد والمفتي والمحتسب ليس مجرد هجوم على بضعة أفراد مرائين، بل هو علامة على ابتعاده عن منظومة تجتمع فيها هذه الشخصيات. ومن أمثلة هذه اللغة المشهورة:
«نصب الصوفي شباكه وبدأ حيله
وأرسى أسس المكر مع الفلك المحتال»
واعتمد حصوري أيضا على منهجه البحثي؛ فقد أوضح أنه لم يؤرخ الديوان كله، بل اختار غزليات يمكن، بالقرائن التاريخية، تحديد التاريخ التقريبي لنظمها. وهذه الغزليات، في رأيه، تبين أن لغة حافظ ومزاج شعره يتغيران مع التحولات السياسية ومراحل حياته. لذلك لا يمكن، انطلاقا من بضعة تعبيرات تبدو عرفانية، الوصول إلى منظومة عرفانية ثابتة في الديوان كله.
في هذه الرؤية، ليس حافظ شاعرا عاديا ولا مجرد راو للأحداث؛ بل هو شاعر كبير يحول تجربة عصره والموسيقى والجمال والاحتجاج إلى غزل. ورد حصوري على السؤال: إذا كان حافظ مجرد راو للتاريخ، فلماذا بقي بهذا القدر من الحضور؟ فقال إنه موسيقي أولا ثم شاعر؛ غير أن سر استمراره يكمن أيضا في أن الرياء وآليات السلطة التي وصفها لا تزال مألوفة للقارئ الإيراني.
بدأ داريوش آشوري النقاش من طريق آخر. فمن وجهة نظره، لا يحمل «العرفان» معنى واحدا ثابتا، وينبغي لفهم حافظ أن نراه في حوار ممتد قرونا مع النصوص واللغة العرفانية الفارسية. وتحدث عن المنهج التناصي: فلا نص أدبي يهبط من السماء؛ بل كل نص في حوار أو توافق أو صراع مع الأعمال التي سبقته، ومع لغة عصره وثقافته. وعلى هذا الأساس، عد آشوري صلات ديوان حافظ بأعمال مثل كشف الأسرار ومرصاد العباد مهمة؛ وهي نصوص يؤول فيها خبر الخلق وعلاقة آدم بالملاك تأويلا عرفانيا.
في رواية آشوري، تحول التصوف المبكر، الذي كان يرتكز أكثر على الخوف والزهد والالتزام بالشريعة، في اللغة الفارسية إلى عرفان محوره الحب والجمال. وكان يستحضر أحمد الغزالي وعطار ومولوي ثم تقليد فارس، ويرى حافظ وارثا وحصيلة نهائية لقرون من تطور هذه اللغة. لذلك فإن نقد حافظ للصوفي الخانقاهي أو الزاهد المرائي ليس دليلا على اغترابه عن العرفان؛ بل قد يكون علامة على تفضيله نوعا من العرفان بلا خانقاه، مضادا للرياء وقائما على الحب.
وكان مفتاح هذه القراءة مفهوم «الرند». فقد قال آشوري إن الرند كان يمكن، في الاستعمالات القديمة، أن يشير إلى الأوباش وأهل الفسق، لكن حمولته الدلالية تغيرت في التقليد الصوفي. ويرفع حافظ هذه الكلمة إلى مقام الشخصية التي يريدها: شخص لا يقبل التدين الظاهري ويقف في وجه الزاهد. وفسر آشوري هذا التقابل من خلال التأويل العرفاني لقصة الخلق: فالزاهد يشبه ملاكا من أهل التسبيح والطاعة غير المشروطة؛ أما الرند، في المقابل، فمرتبط بآدم الخاطئ والأرضي. ومن هذا المنظور، لا يكون البيت الآتي مجرد إعلان للعيش المرح، بل وصلا بين «أنا» الشاعر والنموذج الأصلي للإنسان:
«أنا عاشق ورند ونظرباز، وأقول ذلك جهارا
لكي تعلم بكم من فن قد تحليت»
في مواجهة إصرار حصوري على الحب الأرضي، قال آشوري إن الحب الإنساني والحب الإلهي ليسا قطبين متنافرين في عرفان الرندية الفارسي. فالوجه الجميل الأرضي قد يكون موضع تجلي الجمال الإلهي، ومن ثم لا تفرغ تجربة الحب الأرضي من معناها القدسي. وشرح هذه النقطة بالاستناد إلى تحول علاقة الإنسان بالله في العرفان الفارسي: علاقة اقتربت، في قوله، من لغة العاشق والمعشوق بعد أن كانت تقوم على نموذج خوف العابد من المعبود. وفي البرنامج، استشهد صولتي دفاعا عن هذه الطبقة بالبيت الآتي:
«ما من نظر إلا أضاءه شعاع وجهك
وما من عين إلا وهي مدينة لتراب عتبتك»
كانت العقدة الأولى هي معنى «الرند» و«الحانة». فقد أصر حصوري على أنه لا ينبغي فرض المعنى المتأخر لهاتين الكلمتين على حافظ بلا دليل؛ فربط «الرند» بالإنكار واللادينية، ورأى «الحانة» مكانا حقيقيا لطلب المتعة. أما آشوري فركز على التحول الدلالي للكلمات ووظيفتها في اللغة الصوفية، وقال إن هذه التحولات نفسها تتيح فهم رندية حافظ.
وتعلقت العقدة الثانية بعلاقة حافظ بإيران قبل الإسلام. فقد تحدث حصوري عن إمكان بقاء الرموز والمصطلحات القديمة، ومنها ما يتعلق بـ«خطوط الكأس»، وعدها مهمة لقراءة حافظ. وأجاب آشوري بأن لغة المغان وپير مغان ومغبچه كانت حاضرة في الشعر الفارسي قبل حافظ، ولا يمكن اعتبارها في كل مرة دليلا على معرفة حافظ المباشرة بديانات إيران القديمة. ولم يكن الخلاف هنا حول وجود الكلمات في الأصل، بل حول طريقة تفسيرها في شعر حافظ.
أما العقدة الثالثة فكانت علاقة التاريخ بالأسطورة. دافع حصوري عن قراءة تقيس الشعر أولا على التاريخ السياسي والاجتماعي لشيراز وعلى مراحل حياة الشاعر. وكان آشوري يقبل أن حافظ تأثر بأحداث عصره، لكنه ذكر بأن إنسان القرن الثامن الهجري لم يفهم العالم بمفاهيم التاريخ الحديث وحدها؛ فقد كان عالمه لا يزال يجد معناه في أفق الأسطورة والإرادة الإلهية والتأويلات الدينية. ولهذا، في رأي آشوري، لا يمثل التاريخ والأسطورة تفسيرين متنافرين، وإن كان كل منهما يتحدى أولوية الآخر في الممارسة.
أكدت مهتاب دانش، بين هذين القطبين، مسألة الاختيار: كيف يمكن الانتقال من عدد محدود من الغزليات القابلة للتأريخ إلى حكم عام عن الديوان كله؟ كما لفتت إلى امتزاج لغة حافظ بالقرآن وإلى الطابع الخاص لبيانه. وكان سؤالها إلى حصوري: إذا اختزلنا كل الإشارات العرفانية والرمزية إلى التجربة اليومية، فأي تفسير يبقى لتأثير حافظ العميق والمستمر في الثقافة الإيرانية؟
ولم ير بهمن صولتي حافظ مجرد «رند»، بل استند إلى بيت يجمع بين ثلاثة وجوه: العاشقية والرندية والنظربازي. وفي نظره، الحب مركز شعر حافظ، والنظربازي هي البصيرة التي تميز الصدق من الرياء. ورأى صولتي، في نقاش الحب، أن الله هو محبوب حافظ الأعلى، وأن اختزال هذه اللغة إلى حب جسدي يغفل جانبا أساسيا من الشعر. ورد حصوري بأن الحب الأرضي لا ينبغي أن يسمى «مجازيا» أو قليل القيمة؛ فقد وصف محبوب حافظ بأنه إنسان حي حاضر في عالم الشاعر.
وفي هذا القسم، صار البيت الآتي رمزا للخلاف: هل «حديث الحب» فيه تجربة إنسانية محضة، أم علامة على أفق عرفاني؟
«ما رأيت صوتا أحلى من حديث الحب
ذكرى تبقى تحت هذه القبة الدوارة»
لم تصل المناظرة إلى حكم حاسم بشأن هوية حافظ، ولم تعد مثل هذا الحكم ممكنا. وكانت قيمتها الأساسية في إظهار الفرق بين منهجين. فقد حذر حصوري من أن القراءة العرفانية المتعجلة تمحو تاريخ حافظ ولغته الاجتماعية وجرأته النقدية. وحذر آشوري من أن التاريخانية المحضة تفصل حافظا عن حواره الواسع مع التراث العرفاني واللغة الرمزية الفارسية.
لعل الحصيلة الباقية من هذا الحوار هي أنه لا يمكن فتح حافظ بمفتاح واحد، ولا بالتخلي عن المفاتيح الأخرى. ففي شعره، يمكن أن يكون «المحتسب» علامة على سلطة العصر، وأن يكون في أفق التأويل صورة للتدين الظاهري في الوقت نفسه؛ ويمكن أن يكون «الخمر» شراب مجلس، وأن يحمل أيضا معنى آخر في التقليد الشعري. لكن هذا «التزامن» ليس الجواب النهائي في ذاته: فعلى كل قراءة أن تبين ما يسندها من شواهد النص والتاريخ والتراث الأدبي. وتظل مناظرة پرگار، بكل حدتها، نموذجا بليغا لهذا النزاع المنهجي في دراسات حافظ.
الأدب
الفلسفة
الأدب
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.