لماذا يحضر حافظ في حياتنا اليومية حضورًا قريبًا، بينما يحتلّ مولانا في الغالب مقام الشاعر الذي يُمدَح ويُستلهَم؟ تقارن هذه المقالة مقارنةً فلسفية بين الشاعرين، فترى في حافظ شاعر التعرّف إلى الإنسان الناقص، وفي مولانا شاعر إمكان التحوّل وتجاوز الذات. وفي هذه القراءة تصبح الشكّ واليقين، ومصاحبة التناقضات الإنسانية، والعبور من الذات، محاور لفهم الفارق بين عالمي الشاعرين.

تأمّل في نسبة حافظ ومولانا إلى الشك واليقين وإمكان تحوّل الإنسان
لماذا يحضر ديوان حافظ في بيوتنا، ويحضر مولانا في مدائحنا في الغالب؟ تقترح هذه المقالة تفسيرًا مفاده أنّ حافظ، ولا سيّما من خلال علاقته الإشكالية باليقين، شاعرُ التعرّف والمصاحبة للإنسان الناقص، وأنّ مولانا، في أفقه العرفاني، شاعرُ إمكان تحوّل علاقة الإنسان بنفسه وبالحقيقة. ولتوضيح هذا التمايز، توضع قراءة حافظ ومولانا في حوار مع مونتيني والشكّاك البيرونيين[1]، وكيركغارد، ونيتشه، وغادامير، من دون أن تفضي أيٌّ من هذه المقارنات إلى المطابقة بينها.
في الثقافة الإيرانية اسمان ارتبطا، أكثر من سائر الأسماء، بالتجربة الداخلية والروحية للإنسان: حافظ ومولانا. نحبّهما كليهما، ونعدّ كلًّا منهما جزءًا من ميراثنا الروحي. ومع ذلك ثمّة فارق يستدعي التأمّل بين موضعيهما في حياتنا اليومية. فديوان حافظ حاضر في بيوت كثيرة، نرجع إليه، ونستخير به، ونلوذ به في لحظات الحيرة والحزن، ونشعر أحيانًا أنّ الشاعر يعرف عن حالنا شيئًا لم نستطع نحن بعدُ أن نصوغه في كلام. أمّا مولانا فمحبوب كذلك، غير أنّ علاقتنا به تتّخذ في الغالب لونًا آخر: نمدحه، ونتحدّث عن عظمته الروحية، ونستلهم تعاليمه، من دون أن نقدر بالضرورة على السكنى في عالمه بالقدر نفسه.
ولا ينبغي أن يُحوَّل هذا الفارق إلى إحصاء غير مثبَت في شأن مقدار شعبية الشاعرين، فالدعوى التاريخية والاجتماعية في باب الشعبية تحتاج إلى بحث آخر. إنّ ما يُطرح هنا ملاحظة ثقافية وفرضية تأويلية: حافظ شاعر نستطيع محاورته في لحظات الحياة المعتادة، ومولانا كثيرًا ما يدعونا إلى أفق يتجاوز الحياة المعتادة.
والسؤال الرئيس هو: لماذا يقترب حافظ من تجربتنا المعيشة، بينما يبتعد عنّا مولانا أحيانًا؟ وهل ينبغي أن نلتمس الفارق في اللغة والأسلوب، أم في نوع العلاقة التي يقيمها شعر كلٍّ منهما بين الإنسان والعالم؟ وفرضية هذه المقالة ذات ركيزتين: الأولى موضع الشك واليقين في عالم حافظ، والثانية الفرق بين طريقة حافظ في مصاحبة الإنسان وطريقة مولانا في تحويله. حافظ يتيح لنا أن نتعرّف إلى أنفسنا في إنسان آخر، أمّا مولانا فيدعونا إلى إنسان لم نصِرْه بعدُ.
من السمات البارزة في عالم حافظ عدمُ استقرار علاقة الإنسان باليقين. ففي شعره لا يُنال اليقين بيسر، وكل دعوى في شأن الحقيقة تظلّ عادةً عرضة للتشكيك والسخرية وإعادة النظر [١]. يواجه حافظ واعظًا يرى الحقيقة ملكًا له، وزاهدًا واثقًا بطهارته، ومدّعيًا يظنّ أنه اكتشف سبيل النجاة، لكنّ الشاعر يُدخل باستمرار مسافةً بين دعوى هؤلاء والحقيقة التي يدّعونها. ومثال ذلك المعروف بيتٌ يتّهم الوعّاظ المتبختِرين في المحراب والمنبر بفعل آخر حين يخلون [١]. وفي عالم الزاهد والرياء، والعشق والدعوى، والظاهر والباطن، لا يوجد حدّ بسيط يُركَن إليه: فما يبدو في الظاهر علامة فضيلة قد يكون ستارًا للمنفعة، وما يُذَمّ من منظور النظام الرسمي قد ينطوي على صدق لا يوجد في سلوك مدّعي الفضيلة.
ويجب أن يُفهم هذا الشك فهمًا دقيقًا. فحافظ ليس بالضرورة من لا يؤمن بأي حقيقة. إنه يفصل بين الحقيقة ودعوى امتلاك الحقيقة. وربما أمكن إدراج هذا النوع من الشك في التقليد الفلسفي لـ«الارتياب» في دعاوى المعرفة والأخلاق المكتفية بذاتها [١٠]. فالمسألة ليست فقط أنّ الإنسان لا يعرف الحقيقة؛ إذ إنّ الذين يحسبون أنفسهم مالكين للحقيقة قد يخطئون أيضًا في معرفة ذواتهم. وحافظ لا يشكّك في يقين الآخرين فحسب، بل يجعل إمكان الاتكاء الهادئ على اليقين نفسه أمرًا إشكاليًا.
وفي عالم كهذا لا يكون الإنسان محرومًا من الحقيقة حرمانًا تامًا، ولا قادرًا على امتلاكها باطمئنان نهائي. إنه يعيش في المسافة بين الطلب والإدراك، وبين الأمل واليأس، وبين الإيمان والارتياب. ويمكن أن نسمّي هذه المسافة «المنطقة الرمادية» عند حافظ، لا بمعنى اللامبالاة بين الحقيقة والكذب، بل بمعنى وضع يظلّ فيه اليقين دائمًا عرضة للسؤال. وهنا يجوز، مع الاحتياط، أن نضع حافظ إلى جانب مونتيني. فمونتيني في المقالات يؤكّد، بدل الاتكاء على اطمئنانات كبرى في شأن طبيعة الإنسان، حدودَ المعرفة وتقلّبَ الأحكام وضرورةَ إعادة النظر المتواصلة في المعتقدات [٤]. وهو مدين لتقليد الشكّاك البيرونيين الذين عدّوا «تعليق الحكم» سبيلًا إلى الطمأنينة [٥]. وليست هذه المقارنة قولًا بالتطابق: فالسياق التاريخي والفكري لحافظ يختلف عن سياق مونتيني وسكستوس[2]، ولا يمكن عدّ حافظ شكّاكًا بالمعنى الفلسفي للمصطلح. لكنّ الثلاثة جميعًا مرتابون في اليقينيات البسيطة المكتفية بذاتها، ويفصلون دعوى المعرفة عن حقيقة المعرفة. ولهذا فإنّ قرب حافظ منّا يعود إلى أنّه لا يشترط علينا، لدخول عالم شعره، أن نحلّ أولًا كل شكوكنا، بل نستطيع الدخول بالأسئلة نفسها التي لا جواب لها.
وهذا الوضع مألوف للقارئ. فنحن أيضًا نتنقّل بين معتقداتنا وشكوكنا: نؤمن بحقيقة ولا نستطيع أن نعيش وفقها. نعلّق الأمل على النجاة ولسنا واثقين من استحقاقنا لها؛ ننفر من رياء الآخرين ونجد في أنفسنا آثار التناقض ذاته. وحافظ في هذا الموقف ليس قاضيًا يديننا من الخارج، ولا معلّمًا يضع أمامنا طريقًا محدَّدًا تمام التحديد. إنه رفيق يعرف بنفسه تناقضات العالم. يستطيع أن يتحدث عن الإيمان ويستجوب مدّعيه في الوقت ذاته، وأن يتحدث عن الخمر والخرابات ويضع معنى أخلاقيًا وروحيًا في مقابل الزهد الرسمي، وأن يُبقي الأمل حيًّا من غير أن يحوّله إلى وعد قاطع. وهو لا يرفع شكوكنا بالضرورة، بل يمنحها أحيانًا لسانًا، ولعلّ إعطاءها اللسان هو بحدّ ذاته ضرب من الطمأنينة.
والطمأنينة التي يوفّرها حافظ ليست بالضرورة طمأنينةَ انحلال المسألة؛ بل قد تكون طمأنينةَ ألّا نكون وحدنا في المسألة.
لا ينتظر الإنسان دائمًا من الأدب أن يحوّله إلى كائن أفضل أو أكمل. فنحن نطلب من الشعر أحيانًا إمكانًا لفهم تجربة نعجز في الحياة اليومية عن التعبير عنها. وكثير من الآلام الإنسانية تشتدّ لأنّ الفرد يحسب تجربته استثنائية أو غير مبرَّرة أو علامة على نقص شخصي: الخيبة في الحب، والحسد، والحزن، وخيبة الأمل من العالم، والمسافة بين المثال والواقع، بل العجز حتى عن العمل بمعتقداته. والفرد لا يتألّم من تجربة صعبة فحسب، بل من تصوّر أنه ربما يكون الوحيد الذي يعيش مثل هذا التناقض. وشعر حافظ قادر على تخفيف هذه الوحدة: فهو يحوّل تجارب الإنسان المتفرّقة، التي يخجل منها أحيانًا، إلى لغة يمكن أن يتعرّف المرء إلى نفسه فيها.
ولفهم هذه النسبة ينبغي التمييز بين نوعين من الطمأنينة. النوع الأول طمأنينة انحلال التناقضات والوصول إلى حال جديدة. والنوع الثاني طمأنينة القَبول في قلب هذه التناقضات ذاتها: يدرك الإنسان أنّ وضعه، مع كل ما فيه من نقص، ليس فريدًا ولا مخزيًا. وحافظ، في جزء مهم من شعره على الأقل، أقرب إلى النوع الثاني. فهو يبيّن أنّ بين ما نتمنّاه وما نحن عليه مسافة، لكنّ هذه المسافة لا تحرمنا من الحياة: يمكن، مع الوعي بالضعف، أن نظلّ نحب ونتلذّذ ونأمل ونلتمس المعنى. واللذة والحب والصداقة والحضور في اللحظة ليست بالضرورة جزاءَ بلوغ اليقين؛ بل يمكن أن تُعاش في قلب الشك أيضًا.
ولا ينبغي عدّ هذه السمة استسلامًا للأمر الواقع. فسخرية حافظ لاذعة، ونقده للرياء والزهد الاستعراضي والدعاوى الأخلاقية الخالية من السند ذو قوة نقدية. وقربه من الإنسان العادي لا يعني إقرار كل عاداته وأوجه ضعفه؛ فحافظ يقترب من الإنسان أحيانًا بكشف التناقضات، لا بتسويغها. ومع ذلك فنتيجة هذا الكشف ليست دائمًا أمرًا بتحوّل جذري. إنه يُظهر تعقيد الوضع الإنساني من غير أن يرسم بالضرورة خريطة كاملة للخروج منه. والقارئ يجد في شعره نقدًا للذات وإذنًا في الوقت نفسه بمواصلة الحياة: يدرك أنّ النقص والتناقض ليسا مجرّد عقبات يجب إزالتها قبل بدء الحياة؛ فالحياة نفسها تجري أحيانًا في قلب هذه المنازعات.
وحافظ لا يقول إنّ جميع الناس متشابهون تمامًا؛ بل يبيّن أنّ المسافة بين المثال والواقع، وبين الإيمان والشك، وبين الإرادة والقدرة، جزء من التجربة الإنسانية المشتركة. وبهذا يخفّف الإحساس بالوحدة. ويمكن أن يُلخَّص مضمون هذه العلاقة هكذا: حافظ يريَنا أنّ بشرًا آخرين يعيشون أيضًا في هذا العالم الناقص نفسه، بالأسئلة والتناقضات نفسها؛ وهذه المعرفة يمكن أن تكون في ذاتها مصدر طمأنينة.
في شعر مولانا أيضًا يواجه الإنسان التناقض والضعف والخوف والنقص. فلا يصحّ إذن عدّه شاعرًا يتكلّم من موقع اليقين وحده، ولا عدّ حافظ شاعرًا يقيم في الشك فحسب. فمولانا كذلك ينطلق من الأزمة: من إنسان أسير العادة والأنانية والتعلّق وتصوّراته المحدودة عن العالم. وأول بيت في المثنوي، الذي يشكو فيه الناي من الفراق عن منبته، يعبّر عن هذه الأزمة بلغة التمثيل [٢]. لكنّ هذا الوضع، في كثير من أجزاء المثنوي وديوان شمس، ليس نقطة النهاية؛ فالأزمة يمكن أن تكون عتبة التحوّل [٢][٣]. والإنسان في عالم مولانا كائن لا يكفيه أن يعرف نفسه ويتصالح مع حدوده، بل هو يملك أيضًا إمكان العبور من صورته الراهنة. والبيت المشهور «دی شیخ با چراغ همیگشت گرد شهر / کز دیو و دد ملولم و انسانم آرزوست» [٣] يُظهر هذا الطلب للصيرورة إنسانًا: فالإنسان لا يزال لا يعدّ ما هو عليه «إنسانًا».
والعشق هنا ليس مجرّد شعور بين المشاعر الإنسانية، بل هو قوة تحوّل علاقة الإنسان بنفسه والعالم والحقيقة [١٢]. فما كان يبدو من قبل الواقعَ كلَّه قد لا يكون إلا جزءًا منه، وما كان يُتصوَّر هويةً قاطعة للإنسان قد يكون صورةً عابرة من وجوده. ولذلك فإنّ دعوة مولانا ليست مجرّد دعوة إلى التحسّن ضمن إطار الذات السابقة نفسها. إنّ الكلام فيها أحيانًا على تغيير المعايير التي يزن بها الإنسان نفسه والعالم. وفي أفق كهذا لا ينفصل التحوّل الأخلاقي عن التحوّل المعرفي: فلكي نرى شيئًا آخر ينبغي أن نتحوّل نحن أيضًا إلى حدّ ما.
ويمكن أن نسمّي هذه السمة «التحوّل الوجودي»: وضعٌ لا يكون فيه العلم مجرّد إضافة معلومات جديدة إلى الذهن، بل يتغيّر فيه أيضًا نمط وجود الفرد وعيشه. وهنا تغدو مقارنة مولانا بكيركغارد منيرة. فكيركغارد يقول في الحاشية غير العلمية الختامية إنّ الحقيقة الوجودية لا يمكن اختزالها في مجموعة من القضايا الصحيحة. والمهمّ هو علاقة الفرد بما يقبله، والطريقة التي يعيش بها، ومن ثَمّ فـ«الحقيقة هي الذاتية» [٦]. فقد يتحدّث الإنسان عن الحقيقة من غير أن تترك أثرًا في نمط وجوده. وثمّة بين كيركغارد ومولانا فروق جوهرية في اللاهوت والإيمان ومكانة الفرد، وهذه المقارنة ليست مطابقة. ومع ذلك فهي تذكّرنا بأنّ الحقيقة، في بعض التقاليد الفكرية والروحية، ليست شيئًا يمكن النظر إليه من الخارج فحسب.
وبيير هادو[3] كذلك، في قراءته للفلسفة القديمة بوصفها «أسلوب حياة»، بيّن أنّ الفلسفة في كثير من المدارس القديمة كانت تمرينًا على تحوّل الذات، لا مجرّد منظومة من النظريات [٩]. وهذا الإطار مفيد لفهم الدور التحويلي لشعر مولانا، وإن كان مولانا يتكلّم في أفق العشق الإلهي لا في أفق النظر العقلي الفلسفي.
ولهذا يبدو مولانا للقارئ أحيانًا أصعب من حافظ. وصعوبته ليست في اللغة والتمثيلات والمفاهيم العرفانية فحسب، بل في نوع التوقّع الذي يحمله من الإنسان. ففي شعر حافظ قد نرى وضعنا الراهن ونشعر أننا مفهومون، أمّا في شعر مولانا فقد نشعر أنّ وضعنا الراهن قد وُضع موضع التحدّي وأننا مدعوّون إلى العبور منه. فالشعر هنا ليس مجرّد مرآة للتعرّف، بل يمكن أن يكون قوة للتحوّل. وهذا لا يعني أنّ مولانا غير متعاطف مع آلام الإنسان وأوجه ضعفه؛ بل على العكس، فآثاره كلها مفعمة بمعرفة عميقة بالرغبة والخوف والكبرياء والحيرة عند الإنسان. والفرق أنّ هذه المعرفة تقع في الغالب في أفق يدعو الإنسان إلى تجاوز حاله الراهنة. وبعبارة أخرى، مولانا أيضًا يرى الإنسان حيث هو، لكنه في العادة لا يريد أن يتركه هناك فحسب.
ولتوضيح هذا الوجه من فكر مولانا يمكن الإشارة إلى مفهوم «التغلّب على الذات» في فلسفة نيتشه. فزرادشت نيتشه يقول إنّ الإنسان حبلٌ مشدود بين الحيوان والإنسان الأعلى، وإنه «جسر» لا «غاية» [4][٧]. فلا ينبغي للإنسان أن يعدّ نفسه كائنًا كاملًا منتهيًا، بل عليه أن يأخذ إمكان العبور من صورته الراهنة مأخذ الجد. ومع ذلك فتجاوز الذات عند نيتشه لا يطابق التحوّل العرفاني عند مولانا: فنيتشه ينطلق من نقد الأخلاق السائدة، وإعادة النظر في القيم، وابتكار أساليب جديدة للحياة، في حين أنّ مولانا يفهم التحوّل في أفق العشق الإلهي وعلاقة الإنسان بحقيقة متعالية. ولا ينبغي إغفال الفرق في المقصد والمبنى.
وما توضّحه هذه المقارنة سؤال يطرحه كلاهما بطريقته: هل يستطيع الإنسان أن يتجاوز صورة حياته الراهنة؟ وهذا السؤال، قياسًا إلى السؤال عن كيفية العيش في الوضع الراهن، له مطلب مختلف. فالسؤال الأول يطلب منا أن نكتشف إمكانات العيش في هذا العالم نفسه، أمّا الثاني فيضعنا أمام إمكان تغيير المعايير ذاتها والعادات وصور وجودنا. وهنا يزداد التمايز المقترح بين الشاعرين دقّة: حافظ يساعدنا في الغالب على التعرّف إلى وضعنا الإنساني، أمّا مولانا فيدعونا في الغالب إلى إمكان تحويله. ولكلمة «في الغالب» أهميتها: فليس المقصود أنّ حافظ لا يدعو أبدًا إلى التغيير، أو أنّ مولانا لا يمنح التعاطف والسلوى أبدًا. فالكلام على فرق في التأكيد واتجاه الحركة، لا على تعيين قلمرَين منفصلين.
يمكننا الآن أن نصل بين محوري البحث. ففي شعر حافظ يكون اليقين في الغالب إشكاليًا. فدعوى بلوغ الحقيقة قد تكون موضوعًا للسخرية والنقد، ويستطيع الإنسان أن يبقى في طلب الحقيقة من غير أن يعلّق الحياة إلى أن يبلغ اليقين النهائي. وفي أفق مولانا، في كثير من آثاره العرفانية على الأقل، يكون الشك والحيرة مرحلة من مسار يمكن أن يفضي إلى نوع آخر من المعرفة والتجربة. وهنا أيضًا ينبغي تجنّب التقابل الساذج بين «حافظ الشكّاك» و«مولانا اليقيني»: فحافظ يتكلّم هو أيضًا على العشق والإيمان، ومولانا يدرك هو أيضًا الحيرة وعجز اللغة عن التعبير عن الحقيقة [٢][١٢]. ومع ذلك فاتجاه حركة هذين العالمين الشعريين مختلف: عند حافظ قد يكون النقص من الشروط الدائمة للحياة، أمّا عند مولانا فهو علامة على ضرورة الحركة والتحوّل.
وإذا قبلنا هذا الفرق أمكننا أن نعيد طرح السؤال الأول: لماذا يبدو حافظ أكثر ألفة ومنالًا، في حين نمتدح مولانا بوصفه شاعرًا عظيمًا ملهِمًا؟ ومن الأجوبة المحتملة أنّ التعرّف أقلّ كلفةً من التحوّل. فحين نواجه في شعر حافظ شكّنا وعشقنا وخيبتنا وارتيابنا، لا يلزم أن نكون قد صرنا قبل القراءة إنسانًا آخر. نستطيع أن نكون الشخص نفسه الذي نحن عليه الآن. أمّا الدعوة إلى التحوّل فتضعنا أمام مسألة أخرى: هل نحن مستعدّون لتجاوز بعض عاداتنا وتعلّقاتنا ويقينياتنا؟ وهل نستطيع أن نرضخ لإمكان آخر للوجود، وإن لم نعلم إلى أين يقودنا هذا التحوّل؟ فقد يضع التحوّلُ الفردَ أمام سؤال: إذا كان ما عرفته عن نفسي حتى الآن ليس الحقيقة كلها، فمن أكون إذن؟ وإعجابنا بأفق جديد ليس هو السير نحوه؛ إذ نستطيع أن نقبل عظمة فكرة من غير أن نكون مستعدّين لتبعاتها في حياتنا. وهذا هو الفرق بين المتفرّج والمشارك، وشعر مولانا يدعو القارئ في الغالب إلى المشاركة، أمّا شعر حافظ فيفتح فضاءً للتأمّل والتعرّف لا يكون فيه بالضرورة تكليفٌ مباشر بأن نتحوّل.
ولهذا يمكن القول: إننا نشعر أمام حافظ بأننا أمام شاعر يشاركنا الحال، وأمام مولانا بأننا أمام من يريد أن يغيّر حالنا. فالمسألة ليست الفرق بين الشك واليقين فحسب، بل الفرق بين نسبتين إلى الإنسان: مصاحبة الإنسان الناقص ودعوته إلى التحوّل. على أنّ هذا الفرق فرق في الميل الغالب، لا قانون بلا استثناء: فشعر حافظ أيضًا قد يزلزل الأسس الأخلاقية والفكرية للقارئ، وشعر مولانا أيضًا قد يولّد طمأنينة عميقة.
لفهم علاقتنا بحافظ ينبغي الالتفات إلى نقطة أخرى: شعره ليس مجرّد مرآة تعكس صورتنا الجاهزة من غير أي تغيير؛ بل يمكن أن يحوّل طريقة نظرنا إلى أنفسنا. وهنا تُعين هرمنيوطيقا غادامير. ففي رأي غادامير، فهم النص ليس استعادة معنى مستقلّ عن القارئ. إنّ الفهم يتشكّل في اندماج أفق النص بأفق القارئ. فالقارئ يقترب من النص بأحكامه المسبقة وتجاربه، لكنّه قد يتغيّر في هذا اللقاء بعضُ تلك الأحكام المسبقة نفسها [٨]. ومن هذا المنظور، ليس قربنا من حافظ لأنه يقول أشياء نعرفها من قبل فحسب. فهو يكشف فينا أحيانًا تجربة لم نكن قادرين من قبل على التعبير عنها بوضوح، وقد يكتسب الشعر الذي كان له معنى في مرحلة من الحياة معنى آخر في مرحلة أخرى.
ولا ينبغي الخلط بين هذه المرونة وانعدام المعنى. فمن كون شعر حافظ يكتسب معاني متعدّدة في تجربة قرّاء مختلفين، لا يلزم أنّ كل تأويل صحيح بالقدر نفسه. فمفردات الشعر وصوره وتناقضاته وبنيته لها دور في تشكّل المعنى. والقارئ يشارك في الفهم، لكنه لا يصنع المعنى كليًا وبمحض هواه. وهذا الاحتياط نفسه لازم في نسبة حافظ إلى الثقافة الإيرانية: فحضور ديوانه في البيوت لا يمكن أن يُعزى إلى سمة فلسفية واحدة فقط. فتقليد الاستخارة بديوان حافظ، والذاكرة الثقافية، ولغة الشعر، والمناسبات العائلية، وطرائق انتقال الأدب، كلها لها دور فيه [١١]. وينبغي التمييز بين سؤالين: لماذا نرجع إليه من الناحية الثقافية؟ ولماذا نشعر من الناحية الوجودية بالقرب في شعره؟ وهذان مرتبطان لكن جوابهما ليس واحدًا. وهذه المقالة، أكثر مما تدّعي في العلل التاريخية لشعبية حافظ، تأمّل في الاحتمال الثاني.
وفي هذا الإطار يتّضح معنى عنوان المقالة. فحافظ ليس مجرّد شاعر يتحدّث عنّا، بل يمكن أن يصبح جزءًا من لغتنا الداخلية. ففي اللحظات التي نعجز فيها عن التعبير عن شعورنا، يتكلّم شعره عنّا. وحين نقف بين الأمل واليأس، يكشف بيت منه الصورة الدقيقة لهذا الوضع. والبيت «عشق آسان نمود اول ولی افتاد مشکلها» [١] مثال على كيفية أن تُصاغ في الكلام المسافةُ بين التوقّع والتجربة. ومن هنا فإنّ ديوان حافظ في كثير من البيوت كتاب للرجوع، لا للمطالعة فحسب: نعود إليه لا بالضرورة طلبًا لجواب قاطع، بل لنجد لغةً تجعل وضعنا مفهومًا. أمّا مولانا، في المقابل، فله في الغالب صورة أفق: شيء يمكن أن نحدّق إليه، ونستلهمه، ونشعر أمامه بالصِّغَر، من غير أن نستطيع دائمًا تحويله إلى تجربة يومية. وأن يكون المرء عزيزًا ليس كأن يكون شريكًا في الحال.
يمكن طرح اعتراض جدّي: إذا كان حافظ يتيح لنا أن نتعرّف إلى أنفسنا في وضعنا الراهن وأن نتصالح مع تناقضاتنا، أفلا يكون هذا القرب أحيانًا ذريعةً لعدم التغيّر؟ وهل يمكن الاستفادة من شعره في تسويغ الضعف والتقاعس؟ ولا ينبغي تجاهل هذا الاعتراض. فكل أثر أدبي قد يُستعمل بطرائق مختلفة. لكنّ طريقة استعمالنا لشاعر لا ينبغي أن تُعدّ كقدرة الشعر ذاته. فقبول تعقيد الإنسان لا يعني إقراره. ومعرفة المرء رياءه وتناقضه يمكن أن تكون الخطوة الأولى نحو التغيير. وقد تحدّث فلاسفة مثل ريكور عن «هرمنيوطيقا الريبة»، أي مقاربة تبحث وراء وعي الإنسان ودعاواه الظاهرة عن طبقات أخفى [١٠]، وحافظ، بنظرته المرتابة إلى لباس الزهد ودعوى الإيمان، يهيّئ بطريقته مثل هذا الانفتاح على الوعي بالذات. فالإنسان أحيانًا ما لم يستطع أن يرى وضعه الحقيقي لا يقدر على تحويله.
ومن هذا المنظور يمكن عدّ حافظ ومولانا إمكانين متكاملين أيضًا: فأحيانًا ينبغي أولًا أن نعرف أنفسنا، ونبتعد عن وهم الكمال، ونُدرك أننا لسنا وحدنا في التجارب، ثم نسأل عمّا ينبغي أن يتغيّر. وأحيانًا تفضي الدعوة إلى التغيير، إذا جاءت قبل معرفة حقيقية بالذات، إلى إنكار وضع الإنسان الحقيقي أو قمعه. ومع ذلك لا ينبغي تحويل هذين الشاعرين إلى مرحلتين ثابتتين في مسار واحد. فمثل هذا التفسير يمحو فروقهما أيضًا. إنّ مقارنتهما تميّز فحسب حاجتين إنسانيتين: الحاجة إلى أن نُفهَم، والحاجة إلى أن نتحوّل. ولعلنا نحتاج إليهما معًا، غير أنّ إحداهما تغدو أشدّ إلحاحًا في لحظات مختلفة من الحياة.
يمكن التعبير عن فرضية هذه المقالة في تقابل موجز:
حافظ يريَنا أننا لسنا وحدنا في وضعنا الإنساني الناقص، ومولانا يذكّرنا بأنّ هذا الوضع ليس بالضرورة آخر إمكانات وجودنا.
فحافظ، في هذه القراءة، شاعرُ مصاحبة الإنسان في المنطقة الواقعة بين الشك واليقين، يعرف المسافة بين المثال والواقع، ويتيح لنا أن نعيش في قلب هذه المسافة. وطمأنينته تنبع من التعرّف إلى التناقضات في تجربة مشتركة أكثر مما تنبع من حلّها حلًّا نهائيًا. أمّا مولانا فشاعرُ إمكان التحوّل: يعرف الإنسان كما هو، لكنه لا يعدّ هذه المعرفة نهاية، ويدعوه إلى العبور من عاداته الذهنية، وتصوّراته المستقرّة عن ذاته، وحدود تجربته الراهنة. ولهذا فحافظ أكثر ألفة لنا ومولانا أصعب: نقرأ حافظ في لحظات الحياة المعتادة ونجد لغته لغتنا؛ أمّا مولانا فعلينا أحيانًا أن نقرأه بوصفه دعوة إلى تجربة أخرى لم نبلغها بعدُ.
وإذا صحّت هذه الفرضية، فإنّ الحضور الواسع لحافظ في بيوتنا ليس مجرّد علامة على شعبية شاعر، بل علامة على حاجتنا إلى شاعر يصاحبنا في وضع الإنسان الناقص، وإنّ ولعنا بمولانا علامة على التطلّع إلى أفق يتجاوز هذا الوضع، وإن لم يكن قطع طريقه يسيرًا. ولم يعد من الضروري أن نختار أحدهما: نحتاج إلى حافظ لنتعرّف إلى أنفسنا في تعقيدات الحياة، وإلى مولانا لئلّا نعدّ هذا التعرّف نهاية الطريق.
حافظ حافظنا، لا بالضرورة لأنه يغنينا عن التغيير، بل ربما لأنه يأذن لنا، قبل أي تغيير، بأن نرى أنفسنا كما نحن.
الآثار الفارسية
1- حافظ الشيرازي. الديوان. تصحيح محمد القزويني وقاسم غني. (وانظر أيضًا تصحيح برويز ناتل خانلري).
2- مولانا جلال الدين محمد البلخي. المثنوي المعنوي. تصحيح رينولد نيكلسون. الدفتر الأول، الأبيات الافتتاحية (نشيد الناي).
3- مولانا جلال الدين محمد البلخي. كليات شمس التبريزي (الديوان الكبير). تصحيح بديع الزمان فروزانفر.
الآثار الفلسفية والنظرية
4- Montaigne, Michel de. Essais (1580–1592), esp. «Apologie de Raimond Sebond» (II.12), «Du repentir» (III.2), «De l'expérience» (III.13).
5- Sextus Empiricus. Outlines of Pyrrhonism
6- Kierkegaard, Søren. Concluding Unscientific Postscript to Philosophical Fragments (1846).
7- هكذا تكلّم زرادشت، تأليف نيتشه، ترجمة داريوش آشوري، دار آگاه للنشر
8- Gadamer, Hans-Georg. Wahrheit und Methode (1960)
9- Hadot, Pierre. Philosophy as a Way of Life (1995)
10- Ricoeur, Paul. De l'interprétation: Essai sur Freud (1965)
11- زرّين كوب، عبد الحسين. من زقاق الرندان. طهران: دار سخن
12- Chittick, William C. The Sufi Path of Love: The Spiritual Teachings of Rumi
[1] بيرون الإيلي (Pyrrho of Elis، نحو 365 إلى 275 ق.م)، من أبرز وجوه الشكّ في الفلسفة اليونانية القديمة
[2] سكستوس إمبيريكوس (Sextus Empiricus)، فيلسوف وطبيب يوناني من أواخر العصور القديمة
[3] بيير هادو Pierre Hadot، فيلسوف وباحث ومؤرّخ فرنسي للفلسفة القديمة
[4] هكذا تكلّم زرادشت، ترجمة داريوش آشوري، ص 24
علم النفس
الدين
الأدب
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.