اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
القرارات الانتخابية لا تستند إلى الاستدلال بقدر ما تخضع لانحيازات كالتأييد والتوفر؛ أما مساءلة الجمهور الواعي فبوسعها أن تحوّل التفكير التأييدي إلى تفكير استكشافي.

لدينا شواهد متنوعة تظهر أننا لا نتخذ القرارات بناءً على الاستدلال بالقدر الذي نتصوره. ولعل أهم ما يؤكد لنا ذلك هو الانحياز التأكيدي [1]. فنحن جميعاً عندما نعطي إجابة صحيحة نكافئ أنفسنا ونمدحها، ونحب أن نكون على حق وألا نخطئ. ولهذا السبب أيضاً نميل إلى الالتفات إلى الشواهد التي تؤكد معتقداتنا وآراءنا. ويُسمى هذا الانحياز بالانحياز التأكيدي. وفي هذا الانحياز، يكون ميلنا هذا أكثر تأثيراً من قدرتنا على التفكير. وفي السياسة أيضاً، يحاول الأفراد أن يجعلوا فقط الشواهد والمعلومات والأحداث التي يؤيدونها محور اهتمامهم، وأن يعرضوها كمؤيدة لوجهة نظرهم. وعلى العكس من ذلك، فإزاء الشواهد المخالفة، إما لا يبذلون الدقة والوسواس اللازمين ويسعون أكثر لإظهار عدم مصداقيتها، أو يطرحونها وينقدونها بشكل ضعيف (مغالطة رجل القش)، أو يقدمون تفسيراً مختلفاً بحيث لا ينشأ تعارض.
كما أن دماغنا لديه انحياز التوفر [2]، أي إذا توجب القيام بمعالجة وفحص، فإنه يستخدم المعلومات المتوفرة نفسها، بمعنى أن الوسائط والشبكات التي نعرض أنفسنا لها هي التي توفر المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار، وهي معلومات ليست كافية ووافية بالطبع، واستحضار هذه المعلومات أسهل من المعلومات التي لا تكون في متناولنا دوماً. فعلى سبيل المثال، في تجربة دانيال كانمان وتفرسكي، عندما سُئل الأفراد: هل الكلمات التي تبدأ بحرف k أكثر أم تلك التي يكون حرفها الثالث k؟ أجاب معظمهم خطأً بأن الكلمات التي تبدأ بحرف k أكثر، والسبب هو أن استحضار هذه الكلمات أسهل من الكلمات التي يكون حرفها الثالث k [3].
أو مثلاً، تأثير افتراضاتك المسبقة مؤثر أيضاً على تلقي المعلومات. يوضح نيسبت أن التوقعات والافتراضات المسبقة تجعلك ترى العالم (والمعلومات) ليس كما هو، بل كما تريد أن تراه، ولهذا فإن كان لديك افتراض مسبق سلبي حول موضوع ما، فإنه يؤدي إلى انحراف فكري لديك. كما يشير نيسبت إلى بروز المعلومات، فهو يقول إن الأفراد عادةً ما يهتمون أكثر بالمعلومات البارزة والواضحة والمحددة، وهناك عوامل متعددة تلعب دوراً في بروز المعلومات، مثل الجاذبية العاطفية، وقابلية التصور والتحديد، والقرب المكاني والزماني [4]. ومن المثير للاهتمام أن هذه العوامل تلعب دوراً مؤثراً أيضاً في التذكر والوصول إلى الذاكرة.
بالإضافة إلى المعلومات، فإن المصالح مؤثرة أيضاً في اتخاذ القرار. طبعاً، هذه جملة شائعة يُقال فيها إن الناس ينتخبون مرشحهم بناءً على المصلحة الشخصية، لكن درو ويستن [5] أظهر من خلال تجاربه أن الناس يصوتون بناءً على مصالح الجماعة التي ينتمون إليها (عرقية، مناطقية، دينية...) أكثر مما يصوتون بناءً على مصالحهم الشخصية. وقد أظهر في تجربته أن الناس يستخدمون الاستدلال عندما يحتاجون إليه لتبرير النتيجة التي يريدونها، وإلا فإنهم يكتفون في باقي الحالات بعملياتهم العاطفية والحدسية [6]. والعوامل الاجتماعية تؤثر بالطبع على تفكيرنا وقرارنا بأشكال متنوعة، بدءاً من ضغط المجتمع والامتثال للجماعة، وصولاً إلى الانحيازات التي نكنها تجاه الجماعات الداخلية والخارجية، ومثلاً نميل إلى تقييم هوية جماعتنا بشكل إيجابي، بل ونبالغ في ذلك، ونعتبر السلوكيات الخاطئة عرضية أو نعزوها إلى أسباب سياقية.
إن مثل هذه الأمور التي تؤثر على معلوماتنا وصنع قراراتنا، والتي تُدخل فيها ضجيجًا، كثيرة جدًا، وبالتالي، وخلافًا لما نتصوره، لسنا عبيدًا للاستدلال، بل نحن عبيد لحدوسنا ذاتها. لكن هل يعني هذا أنه لا يوجد أي أمل؟ يميز تيتلوك بين نوعين من التفكير: التفكير الاستكشافي[7] والتفكير التأكيدي[8]. في التفكير الاستكشافي، نقوم بفحص وتقييم جميع وجهات النظر المتاحة لنتخذ بناءً عليها القرار الصائب. أما في التفكير التأكيدي، فينصبُّ جهد الفرد كله على تبرير وتأكيد وجهة النظر التي يتبناها. وفي الظروف التي يوجد فيها ضغط للمساءلة، يزداد بالضبط الجهد المبذول لتبرير الأداء وإظهاره بمظهر الصواب، وبعبارة أخرى، يزداد التفكير التأكيدي. إذن، لا تؤدي المساءلة بالضرورة إلى التفكير الاستكشافي، ومع ذلك، فإن احتمال زيادة التفكير الاستكشافي يتحقق باجتماع ثلاثة شروط:
١- أن يعلم متخذو القرار، قبل اتخاذهم للقرار، أنهم سيكونون مسؤولين لاحقًا أمام جمهورهم.
٢- أن يكون رأي الجمهور مجهولًا.
٣- أن يعتقد متخذو القرار أن جمهورهم واعٍ ولديه رغبة في اتخاذ القرار الصائب[9].
ربما يمكن، من خلال توفير مثل هذه الظروف، أن نأمل في أن يصبح التفكير الاستكشافي أكثر بروزًا. وفي هذا السياق، يبدو أن تحمل الأفراد والمروجين والمرشحين وغيرهم للمسؤولية يلعب دورًا محوريًا، ومن الأفضل أن يُطرح مثل هذا المطلب بجدية على كل من يروج لفكرة ما؛ إن معرفة الأفراد مسبقًا بأنهم سيُسألون عن كلامهم في المستقبل وأنهم يتحملون المسؤولية، قد يؤدي إلى حد ما إلى تحييد الانحيازات التأكيدية.
[1] Confirmation bias
[2] Availability bias
[3] Tversky, A., & Kahneman, D. (1973). Availability: A heuristic for judging frequency and probability. Cognitive Psychology, 5(2), 207–232. https://doi.org/10.1016/0010-0285(73)90033-9
[4] Nisbett, R. E., & Ross, L. (1980). Human inference: Strategies and shortcomings of social judgment. Prentice Hall.
[5] Drew Westen
[6] Westen, D., Blagov, P. S., Harenski, K., Kilts, C., & Hamann, S. (2006). Neural bases of motivated reasoning: An fMRI study of emotional constraints on partisan political judgment in the 2004 U.s. presidential election. Journal of Cognitive Neuroscience, 18(11), 1947–1958. https://doi.org/10.1162/jocn.2006.18.11.1947
[7] Exploratory thought
[8] Confirmatory thought
[9] Lerner, J. S., & Tetlock, P. E. (1999). Accounting for the effects of accountability. Psychological Bulletin, 125(2), 255–275. https://doi.org/10.1037/0033-2909.125.2.255
العلوم السياسية
علم الاجتماع
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.