اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى حسن الأنصاري أن المشكلة الأساسية في نظرية الدكتور سروش القائلة بأن الوحي حلم تكمن في تجاهل الدراسات التاريخية والصناعات الأدبية. وهو يعدّ تغيير الضمائر في القرآن ليس دليلاً على الحلم، بل صناعة بلاغية في الأدب العربي واللغات السامية.

أعتقد أن إحدى المشكلات الأساسية في نظرية الدكتور سروش حول كون وحي النبي رؤيويًا هي عدم الالتفات إلى منجزات الدراسات التاريخية وتجاهلها بالكلية. ويمكن ملاحظة مثال على ذلك في كتابته الأخيرة، مما دفعني إلى الكتابة عنه بإيجاز هنا على هامش نقاشي للنظرية المذكورة. أولاً، أنقل نص عباراته حرفيًا: "صنعة الالتفات، أي الانتقال في الخطاب من الحضور إلى الغياب ومن الغياب إلى الحضور، تُعد زينة عند الأدباء؛ لكنها في فرضية الوحي الرؤيوي حجة على رسوخها. وكما أوردت سابقًا، هذه الصنائع إذا استُعملت عن وعي فهي صنائع، أما في عالم اللاوعي فهي حقائق! إن حلول المتكلم الأول محل المخاطب، والمخاطب محل المتكلم أحيانًا في القرآن، هو أمر يقع حقًا في ضمير محمد (ص) وخياله، لا أنه يلجأ إليه عن قصد صناعي لتحسين الكلام وتزيينه. تداخل المتكلم والمخاطب والناظر وحلول أحدهم محل الآخر يُلاحظ بوضوح في هذه المواضع. على سبيل المثال، لننظر إلى هذه الآية التي لها نظائر كثيرة في القرآن: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (هو الذي يرسل الرياح مبشرات برحمته حتى إذا أقلّت سحابًا ثقالاً سقناه لبلد ميت... الأعراف/ 57). كأن شخصًا (النبي) يقول في البداية إن الله يرسل الرياح، ثم يتولى الله نفسه زمام الكلام قائلاً: نحن نسوق السحاب! هذا التبدل بين الحاضر والغائب لا يحدث في العبارة، بل في متن الواقع (الرؤيا)، فأحيانًا يتكلم النبي بلسان الله، وأحيانًا يتكلم الله بلسان النبي. يمكن بحث وتصديق تعدد الأصوات في القرآن في هذه النماذج. وبهذا يتضح أيضًا أمر 'قل' و'أنزلنا' في القرآن."
كما تلاحظون، وكما أكدت في كتابتي السابقتين، يتجاهل الدكتور سروش الصنائع التي يقتضيها الخطاب الأدبي والتي تعود بالكامل إلى أنماط مختلفة من التعابير البيانية والبلاغية والخطابية ذات الخلفية التاريخية للحوار والتخاطب، فيضطر إلى اللجوء إلى مستويين تفسيريين مختلفين: أولاً، يرى الأدب قاصرًا عن تجربة طبقات التعبير الأدبي المختلفة باستخدام صور الخيال والبيانات البلاغية والأدبية والصنائع المتنوعة، فيجد لزامًا عليه أن يقترح لذلك نوعًا من المشاهدة الرؤيوية كمستند للغة الخطاب، لتصبح اللغة ناظرة إلى أمر واقعي مباشرة دون استخدام عنصر الخيال. بعبارة أخرى، يبدو أن الخيال في نظر الدكتور سروش يجب أن يستند فقط إلى أمر عيني حتى تتمكن اللغة من تقديم تعبير مباشر عنه دون مساعدة عنصر الذاتية الخلاقة. حسنًا، هذه نظرية جديدة حول اللغة، وأعتقد أنه ينبغي النظر في مدى تعاطف اللسانيين وفلاسفة اللغة معها. ما أفهمه هو أننا لسنا بحاجة إلى مثل هذه السند لفهم وتفسير عنصر الخيال في اللغة الخطابية والأدبية. يمكن للذهن البشري وعنصر خياله أن يستخدم عناصر التشبيهات والاستعارات أو الصنائع الأدبية المختلفة ويستفيد منها لنقل معانٍ مختلفة. حوار الله والنبي الذي يتم في أشكال أدبية مختلفة وباستخدام التبديل بين المتكلم والمخاطب ليس سوى نوع أدبي وصنعة وصورة خطابية، وبكلمة واحدة نوع من البيان الأدبي الذي تكثر نماذج استخدامه في الأدب العربي الكلاسيكي، وله أمثلة في الشعر والنثر العربي حتى في الشعر الجاهلي. إذا أردنا إبداء الرأي في هذه المسألة، فحلها ليس في كون لغة الوحي رؤيوية، بل في الرجوع إلى تاريخ الأدب. هذا وحسب. ثم إنني يجب أن أشير هنا إلى أن لغة القرآن لا يمكن تفسيرها فقط بناءً على لغة وريتوريقا الأدب الجاهلي العربي أو ما رُوي وفُهم وعُبّر عنه لاحقًا في اللغة العربية الكلاسيكية. يجب مقارنة لغة القرآن باللغة الخطابية والبيانية والخطابية للغات السامية الأخرى وتأثيراتها على تطور اللغة العربية في الفترة ما قبل الكلاسيكية العربية، والنظر، على سبيل المثال، في لغة الحوار أو قص الحكايات أو أنواع التعابير البيانية الأخرى، تحت تأثير أي من اللغات السامية الأخرى، ومنها الآرامية والسريانية والعبرية، كانت لغة القرآن؟ وكيف؟ أقترح على القراء المحترمين مطالعة الكتابين التاليين: أولاً هذا الكتاب
Michel Cuypers, Le Festin, Une lecture de la sourate al-Mâ’ida Paris, Lethielleux, (« Rhétorique sémitique ; ۴ »), ۲۰۰۷
لقد تُرجم هذا الكتاب أيضاً إلى العربية ونشرته دار المشرق في بيروت. يتناول المؤلف في هذا الكتاب بحث بلاغة اللغات السامية ويطبّقها على الوضع اللغوي والخطابي والبلاغي لسورة المائدة، ويخضعها لبحث وتدقيق معمّقين. ليست دراسة هذا الكتاب مفيدة في بحثنا حول الكتابة فحسب، بل يمكن أن تكون مفيدة للغاية أيضاً فيما يتعلق ببحث آخر في نظرية الدكتور سروش، حيث يتحدث عن بنية نظم الكلمات والموضوعات في القرآن كدليل وقرينة على كون القرآن رؤيويّاً. أعني بذلك الموضع الذي يرى فيه الدكتور سروش أن نظم السور في القرآن، وحتى بداية الآية الواحدة ونهايتها، غير واضح، وأن تناسب الآيات والسور موضع تحدٍّ، ويتخذ من ذلك قرينة على كون كلام القرآن رؤيويّاً وقائماً على الحلم؛ وتوصيتي للقراء هي مراجعة هذا الكتاب. كما أنصح بكتاب آخر في هذا الموضوع، وهو بعنوان: رولان مينيه، لويس پوزيه، نائلة فاروقي، أهيف سنّو، طريقة التحليل البلاغيّ والتفسير (تحليلات نصوص من الكتاب المقدّس ومن الحديث النبويّ الشريف)، بيروت، ۱۹۹۳ (أُعيد طبعه في ۲۰۰۴). لقد نوقشت البنى البلاغية للغة العربية الكلاسيكية لاحقاً على يد الأدباء وعلماء البلاغة تحت تأثير اللغة والنحو اليونانيين والبلاغة الأرسطية، مما أضاف بالطبع إلى غنى المقاربات اللغوية للقرآن. ومن جهة أخرى، فإن المباحث القرآنية، كما نعلم، ومنها بحث إعجاز القرآن، شكّلت بذاتها أرضية لنمو علوم البلاغة في اللغة العربية. غير أنه من أجل فهم صحيح للغة القرآن، فإن الالتفات إلى بلاغة اللغات السامية الأخرى، وخصوصاً في عصر ما قبل الأدب العربي الكلاسيكي، هو أمر بالغ الأهمية. على أية حال، رأى الدكتور سروش، بسبب عدم التفاتة إلى ما قيل، من الضروري تبرير البنية البيانية للقرآن فقط بالاستناد إلى رؤيوية الوحي، وأن يصرّح بأن "تبدّل صيغة الحاضر والغائب لا يحدث في العبارة، بل في متن الواقع (الرؤيا)، فيتحدث النبي أحياناً بلسان الله، ويتحدث الله أحياناً بلسان النبي."
النقطة الثانية التي ينبغي أن أشير إليها هنا بإيجاز هي أن الدكتور سروش، بسبب عدم التفاتِه لما قيل، أي الدراسات التاريخية والأدبية لفهم لغة القرآن، قد اضطر إلى تبرير الأسلوب البياني للقرآن – الذي كما قلتُ قابل للتفسير من خلال بنيته البلاغية والبيانية – بمباحث ثيولوجية، ويكتب هكذا: "يجب أن أؤكد أن كل ما جرى على النبي، وكل ما استقر في نفسه، كان نابعاً من قوة نفسه، وحدّة بصيرته الباطنة، وخياله الخلاق، وتجربته الكشّافة، وقدرته العقلية الفذة، التي كانت جميعها من المواهب الربانية الخاصة، والتي كانت تتيح له، بقدر طاقته البشرية، أن يرى الآفاق البعيدة، وأن يأتي بقبسات من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وأن يُشعل النار في كومة توازن التاريخ. إن محورية النبي ودخالته في ظاهرة الوحي أمر لا مفر منه ولا يمكن إنكاره، والدين كله يدور حول محور شخصيته وتجربته، وهو يدور حول محور الله. لو كانت لمحمد (ص) تجارب أخرى، لاتخذ الإسلام المحمدي لوناً وعطراً آخر. كل الأديان، بتصريح القرآن، هي إسلام: لدينا إسلام موسوي وإسلام عيسوي، ودين المسلمين هو الإسلام المحمدي، سلام الله عليهم أجمعين."
في الواقع، بسبب عدم الالتفات إلى البنية البيانية والبلاغية للقرآن، يضطر الدكتور سروش في نهاية المطاف إلى تصوير عالم رؤيوي يرى فيه النبي نفسه في المنام، ويصل في عالم الرؤيا إلى مشاهدة وتجربة كان حاصلها نص القرآن. في هذه التجربة، يتحدث النبي مع الله تارة، ويتحدث الله معه تارة أخرى، لكن ليس هو بوصفه الشخص التاريخي للرسول، بل نبي ممتلئ بالله، حين يتحدث مع نفسه فكأن الله هو الذي يتحدث معه، ومن وجهة نظر الدكتور سروش هذا هو سر ولغز تبادل المتكلم والمخاطب في الخطابات القرآنية. من الواضح أن هذا ليس سوى تقرير ثيولوجي وتفسير عرفاني للقرآن وللتجربة النبوية. ليس اعتراضاً على الدكتور سروش أنه يفضل مقاربة كلامية، بل كل الكلام هو: لماذا، في مقام تبيين لغة القرآن، يهمل التفسير التاريخي والأدبي واللغوي الذي هو حصيلة الفهم التاريخي للنص، ويضع جانباً حصيلة كل تلك الدراسات التاريخية والأدبية، ويختزلها كلها في تفسير كلامي؟ ثم إنه إذا كان من المقرر أن نفهم القرآن بمقاربة كلامية، وأن نفسر لغة القرآن بأساليب لاهوتية، فلماذا لا نذهب إلى نظريات كلامية وعرفانية طُرحت واقتُرحت من قبلُ على يد ابن عربي أو الأشاعرة، والأهم من ذلك الإسماعيليون، وبحثوا في كيفية ارتباط الكلام القديم أو الأمر اللا صوري بالأمر الحادث وبالكلام والحكاية الوحيانية؛ وهو موضوع سنقوم بتبيينه في كتابات لاحقة.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.