اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
إذا كان القرآن من تأليف النبي لمخاطبين عرب، فينبغي أن يُفهم بآليات الأدب لا بتأويل الأحلام؛ نظرية سروش لا تلتزم بلوازمها، والمنشأ الرؤيوي للوحي لا يحل إشكالاً في فهم النص؛ حسن الأنصاري.

يصرح الدكتور سروش في نظريته عن الأحلام الرسولية بأن القرآن هو نتاج أحلام النبي. كما يعتقد أن نص القرآن هو من تأليف شخص النبي، وأنه في الحقيقة قد عبّر عن نتاج أحلامه باللسان وقام بتدوينه والتعبير عنه ونظمه في شكل نص. ومن جهة أخرى، يصرح السيد سروش بأننا بحاجة إلى تعبير الرؤى لفهم القرآن، لأن القرآن هو حصيلة أحلام النبي، وبالتالي فإن فهمه لا يتأتى إلا في ظل تعبير هذه الرؤى. وقبل أن أشرع في نقد ودراسة هذا المطلب، ينبغي أن أشير إلى نكتة بالغة الأهمية لبحثنا، وهي أن نفس هذه النتيجة تظهر أن الدكتور سروش غير ملتزم بلوازم نظريته. وتوضيح ذلك أنه من المحتمل أن الدكتور سروش لا يتردد في أن النبي لم يكن يُعتبر نبيًا ولم يكن يرى نفسه رسولاً لله لمجرد أنه كان يرى أحلامًا ويشهد مشاهدات في المنام. فالصورة التي كان يحملها عن نفسه كانت بوصفه شخصًا يحمل دور المبشر برسالة لأمته، وكان يرى تلك الرسالة إلهية. وفي هذه الحال، فإن ما كان متوقعًا منه هو أن يعبر عن مشاهداته في الرؤيا بشكل يتناسب مع اللغة التخاطبية لعرب عصره، ويجعل فهمها ممكنًا لتلك الناس. فمهما كان شكل وصورة ما كان يراه النبي في الرؤيا، فإن النبي، بوصفه مؤلف القرآن الذي هو نتاج الرؤى النبوية، كان ينبغي أن يعبر عنه بشكل يكون فيه، بوصفه رسول الله، موضع تفاهم وفهم متبادل؛ وبتعبير آخر، كان ينبغي أن يعبر عنه بلغة الناس المخاطبين به، أي اللغة العربية لقريش وسائر عرب مكة والمدينة وجزيرة العرب، حتى يكون مفهومًا لهم. وإذا كان الأمر كذلك، فإننا إذن أمام نص (أو خطاب؛ وفقًا لبعض الباحثين في الدراسات القرآنية) هو، بتعبير الدكتور سروش، من تأليف شخص النبي. وبتعبير آخر، هو نص مصنوع من بيان النبي ولسانه. وفي هذه الحال، ما هو دور الرؤيا في هذا السياق، ولماذا ينبغي أن نعبّر القرآن كأنه حلم؟ إذا كان القرآن هو تأليف النبي بوصفه مشاركًا للآخرين به، وتعبيرًا من النبي عن رؤى رآها، فلماذا ينبغي أن نستمر في اختزاله إلى مجرد مجموعة من الرؤى؟ ليس مهمًا بأي طريق سمع النبي محتوى القرآن أو رآه أو تلقاه؛ المهم أنه قد عبّر عن حصيلة تلك الرؤى باللسان وجاء بها بيانًا؛ بيان بلغة قابلة للتفاهم مع مخاطبيه، وبالتالي لم يعد من الممكن اعتبار حاصلها رؤيويًا بعدُ وخاضعًا لأحكام الرؤى. إنه نص أو خطاب تم تبيينه وتدوينه من قبل النبي بلغة تمتلك، كأي لغة أخرى، آلياتها الأدبية الخاصة في التعبير عن مختلف المسائل. إن الدكتور سروش، حين يتحدث عن تدوين النبي وتأليفه باللسان، يوجه في الواقع أول رصاصة الرحمة إلى نظريته ويخرجها عن دائرة الانتفاع. إن مخالفيه، وهم بالتحديد منظرو النظرية التقليدية حول الأصل الإلهي للقرآن ولغة القرآن، كانوا في اعتقادي يحملون نظرة أكثر تاريخية وأكثر بشرية (بمعنى كونها قابلة للفهم البشري) تجاه القرآن. لقد كانوا يرون القرآن كلام الله الذي نزل بلسان المخلوقين وبالعربية الأدبية، والذي ينبغي فهمه وإدراكه بنفس الأدوات البشرية الفاهمة للغة إنسانية، وفهم مجازاته وتشبيهاته واستعاراته وأنواعه الأدبية والبلاغية والبيانية المختلفة وجعله موضع تفاهم. ليس المهم ما هو منبع لغة القرآن: أهو وحي بمعنى كلام الله، أم هو رؤى رآها النبي في منامه؟ المهم هو أننا، حين نتعامل مع لغة القرآن بوصفه نصًا أو خطابًا، كيف نعتبره لغة وكيف نفهمه ونعطيه معناه؟ في النظرية التقليدية، يُفهم القرآن بوصفه لغة أدبية تحتوي على المجازات والتشبيهات وسائر الفنون الأدبية والأجهزة اللغوية للتفاهم والحوار. حتى لو اعتبرناه نتاج تأليف وتدوين نبي رأى محتوى القرآن في رؤاه، فلا مناص لنا من أن نسلم بأن نص القرآن قد تم التعبير عنه وتبيينه في نفس البنية الأدبية المذكورة آنفًا والمقبولة في النظرية التقليدية، وهو خاضع لنفس الأدوات الأدبية لفهمه بوصفه نصًا تاريخيًا وبلغة تاريخية. وإذا كانت هناك، بسبب كون جذر القرآن رؤيويًا (وفقًا لرأي الدكتور سروش)، إشارات إلى صور ومشاهدات رؤيوية فيه، فإنه على أي حال، في تعبير النبي وتدوينه وتأليفه بوصفه مخاطبًا ومتحاورًا مع أمته (بوصفه نبيًا ورسولاً)، لو كان لا بد من استخدام لغة إشارية، لكان على النبي أن يعبر عن تلك اللغة الإشارية في إطار اللغة العربية القابلة للتفاهم وبالأدوات الأدبية للغة العرب.
حسنًا، ما دام الأمر كذلك، فسؤالي هو: أيَّ إشكالٍ في القرآن بوصفه نصًّا أو خطابًا للنبي يمكن لنظرية رؤيوية الوحي أن تحلَّه، ممَّا عجز عنه السابقون ولم يستطيعوا إدراكه وحلَّ تلك الإشكالات؟ على أي حال، ما فُهم وأُدرك حتى الآن من لغة المجاز في القرآن، بصرف النظر عن أن النبي قد رأى أصله في المنام أو عبَّر عنه في اليقظة بلسان النبي وبتوظيف لغة وأدب قابل للتفاهم، له قواعده النحوية والبيانية والبلاغية الخاصة به، وقد بُذلت عبر التاريخ الإسلامي جهود مهمة لفهمه. ففي هذا السياق، أيَّ إشكالٍ يمكن لرؤيوية الوحي أن تحلَّه؟ نعلم أن المفسرين مختلفون في معنى كلمة العرش في القرآن وفي شأن الله. فأهل التشبيه يأخذونها بمعناها الحرفي على أنه المعنى الحقيقي، ويفهمها مخالفوهم من سائر المتكلمين بمعناها المجازي الذي كان مستعملًا أيضًا في اللغة العربية وفي أدب العرب. حسنًا، في هذا الشأن يمكن لنظرية الدكتور سروش فيما يبدو أن تقترح أن النبي (بناءً على تصورات عربيٍّ من ذلك العصر عن الله، لا بد) قد رأى الله في المنام فوق العرش كملك على سرير. ما رآه النبي في المنام، أيًّا كان، قد عُبِّر عنه لاحقًا (بحسب رأي الدكتور سروش) بلفظ العرش العربي، وهو لفظ كان يفهمه عربيُّ عصر النبي ويستطيع أن يكون له منه إدراك واضح. فكون أصل هذا التعبير عن الله منامًا ورؤيا رآها النبي، أيَّ إشكالٍ يمكن أن يحلَّه لنا في مقام فهم لفظة العرش؟ يقترح الدكتور سروش أنه ينبغي تعبير منامات هذه الكلمة وأمثالها، ويرى أن تعبير المنامات مدين لعلوم كالأنثروبولوجيا التي يمكنها أن تبحث في مفهوم العرش بوصفه لفظة في تاريخ العرب المعاصر للنبي وتفسرها. حسنًا، أليس النبي قد استعمل كلمة العرش في مقام تدوين القرآن، وعليه ينبغي أن ننظر ماذا كان معنى العرش في مقام اللغة الأدبية في عصر النبي؛ سواء أكان أصله يعود إلى منام أم لا، وسواء استُعمل في شعر مثلًا. ما الذي تقدمه لنا في ذاتها رؤيوية منشأ هذا التعبير؟ أليس الأمر أننا في كل حال نراه الآن (وكذلك أصحاب النبي ومخاطبوه) في متن القرآن الذي وظَّف لغة أدبية بكل آلياتها الأدبية المنتمية إليها، وأن فهمه يستلزم معرفتنا بالعلوم الأدبية والبلاغية والتاريخية؛ أي ذات العمل الذي قام به العلماء المسلمون ويقومون به منذ قرون. قد يُسأل: إن المعنى المجازي للعرش لم يكن مقصود المخاطبين الأولين للقرآن، وأن هذا المعنى المجازي قد فرضه متكلمو المعتزلة لاحقًا على القرآن. صحيح. ولكن حتى لو كان الأمر كذلك، فلا ريب في أن ذلك المعنى غير الظاهري الناشئ عن رؤيوية القرآن، الذي سمَّاه العلماء المسلمون لاحقًا وعرفوه بالمعنى المجازي لهذه الكلمة في القرآن، كان هو مقصود النبي في مقام التعبير عن كلمة العرش، وكان المخاطبون يفهمونه على نحو صحيح كما قصده النبي (وفي الحقيقة فإن المعنى الحقيقي لكلمة العرش الذي كان مقتضى نظرة تشبيهية إلى الله هو حاصل حقبة متأخرة، حين شرع غير العرب في تفسير القرآن بناءً على قواعده اللغوية والصرفية والنحوية). وعليه، فلا حاجة بنا مجددًا إلى اعتبار القرآن رؤيويًّا، لأننا إن امتلكنا سبيلًا إلى العالم المفهومي للعرب في عصر ظهور القرآن، ففي النهاية، حتى لو لم نكن على علم برؤيوية الوحي ولم نحكم بها، فإننا نستطيع أن نحصِّل ذلك المعنى المجازي والإشاري الذي يمكنه أن يروي فحوى تعبير النبي عمَّا رآه في المنام والذي كان مفهومًا لدى العرب. هذا في حين أننا، كم يمكننا عبر الأنثروبولوجيا أن ننفذ إلى لغة القرآن بوصفها لغة في بيان تعبير منامات النبي؟ الدكتور سروش، إن كان مقصوده من تعبير المنامات هو القائم على إدراك ومعرفة لغة المنامات الإشارية والتعبيرية في عصر النبي عبر أنثروبولوجيا تاريخية للأحلام، فعليه أن يعلم أن هذا الأمر ليس بسيطًا، وأن مصادرنا قد لا تستطيع توفير مثل هذه المعلومات إلا بشكل محدود. أما إن كان المقصود من تعبير منامات النبي هو أننا، كمخاطبين للقرآن، لو أردنا أن نرى الكلمات القرآنية المستعملة في القرآن في مناماتنا، فأيَّ تلقٍّ وفهمٍ سنحصل عليه منها، فهو قد أفاد بكلام خارج تمامًا عن مقام التفاهم والبحث؛ لأن المعيار ليس اعتبار مناماتنا في هذا العصر، بل منامات المؤمنين في عصر النبي.والواقع أن ما قاله الأدباء والمفسرون في مقام فهم كلمات القرآن، جزء مهم منه متجذر في نفس التقاليد واللغة الأدبية لعصر ظهور القرآن، واستناداً إلى تلك المباحث يمكن التوصل، قليلاً أو كثيراً، إلى مقصود النبي وإلى لغة القرآن. ليس المهم في هذا البحث ما هو أصل القرآن؟ المهم هو كيف نفهم لغة القرآن كما يفهمها عربي معاصر للنبي، ولهذا الغرض، إن كانت هناك حاجة إلى توصية، فالتوصية هي أنه ينبغي، إلى جانب العلوم الأدبية العربية التقليدية، بذل جهد يليق في مقام فهم لغة القرآن من أجل فهم ومعرفة العرب ولغتهم في عصر ظهور القرآن من خلال معرفة الكتابات الأدبية، والوثائق، وثقافة العرب في ذلك العصر، والبنى الأدبية العربية التي كانت تحت تأثير اللغات السامية (الآرامية والسريانية)، والتي تصبح كلمات القرآن ونصه أكثر قابلية للفهم في إطارها؛ أي فهم القرآن بوصفه نصاً أو خطاباً ذا لغة تاريخية وأدبية. هذا هو الأمر الذي كان عليه في الواقع جلّ جهد علماء المسلمين، بل لقد حاولوا أن يدبروا فهماً للكلمات الدخيلة في القرآن بنفس تلك المعرفة المحدودة التي كانت لديهم عن أصل الكلمات (الإتيمولوجيا). واليوم، بطبيعة الحال، صارت معرفتنا، نظراً لاتساع نطاق الأبحاث التاريخية حول اللغة العربية وجذورها والبحوث المتنوعة حول ثقافة العرب وحضارتهم في عصر ظهور القرآن وعلاقاتهم مع الأقوام الأخرى وعلاقاتهم مع أهل الكتاب وغيرهم (وليس من طريق التعبير الأنثروبولوجي للأحلام؛ كما يصرح الدكتور سروش)، أكثر بكثير. وبهذا، يحكم الدكتور سروش، بنظرية الأحلام الرسولية، عملياً بتعطيل الآداب والعلوم الأدبية؛ علوم هي نفسها نتاجات تاريخية لفهم لغة تاريخية. ومن ناحية أخرى، حين يكتب الدكتور سروش أننا بحاجة إلى معبّرين للأحلام يعبرون لنا نص القرآن، ثم يحيل إلى علماء الأعراق والأنثروبولوجيين، فإنه عملياً يغلق النص القرآني بوصفه نصاً منفتحاً على الفهوم التاريخية والمتنوعة والمتجددة، ويختزله من مقام نص بكل آفاقه المعنوية والهرمنيوطيقية الواسعة إلى سلسلة من الأحلام المحدودة بزمانها ومكانها، ومن هنا أعتقد أن الدكتور سروش يظهر بهذه النظرية في الواقع قطيعة مع آرائه السابقة. في الحقيقة، إن ما يسعى إليه هو أمر كان عملياً موضع اهتمام علماء المسلمين من دون أن يضطروا إلى اعتبار القرآن حصيلة أحلام النبي. وما لم يوفقوا هم إلى إنجازه، أخذ اليوم، بأساليب البحث التاريخي، يتنظم قليلاً أو كثيراً. لذلك لا حاجة بنا إلى انتظار ظهور معبّري الأحلام؛ علينا فقط أن نقرأ ما كُتب في هذه المجالات وأن نسعى إلى إغنائه.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
العلوم السياسية
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.