اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
اعتبر خشايار ديهيمي، في ندوة «إيران، الحرية والعدالة»، أن عدالة الأصوليين تسير عكس مسار العدالة الكونية، ووصف الديمقراطية الدينية للإصلاحيين بأنها مبهمة. ورأى أن الليبرالية نظرية للتعايش السلمي وفصل السياسة عن المعتقدات.

شرق: في الأيام التي يُروَّج فيها للعدالة ويُشجَّع عليها باعتبارها الهدف الأسمى لرجال الدولة الإيرانيين، نظّم طلابُ كتلة أنصار الديمقراطية في الجمعية الإسلامية لطلاب كلية الإدارة بجامعة طهران ندوةً استمرت ثلاثة أيام تحت عنوان «إيران، الحرية والعدالة»، لعلهم يقدمون من خلالها صورةً واقعيةً عن مكانة الحرية والعدالة في المنظومة السياسية والفكرية للإيرانيين. وبناءً على ذلك، استضاف هؤلاء الطلاب السياسيون في اليوم الثاني من ندوة «إيران، الحرية والعدالة» نخبةً من الأساتذة والمثقفين الإيرانيين ليستمعوا إلى تعريفهم للحرية والعدالة، عسى أن يتمكنوا في ختام الندوة من الحصول على صورة مقبولة عن العلاقة بين هذين المفهومين، وتبيين مكانتهما في النظام السياسي الإيراني.
.
تقرير شرق عن محاضرات ديحيمي، وبابك أحمدي، وآزاد أرماكي في اليوم الثاني من ندوة «إيران، الحرية والعدالة»:
مريم شيباني: في الأيام التي يُروَّج فيها للعدالة ويُشجَّع عليها باعتبارها الهدف الأسمى لرجال الدولة الإيرانيين، نظّم طلابُ كتلة أنصار الديمقراطية في الجمعية الإسلامية لطلاب كلية الإدارة بجامعة طهران ندوةً استمرت ثلاثة أيام تحت عنوان «إيران، الحرية والعدالة»، لعلهم يقدمون من خلالها صورةً واقعيةً عن مكانة الحرية والعدالة في المنظومة السياسية والفكرية للإيرانيين. وبناءً على ذلك، استضاف هؤلاء الطلاب السياسيون في اليوم الثاني من ندوة «إيران، الحرية والعدالة» نخبةً من الأساتذة والمثقفين الإيرانيين ليستمعوا إلى تعريفهم للحرية والعدالة، عسى أن يتمكنوا في ختام الندوة من الحصول على صورة مقبولة عن العلاقة بين هذين المفهومين، وتبيين مكانتهما في النظام السياسي الإيراني.
رأى خشايار ديهيمي، بصفته أول المتحدثين في اليوم الثاني من هذه الندوة، في مستهل كلمته أنه من الضروري ذكر أن «تبيين العلاقة بين العدالة والحرية على الصعيد النظري وبيان مكانة هذين المفهومين في النظام السياسي الإيراني يتطلب مجالاً أوسع مما تتيحه محاضرة قصيرة.» ديهيمي الذي اختار عنوان «الحرية والعدالة من منظور ليبرالي» لمحاضرته، أرجع سبب إدراكه لضرورة الحديث عن الليبرالية في هذه الندوة إلى الجور الذي مارسه الساسة والمثقفون الإيرانيون طوال سنين عديدة تجاه هذه النظرية السياسية. وانتقد ديهيمي أولئك الذين يرفضون الليبرالية دون نقدها، وطرح هذا السؤال: «أنا شديد الفضول لأعرف ما هو الشيء الذي لا يريدونه من الليبرالية، وأود أن أعرف ماذا يقصد هؤلاء الأصدقاء بالليبرالية؟» وبحسب اعتقاد ديهيمي، فإن كلمة الليبرالية في إيران لطالما رادفت «أمريكا»، ولم يحصل أي تدقيق نظري في معنى الليبرالية. ديهيمي الذي ترجم أيضاً كتباً كثيرة حول مفاهيم العلوم السياسية، رأى أن العدالة والحرية مفهومان تسببا في جدل واسع بين خبراء علم السياسة، لأن الأشخاص الذين يستخدمون هاتين الكلمتين يحملون تصورات ومفاهيم مختلفة عنهما. وبهذا، انتقد ديهيمي الساسة الإيرانيين بعد أن أشار إلى ضرورة توضيح ما يعنيه بالحرية والعدالة: «تماماً كما كانت الديمقراطية الدينية لدى الإصلاحيين مفهوماً غامضاً وملتبساً، فإن عدالة الأصوليين هي أيضاً مفهوم مختلف ويسير في عكس مسار العدالة السائدة في العالم.» بعد أن قدم ديهيمي مقدمة مفادها أن العدالة والحرية في فلسفة الأخلاق والسياسة ليستا قيمتين في حد ذاتهما، وأنهما تعتبران قيمتين متى ما وفرتا موجبات سعادة البشر وتمتعهم، دخل في صلب حديثه وشرع في تفصيل ما قدمه الليبراليون عبر التاريخ من هذين المفهومين. هذا المثقف السياسي، بتقسيمه تاريخ الليبرالية إلى حقبتين: ما قبل الليبرالية (العصور الوسطى) وعصر ما بعد الليبرالية (عصر التنوير)، أكد أنه في العصور الوسطى كان الاعتقاد الواسع والعام بدين واحد سبباً في أن يُعتبر كل من يحمل اعتقاداً مختلفاً عن العقيدة العامة فاسداً ويتعرض للملاحقة والأذى. ثم وصف ديهيمي اتساع التواصل ونمو العلم بأنهما الشرارة الأولى لظهور الليبرالية في عصر التنوير، وقال: «مع نمو التواصل، صار قبول مبدأ وجود عقيدة واحدة فقط أمراً صعباً شيئاً فشيئاً، وأصبح جون لوك، باعتماده على ’التسامح الديني‘ بمعنى أنه لا يحق لنا ملاحقة وإيذاء الآخرين الذين لم يصلوا إلى العقيدة الدينية السائدة، طليعة الليبرالية.» واستنتج ديهيمي من هذه الجملة أن جوهر الفكر الليبرالي هو حرية التعبير وحرية الفكر، وهو ما أدى مع مرور الزمن إلى تكريم العقل في ميدان المعرفة والتفكير. ثم قال ديهيمي بعد أن أشار إلى أنه «ينبغي لنا أن نوفر آلية تمكن أنماط الحياة المختلفة من التعايش السلمي مع بعضها البعض»: «بأسلوب الحياة يتحول الفكر الليبرالي إلى نظرية سياسية.» واعتبر ديهيمي الفكر الليبرالي الذي تحول إلى نظرية سياسية حامياً لحرية التعبير والفكر، وعرّف مهمته على النحو التالي: «تسعى النظرية السياسية الليبرالية إلى تصميم دولة وتهيئة بيئة لا يؤدي فيها وجود اعتقادات مختلفة إلى النزاع والحرب.» وبعد أن أشار ديهيمي إلى أنه في عصر ما بعد التنوير، وبسبب كثرة المدارس الفكرية، ازدادت الجدالات الفكرية وحدث نوع من التباعد بدل التقارب في ميدان الفكر والعمل السياسي، أعلن رسالة الفكر الليبرالي في هذه الحقبة كما يلي: «كان على الفكر الليبرالي، بصفته فكراً ديناميكياً وحيّاً، أن ينسق نفسه مع هذا التضاد في وجهات النظر.»
أما في التطبيق العملي فقد توصّل إلى حقيقة مفادها أن توقير العقل لن يؤدّي دوماً إلى التقارب، وبهذا استوعب التعدّدية لكي يحول دون نشوب العنف.» ثم شدّد ديهيمي على أن السياسي قد اكتسب في هذه الحقبة تعريفاً جديداً، بحيث يتعيّن على السياسة، بموجب هذا التعريف الجديد، أن تنفصل عن المعتقدات والأيديولوجيا كي تمنع الصدام والعنف. وعليه، أكّد ديهيمي أن الليبرالية بهذه التدابير قد أضفت الشرعية على التعدّدية في المجال السياسي، ثم قال: «ليس ثمّة ضرورة البتّة لأن نصل إلى نتائج موحّدة جرّاء الاستخدام الحر للعقل، بل المهم أن نعيش معاً حياة سلمية بتدبير.» وبهذا استخلص خشايار ديهيمي النتيجة الرئيسية من كلامه بقوله: «إلى جانب الحياة السلمية وبجوار الحرية، سيتحقّق العدل أيضاً، وعلى هذا الأساس تنبثق المطالبة الليبرالية بالعدالة بوصفها مدرسة فكرية من صميم الليبرالية.» غير أن خشايار ديهيمي، حين واجه سؤالاً من الطلبة الحاضرين في الجلسة طالبين تعريفهم بمروّجي الفكر الليبرالي في إيران، أجاب قائلاً: «لقد كان الفكر الليبرالي في إيران مبتوراً حقّاً. في العصر الدستوري جرى تتبّع الفكر الليبرالي في إيران، وخرج الدستور من رحم الفكر الليبرالي. لكن حين هُزمت المشروطة في إيران، هُزمت الليبرالية بالتوازي معها. لذلك كان الموالاة والمعارضة للسلطة السياسية في إيران مناهضين لليبرالية على الدوام.» كما وجّه خشايار ديهيمي، في معرض إجابته عن سؤال آخر، نقداً لأداء الإصلاحيين، وخاطبهم قائلاً: «لم يستطع الإصلاحيون تصحيح الفهم السائد للحرية والعدالة، وحين نعجز عن نقل هذه المباحث إلى الناس، فالخلل فينا حتماً. كانت الشعارات الأولى للإصلاحية صحيحة ودقيقة للغاية. وأكبر نقد هو أن الإصلاحيين قد حادوا عن هذه الشعارات فانكسروا، وفي النهاية، بدلاً من أن ينقدوا أنفسهم، نقدوا أصل الشعارات وقالوا إن الناس لم يكونوا يريدون الديمقراطية، بل يريدون العيش.»
النقد الذي وجهه خشايار ديهيمي للإصلاحيين، كرره حرفياً المتحدث الآخر في الحفل، بابك أحمدي، وجعله منطلقاً لحديثه. بابك أحمدي، الذي كان يلقي محاضرة على الطلاب السياسيين بعنوان «لماذا العدالة دون حرية أمر مستحيل»، وصف الدفاع الخاطئ عن الحرية في حكومة الإصلاحات بأنه سبب فشل هذه الحكومة، واعتبر أن سبب اختياره لهذا الموضوع لمحاضرته هو التأكيدات غير المناسبة التي يطلقها المسؤولون الإيرانيون حول المطالبة بالعدالة في الأشهر السبعة الأخيرة. وأشار أحمدي إلى أنه في الأشهر السبعة الأخيرة لم تُسمع كلمة الديمقراطية من لسان رئيس الجمهورية، وأن المسؤولين لم يعتبروا الحرية فضيلة، منوهاً: «المساواة الاجتماعية في أي نظام سياسي لن تتحقق إلا في ظل تحقيق الحرية وحقوق الناس». وأكد أحمدي أن العمال في المجتمع هم أكثر الشرائح حاجة للعدالة والمساواة، قائلاً: «قبل سنوات قلت في صف الحداثة إنه حيثما تُقيد الحرية، فلتتأكدوا أن حقاً ما يُداس وأن اللامساواة الاجتماعية تتعمق». وذكر كاتب العلوم السياسية هذا أن مقصوده من الحرية والعدالة هو المعنى السياسي فحسب، ووصف تحقق الدولة الديمقراطية بأنه نتيجة للحرية السياسية، ومؤكداً على أن علماء السياسة لا يتفقون على مفهوم العدالة، استنتج قائلاً: «أياً كان تعريف العدالة الذي آخذه بعين الاعتبار، فإني ما زلت أدعي أنه في مجال الحياة السياسية والاجتماعية لا يمكن تحقيق العدالة بشكل حقيقي ما لم تكن الدولة ديمقراطية». ثم عرّف أحمدي الدولة الديمقراطية التي يقصدها على النحو التالي: «الدولة الديمقراطية هي دولة يُعترف فيها بحقوق المواطنة وحرية التعبير». وطرح أحمدي هذا السؤال: «لماذا لا يمكن دفع أي شكل من أشكال العدالة الاجتماعية قدماً دون حرية؟» وتابع: «كما أكد ستيوارت ميل في القرن التاسع عشر، بدون حرية لن تتحقق المساواة الاجتماعية، والتوجه نحو المساواة في المواطنة في ظروف لا تكون فيها الحكومة ديمقراطية يمكن أن يكون خطراً». وبحسب أحمدي، فإن الدولة الديمقراطية تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية وأتاحت إمكانية أكبر للمساواة الاجتماعية: «إذا كانت الدولة ديمقراطية، يمكن طرح المشكلات للنقاش وبالتالي نقلل من المشكلات المتعلقة باللامساوات الاجتماعية». ثم ضرب أحمدي مثالاً بانهيار الحكومة الشيوعية السوفيتية كنموذج فاشل لشعار المساواة الاجتماعية، ومؤكداً على أن الحكومة السوفيتية عمّمت «المساواة في الفقر»، قال هذه الجملة تأييداً لرأيه: «عندما انهار النظام السوفيتي، ظهرت مرة أخرى الطبقة غير المتساوية التي كانت قبل عام 1917، وأظهرت أن تخيلات حكام السوفييت كانت قد رسمت الوضع الصعب الذي دام سبعين عاماً للشيوعية». وبهذا، دافع هذا المثقف الإيراني عن الحراك الديمقراطي، لكنه أعلن أن هذا الأسلوب في الحكم له محدودياته أيضاً، وقال: «الحكومة الديمقراطية أيضاً قد تعمق، في أي درجة من تقدمها، النضال ضد اللامساواة الاجتماعية». وأنهى كلمته كما بدأها بانتقاد الإصلاحيين، قائلاً: «خلقت حكومة الإصلاحيين ما يكفي من المشكلات الاقتصادية واللامساواة، ولكن من الخطأ الاعتقاد بأن هذا حدث لأنها دافعت عن الحرية. لقد دافعوا عن الحرية بشكل سيئ أيضاً. الحكومة السابقة لم تدافع عن الحرية بشكل صحيح، وهذا أحد الدروس التي يجب أن يتعلمها شعبنا. يجب أن يخلق ضغطاً لتشكيل حكومة ديمقراطية، وحرية التعبير والصحافة، وإنشاء النقابات. عندما تتشكل هذه، لن نواجه الفشل والتراجع بعد ذلك. لم يكن عيب عملنا أننا كنا نريد الديمقراطية، بل كان عيبنا أننا لم نقف جيداً من أجل الديمقراطية ولم نصر عليها. يجب أن نتعلم في المستقبل أن نعيش معاً بطريقة ديمقراطية».
كان تقي آزاد أرمكي، الرئيس السابق لكلية العلوم الاجتماعية بجامعة طهران وعضو قسم علم الاجتماع في هذه الكلية، المتحدث الآخر في ندوة «إيران، الحرية والعدالة» الذي وصف الحرية والعدالة من منظور علم الاجتماع. استهل آزاد أرمكي كلمته بالقول: «لقد تعلمنا أن نحصل على الحرية والعدالة خارج نطاق العلم». ووصف أرمكي رسالة علم الاجتماع بأنها «تصميم مجتمع يتحقق فيه الديمقراطية والحرية»، وأعلن أن شيوع النظرات التنموية سبب لعدم الاهتمام بالحرية في المجتمع الإيراني. وبحسب أرمكي، يتم تناول المعارف في إيران بنظرة تنموية بدلاً من النظرة النقدية، لدرجة أن مركز الأفكار والفكر في إيران المعاصرة صُمم على أساس النظرة التنموية. ثم وصف أرمكي الثورة الدستورية بأنها بداية تشكل المجتمع الحديث في إيران وقال: «بعد الدستورية أيضاً، تدور الجهود حول محور التنمية، وتتم جهود جميع النخب والمتنورين وعامة الناس على هذا الأساس لبناء مجتمع أفضل من الأمس». واعتبر عالم الاجتماع الإيراني هذا أن هذه النظرة دخلت حتى في مجال التنوير والفكر وقال: «حتى في مجال الحرية والعدالة، اتخذ خلق مجتمع أفضل شكلاً مثالياً، وتحول بناء مجتمع أفضل إلى أيديولوجيا». وفيما بعد، سمى عالم الاجتماع هذا التنمية بأيديولوجيا المجتمع الإيراني واعتبرها تنتمي إلى كلا الرؤيتين اليسارية واليمينية في تاريخ إيران المعاصر: «ينظر كلا التيارين إلى التنمية كرؤية مثالية، لكن المشكلة هنا هي أن أولئك الذين من المفترض أن يحققوا هذه الفكرة ليسوا من طينة هذه الفكرة». وبحسب اعتقاده، يتعامل المجتمع الإيراني مع مجموعة بيروقراطية مضطرة للعمل بناءً على توصيف وظيفي محدد ولا تبذل جهداً لتغيير توصيفها الوظيفي. وصرح أرمكي بأن الحكومات والقوى التي تدعي الديمقراطية والحرية في إيران، تنفي بنفسها تيار الحرية والعدالة. ووجه نقداً مبطناً للإصلاحيين بهذه الصورة: «حكومات في الماضي فشلت بدعوى الديمقراطية والحرية، بينما كانت هي نفسها سبب الفشل لأنها لعبت دور البيروقراطيين الذين يتخذون فقط وضعية التنوير». وهكذا استنتج أرمكي أن خطاب الحرية والعدالة في المجتمع الإيراني تحول إلى أمر هامشي وخرج من الساحة السياسية، وأن ورثته لا يزالون يتخذون فقط وضعية نقدية.
.
.
.
.
.
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.