اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
فصلت الحداثةُ الوعيَ الإنساني عن العالم بإشاعتها للشك، واختزلت الفلسفة إلى منهج علمي؛ ويرى ستانلي كافِل وفيتغنشتاين أن سبيل إعادة بناء هذه العلاقة يكمن في استبدال التنظير بالعودة إلى شكل الحياة والمعايير اللغوية.

اقرأ الجزء الأول هنا والجزء الثاني هنا
القطيعة مع العالم:
يكتب ستانلي كافيل[2]، شارح فلسفة فتغنشتاين، في كتابه «العالم منظوراً»[3] خلال تأملاته الفلسفية الخاصة التي يجريها معتمداً على نماذج فنية وأدبية عديدة مثل الرسم والسينما وغيرها، ما يلي:
«... سابقاً، ما كان الرسم يطلبه، أبعد من مجرد الاتصال بالواقع، لم يكن في الحقيقة إقناع العالم بأن يكشف عن نفسه لنا، بل على العكس، كان يريد منا أن نظهر للعالم ونكشف عن أنفسنا له. في لحظة ما، وضع «خروج وعينا من مفصلة العالم»[4] ذهننا بين «نحن» و«حضورنا» في العالم. ونتيجة لذلك، تحولت ذاتيتنا إلى ما هو حاضر لدينا، وتحولت الفردية إلى عزلة. سابقاً، كان طريق الإيمان بالواقع يمر عبر الإقرار بهذا الحضور اللامتناهي لأنفسنا!» (WV:22)
يعتقد كافيل أن المسائل الفلسفية التي أدت، بفعل حادثة الحداثة، إلى انفصال وعي الإنسان عن العالم ووضعت ذهن الإنسان الحديث بينه وبين العالم، قد أفضت إلى شكل من «الشكوكية» التي، لكي تستعيد نفسها، ظهرت بأشكال متنوعة في كتابات ديكارت، وهيوم،[5] وكانط،[6] وإمرسون،[7] ونيتشه،[8] وهايدغر[9] وفتغنشتاين. (PoH: 245)
من جهة، فإن محاولة فهم أنفسنا داخل العالم، بطريقة جامعة وكلية وشاملة، تنبع قبل كل شيء من داخل حياة تتسم بالحكمة، «بمعنى أنه من أجل الحصول على حياة ومجتمع منظمين، كان الاهتمام، أكثر وقبل أي شيء آخر، منصباً على «الإنسان الصالح» وظروفه المعيشية والاقتصادية والثقافية... إلخ.» (ح، ص 157) الإنسان الصالح يشق طريقه بنفسه نحو أخلاق الفضيلة التي تناسبه وتلائم شكل حياته. (المصدر نفسه) ومن جهة أخرى، فإن الوصول إلى هذه الرؤية الكلية والشاملة قد تعرض للخطر مع حادثة الحداثة وأبعدنا كلياً عن طريق بلوغ الحكمة.
الحكمة التي تملك القدرة على تنوير الإنسان ليعرف نفسه، تسعى الفلسفة السقراطية بهذا الهدف نفسه إلى تخفيف نواقص الحياة وإعادة الصحة إلى طبيعته في نهاية المطاف، وتعلمه ألا يبحث في الخارج عما يجب أن يجده في داخله. (المصدر نفسه، ص 63)
يكتب ويليام روثمان[10]، شارح فلسفة كافيل، أن كافيل ينظر إلى انفصال وعينا عن العالم بفعل حادثة الحداثة، بوصفه حدثاً تاريخياً وأسطورياً مثل الهبوط في الكتاب المقدس، تسبب في كارثة روحية ونفسية وسياسية في حياة الإنسان الحديث، وجعله يواجه وعياً جديداً مختلفاً عن وعيه القديم والسابق بشروطه الإنسانية. الآن، بالنسبة «للإنسان» المنفصل عن العالم، ثمة هذه الذهنية وكونه ذاتاً، وليس هناك عالم حاضر أمامه بموضوعية. ولأن كونه ذاتاً لا يوجد له إلا بصورة ذهنية، فهو لا يفهم موضوعية هذه الذهنية، وبالتالي فإن درجة انفصال وعيه عن هذه الذهنية وكونه ذاتاً لا تقل عن درجة انفصال وعيه عن العالم. (Rothman, 2000, p: 64)
بداية هذه الحادثة، وفقًا لكافيل كما ينقل روثمان، تتأسس مع نقطة انطلاق الفلسفة الحديثة ونوع الشك الديكارتي، الذي بموجبه لا يمكننا امتلاك رؤية كلية وصورة شاملة لكُلية العالم، ولا أن نراه كما هو في ذاته من موقع خارج عنه، من منظور العالِم الكُلي. لدرجة أن الفلاسفة بعد ديكارت، ومنهم ثلاثة فلاسفة مشهورون، لوك، وهيوم، وكانط، يعتبرون شروطنا الميتافيزيقية وتناهينا، قيدًا يتعلق بأشكال تجربتنا نحن، وعائقًا في طريق إدراك "ما هو متعذر بلوغه ميتافيزيقيًا." [11] بالنسبة لفلاسفة مثل هيغل،[12] وماركس،[13] وكيركغارد[14] ونيتشه أيضًا، فإن كُلية العالم هي أبعد من متناولنا وحدنا الميتافيزيقي. وعلى هذا الأساس ينبغي أن نستنتج أنه للخروج من هذا الوضع، والوصول إلى ما وراء هذا الحد الميتافيزيقي، لا بد من إحداث تحول جوهري، ليس فقط في الوعي بالعالم، بل أيضًا في إدراكنا لـ "شكل حياتنا". (Ibid, p:175)
يقول كافيل عن برهان اللغة الخاصة ومقصد فتغنشتاين منه في الفقرة 258 أيضًا، إن المقصود ليس أن تسجيل ذكرياتنا، بشكل خصوصي، مستحيل منطقيًا، بل إن شخصًا ما يقول شيئًا ويكتبه، لكن ما يكتبه غير قابل للفهم من قبل آخر، أي أنه يعبّر عن إحساس ويضع علامة للتعبير عنه، لكن لأن معياره وعلامته لا تتبعان نمطًا قانونيًا عامًا متفقًا عليه، فإنه بهذه الطريقة في استخدام العلامات وتسجيل الذكريات لا يمكنه أبدًا أن يعبّر عن مشاعره الشخصية لأحد (Cow: 343-354) لأنه لا يملك معيارًا معممًا لهذا الإدراك. إن برهان اللغة الخاصة يبطل مفعول تلقي التمييز بين الذهن والعين، والداخل والخارج، الذي افترضت صحته، كأساس للمعرفة والإدراك في الفلسفة السائدة، خطأً، على أنه بديهي، وكما شرح روثمان، فإن مسار هذه الفلسفة مع الحداثة قد سار في طريق مسدود، حيث خلطت بين إمكانية الحصول على رؤية كلية عبر التحول إلى عالِم كُلي وإمكانية الوقوف خارج واقع العالم، واعتبرت ذلك مستحيلًا وبعيدًا عن متناول تجربة النوع البشري.
ينتقد فتغنشتاين ما أصبح، بعد الحداثة، هدفًا للفلسفة المتداولة، والذي حولها إلى نوع من الإبستمولوجيا بالمنهج العلمي، قائلًا: «إنهم يستحضرون أمام أعينهم إغراء السؤال والجواب بالطريقة العلمية، وهو نزوع هو المنشأ الحقيقي للميتافيزيقا ويقود الفيلسوف إلى الظلام المحض.» (BB: 18) ونتيجة لهذا الوقوع في الخطأ، فإن الفلاسفة «يختلقون أسئلة ميتافيزيقية تعبر عن غموض حول قواعد مفاهيم وكلمات في قالب سؤال علمي.» (Ibid:35) في حين أن العلاقة التي يقيمها «الإنسان» مع العالم، تحدث في كيفية وجوده واستخدامه للغته، وهي تمر عبر مجموعة معايير المعنى القواعدية للغته، ولا يمكن أن تكون من نوع المعرفة اليقينية المنشودة في الفلسفة السائدة[15].
يكتب راي مونك؛ كان فتغنشتاين يعتقد أن التفسير والتنظير في الفلسفة يرتبطان بشكل ما بعبادة العلم - في العصر المعاصر -، فالفلاسفة المنتشون بنجاح العلم، نسوا أن هناك نوعًا آخر من الفهم موجود. (Monk, 2005, p:68)
وفقًا لفتغنشتاين هَكر، لا ينبغي لنا في الفلسفة أن ننظّر مثل العلم ونسعى وراء تأييد نظرياتنا ونمو المعرفة. لأن العلم والفلسفة ليسا من مقولة واحدة. في العلم، بالنظرية التي نبنيها، نقوم بتفسير الأحداث والوقائع والتنبؤ بها، ونمتحن نظريتنا بمحك التجربة، وهذا العمل قد يقربنا فقط من الحقيقة. أما عمل «الفلسفة» فهو أن تحل وتذيب المسائل الفلسفية عبر توضيح ما هو ذو معنى، وهذا العمل سابق على التجربة ويُعتبر الافتراض المسبق لصحة وعدم صحة كل شيء. (هَكر، 1396، ص 11)[16]
يقول فوغلين[17] إن المهمة اللائقة والمناسبة للفلسفة – بل مهمتها الوحيدة في الواقع – هي أن تجبرنا على التخلي عن آرائنا الخاطئة السابقة، ويستخدم فتغنشتاين تشبيهات واستعارات كثيرة لبيان خطئها وكيف يمكننا أن نصبح أسرى تصورات خاطئة بسبب توجّه غير مناسب، ويشير إلى الفقرة 103 من «البحوث» كمثال، حيث يشبّه فتغنشتاين فيها هذه التصورات بنظارة ننظر من خلالها إلى العالم، ونصيحته ليست أن نستبدل نظارتنا بأخرى أفضل، بل ينبغي فقط أن نتمكن من خلعها عن أعيننا لكي نصبح واعين، بطريقة خاطئة وغير قابلة للإصلاح، بأننا كنا قد جعلناها نقطة انطلاق للنظر إلى العالم. (Foglin, 1996, P:34)
يقول كافيل إن ما حدث في سياق الفلسفات السائدة هو أن المعنى قد انفصل عن استعماله، ولهذا السبب وقعنا في مشكلات فلسفية جمة. ففي هذه المنظومات الفكرية الفلسفية، أدى التأكيد على مجموعة من المصطلحات والعبارات الخاصة، بمعزل عن مجموعة معايير استعمالها القواعدي والمنطقي في مجرى الحياة، إلى ضياع المقصود الرئيسي من قولها وفقدانها القدرة والطاقة على إدراك الإنسان، لذلك ربما يمكن تسمية العملية التي مرت بها هذه الفلسفات بـ: «الفلسفة وعدم القدرة على إدراك الإنسان وقبوله»![18] (CoW: 206-207)
يكتب كافيل أن دافع فتغنشتاين هو إعادة الإنسان إلى طبيعته، وإلى اللغة القائمة على الشروط الإنسانية، وبالتالي إلى الفلسفة الأصيلة. ولهذا، يضطلع بالعمل القيّم المتمثل في وصف هذا التاريخ ليُظهر كيف ضللنا الطريق في بحثنا عن ذواتنا الإنسانية، وكيف وُجّهنا نحو التكلم «خارج الألعاب اللغوية»[19]، واستعملنا العبارات بشكل منفصل وبعكس اتجاه لغتها الطبيعية – المخطط الناشئ من «شكل الحياة» – بحيث سمحنا لها باكتساب القوة، لأننا لم ننتبه إلى نقطة مهمة وهي أننا عندما نستعمل هذه العبارات خارج «اللعبة اللغوية»، فهي لا تفقد معناها ظاهرياً فحسب، بل تبقى بالمعنى المألوف نفسه الذي يمكن أن نجده في القاموس أيضاً، لكن مقصودنا من استعمالها في موضعها المحدد قد ضاع، وفقدنا المغزى الذي كنا نتوخاه أثناء قولنا لها. (Ibid: 206-208)
يقول كافيل: إذا أردت أن أبيّن مدى ضخامة وأهمية هذا الفقدان والخسارة، فعليّ أن أؤكد على مقدار الدافع الأساسي لدى فتغنشتاين لكتابة «تحقيقات فلسفية»، فهو يريد أن يقول إن ما فقدناه ليس معاني الكلمات – فنحن نملك المعاني، وحتى كل هذه التعريفات والشروح في القواميس اللغوية الضخمة لم تحل محل ما فقدناه. – ما فُقد هو التحقق الكامل لأقوالنا وكلماتنا، وكانت النتيجة أننا نفهم المعنى ولكن لا نفهم المقصود والمغزى منه. (Ibid) لذلك، فإننا في الواقع، وبالاتكاء على أسس الفلسفة التقليدية[20]، نبحث عن قاعدة ذاتية آمنة[21] للتصورات المعنوية المقبولة ولكن خارج لعبة اللغة وفي عطلتها، كي نوطد بناءنا المعرفي، ولكن كما يشهد تاريخ الفلسفة التقليدية نفسه، كانت النتيجة أننا تائهون ونخرج باستمرار إلى الطرق المسدودة والدروب الضالة في مدينة اللغة.
يؤكد كافيل، مشددًا على دور مجموعة «المعايير» في فهم المحور الرئيسي لكتاب «تحقيقات»، أننا من جهة «نحتاج ضرورةً إلى "معيار" لكل مفهوم نستخدمه حين نتحدث عن شيء ما.» (المرجع نفسه، ص: 14) ومن جهة أخرى، فإن ما يطلبه الآخرون والمجتمع منا هو البحث عن سبب و"دليل" للمعايير التي نستخدمها، ولهذا نسعى إلى إيجاد أساس عقلاني لها. (المرجع نفسه، ص: 20) لكن رغم أن المعايير شرط ضروري لاستخدام الإنسان للغة، إلا أنها لا تملك القدرة على منح اليقين المعرفي أو ضمان وجود شيء ما، ولا يمكننا بالاعتماد عليها بلوغ عقلانية مطمئنة، ولذلك، وبسبب هذه المحدودية المتأصلة فيها، فإنها «تواجه الإنكار من جانبنا.»[22] وعلى هذا الأساس، يرى كافيل أن الشكية تظل دائمًا إمكانًا طبيعيًا[23] كامنًا في استخدام الإنسان للغة. وهو يعتقد أن فيتغنشتاين قد غيّر ثقل نظرية الشكية، قائلاً إن علاقتنا بالعالم ككل، وكذلك بالآخرين، لا يمكن أن تقوم على مثل هذا الإدراك بشكل عام، وإننا في الفلسفة السائدة قبلنا خطأً أن نعرّف اكتساب المعرفة بهذه الطريقة على أنه بمعنى امتلاك اليقين! (CoW: 45-47) في حين أن مهمة الفلسفة الأصيلة هي الإقرار بهذه النقطة ذاتها: «إن أساس الوجود البشري في العالم ككل، في علاقته بالعالم من حيث هو عالم، لا يقوم على المعرفة.» (المرجع نفسه: 241)
يشرح كافيل هذه الحقيقة في قالب تعبير «حقيقة الشكية أو أخلاق الشكية»[24] ويعتقد أن هذا الموقف هو عينه ما يسميه فيتغنشتاين سحر وعينا المستمر وخداعه بواسطة اللغة، وإننا عبر هذا المدخل اللغوي نصاب بهمسات عقلية. هذه المسألة، لأنها تنشأ من إمكان طبيعي في لغة الإنسان، تلازمه دائمًا، لكن هذا السحر والفتنة، بفعل حادثة الحداثة، قد وقع بقوة وخطورة شديدتين حتى تحول إلى مرض مزمن، وجعل لغة الفلسفة السائدة تعاني من هذيانات ناجمة عن الخروج عن «شكل الحياة». لذلك، بدلاً من محاولة إنكار أو حذف هذا الإمكان الطبيعي للعصيان والخطأ اللغوي وقدرته الساحرة التي أدت إلى مرض العقل الحديث وجعلته يعاني من همهمات وهمسات ناتجة عن حمى مزمنة، ينبغي أن نتعلم طريقة التموضع إزاءه ومواجهته عبر ممارسة فلسفية دائمة وأصيلة، وأن نفهم لماذا يكتب فيتغنشتاين: «"الفلسفة صراع ضد سحر وعينا بواسطة اللغة."» (پ، فقرة 109) وبالإشارة إلى نص «نقد العقل المحض» لكانط[25] وكون أن "العقل لا يمكنه أن يبصر إلا وفق المخطط الذي يصنعه هو بنفسه، ثم يكتسب البصيرة بعد صنعه." يقول كافيل إننا لا نستطيع سوى قبول أو رفض المحتوى الذي يمكن بناؤه بـ «شكل خاص» من اللغة. (المرجع نفسه: 242) لكن الأنظمة الفلسفية السائدة، ببنائها صرحًا افتراضيًا للمعرفة، حاولت أن ترد جميع معارفنا ووعينا في نهاية المطاف إلى أساس محصن ذاتيًا ويقيني، يكون بديهيًا من الناحية العقلية ولا يحتاج إلى إثبات، وبالتالي تقدم نظامها المعرفي بأكمله بوصفه تركيبًا من القضايا الأساسية لهذا الصرح المعرفي.
في حين يقول فيتغنشتاين إن جميع معتقداتنا مؤسسة على فعل وسلوك بدائي، سلوك غريزي وطبيعي لا نختاره! يكتب فيتغنشتاين أن الإنسان منذ ولادته يتفاعل مع العالم بغرائزه، ومن هذه الناحية لا فرق بين الإنسان في وضعه البدائي والحيوان. من وجهة نظره «يتعلم الطفل أن يتفاعل بطريقة معينة، وفي طريقة تفاعله هذه لا يعرف شيئًا بعد، فالمعرفة تبدأ في الخطوة التالية.» (OC: 538) حتى إن الطفل، من وجهة نظر فيتغنشتاين[26]، لا يتعلم بل يكتسب ذلك بثقة غريزية وطبيعية بمن حوله، عبر الملاحظة والتعليم.[27]
وما بلغ ذروته في مسار الأفكار الفلسفية السائدة، وتحديدًا مع فلسفة كانط، هو أن بنى معرفتنا وتجربتنا، التي تمكّن من التمييز بين الصواب والخطأ، لا يمكن أن تكون موضوعًا للتجربة، لكن كانط كان يعتقد أن هذه البنى متجذرة في الذهن البشري، بينما وفقًا لرواية ديلمان عن فتغنشتاين، في فلسفة فتغنشتاين الثانية، نُقلت هذه البنى من الذهن إلى اللغة الطبيعية، وأظهر أن اللغة تنمو بشكل طبيعي عبر التاريخ البشري في أنحاء مختلفة من العالم من خلال التفاعل المتبادل بين البشر الذين يعيشون معًا وينخرطون مع محيطهم، وبهذا يتشكل إدراكهم، وبالتالي فإن العالم الذي نعيش فيه لا يعتمد علينا، بل نحن مخلوقات ذلك العالم الإنساني.(Dilman, 2002, p:37) وهذه النقطة بالذات، من وجهة نظر ديلمان، تُظهر الفارق المهم بين كانط وفتغنشتاين. البنية الكانطية هي بنية ثابتة وغير قابلة للتغيير في الذات المتعالية لا تتغير عبر الزمن. أما البنية اللغوية التي يقدمها فتغنشتاين فهي في حالة تحول عبر الزمن والتاريخ، وبها تنتظم الإمكانات المختلفة للواقع، ولهذا السبب فإن أشكالنا اللغوية ليست مستقلة عن «أشكال حياتنا». نحن في علاقة ثنائية الاتجاه مع بنية اللغة، بنية إمكانية تغييرها قائمة في كل لحظة، وهي على عكس البنية الكانطية ليست ثابتة. وفي هذا السياق، لا مكان للواقع في ذاته أو النومينون في فلسفة فتغنشتاين الثانية، ولا حاجة حتى لافتراض هذا المفهوم، لأن كل منظور يتشكل داخل اللغة ومن خلالها (Ibid, p: 81) ويُعتبر دائمًا جزءًا منها.
النظرة إلى العالم:
يعتقد فتغنشتاين أننا نكتسب منذ الطفولة، تدريجيًا، إطارًا للنظر إلى العالم ويسميه «صورة-العالم»[28]. «صورة-العالم» هي مجموعة من المعتقدات التي قبلناها بلا دليل ولا سبيل للشك فيها، اكتسبناها في الطفولة ولا تحتاج إلى تبرير، نحن نتبناها لكننا لم نخترعها. «صورة-العالم» هذه تُظهر طريقة نظرتنا إلى الأمور والظواهر، وخلاصة القول إنها ليست نتاج فحصنا واختيارنا الشخصي، بل ناشئة عن طريقة عملنا، وشكل حياتنا، والتعاليم التي نرثها شئنا أم أبينا، بل هي أساس كل بحث سنقوم به في المستقبل، وفي داخلها يتحدد لنا كل صواب وخطأ،[29] ويمكننا نقلها إلى الآخر.[30] بعبارة أخرى، «صورة-العالم» لكل شخص هي مجموعة القضايا الأساسية التي تشكل نظرته[31] إلى العالم، والتي لم يقبلها من خلال عملية التجربة والخطأ والافتراض. لكن في الوقت نفسه، بدون هذه المعتقدات غير المبرهنة لا يمكننا أن نضفي تماسكًا على تفاعلنا مع العالم المحيط وأن نوسع معرفتنا.[32] وبالتالي، فإن القصد والغرض اللذين نستخدمهما للمشاركة في «الألعاب اللغوية» المتعددة يكونان مجهزين مسبقًا بنظرة إلى العالم أو ما هو «صورة-عالمنا»، ومن خلالها نشارك في نشوء «المعاني ومعاييرها». (مينوحجت، 1391، ص 103-85)
يقول كونوي: «صورة-العالم» التي يقصدها فتغنشتاين هي قالب من «ممارسة بلا اعتقاد واعتقاد بلا دليل» من المعاني والأنشطة التي تشكل "أساس" نظرة الإنسان إلى العالم، وهي ليست بأي حال من الأحوال نموذجًا مفهوميًا أو صورة ذهنية له عن العالم، بل هي بنية من أنماط النشاط المنبثقة من «شكل حياة» واحد وفريد، والتي وجدت إلى جانب بعضها البعض التماسك اللازم لبنية موحدة بشكل تدريجي، ولا يمكن إلا بعد هذه المرحلة أن تُروى بوعي وتُصوَّر في نماذج مفهومية. (Conway, 1989, pp: 83-85)
به این ترتیب، بنیانِ نگاه ما به جهان، یک پیشفرضِ درست یا گزارهی بدیهی عقلی و یقینی نیست و بلکه هرچه هست، بازتاب بیرون به درون و ذهن ما، به واسطهگری زبان است و حتی همین بیرون، منشا «جهان-تصویرِ» اولیهی ماست و آن را میسازد، بنابراین نیاز داریم آنچه را که از روابط پیچیده درون «شکل زندگی»مان برما پدیدار شده و به درون ذهن ما ورود پیدا کرده، دریابیم تا بتوانیم از بطن آن بیرون بیاوریم که چه گرهها، آشفتگیها و بیمارهایی از این انباشتهگی داریم. و تا در این نسبتها و روابط به پژوهش فلسفی درخور دست نزنیم و آنها را از اول مرتب نکنیم نسبت به موقعیت فعلیمان خودآگاه نمیشویم و نمیتوانیم رابطهمان را با جهان بفهمیم و از حکمت خوب زیستن سردربیاوریم.
هکر میگوید از نظر ویتگنشتاین، مردم درون سردرگمیها و آشفتـگیهای فلسفی یا گرامری مفهومی و زبانی فرو رفتهاند. اگر بخواهیم آنها را از این وضع بیرون بیاوریم وخودآگاه کنیم باید شبکهی نسبتها، رابطههای متنوع و پیچیدهی گونههای مختلف زبان را برای آنها آشکار کنیم وآنها را از تلهای که درون آن افتادهاند، بیرون بکشیم و این یعنی به تمامِ مفاهیم آنها، از اول و دوباره، نظم و ترتیب بدهیم. (هکر، 1396، ص: 14-13) درک و دریافت همین نظم است که اندیشه و بینشمان را شکل و جهت میدهد تا دوباره آگاهیمان به جهان پیوند بخورد و بتوانیم نسبت به موقعیتمان، دیدکلی پیدا کنیم.
از این رو همانطور که در ابتدا گفته شد برای فلسفهورزی در این مفهوم تازه، ضروری است با هدفِ دستیابی به «آنچهکه هست» تصویری از جهان دریافت شود اما منظور از «آن چه که هست» بازتاب واقعیت و تبیین آنچه در واقعیت در جریان دارد، نیست بلکه دستیابی به بینش و حکمتی است که نگاه «فیلسوف- پژوهشگر» را به تصویری که از جهاناش به دست آورده، نشان میدهد. به عبارتی اینجا فیلسوف به نوعی عمل دیدن و توصیف فلسفی دست میزند که فعالیتی صرفا تاملی نیست، بلکه او بدون این که به واقعیات دست بزند آنها را طوری «گرد هم میآورد» بتواند از آنها برای خود «تصویر» امن و رضایت بخشی بسازد که مسائل عمیق زندگی او حل میکند و این تصویر همان منظوری است که ویتگنشتاین از «دیدِ کلی» دارد. این تصویر، نوعی نقاشیکردن یعنی «توصیف» کردن است که فقط با دیدن دقیق و پیوسته به دست میآید و به هیچ عنوان کپیبرداری از واقعیت یا امر تجربی صرف نیست، هر چند پیوندهایی با واقعیت دارد. در واقع در این شکل از فلسفهورزی به توصیهی ویتگنشتاین، باید «ببینیم»، «توصیف کنیم» و «متحیر شویم» که چه تعجبآور است آنچه مقابلمان میبینیم. (برگرفته از: وح، ص 81-80)
به روایت مالک حسینی، ویتگنشتاین در کتاب تحقیقات فلسفی اندیشهی دید کلی را در بندهای 5، 92، 122، 125، 132 مطرح کرده که در معروفترین بند آن میخوانیم:
« ... بازنمایی فراگیر و کلی فهم به بار میآورد که عبارت است از همان « دیدن پیوندها». از اینجاست اهمیت کشف و ابداع حلقههای واسط. مفهوم بازنمایی فراگیر و کلی برای ما اهمیت اساسی دارد. شکل بازنمایی ما را نشان میدهد، شیوهی نگاه ما به امور را. (آیا این یک جهان نگری است؟)» ( بند 122، به نقل از وح، ص 87)
.
.
حسینی، مالک. (1389). ویتگنشتاین و حکمت. تهران: هرمس: وح
حسینی، مالک. (1388). حکمت. تهران: هرمس: ح
حجت، مینو. (1391). بی دلیلی باور. تهران: نشرهرمس
شایگان، داریوش.(1393). افسون زدگی جدید. ترجمه فاطمه ولیانی. تهران: فرزان روز
Cavell, Stanley. (1976). Must We Mean What We Say? A Book of Essays. Cambridge University Press: WV
Cavell, Stanley. (1981). Pursuits of Happiness: The Hollywood comedy of Remarriage. Harvard University Press: PoH
Conway, Gertude D. (1989). Wittgenstein On Foundations. Atlantic Itiglands: Humanities Press International
Diman, Ilham. (2002). Wittgenstein's Copernican Revolution (The Question of Linguistic Idealism). PALGRAVE
Grayling, A. C. (1988). Wittgenstein: A Very Short Introduction. Oxford University Press
Rothman, William. ( 2000). Reading Cavell's The world viewed. Publisher: Wayne State University Press
Wittgenstein, L. (1958). Blue and Brown Books. Cambridge University Press: BB
Wittgenstein, L. (1969). On Certainty. G. E. M. Anscombe & von Wright. (ed.). translated by: Denis Paul & G. E. M. Anscombe. Oxford: Blackwell
[1] دكتوراه في الفلسفة من جامعة العلامة الطباطبائي
[2] Stanley Cavell: (1926 – 2018)
[3] The World Viewed
[4] Unhinging: اقتبستُ ترجمةَ هذا اللفظ وتعبيرَه إلى «خروج وعي الإنسان من مفصّل العالم» من صالح نجفي: عباس كيارستمي، السينما والفلسفة، 1396، نشر لگا: ص 19
[5] David Hume ( 1711-1776)
[6] Immanuel Kant (1724-1804)
[7] Emerson (1803-1882)
[8] Friedrich Nietzsche (1844-1900)
[9] Martin Heidegger (1889-1976)
[10] William Rothman
[11] beyond our reach metaphysically
[12] Hegel(1770-1831)
[13] Karl Marx(1818-1883)
[14] Kierkegaard (1813-1855)
[15] في هذا البحث، استُخدمت فلسفة «المتداولة» و«السائدة» و«التقليدية» و«الأكاديمية» بمعنى واحد.
[16] انظر: BB: 125
[17] Robert John Fogelin ) 1932- 2016)
[18] "Philosophy and the Rejection of the Human"
[19] outside language games
[20] في هذا البحث، استُخدمت الفلسفة «المتداولة» و«الشائعة» و«التقليدية» و«الأكاديمية» بمعنى واحد.
[21] Fail-safe: أخذتُ هذا المصطلح من نص مقالة ستانلي بيتس وترجمته إلى «خودايمن» (ذاتي الأمان):
Bates, Stanley. (1980). The Claim of Reason: Wittgenstein, Skepticism, Morality, and Tragedy Review.Philosophy and Literature.Vol.4. No.2. p: 266-273
[22] denial of our criteria
[23] a natural possibility
[24] the truth of skepticism, or the moral of skepticism
[25] Immanuel Kant: (1724-1804)
[26] «لا يتعلم الأطفال أن الكتاب موجود، والكرسي موجود وما إلى ذلك، بل يتعلمون إحضار الكتاب، والجلوس على الكرسي...» (OC: 476)
[27] انظر: (OC:279-313)
[28] World- picture
[29] انظر: (OC: 167)
[30] انظر: (OC: 262)
[31] attitude
[32] إن قضايا مثل «الأرض لم تبدأ معي وكانت موجودة قبل ذلك بزمن طويل»، و«لا أستطيع أن أخلق المطر»، و«لديّ يدان» وما إلى ذلك، لا تقع موضع شك ولا تحتاج إلى استنتاج أو استدلال لكي تكون مبررة. وعليه، فإن أساس معتقداتنا يبنيه «الفعل» أو «أفعال مشتركة وعامة»، أي «النظام المرجعي والعالمي» نفسه القائم على «شكل الحياة»، وتدريجياً تشكل جملة هذا الفعل والاعتقاد «صورتنا عن العالم» والجزء الذي يشكل النشاط غير اللغوي الذي تحدث فيه «لعبتنا اللغوية».
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.